Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:144–145
3:144Page 68
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤
Muḥammad is not but a messenger. [Other] messengers have passed on before him. So if he was to die or be killed, would you turn back on your heels [to unbelief]? And he who turns back on his heels will never harm Allāh at all; but Allāh will reward the grateful.
وقوله [[في (ج): (قوله) -بدون واو-.]] تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ الآية.
قال أهل التفسير [[ممن قال بذلك: السدِّي، وقد ورد معناه عن ابن عباس، من رواية عطية العوفي. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 113، و"تاريخ الطبري" 2/ 520، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 777، و"أسباب النزول" للواحدي 129.]]: لَمَّا نُعِيَ رَسُولُ الله ﷺ يومَ أُحُد، وأُشِيعَ أنه قد قُتِل، قال بعضُ المسلمين: لَيْتَ لَنَا رَسُولًا إلى عبد الله بن أُبَيّ، فيأخذ لنا أَمَانًا مِنْ أَبِي سُفْيان!
وقال أناسٌ مِنْ أهل النِّفَاق: إنْ كان محمدٌ قد قُتِلَ، فالْحَقُوا بدينكم [[في (ج): (لدينكم).]] الأَوَّل؛ فأنزلَ الله هذه الآية [[ورد ذلك عن الضحاك، وابن جريج. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 113، 114، و"تفسير الثعلبي" 3/ 125 ب.]].
و (مُحَمَد) [[من قوله: (ومحمد) إلى (في الكمال): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 126 أ.]] هو المُسْتَغْرِقُ لجميع المَحَامِدِ؛ لأن الحَمْدَ لا يَسْتَوْجِبُهُ إلَّا الكامِلُ. و (التَحْمِيد) فوق [[في "تفسير الثعلبي" (قول). وما أثبتهُ موجود -كذلك- في "تفسير البغوي" 2/ 115 حيث نقل هذا النص.]] (الحَمْدِ) [[لأن التحميد أبلغ من الحمد؛ يقال: (فلان محمود: إذا حُمِدَ، ومُحَمَّد: إذا كثرت خصاله المحمودة). انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" 256 (حمد).
قال ابن فارس: (فإذا بلغ النهاية في ذلك، وتكاملت فيه المحاسِنُ والمناقِبُ، == فهو (محمد) .. وهذا البناء أبدًا يدل على الكثرة، وبلوغ النهاية .. وكذلك بناء اسم محمد ﷺ، دليل على كثرة المحامد وبلوغ النهاية في الحمد ..). "أسماء رسول الله ﷺ ومعانيها" 30.]]، فلا يستحقه إلا المستولي على الأَمَدِ [[في "تفسير الثعلبي": على الأمة وفي "تفسير البغوي": على الأمر.]] في الكمال.
و (الرَّسُول) -قال ابن الأنباري، فيما حكى عنه الأزهري- [[في "التهذيب" 2/ 1407 (رسل)، وقول ابن الأنباري في كتابه "الزاهر" 1/ 127.]]: معناه في اللغة: الذي يُتَابع أخبار مَنْ [[في " التهذيب"، و"الزاهر" الذي.]] بَعَثَهُ [[(بعثه): مطموس في (ج).]]؛ أُخِذَ مِنْ قولهم: (جاءت [[في "الزاهر" قد جاءت.]] الإِبِلُ رَسَلًا) [[في (ج): (رحلا).]]؛ أي: متتابعة [[الرَّسَلُ: القطيع من كل شيء، أو هو: القطيع من الإبل والغنم، وقيل: قطيع من الإبل، قدر عشر، يُرسل بعد قطيع، وقيل: ما بين عشر إلى خمس وعشرين. والجمع: أرسال. فإذا أوْرَدَ الرجل إبِلَهُ متقطعةً، قيل: أوردها أرسالًا. انظر: "اللسان" 3/ 1643 (رسل).]].
فمعنى [[من قوله: (فمعنى ..) إلى (.. الرسول هو): ساقط من (ج).]]: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ أي: إلَّا مُتَابع للأخبار عن الله.
وقال الأخفش [[لم أهتد إلى قوله في كتابه "المعاني"، وهو في "تهذيب اللغة" 2/ 1407 (رسل).]]: (الرسول): هو [[في (ب): (من) بدلا من: (هو)، وساقطة من (ج).]] الرِّسَالة، وهو اسمٌ مِنْ (أَرْسَلْتُ) [[وممن فسره بذلك: يونس بن حبيب البصري، وأبو عبيدة، والزجاج. فقالوا عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 16]: إنه في معنى الرسالة؛ كأنه == قال: إنا رِسَالة رَبِّ العالمين.
انظر: "مجاز القرآن" 2/ 84، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 85، و"الزاهر" 1/ 128.]].
وقال أبو علي [[لم أقف على مصدر قوله.]]: (الرسول)، جاء على ضربين: أحدهما: يراد به المُرْسَلُ، والآخر: الرِّسَالة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾، يريد: المُرْسَل. يُقَوِّي ذلك قوله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: 3]. ومثل [[في (ج): (وقيل).]] هذا في (فعُول)، يراد به (المفعول): (الرَّكُوب)، و (الحَلُوُب): لِمَا يُحْلَبُ، ويُرْكَبُ [[في (ج): (لما يركب ويحلب).]].
والرسول بمعنى الرسالة كقوله:
لَقَدَ كَذَبَ الواشُوُنَ مَا [[في (ب): (بما).]] بُحْتُ عِنْدَهُمْ ... بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ [[البيت لكثير عَزَّة. وهو في "ديوانه" 110. وورد منسوبًا له في "مجاز القرآن" 2/ 84، و"الصحاح" 1709 (رسل)، و"اللسان" 3/ 1645 (رسل).
وورد غير منسوب في: "معاني القرآن"، للزجاج 2/ 85، و"الزاهر" 1/ 125، و"تهذيب اللغة" 2/ 1407، و"المسائل العضديات" 36، و"البيان" للأنباري 2/ 206، 212، و"اللسان" 3/ 1644، و"تخليص الشواهد" لابن هشام 176، و"المقاصد النحوية" 1/ 506، و"خزانة الأدب" 10/ 278.
وقد وردت روايته في بعض المصادر: (ما فُهْتُ) بدلًا من: (ما بُحت)، وفي بعضها: (بسوء)، وفي أخرىَ: (بِلَيْلَى)، بدلًا من: (بِسِرٍّ).]]
أي: برسالة. ومِنْ هذا قولُهُ تعالى: ﴿أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: 19] [[في (ج): ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: 47]. وكذا وردت في تفسير الفخر الرازي 9/ 22، حيث نقل هذا النص.]].
وسنذكره [[في (أ): (سنذكر). والمثبت من (ب)، (ج).]] في موضعه إن شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ معناه: أنه يموت كما ماتت الرُّسُلُ قَبْلَهُ. وقوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ ألِفُ [[من قوله: (ألف ..) إلى (.. نفي عنه القيام): نقله -بتصرف- عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 474. وانظر: "الصاحبي" 295 - 296.]] الاستفهام دخلت على حرف الشرط؛ ومعناها: الدخول على الجزاء. المعنى: (أتنقلبون على أعقابكم؛ إن مات محمَّدٌ [[في (أ): (محمدً). وفي (ج): (محمدا). والمثبت من (ب)، وهو الصواب.]] أو قُتِلَ)، إلّا أنَّ الشرط والجزاء مُعَلَّقٌ أحدُهُما بالآخَرِ، فانعقدا جملةً واحدةً، وخَبَرًا واحدًا؛ فدخلت أَلِفُ الاستفهام على الشرط، وأَنْبَأَت عن معنى الدخول على الجزاء؛ كما أنك إذا قلت: (هل زيدٌ قائمٌ؟)؛ فإنما تستفهم عن قيامِهِ، إلّا أنك أَدْخَلْتَ (هَلْ) على الاسم؛ لِيُعْلَمَ الذي استفهمتَ عن قيامه، مَنْ هُوَ؟ وكذلك قولك [[في (ج): (قول).]]: (ما زيدٌ قائما)، إنما نَفَيْتَ القيامَ، ولم تَنْفِ زيدًا، ولكنك أدخلت (ما) على (زيد)؛ ليُعْلَمَ مَن الذي نُفِيَ عنه القيامُ. يوضح هذا: أن هذا الاستفهام للإنكار، ولم ينكر عليهم الموت، وإنما أنكر عليهم الانقلاب.
وقوله تعالى: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أي: ارْتدَدْتُم كُفَّارًا بعد إيمانكم؛ وذلك؛ لأن الرجوع عن الحق إلى الباطل، بمنزلة رجوع القَهْقَرَى [[القَهقَرَىَ: الرجوع إلى خَلْفٍ. والفعل: (قهْقَرَ)، و (تَقَهْقَرَ): إذا رجع على عقبيه. انظر: (قهر) في: "اللسان" 6/ 3746، و"القاموس" 467.]]، في القُبْح والتنكيل بالنفس.
ويقال لكلِّ مَن عادَ إلى ما كان عليه، ورَجَعَ ورَاءَهُ [[في (ج): (وراه).]]: انقَلَبَ على عَقِبِهِ [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 113. ومن قوله: (على عقبه ..) إلى (.. فلن يضر الله): ساقط من (ج).]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ فيه معنى الوعيد؛ أي: فإنما يَضُرُّ نَفْسَهُ؛ باستحقاق العِقَاب.
﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ بِمَا يستحقونه مِنَ الثَّوَاب. قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: الطائعين لله من المهاجرين والأنصار.
3:145Page 68
وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٥
And it is not [possible] for one to die except by permission of Allāh at a decree determined. And whoever desires the reward of this world - We will give him thereof; and whoever desires the reward of the Hereafter - We will give him thereof. And We will reward the grateful.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية.
قال الأخفش [[لم أهتد إلى قوله في كتاب "المعاني" له، وقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 128أ.]]، والزجَاجُ [[في "معاني القرآن" له 1/ 474. وهو قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 104.]]: اللَّام في (لِنَفْسٍ) [[في (ج): النفس.]]؛ معناها: النقل؛ بتقدير: وما كانت نفسٌ لِتَموتَ إلّا بِإذْنِ اللهِ [[أي: أنَّ قوله: ﴿أَنْ تَمُوتَ﴾ جُعِل خبَرًا لـ ﴿كَانَ﴾، بعد أن كان اسمًا لها. وجُعِلَ ﴿لِنَفْسٍ﴾ اسمًا لـ ﴿كَانَ﴾ بعد أن كان خبرًا لها. انظر: "الدر المصون" 3/ 408.]].
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: بقضائه وَقَدَرِهِ. وفي هذا رَدٌّ على القَدَريَّةِ؛ حيث قالوا: إنَّ المقتول لا يكون مَيتًا بِأَجَلِهِ [[انظر رأيهم حول هذه المسألة في "كتاب الرد والاحتجاج على الحسن بن محمد بن الحنفية" ليحيى بن الحسين 153 وما بعدها، و"شرح جوهرة التوحيد" 160 - 162، == فقد ذكر آراء المعتزلة المختلفة في هذا الأمر، وذكر رأي أهل السنة، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 305، و"المحرر الوجيز" 3/ 351، و"تفسير القرطبي" 7/ 202، و"روح المعاني" 4/ 76.]].
واختلفوا في المراد بهذا: فقال بعض [[(بعض): ساقطة من (ج).]] أهل المعاني [[ممن قال بذلك: ابن فورك. انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 351.]]: المراد به التَّسْلِيَةُ عَمَّا يلحق النفسَ بموت النبي ﷺ إذا [[في (ج): (وإذا).]] وَقعَ. من جهة أنه إذا وَقَعَ كان بإذن الله.
وقال بعضهم [[لم أقف عليهم. وقد ذكر هذا القولَ ابنُ عطية في "المحرر" 3/ 351، ولم يعزه لقائل.]]: المراد به: الحَضُّ على الجهاد، من حيث لا يموت أحدٌ فيه إلّا بإذن الله. وقال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: عاتب اللهُ تعالى [[كلمة (تعالى): ساقطة من (ج).]] بهذا المُنْهَزِمينَ يوم أُحُد؛ رَغْبَةً في الدنيا، وَضَنًّا بالحياة، وأخبرهم أن الحياة [لا تزيد] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من (ب). (ج).]] ولا تنقص، وأنَّ الموتَ بِأَجَلٍ عنده، لا يتقدم ولا يتأخر.
وقوله تعالى: ﴿كتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ إنتصب ﴿كِتَابًا﴾ بالفعل الذي دلّ عليه ما قبله، وذلك أن قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، يدل على: (كَتَبَ). وكذلك قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 24]، لأن في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23]، دِلاَلَةً على: (كَتَبَ هذا التحريمَ عليكم). ومثله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 88]، و ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ [النساء: 122].
و (المُؤَجَّلُ): ذو الأَجَلِ. و (الأَجَلُ): الوقت المعلوم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 474.]].
[و] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] قال عطاء [[لم أقف على مصدر قوله.]]، ومقاتل [[في "تفسيره" 1/ 305.]]: يريد مُؤَجَّلًا إلى أجله الذي هو في اللوح المحفوظ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 115 - 116، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 475، و"بحر العلوم" 1/ 306، و"تفسير الثعلبي" 3/ 128 أ.]]: أي: من يُرِدْ بطاعته وعمله زينةَ الدنيا، وزُخْرُفَهَا؛ نُؤْتِهِ منها.
قال أهل المعاني [[من قوله: (قال ..) إلى (.. طلبًا للغنيمة): نقله -بتصرف يسير- عن "تفسير الثعلبي" 3/ 128 أ.]]: هو مُجْمَلٌ [[(هو مجمل): ساقط من (ج).]]، ومعناه: نؤته منها ما نشاء، مِمَّا قَدَّرناه له [[وممن قال بهذا: ابن إسحاق. انظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 64، و"تفسير الطبري" 4/ 115 - 116، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 779، و"الدر المنثور" 2/ 145 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر. وهو قول الطبري. انظر: "تفسيره" 4/ 115 - 116.]] كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: 18].
يعني بهذا: الذين تركوا المَرْكَزَ يوم أُحُد طلبًا للغنيمة، ورَغْبَةً في الدنيا [[ممن قال هذا: مقاتل في "تفسيره" 1/ 305.]].
﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾ أي: مَنْ كانَ قَصْدُهُ بِعِمْلِهِ ثَوَابَ الآخرة. قال عطاء [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يعنى: زينَتَها ومُلْكَها وسُرُورَهَا.
﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾. يعني بهذا: أولئك الذين ثَبَتُوا يومَ أُحُد حتى قُتِلُوا [[هذا قول مقاتل في: "تفسيره" 1/ 305، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 128 ب.]].
أعْلَمَ الله -تعالى- أنَّهُ يُجازي كُلًّا على قَصْدِهِ وإرادته، فَمَنْ نَصِبَ للدنيا، و [[في (ج): (أو).]] عمل لها، أُعْطِيَ منها حظًّا على قَدْرِما قُسِمَ له، ومَن عَمِلَ للآخرة فاز بها [[قال الزجاج: (وليس في هذا دليل أنه يحرمه خير الدنيا؛ لأنه لم يقل: (ومن يرد ثواب الآخرة، لم نؤته إلا منها)، والله -عز وجل- ذو الفضل العظيم). "معاني القرآن" 1/ 475.]]، كما رُوِيَ عن [[في (ج): (قال النبي) بدلًا من: روي عن.]] النبي ﷺ في قوله: "الأعمال بالنيَّاتِ" [[الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" -في مواضع منها-: (1) كتاب بدء الوحي. باب كيف كان بدء الوحي، و (54) كتاب الإيمان: باب ما جاء من الأعمال بالنية، و (2529) كتاب العتق. باب الخطأ والنسيان في العتاق والطلاق، و (3898) كتاب مناقب الأنصار. باب هجرة النبي إلى المدينة.
وأخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (1907) كتاب الإمارة. باب إنما الأعمال بالنيات. وأبو داود في "السنن" رقم (2201) كتاب الطلاق. باب فيما عني به الطلاق والنيات. والترمذي رقم (1647) كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا. والنسائي 1/ 58 كتاب الطهارة. باب النية في الوضوء، و 6/ 158 كتاب الطلاق. باب الكلام إذا قصد به فيما يحتمل معناه، و7/ 13 في الأيمان. باب النية في اليمين. وابن ماجة في "السنن" رقم (4227) كتاب "الزهد". باب النية. وأحمد في "المسند" 1/ 25، 43، والدارقطني في "السنن" 1/ 50،== وابن خزيمة في "الصحيح" 1/ 73 رقم (142، 243)، 1/ 232 رقم (455). وابن حبان في "الصحيح". انظر: "الإحسان" 2/ 113رقم: (388)، (389)، و11/ 210رقم: (4868)، والبيهقي في "السنن" 1/ 41، 298، و2/ 14، و4/ 112، و5/ 39، و7/ 341، والحميدي في مسنده 1/ 17 رقم (28)، وأبو داود الطيالسي 1/ 41 - 42 (37)، وابن المبارك في "الزهد" 62 رقم (188)، وهناد بن السري في "الزهد" 2/ 286 رقم (883)، والخطيب في "تاريخ بغداد" 9/ 346، 4/ 244. وابن الجارود في: "المنتقى" انظر: "غوث المكدود" 1/ 65 رقم (64).
وقد وردت معظم روايات الحديث بلفظ: (إنما الأعمال بالنِّيَّة)، ووردت بعض الروايات: (الأعمال بالنية)، وفي رواية: (العمل بالنية)، والرواية التي أوردها المؤلف موافِقَةٌ لِما أورده ابن حبان في: "صحيحه"، ولفظه: "الأعمال بالنيات، ولكل امرئٍ ما نَوَى، فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومَنْ كانت هجرتُه لدنيا يصيبُها أو امرأةٍ يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".]]، الحديث المعروف.
وأَنَّثَ الكِنَاية [[أي: الضمير.]] في ﴿مِنْهَا﴾، -وهي [[في (ج): (وهو).]] في المعنى راجعةٌ إلى الثواب-؛ لأن ثوابَ الدنيا، هو: الدنيا، وثوابَ الآخرة، هو: الآخرة. فرجوع الكِنَايَةِ إليها، كرجوعها [[في (ج): (لرجوعهما).]] إلى الثواب. ويقول القائل: (اللهم ارزقني الآخرة)؛ وهو يريد: ثوابَها.
وقوله تعالى: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ قيل [[لم أقف على من قال بهذا القول.]]: إنَّه تكريرٌ للتأكيد الذي يُوجِبُ تمكين المعنى في النَّفْسِ؛ لأنه قد قال في الآية الأولى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.
وقال محمد بن إسحاق [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 115، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 779.]]: فيه إشارةٌ إلى أنَّ مَنْ أرادَ بِعَملِهِ الآخرةَ، أُعْطِيَ ثوابَها، ولَمْ يُحْرَمْ مِن الدنيا ما يُعطَاه مِنْ عَمَلِ الدنيا [[في "تفسير الطبري" مع ما يجري عليه من الرزق في الدنيا.]]، مِمَّا قُسِمَ له.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences