Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:179–180
3:179Page 73
مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٧٩
Allāh would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allāh reveal to you the unseen. But [instead], Allāh chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allāh and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية.
اختلفوا في سبب نزول هذه الآية:
فقال الكَلْبيُّ [[قوله في: "بحر العلوم" 1/ 318، و"تفسير الثعلبي" 3/ 159 أ، و"أسباب النزول" للمؤلف 136، و"تفسير البغوي" 2/ 140، و"تفسير القرطبي" 4/ 288.
وأورد هذا القول ابنُ الجوزي في "الزاد" 1/ 510 ونسبه لابن عباس.
ونحو هذا القول، قال السُّدِّي. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 188، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 824.]]: قال المشركون للنبي ﷺ: ما بَالُكَ تَزْعُمُ أن الرَّجلَ مِنْ أهلِ النار، حتى يَدْخُلَ في دِينِكَ، فإذا انتقل إلى دينك، ادَّعَيْتَ أنه من أهل الجَنَّةِ، فينبغي أنْ تُعَرِّفَنَا الذي يَنتَقِلُ، قبل أن ينتَقِلَ.
فأنزل الله -تعالى- مجيبًا لهم-: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: ما كانَ اللهُ لِيَدَعَ المؤمِنَ [[في (ج): (المؤمنين).]]، على ما عليه الكافرُ [[في (ج): (الكافرين).]]. وأَعْلَمَ أنَّ حُكْمَ مَنْ كَفَر، أن يقال: أنه مِن أهل النار، ومَنْ آمَنَ: فهو من أهل الجَنَّة.
ومعنى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ -على هذا التفسير-: حتى يُفَرِّقَ بين المؤمن والكافر؛ بالحُكْمِ لِلْمُؤْمِنِ بالجَنَّةِ، ولِلكافر بالنار.
والخِطاب في قوله: ﴿أَنتُمْ﴾ -على هذا الوجْهِ-، للمشركين.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ أي [[أي: ساقطة من (ج).]]: وما كان اللهُ لِيُخْبِركم بإسلامِ مَنْ يُسْلِم قبل أن يُسْلِم؛ فَيَدُلكم على غَيْبِهِ؛ وذلك أنهم سألوا أن يُعرَّفوا ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يختارُ مِنَ الرُّسُل مَن يشاء بالغيب، فيُطْلِعُه على بعض عِلْمِ الغيب؛ كقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:26 - 27]، الآية.
قال الزّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 492. نقله عنه بتصرف يسير.]]: وإنما يُطْلِعُ الرسلَ على الغيب؛ لإقامة البرهان في أنهم رُسُلٌ، وأنَ ما أتَوا به مِن عند الله.
ومعنى قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: بالغيب. فَحذف ذلك للعلم به؛ وذلك لاستثناء الرسولِ مِمَّن لا يُطلَعُ على الغيب.
وهذا [[يعني بـ (هذا): ما قاله الكلبيُّ في سبب نزول الآية، وما يترتب عليه في كون الخطاب فيها للمشركين.]] قول جماعةٍ مِنَ المفسرين [[منهم: مقاتل، في "تفسيره" 1/ 317 - 318.]]، واختيار الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 248.]] والزّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 492.]]. والآية مطَّرِدَة على هذا التفسير.
وقال مجاهد [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 187، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 824، و"النكت والعيون" 1/ 439.]]، ومحمد بن إسحاق [[قوله في: "سيرة ابن هشام" 3/ 75، و"تفسير الطبري" 4/ 187.]]: نزلت الآية في المنافقين، وتمييزهم عن المؤمنين، و-على هذا التفسير- الخطابُ للمؤمنين في قوله: ﴿أَنْتُمْ﴾، رَجَعَ من الخَبَر عن المؤمنين إلى مخاطبتهم.
ومعنى الآية: ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين، على ما أنتم عليه مِن التباسِ المنافقِ بالمؤمنِ، والمؤمن بالمنافق، حتى يُمَيِّزَ الخبيثَ من الطَّيِّب، أي: المنافقَ مِنَ المُؤمِنِ.
قال مجاهد [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 187، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 824، و"النكت والعيون" 1/ 439.]]: فَمَيّزَ الله المؤمنين يومَ أحد مِنَ المنافقين؛ حيث أظهروا النفاقَ، وتَخَلَّوا عن رسول الله ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ فتعرفوا المنافقَ من المؤمنِ قبل التمييز، ولكنَّ اللهَ يختار بمعرفة [[في (ج): (بمعرفته).]] ذلك مَنْ يَشَاء مِنَ الرُّسُلِ.
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: أنت يا محمد ممن اصطفيتُهُ وأطلعته على هذا الغيب.
وهذا معنى قول السُّدِّي في هذه الآية، فإنه قال في سبب نزولهما ما يُشاكِل هذا التفسير، وهو أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "أُعْلِمْتُ مَنْ يُؤْمِنُ بي وَمَنْ لا يُؤمِنُ" فَبَلَغَ ذلك المنافقينَ، فاستهزؤوا، وقالوا: كيف، ونحن معه لا يعرفنا؟! فأنزل الله هذه الآية [[الحديث أورده -غير مسند-: الثعلبي في "تفسيره" 3/ 159 ب. ونَصُّه عن الثعلبي: (قال السدي: قال رسول الله ﷺ: "عُرِضت علي أمتي في صورها، كما عُرِضت على آدم، وأعْلِمتُ مَن يُؤْمِنُ بي ومن يكفر". فبلغ ذلك المنافقين، فاستهزؤوا، وقالوا: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر، ممن لم يُخلَق بعد، ونحن معه ولا يعرفنا. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقام على المنبر خطيبًا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "ما بال أقوام جهَلوني، وطعنوا في علمي، لا == تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا أنبأتكم به" فقام عبد الله بن حذافة السهمي، فقال: يا رسول الله. من أبي؟ قال: "حذافة". فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله ﷺ، رضينا بالله ربا وبالإسلام دينًا وبالقرآن إمامًا وبك نبياً فاعف عنا، عفا الله عنك. فقال النبي ﷺ: "فهل أنتم منتهون؟ هل أنتم منتهون؟ " ثم نزل عن المنبر. فأنزل الله -تعالى- هذه الآية ..).
والأثر طويل، وله عنده بقية، وأورده -كذلك- المؤلف في "أسباب النزول" 136، والبغوي في "تفسيره" 2/ 141، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 510، وكلهم نسبه للسدي، عن رسول الله ﷺ.
ولم أقف عليه في مصادر أخرى بهذا النص، وإنما ورد بنص آخر -من رواية حذيفة بن أسيد- "عُرضت علي أمتي البارحة، لَدُنْ هذه الحجرة، حتى إني لأعْرفُ بالرجل منهم، من أحدكم بصاحبه". فقال رجل من القوم: يا رسول الله، هذا عُرِض عليك مَنْ خُلِق منهم، أرأيت من لم يُخلَق؟. فقال: "صُوِّروا لي، فوالذي نفسي بيده، لأنا أعْرَفُ بالإنسان منهم بصاحبه".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" 3/ 181 رقم (3054، 3055)، والديلمي في "مسند الفردوس" 3/ 66 رقم (4185)، وأورده السيوطي في "الجامع الصغير" وزاد نسبته للضياء المقدسي، ورمز له بالصحة. (انظر: "فيض القدير" 4/ 414). وقال الهيثمي: (رواه الطبراني، وفيه زياد بن المنذر، وهو كذاب). "مجمع الزوائد"10/ 69. وحكم عليه الألباني بالضعف في ضعيف "الجامع الصغير" 4/ 29 رقم (3703).
وهذه الرواية تختلف عما أورده الثعلبي في تفسيره، وليس فيه أنه سبب نزول الآية، ولا متعلق له بهذه الآية.
كما أخرج البخاريُ حديثًا آخر من رواية أنس، نحو ما أورده المؤلف، ونصه: "سألوا النبي ﷺ حتى أحفَوْهُ بالمسألة، فصعد النبي ﷺ ذات يوم المنبرَ، فقال: لا تسألوني عن شيء إلا بينت لكم، فجعلت أنظر يمينًا وشمالًا فإذا كل رجل رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان إذا لاحى يُدعى إلى غير أبيه، ومَال: يا نبي الله من أبي؟ فقال: أبوك حذافة. ثم أنشأ عمرُ فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولًا. نعوذ بالله من سوء الفتن، فقال النبي ﷺ: ما رأيت في الخير والشر كاليوم قطّ، إنما صورت لى الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط). قال =]].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا [[هكذا في (أ)، (ب)، (ج). والأصوب أن يكون (هذان) إلا أني أبقيت (هذا) لاحتمال أن يريد بـ (هذا): ما سبق من قول في الآية.]] وجهان من التفسير لهذه الآية.
وقيل فيه وجه ثالث من التفسير، وهو: إن الخطاب للمشركين والمنافقين واليهود [[في (ج): (ولليهود).]] في قوله: ﴿أَنْتُمْ﴾ [[(أنتم): ساقطة من (ج).]]؛ والمراد بـ (المؤمنين) [[(المؤمنين): ساقطة من (ج).]] في قوله: ﴿لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الذين هم [[(هم): ساقطة من (ج).]] في أصلاب الرجال من المشركين، وأرحام النساء من المشركات، ممن يؤمنون.
ومعنى الآية: ما كان الله لِيَدَعَ أولادَكُمْ الذين جرى لهم الحكمُ بالإيمان، على ما أنتم عليه من الشِّرْك، حتى يُفَرِّق بينكم وبين مَن في أصلابكم، وأرحام نسائِكم من المؤمنين.
وهذا قول الضّحاك [[قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 160 ب، و"تفسير البغوي" 2/ 141. وورد في "بحر العلوم"، عنه: (إن المنافقين أعلنوا الإسلام، وأسروا الكفر، وصلوا وجاهدوا مع المؤمنين، فأحب أن يُمَيِّز بين الفريقين، وأن يَدُلَّ رسول الله على سرائر المنافقين، فقال: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. يعني: المنافق من المؤمن) 1/ 319.
ورد في: "زاد المسير" 1/ 510 عن الضحاك، أن المخاطب في هذه الآية: الكفار والمنافقون.]]، وابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر قوله وفق سياق المؤلف. والذي ورد عن ابن عباس -من == رواية علي بن أبي طلحة-، قال: (يقول للكفار: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الكفر، ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فيميز أهل السعادة من أهل الشقاوة). "تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 824 - 825.
وكون الخطاب في الآية للكفار والمنافقين -وفق المعنى الذي ذكرته عن ابن عباس سابقًا-، قال عنه الثعلبي: (هو قول: ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي، وأكثر المفسرين). "تفسيره" 3/ 160 أ.]].
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾، لا يتعلق بأوَّلِ الآية في المعنى -على هذا التفسير-، ولكن معناه: إنه أَخْبَرَ ابتداءً، أنه لا يُطلِعُ أحدًا على عِلْمِ الغيب؛ لأنه لا يعلمه أحدٌ غيرُه، ولكن يجتبي مِن رُسُلِهِ مَنْ يَشاء، فَيُطْلَعَ على بعض عِلْمِ الغَيْب.
وقيل في سبب نزول قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾: إنّ المشركين أنكروا نُبُوَّةَ محمد ﷺ، وقالوا: ما بالنا نحن لا نكون أنبياء، فإنَّا أكثرُ أموالًا وأولادًا؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾؛ أي: لم يكن ليوحي إليكم فيجعلكم بمنزلة الرُّسُل، بظنِّكُم عند أنفسكم أنكم مستحقون ذاك [[في (ج): (ذلك).]]، بل يُنَبِّئ [[في (ج): (ينبأ).]] مَنْ يَراهُ أهلًا للخصوصية والتشريف.
وهذا معنى قولِ أبي إسحاق [[في: "معاني القرآن" له 1/ 492. ولكن هذا القول، ليس مما تبناه الزجاج، وإنما أورده بصيغة (قيل). فقد ذكر أولا قول الكلبي -الذي ذكره المؤلف-، وصدره بقوله: (يروى في التفسير)، ثم ذكر هذا القول، قائلًا: (وقد قيل في التفسير ..) وذَكَره.]]، وابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]. قال ابن الأنباري: وأوَّلُ الآية يدل على هذا، ويمكن حمله على هذا التفسير؛ وهو: أنهم أنكروا نُبُوَّةَ محمد، وما يدعوا إليه مِنْ تَرْكِ دينِ الآباءِ والأجداد. فأعلم الله -تعالى- أنه لم يكن لِيَدَعَ المؤمنين على ما عليه الكفارُ مِنَ العَمَى والحَيْرة، حتى يَنْتاشَهم [[ينتاشهم؛ أي: يستخرجهم. وأصلها من: (النَتْش)، وهو: نتف اللحم، وجذبه قرصًا، واستخراج الشوكة ونحوها. ويقال للمنتاش: استخرجه.
انظر (نتش) في: "اللسان" 7/ 4336، و"القاموس" (606).]] ويستنقذهم من المهالك، بإرساله محمدًا ﷺ، وإعطائه [[في (أ)، (ب)، (ج): وأعطاه. والمُثبَت هو ما استصوبته.]] إيَّاه مِنَ الدَّلائِلِ ما يكَون عَلَما لِصِدْقِهِ، وسببًا لانقياد [[في (ب): (للانقياد).]]، [الناس] [[ما بين المعقوقين زيادة من (ج).]] إلى متابعته.
فهذه أربعة أوجُهٍ مِنَ التفسير، في هذه الآية.
فقوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾، هذه اللام يُسمِّيها بعضُ أهل النحو، لامَ الجَحْد؛ كما تقول: (ما كنت لأفعل ذلك) [[انظر: "اللامات"، للزجاجي 68، و"المحلى" لابن شقير 228. وهي عند الكوفيين حرف زائد، يدخل لتقوية النفي، ويرى النحاس أن الصواب تسميتها (لام النفي)؛ لأن الجحد في اللغة إنكار ما تعرفه، لا مطلق الإنكار. انظر: "المغني" لابن هشام 278.]]. وهي في تأويل (كي)؛ ولذلك نَصَبَتْ ما بعدها.
وذكرنا الكلام في (يَذَر) عند قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [[سورة البقرة: من الآية: 234 ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ، والآية:240 ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾]].
قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ﴾.
فيه [[(فيه): ساقطة من (ج).]] قراءتان: التشديد والتخفيف [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر: ﴿يَمِيزَ﴾ بفتح الياء الأولى، وكسر الميم مع التخفيف.
وقرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف: ﴿يُمَيز﴾ -بضم الياء الأولى، وفتح الميم مع التشديد.
انظر: "السبعة" 220، و"الحجة"، للفارسي 3/ 110، و"المبسوط" لابن مهران 149 - 150.]]. وهما لغتان. يقال: (مِزْتُ الشيءَ بَعْضَهُ عن بَعْض)، فأنا (أمِيزُهُ مَيْزًا)، و (مَيّزْتُهُ تمييزًا) [[أي: عزلته، وفرزته، وخلصته
انظر: "علل القراءات" للأزهري 1/ 133، و"المجموع المغيث" 3/ 248، و"اللسان" 7/ 4307 (ميز).]]. ومنه الحديث: "مَن مَازَ أذًى عن طريق، فهو له صدقة" [[الحديث من رواية أبي عبيدة بن الجراح، أخرجه: أحمد في "المسند" 1/ 159 -
196، والخطابي في "غريب الحديث" 3/ 127.
وأورده ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" 4/ 380، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 2/ 300، وزاد نسبة إخراجه لأبي يعلى، والبزار، وقال: (وفيه يسار بن أبي سيف، ولم أر من وَثَّقه، ولا من جرحه، وبقية رجاله ثقات).
قال البنا في: "الفتح الرباني" 19/ 197 - معلقًا على كلام الهيثمي-: (الظاهر أن النسخة التي وقعت للحافظ الهيثمي فيها يسار -بالياء التحتية، والسين المهملة-، وهو خطأ؛ ولذلك لم يجد له ترجمة، والصواب بشار بالباء الموحدة، والشين المعجمة-، كما جاء في نسختنا. وفي "تقريب التهذيب": بشار بن أبي سيف الجَرمي -بفتح الجيم- الشامي، نزل البصرة، مقبول).
ولفظه -عند أحمد-: (مَن أنفق نَفَقَة فاضلة في سبيل الله، فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عاد مريضًا، أو مَازَ أذًى، فالحسنة بعشر أمثالها، الصوم == جُنَّة ما لم يَخرْقها، ومَن ابتلاه ببلاءٍ في جَسَدِهِ فَهو له حِطَّة).
ومعنى (مَازَ): نحَّى وأزال.]].
وقال الشاعر:
تنفِي رُضَاضَ الحَصَا مَنَاسِمُها ... كَمَا يَمِيزَ الزُّيُوفَ مُنْتَقِدُ [[لم أهتد إلى قائله.
رُضَاض الحصا: فُتَاتُه. انظر: "اللسان" 3/ 1659 (رضض).
المناسم: جمع (مَنْسِم)، وهو: طرف الخُفِّ من: البعير والنعامة والفيل والحافر. انظر: "اللسان" 7/ 4415 (نسم).
والمُنْتَقِد: الصيرفي الحاذق، الذي يميز الدراهم الصحيحة من الزائفة.]]
و (التمييز) [[من قوله: (والتمييز ..) إلى (.. فعوض وعاض لغتان): نقله -بمعناه- عن "الحجة" للفارسي 3/ 111 - 113.]] ليس بمنقول بالتشديد عن (المَيْز)؛ كـ (التَّغْرِيم) مِنَ (الغرْم)؛ لأنه لو كان منقولًا لَتَعدَّى إلى مفعولين؛ كـ (التغريم)؛ فإنه [يقال] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وساقط من (ب). والمثبت من (ج).]]: غَرَّمْتُ زيدًا مالًا. و (التمييز) لا يتعدّى إلى مفعولين إلّا بحرف جرٍّ؛ نحو قولك: (مَيَّزت مَتَاعَكَ بعضَه من بعض).
ومثل [[في (ج): (ومثلى).]] (مَيَّز) -في أنّ التضعيف فيه ليس للنقل والتعدّي- قولُهم: (عَوَّض)، فهو بمعنى (عاض). ولو كان التضعيف فيه للنقل؛ لَتَعدّى إلى ثلاثة مَفْعولِينَ [[في (ب): (مفاعيل).]]؛ لأن (عاض) يَتَعدَّى إلى مَفْعولَيْنِ، فـ (عَوّضَ) و (عاض) لُغَتَان.
وحجّة مَن قَرَأ بالتخفيف: أنَّه يَصْلُح للقليل والكثير؛ لأن (المَيْز) كـ (التميِيز)، سَوَاء، وهو -مع ذلك- خفيف في اللفظ. وإذا اجتمعت خِفَّةُ اللفظ مع استيعاب المعنى، كان المصير إليه أَوْلى.
وحكى أبو زيد، عن أبي عمرٍو، أنه كان يقول [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره -بمعناه- ابنُ زنجلة في: "حجة القراءات" 182.]]:
التشديد للكثرة، فأما واحدٌ مِن واحدٍ فـ (يَمِيز) -بالتخفيف-. والله -تعالى- يقول: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، فَذَكَر شيئين. و-هذا- كما قال بعضهم [[ذكر الثعلبي والقرطبي هذا القائل، وهو: أبو معاذ، الفضل بن خالد المروزي، أحد كبار علماء النحو، قال السيوطي: (وذكره ابن حبان في الثقات، وصنف كتابًا في القرآن). توفي سنة (211 هـ). انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 160 أ - ب، و"تفسير القرطبي" 4/ 289، و"بغية الوعاة"، للسيوطي 2/ 245.]] في (الفَرْق) و (التَّفرِيق) [[في "تفسير الثعلبي" 3/ 160 أ، (ومثله، إذا جَعلتَ الواحدَ شيئين، قلت: (فَرَقْتُ بينهما)، ومنه: (فَرْقُ الشَّعْرِ). فإن جعلته أشياء، قلت: (فَرَّقتْه تفريقًا). وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 289.]].
وحجّة من قرأ بالتشديد: أن التشديد للتكثير والمبالغة، ويِكثر المؤمنون والمنافقون. فالتمييز -ههنا- أَوْلى، والله -تعالى- ذَكَرَ الجِنْسَيْنِ بلفظ ﴿الْخَبِيثَ﴾ و ﴿الطَّيِّبِ﴾ وهما للجِنْس؛ فالمراد بهما: جميع المؤمنين والمنافقين، لا اثنان منهما. وقد قال الله -تعالى-: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: 8]. وهذا مُطَاوع [(التَّميِيِز). والذي يدل على [[وردت العبارة في (ج): (والذي يدل من التميين على ..). ولم أر لها وجهًا. والعبارة ساقطة من: (أ)، (ب). وما أثبتُّه هو ما استصوبته.]] أن التخفيف أولى، قولُه: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾ [يس: 59]، وهو مُطاوع] [[ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).]] (المَيْز).
وقوله تعالى: ﴿لِيُطْلِعَكُمْ﴾.
الإطْلاعُ: أن تُطلِعَ إنسانًا على أمرٍ، لم يكن عَلِمَ [[في (ج): (يعلم).]] به. فيقال [[في (ج): (فيقال).]]: (أطلعته على كذا)؛ أي: أعلمته. ويقال: (أطْلِعْنِى طِلْعَ أمْرِكَ)؛ أي: أعلمني بما خَفِيَ منه عَلَيَّ [[في (ج): (خفي علي منه).]].
ويقال: (طَلَعْتُ على كذا)، و (اطَّلَعتُ)، و (أطْلَعْتُ عليه) [[(وأطلعت عليه): ساقطة من (ج).]]، و (أطْلَعْتُ غيري) [[انظر (طلع) في: "تهذيب اللغة" 3/ 2206، و"اللسان" 5/ 2689.]]. فـ (الاطلاع)، واقعٌ ومُطاوع [[سبق بيان أن الفعل الواقع، هو: المتعدِّي إلى مفعول به أو أكثر. وسُمِّي بذلك؛ لأنه يقع على المفعول به.
أما الفعل المُطَاوع، فيعني به -هنا- الفعل اللازم؛ لأن المطاوعة سبب من أسباب لزوم الفعل المتعدي لواحد.
انظر: "معجم المصطلحات النحوية والصرفية" د. أحمد اللبدي 141.]].
3:180Page 73
وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٨٠
And let not those who [greedily] withhold what Allāh has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية.
قُرِئ: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء والتاء [[قرأ حمزةُ ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء. وقرأ الباقون بالياء.
انظر: "حجة القراءات"، لابن زنجلة: 183، و"التبصرة" لمكي 468.]].
فمن قَرَأ بالياء؛ فـ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾: فاعل ﴿يَحْسَبَنَّ﴾]، [[ما يبن المعقوفين: زيادة من (ج).]]، والمفعول الأول محذوفٌ؛ لدلالة اللفظ عليه؛ معناه: لا يَحسَبَنَّ الذين يبخلون بما آتاهم الله مِنْ فَضْلِهِ، البُخْلَ خيرًا لهم. فدلّ ﴿يَبْخَلُونَ﴾ على البخل، فَحُذِفَ؛ كقولهم: (مَنْ كَذَبَ كان شَرًّا له)؛ أي: الكذب [[انظر: "الأصول في النحو" لابن السراج 1/ 79، 2/ 167.]]. ومثلُه:
إذا نهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إليه [[صدر بيت، وعجزه:
وخَالَفَ والسَّفِيهُ إلى خلِافِ= وقد نُسب في "إعراب القرآن"، المنسوب للزجاج 3/ 902 إلى أبي قير الأسلت الأنصاري. وورد غير منسوب في: "معاني القرآن" للفراء 1/ 104، 429، و"تأويل مشكل القرآن" 227، و"مجالس ثعلب" 1/ 60، و"تفسير الطبري" 7/ 431، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 348، 422، و"الخصائص" 3/ 49، و"المحتسب" 1/ 70، 2/ 370، و"شرح الحماسة"، للمرزوقي 244، و"أمالي المرتضى" 1/ 203، و"تفسير الثعلبي" 3/ 161 أ، و"العمدة" لابن رشيق 2/ 1034، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 103، 169، 2/ 36، 385، 507، و"البيان" للأنباري 1/ 129، 285، و"الأشباه والنظائر" للسيوطي 5/ 179، و"خزانة الأدب" 4/ 364، 5/ 226.
وروايته في "شرح الحماسة": (.. إذا زُجِرَ السفيهُ ..).]] أي: إلى السَّفَةِ. وأنشد الفَرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 104.]]:
هُمُ المُلوكُ وأبناءُ المُلوكِ هُمُ ... والآخِذُونَ بِهِ والسَّاسَةُ الأُوَل [[البيت للقطامي. وقد ورد في "ديوانه" 30.
وورد منسوبًا له في: "جمهرة أشعار العرب" 811، و"أمالي المرتضى" 1/ 203، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 103، 2/ 36، 3/ 103، و"خزانة الأدب" 5/ 227، 228، 6/ 483، 485.
وقد ورد في المصادر السابقة -عدا ديوانه-: (.. وأبناء الملوك لهم ..). ويعني بها. وأبناء الملوك منهم.
البيت من قصيدة قالها في مدح عبد الواحد بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، وقيل: هو عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وكان يكنى أبا عثمان. وقد ورد اسمُ عبد الواحد وكنيتُه في القصيدة.]]
قوله: (به)؛ يريد: بالمُلْكِ. فاكتَفَى منه بِذِكْرِ (المُلُوك).
وقوله تعالى: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾.
﴿هُوَ﴾ -ههنا- فَصْلٌ [[في (ج): (فضل). وضمير الفَصْل، تَسْمِيَةٌ بَصْرِيَّةٌ، (لأنه فَصَل بين المبتدإ والخبر. وقيل: لأنه فصل بين الخبر والنعت. وقيل: لأنه فصل بين الخبر والتابع؛ لآن الفصل به يوضح كون الثاني خبرًا تابعًا). "همع الهوامع" 1/ 236. وانظر: "دراسة في النحو الكوفي" 239.]]، وهو الذي يُسَمِّيه الكوفيون: عماداً [[لأنه يعتمد عليه في الفائدة. وبعض الكوفيين يسميه: دِعَامة؛ لأنه يُدعَم به الكلام؛ أي: يُقوى به ويؤكد. وبعضهم سماه: صفة. انظر: المراجع السابقة، و"شرح المفصل" 3/ 110، و"الإنصاف" للأنباري ص 567.]]؛ وذلك أنّ تَقَدمَ ﴿يَبْخَلُونَ﴾ بمنزلة تقدم (البُخْل)؛ فَكَأنَّه قيل: ولا يَحْسَبَنَّ الذين يَبخَلُونَ البُخْلَ -هو- خَيْرًا لهم.
ومَن قَرَأ بالتَّاء فَقَال الزّجَّاجُ [[في "معاني القرآن" له 1/ 493. نقله عنه بمعناه.]]. معناه: ولا تَحْسَبَنَّ بُخْلَ الذين يبخلون، فَحذف المُضَاف؛ كأنه قيل: ولا تَحسَبَنَّ بُخْلَ الباخلين [هو] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] خيرًا.
وأمَّا التفسير فقال ابنُ عباس -في رواية عطاء- [[قوله، في: "بحر العلوم" 1/ 319، و"تفسير الثعلبي": 3/ 161 ب. إلا أنهما أطلقا العزو إليه، ولم يقيداه برواية عطاء.
وفي "زاد المسير" 1/ 512 أنه من رواية أبي صالح.
وورد عنه قول آخر -من رواية عطية العوفي-: إن المراد بالآية: أهل "الكتاب"، بخلوا أن يبينوه للناس. وهو قول مجاهد.
انظر: "تفسير الطبري" 4/ 190، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 826.]]، وأكثر أهل التفسير -ابن مسعود [[ورد قوله هذا في أثر يرفعه النبي ﷺ، في: "سنن الترمذي" رقم (3012). كتاب التفسير. ومن سورة آل عمران. وقال: (حسن صحيح)، وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" 4/ 12 رقم (2256)، والنسائي في "تفسيره" 1/ 347 رقم (104)، والطبري في "تفسيره" 4/ 192، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 826.]]، والشعبي [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 161 ب.]]، والسُّدِّي [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 190، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 826، و"تفسير الثعلبي" 3/ 161 ب، و"النكت والعيون" 1/ 440.]]، وغيرهم [[انظر: المصادر السابقة.]] -: نزلت الآية في الباخلين بالزكاة الواجبة [[انظر: (الموجبة).]] عليهم.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريدون: الذهبَ والفِضَّةَ والحيوان والثِّمَارَ. فَفَسَّرَهُ [[في (ج): (يفسره).]] بالأشياء التي تَجِبُ فيها الزكاة
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ قال الحَسَن [[لم أقف على مصدر قوله.]]: لأنهم نالوا بهِ عذَابَ الله.
وقوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أكثرُ المفسِّرينَ على أنَّ معناه: يُجْعَلُ ما بَخِلَ به مِنَ المَالِ حَيَّةً، يُطَوَّقها يومَ القيامة [[(يوم القيامة): ساقط من (ج).]] في عُنُقِهِ، تَنْهَسُهُ [[في (ب)، (ج): (تنهشه). (تَنْهَسُهُ، وتَنْهَشُه)، بمعنى واحد. ولكن (النَّهْسَ): أن يأخذه بمقدم الأسنان، و (النَّهْش): أن يأخذه بأضراسه. انظر: "القاموس المحيط" 579 (نهس)، 608 (نهش).]] مِنْ قَرْنِهِ [[(القَرْنُ) من الإنسان: الجانب الأعلى منه. انظر (قرن) في: "القاموس" 1223، و"المعجم الوسيط" 2/ 737.]] إلى قَدَمِهِ [[من قال ذلك: أبو مالك العبدي، وابن مسعود، وأبو وائل، والسُّدِّي، ومقاتل. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 318، و"تفسير الطبري" 4/ 191 - 193.]].
يَدُلُّ على هذا ما روى ابن مسعود عن النبي ﷺ، [قال] [[ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).]]: "ما مِن رَجُلِ لا يُؤدِّي زكاةَ مالِهِ إلاّ جُعِلَ [[في (ج): (جعل الله).]] له شُجاعٌ [[الشجاع -بضم الشين وكسرها-: الحَيَّةُ الذَّكَر. وقيل: الحيةُ مطلقًا. انظر: "الفائق في غريب الحديث" 2/ 222، و"النهاية في غريب الحديث"2/ 447.]] في عنقِه يومَ القيامة"، ثُمَّ قَرَأ علينا رسول الله ﷺ، مِصْدَاقَهُ مِنْ كتاب الله ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [[الحديث أورده المؤلف بالمعنى، وقد أخرجه: الترمذي في "سننه" رقم (3012). وقال: (حسن صحيح). والنسائي في "سننه" 5/ 11 رقم (2441). وأخرجه في "تفسيره" 1/ 346 - 347. وابن ماجه في "سننه" رقم (1784)، وأحمد في "المسند" (شرح شاكر): رقم (3577) وقال شاكر: (إسناده صحيح). والحاكم في "المستدرك" 2/ 298، 299 كتاب التفسير. باب: سورة آل عمران. وابن خزيمة 2/ 12 رقم (2256)، والطبراني في "المعجم الكبير" 9/ 262 رقم (9123 - 9126). والطبري في "تفسيره" 4/ 192، وابن أبي حاتم 3/ 278.]] وقال إبراهيم النَّخَعِي: معناه: يُجعَل يوم القيامة في أعناقهم، طَوْقٌ مِن نارٍ.
أخبرنا إسماعِيل بن أبي القَاسِم الصوفي [[تقدمت ترجمته.]]، أَبَنَا [[(أبنا): اختصار لـ (أخبرنا). وفي "تدريب الراوي": (ويكتبون من (أخبرنا): (أنا)؛ أي: الهمزة والضمير. ولا تحسن زيادة الباء قبل النون، وإن فعله البيهقيُّ وغيره؛ لأنها تلتبس برمز (حدثنا)) 2/ 87.]] أبو عبد الرحمن، عبد الله بن عمر بن علَّك الجَوْهري [[ويقال المروزي. أحد الحفاظ المتفق على جلالتهم، ويعد من نقاد أئمة الحديث بـ (مرو). توفي سنة (360 هـ).
انظر: "سير أعلام النبلاء" 16/ 168، و"تذكرة الحفاظ" 3/ 929، و"شذرات الذهب" 3/ 37.]]، بِمَرْو [[مَرْوُ، وتسمى: (مرو الشاهِجَان). وهي أشهر مدن خراسان، وقصبتها. والنسبة == إليها: (مرْوَزي) على غير قياس. ويقال عن الثوب (مَرْوِي) على القياس. وهناك مدينة أخرى تسمى (مرو الرُّوذ). والنسب إليها: (مرْوَرُوذي) و (مرُّوذي). وهي أصغر من (مرو الشاهِجان). انظر: "معجم البلدان" 5/ 112.]]، ثنا عبد الله بن محمود السَّعْدِي [[هو: أبو عبد الرحمن، السعدي المروزي. الشيخ العالم الحافظ الثقة المأمون. توفي سنة (311 هـ).
انظر: "سير أعلام النبلاء" 14/ 499، و"تذكرة الحفاظ" 2/ 718، و"شذرات الذهب" 2/ 262.]]، ثنا موسى بن بحر [[أبو عِمْران، المروذي، أصله عراقي، مقبول، عده ابن حجر من الطبقة العاشرة، ممن لم يَلْقَوا التابعين، وإنما رَوَوْا عن أتباع التابعين، مات سنة (230 هـ). انظر: الثقات، لابن حبان: 9/ 162، و"الجرح والتعديل" 8/ 137، و"تقريب التهذيب" ص 550 (6950).]]، ثنا عَبِيدة بن [[في (ج): (عن) بدلًا من (بن).]] حُمَيْد [[هو: عَبِيدة بن حُمَيد التيمي، وقيل: الليثي، وقيل: الضبِّي، أبو عبد الرحمن الحذَّاء. قال ابن المديني: ما رأيت أصح حديثًا منه، وأحسن الإمام أحمد الثناء عليه جِدًا، ورفع أمره. وكان صاحب نحو وعربية وقراءة للقرآن. مات سنة: 190 هـ انظر: "الجرح والتعديل": 6/ 92، و"تاريخ بغداد" 11/ 120، و"ميزان الاعتدال" 3/ 422، و"تهذيب التهذيب" 3/ 43.]] ، حدّثَنِي منصور [[تقدمت ترجمته.]]، عن إبراهيم [[هو النخعي.]] -في قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ -، قال: (يُطَوَّقون بِطَوْقٍ [[في (ج): (يطوق).]] منْ نار) [[أخرج الأثر عنه -كذلك-: سفيان الثوري في "تفسيره" 82، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 141، والطبري في "تفسيره" 4/ 192 - 193، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 828، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 185 وزاد نسبة إخراجه لسعيد ابن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]].
وعلى هذا التَّفْسِير، يجعَل ما بَخِلُوا به مِنْ المال، طَوْقًا مِنْ نارٍ، كما جُعِلَ في التفسير الأوَّلِ حَيَّة.
وقال المُؤَرج [[لم أقف على مصدر قوله.]]: معناه [[(معناه): ساقط من (ج).]]: يُلزَمُون أعمالَهم، مِثْل ما يَلْزم الطوقُ العنقَ. والعربُ تكني بالتطويق [[في (ج): (بالطريق).]] عن الإلْزام؛ ومنه قراءة مَن قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: 184]، [[القراءة التي ذكرها المؤلف: ﴿يُطَوَّقونه﴾، هي قراءة: عائشة، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس، وعطاء.
انظر: "صحيح البخاري" (4505) كتاب التفسير. باب: 25 فقد رواها عن ابن عباس. و"مصنف عبد الرزاق" 4/ 220، 221، 223 رقم (7573 - 7575)، (7577) رواها عن ابن عباس، ورقم (7576) عن عائشة، ورقم (7583) رواها عن ابن جبير. و" الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد بن سلام 46، 47، و"تفسير الطبري" 2/ 132، و"الدر المنثور" 1/ 326، فقد أخرجوها عمن سبق.]]؛ أي: يَتَكَلَّفُونَه، وُيلْزَمُونَه. يُقال: (طُوِّقَ فلانٌ عَمَلَهُ، مثلَ طَوْقِ الحَمَامَةِ).
قال ابنُ الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: معناه -على هذا التفسير-: سَيُطَوّقُونَ جَزَاءَ ما بخلُوا به. وذِكْرُ التَّطْوِيق -ههنا- على جهة المَثَلِ، كِنَايَةً عن الإلزام، لا على أنَّ ثَمَّ أطواقًا.
وقال ابن عباس -في رواية العَوْفي- [[هذه الرواية في: "تفسير الطبري" 4/ 190، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 826، و"تفسير الثعلبي" 3/ 162 - ب، و"أسباب النزول" للمؤلف 136 - 137.]]: نزلت هذه الآية في اليهود الذين كتموا صِفَةَ محمد ﷺ، وأراد بـ (البخل): كِتْمان العِلْم الذي آتاهم الله.
يَدُلُّ على هذا التفسير: قولُه -تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 37].
وعلى هذا، معنى قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾ أي: يُحَمَّلُون وِزْرَهُ وإثْمَهُ. وهذا القول اختيار: ابنِ كَيْسان [[لم أقف على مصدر قوله.]]، وأبي إسحاق [[هو الزجاج، في "معاني القرآن" له 1/ 492.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال المفسرون كلُّهم [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 249، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 493، و"تفسير الطبري" 7/ 440، و"بحر العلوم" 1/ 319، و"تفسير البغوي" 2/ 143، و"تفسير القرطبي" 4/ 293.]]: يعني أنه يَفْنى أهلُها، وتبقى الأملاكُ والأموالُ، ولا مالكَ لها إلا اللهُ. فجرى هذا مجْرى الوِراثَةِ؛ إذْ كانَ الخلْقُ قبل ذلك يَدّعُونَ المُلْكَ، فَلَمَّا ماتُوا عنها، ولم يُخَلِّفُوا أحدًا، كانَ هو الوارث لها -جل وعَزَّ-.
قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 493. نقله عنه بنصه.]]: خُوطِبَ القومُ بِمَا يَعْقِلُون؛ لأنهم يَجْعَلُون ما رَجَعَ إلى الإنسانِ ميراثًا، [إذا كان ملكًا له.
وتأويله: بُطلانُ مُلْكِ جميع المَالِكين، إلّا مُلْك الله -جَلَّ وعَزَّ-] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]، فيصير كالميراث.
قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده الفخرُ الرازي في "تفسيره" 9/ 119 والنيسابوري في: "غرائب القرآن ورغائب الفرقان" 4/ 137.]]: والعرب تقول: (وَرِثَ فلانٌ عِلْمَ فلانٍ): إذا تَفَرَّد به [[في (ب): (انفرد). وكذا وردت في "تفسير الفخر الرازي".]] بعد أن كان مشاركًا فيه [[في "غرائب القرآن": (مشاركًا له فيه).]].
وقد قال الله -تعالى- [[في "غرائب القرآن": (ومثله). بدلًا من (وقد قال الله تعالى).]]: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: 16]، [فَذَهَبَ إلى وِراثَتِهِ عِلْمَهُ، بعد أنْ كانَ داودُ] [[ما بين المعقوفين: زيادة من (ج). والعبارة في "تفسير الفخر الرازي": (وكان المعنى: انفراده بذلك الأمر، بعد أن كان داود ..).]] مشاركًا فيه [[في "غرائب القرآن": (مشاركًا له فيه).]]، أو [[في (ج) و"تفسير الفخر الرازي": (و) بدلًا من (أو).]] غالبًا عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
مَنْ قَرَأَ بالياءِ [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: بالياء في ﴿يَعْمَلُونَ﴾. وقرأ الباقون: بالتاء ﴿تَعْمَلُونَ﴾. انظر: "السبعة" 320، و"القراءات" للأزهري 1/ 133، و"الحجة"، للفارسي 3/ 113.
ومن قوله: (من قرأ ..) إلى (.. أقرب إلى الصواب): نقله -بتصرف- عن: "الحجة" للفارسي 3/ 113.]]، فلأنَّ ما قَبْلَهُ على الغَيْبَةِ، وذلك قوله: ﴿سَيطَوَّقُونَهُ﴾ [[هكذا في (أ)، (ب)، (ج). وفي "الحجة": (سيطوقون).]]، ﴿والله بِمَا يَعملون [[في (ج): (تعملون).]] خبير﴾ مِنْ مَنْعِهِم الحقوقَ، فَيُجَازِيهم عليه.
ومَن قرأ بالتاء؛ فَلأنَّ قبل هذه الآية خِطابًا، وهو قوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 179]، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، فَيُجازِيكم عليه.
والغَيْبَةُ أقرب إليه مِنَ الخطاب.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences