Al-Wahidi (al-Basit)Ali 'Imran · 3:127–133

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:127–133

3:127Page 66

لِيَقۡطَعَ طَرَفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡ يَكۡبِتَهُمۡ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ ١٢٧

That He might cut down a section of the disbelievers or suppress them so that they turn back disappointed.

قوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اللّام تعود إلى قوله: ﴿وَلَقَد نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدرٍ﴾ [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 85، و"الثعلبي" 3/ 113 أ، و"البغوي" 2/ 101. وعزا السمين الحلبي هذا القول -كذلك- للحوفي. انظر: "الدر المصون" 3/ 390، واستبعده السمين؛ لطول الفصل بين اللام ومتعلقه.]].

﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾؛ أي: لِيُهلك طائفةً، ولِيَقْتُلَ قِطْعَةً. قال السُّدِّي [[قوله هذا -بنصه- في: "تفسير الثعلبي" 3/ 113 أ، و"تفسير البغوي" 2/ 101.]]: معناه: لِيَهدِمَ رُكْنًا مِن أركان الشرك، بالقتل والأَسْرِ، فقُتِلَ من قادتهم وسادتهم يومَ بَدْرٍ، سبعون، وأُسِرَ سبعون [[الذي وقفت عليه من قول السدي: أن المَعني بالآية: مَن قُتِل من الكفار يوم أحد، وهم ثمانية عشر رجلًا. وقد ورد قوله هذا في: "تفسير الطبري" 4/ 85، و"النكت والعيون" 1/ 422، و"زاد المسير" 1/ 454.

وممن قال بأن المراد بها مَن قتل يوم بدر: قتادة، والربيع، والحسن، وابن إسحاق، والجمهور. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 85، و"زاد المسير" 1/ 454.

أما ما ذكره المؤلف من عدد قتلى وأسرى المشركين في معركة بدر، فانظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 362، و"تاريخ الطبري" 2/ 474.]].

وقال بعضهم [[لم أقف على القائل.]]: المعنى: وما النصر إلا من عند الله، ليقطع طرفًا [[قال السمين: (وفيه نظر من حيث إنه قد فُصل بين المصدر ومُتَعَلَّقه بأجنبي، وهو: الخبر). "الدر المصون" 3/ 390.]]. وقيل [[ممن قال بهذا: أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 297.]]: إنَّ هذا راجعٌ إلى [معنى قوله] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

وعلى هذا الوجه يكون قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه. == وهناك أقوال أخرى في عود الللام في ﴿لِيَقْطَعَ﴾. انظر: "تفسير ابن عطية" 3/ 313، و"الدر المصون" 3/ 390.]]: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾، و ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾، ولكنه ذُكِر بغير حرفِ العطف؛ لأنَّ الكلامَ إذا كان بعضُه ملتبسًا ببعضٍ، جاز حذفُ العاطف؛ كقوله: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22].

وإنما قال: ﴿طَرَفًا﴾ ولم يقل: (وَسَطًا)؛ لأنه لا يُوصَلُ إلى الوَسَطِ الا بعد قطع الطَّرَفِ، وهذا القَطْعُ إنما هو بأيدي المؤمنين، وإنما يقطعون الطَّرَفَ الذي يليهم مَنَ الكافرين، وهذا يوافق قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123]، وعلى هذا -أيضًا- قولُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: 41].

وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ الكَبْتُ -في اللغة-: صَرْعُ الشيء على وجهه؛ يُقال: (كَبَتَهُ، فانْكَبَتَ) [[انظر: كتاب "العين" 5/ 342 (كبت)، و"مجاز القرآن" 1/ 103، و"تهذيب اللغة" 10/ 152 (كبت).]]. هذا تفسيره، ثم قد [[(قد): ساقطة من (ب).]] يُذكرُ [[(يُذْكَرُ): وردت في (أ)، (ج): (يذكرو). وفي (ب): (يذكروا). وما أثبتُّهُ هو ما استصوبته، لأن في (أ)، (ج) قد تكون الضمة التي على الواو كتبها الناسخ بحجم أكبر من حجمها الطبيعي، وتزحلقت قليلًا إلى ما بعد الرَّاء. أما الذي في نسخة (ب) فلا وجه له، لأن الفعل كُتِب فيها في حالة الجمع، وحذفت منه النون التي هي علامة رفعه، والصواب إثباتها، لأنه من الأفعال الخمسة.]] المرادُ به: الإخزَاءُ، والإهلاكُ، واللَّعْنُ، والهَزِيمَةُ، والغَيْظُ، والإذلالُ. وكلُّ هذا ذكره المفسرون في تفسير (الكَبْتِ) [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 299، و"سيرة ابن هشام" 3/ 61، و"غريب القرآن" لابن اليزيدي 44، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 110، و"تفسير الطبري" 4/ 86، == و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 467، و"ابن أبي حاتم" 3/ 756، و"نزهة القلوب" للسجستاني 485، و"بحر العلوم" 1/ 297، و"زاد المسير" 1/ 454.

قال ابن قتيبة: (لأن أهل النظر يَرَوْن أن التاء فيه منقلبة عن دال؛ كأن الأصل فيه: (يكبدُهُم)، أي: يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ وشدة العداوة. ومنه يقال: (فلان قد أحرق الحزنُ كبِدَهُ). و (أحرقت العداوة كبده). والعرب تقول للعدو: (أسود الكبد) ..) ثم أتبع قائلاً: (والتاء والدال متقاربتان المَخرَجَيْن. والعرب تدغم إحداهما في الأخرى، وتبدل إحداهما من الأخرى). "تفسير غريب القرآن" 110. وانظر (كبت) في "تهذيب اللغة" 4/ 3088، "اللسان" 6/ 3805، "عمدة الحفاظ" 477.]].

وقوله تعالى: ﴿خَائِبِينَ﴾ الخَيْبَةُ: حِرْمانُ البُغْيَة [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 957 (خاب)، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 472، و"اللسان" 3/ 1297 (خيب).]]، ولا تكون إلّا بعد الأَمَلِ. واليَأْسُ قد يكون قبل الأَمَلِ، وقد يكون بعده. فنقيض اليَأْسِ: الرَّجَاءُ، ونقيض الخَيْبَةِ: الظَّفَرُ.

وقد أنجز الله وَعْدَهُ يوم بَدْرٍ؛ بِقَطْع [[في (ج): (فقطع).]] طَرَفٍ مِن الكفار بالقتال والأسر، وَرَدَّ الباقين منهزمين، خائبين مِمّا أَمَّلُوا مِن الظَّفَرِ، فتحقق نصرُه، وعَلَت كلمَتُهُ.

3:128Page 66

لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٢٨

Not for you, [O Muḥammad, but for Allāh], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية.

ذَكَرَ النحويون -الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 234.]]، والزّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 468.]]، وغيرُهما [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 215، و"تفسير الطبري" 4/ 86، و"إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 2/ 583، و"القطع والائتناف" للنحاس 233، و"معاني القرآن" له 1/ 474. واستحسنه الثعلبي في "تفسيره" 3/ 115 ب.]] - في هذه الآية قولين: أحدهما: أنَّ قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلَى قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، ويكون قولُه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ اعتراضًا بين المعطوف والمعطوف عليه؛ كما تقول: (ضَرَبْتُ زيدًا -فاعْلَمْ ذلك- وعَمْرًا) [[وقد رجح الطبري هذا الرأي في "تفسيره" 4/ 86، وقال معلَّلًا: (لأنه لا شيء من أمرالخلق إلى أحد سوى خالقهم، قبل توبة الكفار وعقابهم، وبعد ذلك).]]. فعلى هذا القول: هذه الآية متصلة بما قبلها.

القول الثاني: وهو أنَّ الموافق لِمَا ذُكِرَ في تفسير هذه الآية: أنَّ معنى (أو) -ههنا- معنى (حتَّى) و (إلّا أنْ)؛ وذلك أنَّ أكثر المُفَسِّرِين -ابنَ عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره الماوردي في "النكت" (423)، وابن الجوزي في "الزاد" 1/ 456.]]، والحسنَ [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 87، 88، و"النكت والعيون" 2/ 423، و"زاد المسير" 456.]]، وقتادةَ [[قوله في المصادر السابقة.]]، والربيع [[قوله في المصادر السابقة.]] - قالوا: لَمّا كان من المشركين يوم أحد ما كان [[(ما كان): ساقطة من (ج).]]، مِنْ كَسْرِ رَبَاعِيّةِ [[الرَّبَاعِيَّة: هي السن بين الثَّنِيَّة والناب. وجمعها: رباعيات. وهن أربع رباعيات: ثنتان من فوق، وثنتان من أسفل. انظر: كتاب "خلق الإنسان"، لابن أبي ثابت 166، و"القاموس" (719) (ربع).

قال ابن حجر: (والمراد بكسر الرَّباعية .. أنها كسرت فذهب منها فلقة، ولم تقلع من أصلها). "فتح الباري" 7/ 366.

وفي "سيرة ابن هشام" عن ابن إسحاق أن الذي فعل ذلك هو: عقبة بن أبي وقاص. == حيث رمى النبي ﷺ فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته العليا وشَجَّه في وجهه.

ويذكر ابن هشام، عن أبي سعيد الخدري، أن عبد الله بن شهاب الزهري شجَّه في وجهه، وأن ابن قَميئة جرح وجنته، فدخل حلقتان من حِلَق المِغْفَر في وجنته. انظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 27، و"تاريخ الطبري" 2/ 514.]] النبي ﷺ، وشَجِّهِ حتَّى جَرَت الدِّماءُ على وجهه، قال: "كيف يُفْلِحُ قومٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟! " [[الحديث -كذلك- ورد من رواية أنس، وقد أخرجته الكتب التالية بألفاظ مختلفة، بنحو الذي ذكره المؤلف. فقد أخرجه البخاري -معلقًا- 5/ 35. كتاب المغازي. باب (ليس لك من الأمر شيء)، وأخرجه مسلم في (1791) كتاب الجهاد. باب غزوة أحد، وأحمد 3/ 206، 3/ 99، 253، 288، والترمذي (3002 - 3003) كتاب التفسير. (سورة آل عمران) وقال: (حسن صحيح). وابن ماجه (4027) كتاب الفتن: باب الصبر على البلاء. والنسائي في "تفسيره" 1/ 329، والبغوي في "شرح السنة" 13/ 333 رقم (3748) وقال عنه: (صحيح)، وابن سعد في "الطبقات" 2/ 44، والطبري في "تفسيره" 4/ 87، وفي "تاريخه" 2/ 515، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 756، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 213، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 114 أ، والبغوي في "تفسيره" 2/ 102، والمؤلف في "أسباب النزول" (124).]]، فأنزل اللهُ هذه الآية، لِعِلْمِهِ أنَّ كثيرًا منهم سيؤمِنُونَ، فَكَفَّ عن ذلك [[وهناك أسباب أخرى لنزول هذه الآية ذكرها المفسرون. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 86 - 89، و"ابن أبي حاتم" 3/ 756 - 758، و"أسباب النزول" للمؤلف 124 - 126، و"لباب النقول" 57 - 58، و"الصحيح المسند من أسبالب النزول" 53 - 56.]].

وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ مختَصَرُ معناه: ليس لَكَ مِنَ الأمْرِ في عقابهم، أو [[في (ج): (و) بدلًا من: (أو).]] استصلاحهم شيءٌ، حتى تقَعَ إنابَتُهم [[وهكذا وردت في "تفسير الوسيط" للمؤلف (تح: بالطيور): 326. وورد في "تفسير الوجيز" له 1/ 118 (إثابتهم).]] أو تعذيبهم. فيكون أمْرُكَ -حينئذٍ - تابعًا لأمْرِ اللهِ، بِرِضَاكَ بتدبيره

قال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 234. نقله بمعناه وانظر: "معاني القرآن" 2/ 70.]]: ومِثْلُ هذا مِن الكلام: (لأَذُمَّنَّكَ [[في (أ)، (ب): (لا أذمنك). وهي خطأ. والمثبت من (ج).]] أو تُعْطِيَنِي)؛ على معنى: (إلّا أنْ تُعْطِيَني)، و (حتى تُعْطِيَنِي) [[الذي في "معاني القرآن" -في هذا الموضع-: (وإن شئت جعلت نصبه على مذهب (حتى)؛ كما تقول: (لا أزال ملازمك أو تعطيني)، أو (إلا ان تعطيني حقي).

وقال في موضع آخر 2/ 70: (والله لأضربَنك أوْ تُقِرَّ لي). فيكون معناه معنى (حتى) أو (إلا).]].

وأنشد ابن الأنباري [[في "إيضاح الوقف والابتداء" له 2/ 584.]] على هذا:

فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عيْنُكَ إنَّما ... نُحاوِلُ مُلْكًا أو نَمُوتَ فَنُعْذَرَا [[في (ج): (فنعذرا). والبيت لامرئ القيس، في "ديوانه" 64. وقد سبق إيراده وبيان مصادره عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَو يُحَاجُّوكُمْ﴾ [الآية: 73 من سورة آل عمران].]]

أراد: (حتَّى)، و (إلّا أنْ نموت) [[الذي في كتاب "إيضاح الوقف والابتداء"، قوله -بعد أن ذكر البيت-: (أراد: حتى نموت).

وهناك قولان آخران في نصب ﴿يَتُوبَ﴾، وهما: -النصب بإضمار (أنْ) عطفًا على (الأمر)، والتقدير: (ليس لك من الأمر لك من الأمر شيء، أو من أن يتوب عليهم، أو يعذبهم)؛ أي: ليس لك من الأمر أو من توبته عليهم، أو من تعذيبهم شيء. وهو قول أبي حاتم، كما في "تفسير الثعلبي"- إنها معطوفة بالتأويل على ﴿شَئءٍ﴾ وتقديرها: ليس لك من الأمر شيءٌ، أو توبةُ الله عليهم، أو تعذيبهم؛ أي: ليس لك أيضًا توبتهم ولا تعذيبهم، إنما مرد ذلك إلى الحقِّ تعالى.

انظر: كتاب "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 584، وكتاب "القطع والائتناف" 233، و"تفسير الثعلبي" 3/ 115 ب، و"الدر المصون" 3/ 393.]].

3:129Page 66

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٢٩

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And Allāh is Forgiving and Merciful.

وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال أهلُ المعاني [[لم أقف عليهم.]]: لَمَّا نَفَى [اللهُ] [[ما بين المعقوفين: زيادة من (ب).]] الأمرَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ، ذَكَرَ أنَّ جميع الأمر له؛ كأنه قال: الأمر ليس لك منه شيءٌ، فمن شاء عَذَّبَهُ، ومَن شاءَ غَفَرَ له.

وقوله تعالى: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ولم يقل: (مَنْ)؛ لأنه ذهب به مَذْهَب الجنس، فَدَخَلَ فيه الجميع [[قال البقاعي: (وعُبِّر بـ (ما)؛ لأن غير العاقل أكثر، وهي به أجدر). "نظم الدرر" 5/ 61.]].

وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابنُ عَبَّاس، في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية]]: الذنْبَ العظيمَ للمُوَحِّدِينَ [[وقد أورد أبو الليث عن الضحاك مثل هذا القول: انظر: "بحر العلوم" 1/ 297.]].

﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يريد: المشركين [[في (ج): (للمشركين).]]، على الذنب الصغير [[في (ج): (الصغير). وفي "تفسير ابن أبي حاتم" عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة في قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ قال: (وأما أهل الشكِّ والرَّيْب فيخبرهم بما أخفوا من تكذيب) 3/ 758.]].

﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لأوليائه، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم.

3:130Page 66

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٣٠

O you who have believed, do not consume usury, doubled and multiplied, but fear Allāh that you may be successful.

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]، وسعيد بن جبير [[قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 759، و"تفسير الثعلبي" 3/ 115 ب، و"زاد المسير" 1/ 458.]] هو أنهم كانو يزيدون على المال، وُيؤَخِّرُونَ الأَجَلَ، كلَّما أخّر عن أَجَلٍ إلى غيره، زِيد زيادة.

وانتصب ﴿أَضْعَافًا﴾ على الحال.

وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال عطاء [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: كي تسعدوا، وتبقوا في الجنة. وقال الزّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 468. نقله عنه بنصه.]]: المُفْلِحُ: الذي أدرك ما أمَّلَ مِنَ الخير. وذكرنا معنى (الإفلاح) فيما تقدم [[انظر: "تفسير البسيط" عند تفسير قوله تعالى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 5].]].

3:131Page 66

وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ١٣١

And fear the Fire, which has been prepared for the disbelievers.

قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ النَّارَ﴾ الآية. قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 468. نقله عنه بنصه.]]: أي: اتَّقُوا أن تُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ، فإنَّ مَنْ أَحَلَّ شيئًا مِمَّا حَرَّمَ اللهُ، فهو [كافرٌ] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج) و"معاني القرآن".]] بإجماع.

وهذا معنى قول ابن عبَّاس، قال [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره ابن الجوزي في: "زاد المسير" 1/ 459.]]: يُهَدِّدُ المؤمنين إن استحلوا ما حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِم مِنَ الرِّبَا وغيره، مِمَّا أوجَبَ الله فيه النَّارَ؛ والتقدير: واتَّقُوا النَّارَ التي أُعِدَّت للكافرين، أن تستحلوا الرِّبا، فتستحقوها [[في (ج): (فيستحقوها).]].

وفي الآية تَقْويَةٌ لِرَجاءِ المؤمنين، رحمةً من الله -تعالى-؛ لأنه قال: ﴿أُعِدَّت لِلكَافِرِينَ﴾. فَجَعلها مُعَدَّةً للكفار، دونَ أهلِ الإيمان.

3:132Page 66

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٣٢

And obey Allāh and the Messenger that you may obtain mercy.

قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اَللَّهَ وَاَلرَّسُولَ﴾ لَمَّا نَهَى عن أكل الرِّبَا، أمَرَ بطاعة الرسولِ فيما يأمرهم به، وينهاهم عنه، مِن أكلِ الرِّبَا وغيره.

وذُكِر عن محمد بن إسحاق بن يَسَار، أنَّه قال [[قوله، في: "سيرة ابن هشام" 3/ 61 - 62، و"تفسير الطبري" 4/ 91، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 761.]]: [في] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] هذه الآية معاتَبة للذين عَصَوا رسولَ الله ﷺ حين أمرهم بما أمرهم به يوم أُحُد.

3:133Page 67

۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣

And hasten to forgiveness from your Lord and a garden [i.e., Paradise] as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous

قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قُرِئ بالواو، وبغير الواو [[قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر: ﴿سَارِعُوا﴾ بغير الواو. وهي في مصاحف المدينة والشام.

وقرأ باقي القرّاء: ﴿وَسَارِعُوا﴾ بإثبات الواو. وعليه مصاحف مكة والعراق.

انظر: "القراءات" للأزهري 1/ 126، و"الحجة" للفارسي 3/ 78، و"المبسوط" لابن مهران 147، و"النشر" 1/ 242، و"كتاب المصاحف" للسجستاني (38).]]. فَمَن [[من قوله: (فمن ..) إلى (.. فكذلك المكسورة تجلبها): نقله عن "الحجة"، للفارسي 3/ 78. نقل بعض العبارات بالنص، وبعضها تَصرَّف فيها.]] قرأ بالواو؛ فلأنه عَطَفَ الجملة على الجملة، والمعطوف عليها قوله: ﴿وَأَطِيعوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، ﴿وَسَارِعُوَاْ﴾.

ومَن تَرَكَ الواو؛ فلأن الجملة الثانيةَ مُلْتَبسَةٌ بالأولى [[وذلك لأن الضمائر فيها وفي التي قبلها متحدة، وكذلك المأمورين غير مختلفين. انظر: "الكشاف" 1/ 356.]]، مستغنية بالتباسها عن عطفها بالواو [[وهي كذلك مستأنفة. انظر: المرجع السابق، و"التبيان" ص 208.]].

وقد جاء الأمران في التنزيل، في قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] الآية [[وجه الدلالة فيها أن قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ يجوز فيه من الناحية النحوية دخول واو العطف على ﴿رَابِعُهُمْ﴾، وكذا دخولها على ﴿سَادِسُهُم﴾،== كما يجوز حذفها من ﴿وَثَامُنهُم﴾؛ لأن الضمير العائد يكفي عن الواو.

انظر: "إعراب مشكل القرآن" 1/ 439، و"التبيان" ص 535.]]، وقوله -تعالى-: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39] [[قال أبو علي في "الحجة" 3/ 78 بعد أن أورد هذه الآية: (فهذا على قياس قراءة نافع وابن عامر). فقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لم تحتج لعطف بالواو؛ لأنها حال من ﴿أَصْحَابُ﴾، فالجملة ملتبسة بما قبلها متحدة معها، فاستغنت عن العطف بالواو.]].

ورُوِي عن الكِسائي الإمالة في [[(في): ساقطة من (ج).]] ﴿وَسَارِعُواْ﴾ و ﴿أُولَئِكَ يسُارِعُونَ﴾ [المؤمنون: 61] و ﴿نُسَارِعُ﴾ [[والإمالة -هنا- هي رواية أبي عمرو الدوري عن الكسائي. ورواية غيره عن الكسائي ترك الإمالة. انظر: "السبعة" (216)، و"إتحاف فضلاء البشر": ص 319.]] [المؤمنون: 56]. وذلك مُستَحسَنٌ لِمَكان الرَّاءِ المكسورة؛ فكما تمنع المفتوحةُ الإمالةَ، فكذلك المكسورةُ تَجلِبُها [[انظر: "الإقناع" لابن الباذش 1/ 271 - 277، و"النشر" 2/ 54.]].

وفي الكلام محذوف، والمعنى على: وسارعوا إلى مُوجِبِ [[في (ج): (لما موجب).]] مغفرة مِن رَبِّكم.

واختلفوا في ذلك الذي إذا سارع إليه، فقد سارع إلى مغفرة: فقال عطاء عن ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقال البغوي: (وروي عنه: إلى التوبة، وبه قال عكرمة). "تفسيره" 2/ 104.]]: يريد: لا تُصِرُّوا على الذنب. إذا أذنب أحدٌ فلْيُسْرع الرجوع، يغفر الله له.

وقال ابن عباس -أيضًا- [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 116أ، و"البغوي" 2/ 104، و"زاد المسير" 1/ 460.]]: سارعوا إلى الإسلام. وروي عن علي - رضي الله عنه -، أنه قال [[قوله في المصادر السابقة.]]: إلى أداء الفرائض. وعن أنس بن مالك، قال [[قوله في المصادر السابقة، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 476، و"تفسير البغوي" 2/ 104.]]: هو التكبيرة الأولى [[وهناك أقوال أخرى، منها:

- وسارعوا بالأعمال الصالحة. وهو قول أبي سعيد الخدري، ومقاتل.

- وسارعوا إلى أداء الطاعة. وهو قول الكلبي.

- وسارعوا إلى الجهاد الأكبر. وهو قول الضحاك.

- وسارعوا إلى الإخلاص. وهو قول عثمان رضي الله عنه. وقيل غير ذلك.

انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 301، و"بحر العلوم" 1/ 298، و"تفسير الثعلبي" 3/ 116 أ. ويلاحظ أن القول الأول وهو تفسيرها بالمسارعة بالأعمال الصالحة، أو تفسيرها بالمسارعة بالطاعة هو أعم الأقوال، وتدخل تحته كل الأعمال التي ذكرت في الأقوال الأخرى، حيث إنها مفردات للعمل الصالح، وطاعة الله تعالى، ومن أنواعه. فليس بينها تعارض، وإنما اختلاف تنوع.]].

وقوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي: عرضها عَرْضُ السَّموات والأرض، فحذف المضاف، كقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [[[سورة لقمان: 28 وبقيتها ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾].

والتقدير: ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة فحذف المضاف، وهو (بَعْث).]]. يدل على هذا قوله في سورة الحديد: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:28].

قال ابن عباس [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 91، و"تفسير القرطبي" 4/ 204.]]: تُقرَنُ السَّمواتُ السبعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ، كما يُقرن [[هكذا في (أ)، (ب): (يقرن). وفي (ج): غير منقوطة. وفي "تفسير الطبري": تُقرن.]] الثيابُ بعضها إلى بعض، فذلك عَرْضُ الجنَّةِ.

قال أهل المعاني [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 298، و"تفسير الثعلبي" 3/ 116ب، و"تفسير القرطبي" 4/ 209، والعبارات التي ذكرها المؤلف متطابقة مع ما في "تفسير الثعلبي"، وهي من قوله: (إنما خص ..) إلى (.. من البطائن).]]: إنَّمَا خَصَّ العَرْضَ دون الطول، لأن طولَ كلِّ شيءٍ في الأغلب أكثر من عَرْضِه. يقول: هذه صفة عرضها، فكيف طولُها؟. كما قال الزُّهْري [[هو: محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب. تقدمت ترجمته.]]: إنما وصف عرضها، فأما طولها فلا يعلمه إلَّا الله. وهكذا قوله: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54]، وصَفَ [[في (أ)، (ب): (وصفةُ). والمثبت من (ج)، و"تفسير الثعلبي" و"تفسير القرطبي".]] البِطَانَةَ وتَرَكَ الظِّهارَةَ؛ إذ مِنَ المعلوم [[في (أ): (العلوم). والمثبت من (ب)، (ج).]] أنها [[أنها: ساقطة من (ب).]] أحسن وأنفس من البطائن.

وقال عطاء عن ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]] - في قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، يريد: لِرَجُلٍ واحدٍ مِن أوليائه.

[و] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] قال جماعة من أهل المعاني [[قال ذلك ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 111. وقد نقله عنه المؤلف بتصرف مع اختصار قليل. وقد ورد بعض هذا القول في تفسير "بحر العلوم" 1/ 298، نقله عن ابن قتيبة، وورد في: "غريب الحديث" للخطابي 1/ 705، و"تفسير الثعلبي" 3/ 116 ب.]]: لم يُرِدْ العَرْضَ الذي هو ضِد الطُوْلِ، وإنما أراد بالعرض: السَّعَةَ. والعرب تقول: (بلاد عَرِيضةٌ)، أي: واسعة. (وفي الأرض العريضة مذهبٌ) [[في "تفسير غريب القرآن": ضبطها المحقق: (مذهبُ) بدون تنوين. وهذه العبارة أشبه لأن تكون مقطعًا من بيت شِعْرٍ، ولكني لم أقف عليه.]] [و] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] قال:

كأنَّ بِلادَ اللهِ وَهْيَ عَرِيضةٌ ... على الخائفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حابِلِ [[البيت لم أهتد إلى قائله، وقد ورد غير منسوب في: "تفسير غريب القرآن" 111، و"الكامل" للمبرد 3/ 131، و"غريب الحديث" للخطابي 1/ 705، و"تفسير الثعلبي" 3/ 116ب، و"زاد المسير" 1/ 460، و"تفسير القرطبي" 4/ 205، و"لسان العرب" 7/ 3904 (كفف)، و"البحر المحيط" 3/ 57.

وقد ورد في "الكامل" و"اللسان": (كأن فجاج الأرض ..).

والكِفَّةُ -بكسر الكاف-: كل شيء مستدير، وهي هنا: حِبالة الصائد، لاستدارتها، أما إذا كانت مستطيلة فهي: (كُفَّة) -بضم الكاف-، وجمعها: (كِفَف)، و (كِفاف). والحابل: الصائد الذي ينصب الحِبَالة، وهي المصيَدة. انظر: "الكامل" 3/ 131، و"اللسان" 7/ 3904 (كفف)، و"القاموس" ص 981 (حبل).]]

وإنما يقال للشيءِ الواسع: (عَرِيض)؛ لأن الشيء إذا عَرُضَ اتَّسَعَ، وإذا لم يَعْرُضْ، ضاقَ وَرَقَّ.

قالوا [[ممن قال ذلك: الثعلبي في "تفسيره" 3/ 116 ب. ويبدو أن المؤلف نقل هذا القول عنه بتصرف.]]: وتشبيه عرض الجنة بعرض السَّموات والأرض على التمثيل لا على التحقيق؛ معناه: عرضها كعَرْضِ السموات والأرض عند ظَنِّكم؛ لأنه لا شيء عندنا أعرض منها، فهو كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [[سورة هود: من آية 107، وآية: 108. وتمام الآيات ليتضح المعنى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.]]؛ يعني: عند ظنكم؛ لأنَّهما لابد زائلتان. فَلمَّا كانَ قوله: {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَاَلأَرضُ} عندنا -في عادة الاستعمال- من ألفاظ التأبيد، خُوطِبْنا على ما نَعْرِف [[هذا القول هو ما ذهب إليه الطبري في "تفسيره" 12/ 117. وهناك قول آخر، وهو: إن المراد: سموات الدار الآخرة، وأرضها، وهي دائمة بدوام الدار الآخرة؛ حيث إنه لابد لهم من أرض تقلهم وسماء تظلمهم. وقد ورد عن ابن عباس قوله: (لكل جنة أرضٌ وسماء) وروي نحوه عن السدي والحسن.

انظر: "المحرر الوجيز" 7/ 401، و"تفسير النسفي" 2/ 173، و"تفسير أبي السعود" 4/ 241، و"تفسير ابن كثير" 2/ 504، و"فتح البيان" 4/ 403، و"منهج صديق حسن خان في تفسيره" 526 - 527.]]؛ كذلك في هذه الآية.

وسُئِل أنسُ بن مالك عن الجَنَّة: أفي الأرض أم في السماء؟ فقال: وأيُ أرضٍ وسماءٍ تَسَعُ الجَنَّة؟! قيل: فأين هي؟ فقال: فوق السَّموات السَبْع، تحت العَرْش [[أورد قوله هذا بنصه: الثعلبي في "تفسيره" 3/ 117 أ، والبغوي في "تفسيره" 2/ 104. ولم أقف على مصدر آخر له.]] [[انظر حول مكان الجنة روايات أخرى بنفس ما روي عن أنس بن مالك في: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: 65 - 67.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском