Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:187–192
3:187Page 75
وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧
And [mention, O Muḥammad], when Allāh took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear [i.e., explain it] to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية.
قال ابن عباس [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 202، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 835، و"النكت والعيون" 1/ 441، و"زاد المسير" 1/ 521، و"الدر المنثور" 2/ 189.]]، والسدّي [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 202، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 836، و"النكت والعيون" 1/ 441، و"زاد المسير" 1/ 521.]]، والكلبي [[لم أقف على مصدر قوله.]]، والمفسِّرون [[منهم: سعيد بن جبير، وابن جريج، ومقاتل.
انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 320، و"تفسير الطبري" 4/ 202، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 835 - 836، و"زاد المسير" 1/ 521، و"الدر المنثور" 2/ 190.]]: نَزَلت في يهود المدينة، أخَذَ اللهُ ميثاقهم في التوراة، لَيُبَيِّنُنَّ شأن محمد ﷺ، ونَعْتِهِ، وَمَبْعَثِهِ، ولا يُخْفُونَه، فَنَبَذوا الميثاقَ، ولم يَعْمَلُوا به [[وذهب قتادة إلى أن الآية مَعنِيٌّ بها كل من أوتي علمًا بأمر الدين. انظر: "تفسير الطبري" 7/ 461، و"ابن أبي حاتم" 948، و"الثعلبي" 3/ 168أ، و"الدر المنثور" 2/ 402، وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وهو قول محمد بن كعب، والحسن. انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 168 أ، و"تفسير == القرطبي" 4/ 304.
ولا تعارض بين القولين؛ لأن الآية وإن كانت خاصة في اليهود، إلا أنَّ العِبْرَة بعموم لفظها، فيدخل فيها هم وغيرُهم مِنْ أصحابِ العِلْمِ، ولذا قال ابن عَطِيَّة: (الآية توبيخ لِمُعاصِرِي النبي ﷺ، ثم هو مع ذلك خبر عامٌّ لهم ولغيرهم)، ثم تابع قائلاً: (وقال جمهورٌ من العلماء: الآية عامَّةٌ في كلِّ مَنْ عَلَّمه اللَهُ عِلْما، وعلماءُ الأمَّةِ داخلون في هذا الميثاق).
"المحرر الوجيز" 3/ 449 - 450، وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 304، و"تفسير ابن كثير" 1/ 472.]].
قوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [[(أ)، (ب)، (ج): ﴿ولا يكتمونه﴾. والمثبت وفق رسم المصحف الشريف.]] يُقرأ بالياء والتاء [[قرأ بالياء فيهما -على الغيبة-: ﴿لَيُبَيِّنُنَّهُ﴾، ﴿ولا يَكتُمُونَه﴾: ابنُ كثير، وأبو عمرو، وعاصم -في رواية أبي بكر عنه-.
وقرأ الباقون -نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية حفص- بالتاء فيهما -على الخطاب-.
انظر: "السبعة" 221، و"القراءات"، للأزهري 1/ 134، و"إعراب القراءات السبع" لابن خالويه 1/ 125، و"الحجة" للفارسي 3/ 106، و"الإقناع" 2/ 625.]]. فَمَن قرأ بالياء؛ فلأنهم غَيْبٌ. ومن قرأ بالتاء؛ حَكَى المخاطبةَ التي كانت في وقت أخذ الميثاق.
ومثل [[في (ج): (وميث) بدلًا من: (ومثل).]] هذه الآية: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 83]، بالياء والتاء [[قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: ﴿لا يَعبدون﴾ -بالياء-. وقرأ أبو عمرو، ونافع، وعاصم، وابن عامر: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ -بالتاء-.
انظر: "الحجة" للفارسي 2/ 121، و"الكشف" لمكي 1/ 249.]]. وقد تقدم القول في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [[في (أ)، (ب)، (ج): ﴿ولا يكتمونه﴾. والمثبت وفق رسم المصحف الشريف.]] ولم [[في (ج): (فلم).]] يقل: ولا تكتُمُنَّهُ [[في (ج): (ولاي كتمنه).]]؛ كما قال: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ [[في (أ): (ليبيننه)، والمثبت من (ب)، ورسم المصحف الشريف. ومن قوله: (لتبيننه ..) إلى (.. كأن المعنى): ساقط من (ج).]]؛ لأنه في معنى الحال [[أي: أن الواوَ واوُ الحال. والفعل بعدها منصوب على الحال.]]، لا في معنى الاستقبال المعطوفِ على ما قبله.
كأن المعنى: لَتُبَيِّنُنَّه للناس غيرَ كاتِمِينَ [[واستحسن أبو حيان أن تكون الواو للعطف، وأن الفعل بعدها من جملة المقسم عليه، ولكنه لم يُؤَكَّد؛ لأنه منفيٌّ؛ كما تقول: (والله لا يقوم زيد). وقال: (وهذا الوجه -عندي- أعْرَب وأفصح). "البحر المحيط" 3/ 136.]]. و (الهاء) في ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾، يعود [[في (ج): (تعود).]] على محمد ﷺ، في قول أكثر المفسرين [[منهم: السدي، وسعيد بن جبير، ومقاتل. وإليه ذهب الطبري. وقال ابن الجوزي: (وهذا قول من قال: هم اليهود)، أي: المَعْنِيِّينَ بالآية.
انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 320، و"تفسير الطبري" 4/ 202، و"زاد المسير" لابن الجوزي 1/ 521، و"الدر المنثور" 2/ 190.]]. فهو عائدٌ على معلوم، ليس بمذكور.
وفي قول الحسن، وقَتَادة [[انظر قولهما في: "النكت والعيون" 1/ 442، و"زاد المسير" 1/ 531، و"تفسير القرطبي" 4/ 304.]]: يعود على الكتاب، في قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، [ويدخُلُ فيه بَيانُ أمرِ النبي ﷺ؛ لأنه في الكتاب] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).= قال ابن الجوزي عن هذا الرأي: (وهو أصح؛ لأن الكتاب أقرب المذكورين، ولأن مِنْ ضرورة تَبْيِينِهم ما فيه، إظهار صفة محمد ﷺ). "زاد المسير" 1/ 521.]].
قال الحسن [[لم أقف على مصدر قوله.]]: هذا ميثاق الله على علماء أهل الكتاب، أن يُبَيِّنوا للناس ما في كتابهم، وفيه ذكر رسول الله ﷺ، والإسلام، فَنَبَذُوه وَرَاءَ ظُهورهم.
وقال قتادة [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 203، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 836، و"معاني القرآن"، للنحاس 1/ 520، و"تفسير الثعلبي" 3/ 168 أ، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 190 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، والقُرَظِيُّ [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 168 أ، و"تفسير القرطبي" 4/ 304.]]: كلّ مَنْ أوتي عِلْمَ شيءٍ مِنْ كُتُبِ [[في (ب): (كتاب).]] الله -جل وعز- [[(جل وعز): ليس في (ج).]]، فقد أخذَ ميثاقُهُ: أنْ يُبَيِّنَه للناس ولا يكتُمَه.
وقوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾.
قال [[من قوله: (قل ..) إلى (.. خلف ظهورهم): ساقط من (ج).]] ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: ألقوا ذلك الميثاقَ خَلْفَ ظهورهم.
وقال أهل المعاني [[ممن قال بذلك: الشعبي. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 204، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 837. وقال به أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 111، وأبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 322.]]: تركوا العَمَلَ [[في (ج): (العلم).]] به [[(به): ساقطة من (ج).]]، وقد كانوا يقرأونَهُ [[في (أ)، (ب)، (ج): (يقرونه). وأثبَتُّها وفق الرسم الإملائي الحديث.]]، فصاروا بترك العمل به، كأنهم قد ألقوه وراء ظهورهم.
قال الزجّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 497. نقله عنه بنصه.]]: يقال للذي يطرح الشيء، لا [[في (المعاني): (ولا).]] يَعْبَأ به: قد جعلت هذا الأمر بِظَهْرٍ [[في (ج): (يظهر).]].
وأنشد للفرزدق [[في (ج): (الفرزدق).]]: تميم بن قيس:
لا يكونن حاجتي بظهر ... فلا يعبأ على جوابها
أي لا يتركنها تعبأ بها.
وقوله تعالى ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني ما كان يأخذونه من سفلتهم من المآكل التي كانوا يصيبونها منهم برياستهم في العلم.
وقوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ قال ابنُ عبَّاس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: قَبُحَ شراؤُهم وخَسِروا.
3:188Page 75
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨
And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.
قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ الآية.
قال أبو سعيد الخُدْرِي [[أخرج قوله -في هذا المعنى-: البخاري في "الصحيِح" (4567) كتاب: تفسير القرآن. سورة آل عمران. باب: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾.
ومسلم في "الصحيح" 4/ 205 رقم (2777) كتاب: صفات المنافقين.
والطبري في "تفسيره" 4/ 205، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 839، والمؤلف في "أسباب النزول" 140.
وأورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 168 ب، والسيوطي في: "الدر المنثور" 2/ 191 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر، والبيهقي في "الشعب".]]: نزلت في رجالٍ من المنافقين، كانوا يتخلفون عن رسول الله في الغَزْوِ، ويفرحون بقعودهم عنه. فإذا قدم اعتذروا إليه، فيقبل عذْرَهم [[(فيقبل عذرهم): ساقطة من (ج).]]، وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدوا بما ليسوا عليه مِنَ الإيمان.
وقال عكرمة [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 205 - 206، وقد ورد فيه: (عن مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير)، وذكره بمعناه، وأخرجه من طريق آخر، وفيه: (عن مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أنه حدثه عن ابن عباس بنحو ذلك ..). وأخرجه -منسوبًا إليه-: ابنُ أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 838]]: هم اليهود، فرحوا بإضلال الناس، وبنسبة الناس إيَّاهم إلى العِلْمِ؛ وليسوا كذلك.
وقال بعضُهم: نزلت في الذين ذَمَّهم الله -تعالى-: بِكِتْمان الحَقِّ، كتموه وفَرِحوا بذلك، وأحَبُّوا أنْ يُحْمدوا بالتمسك بالحق، وقالوا: نحن أصحاب التوراة، وأولوا العِلْمِ القديم، وكلُّ ما [[في (ج): (كلما) بدلًا من: (كل ما).]] قلناه واجبٌ على الناس قَبُولُهُ، واتِّباعنا فيه. وهذا يُروَى عن ابن عباس [[أخرج قوله -بهذا المعنى-: البخاري في "صحيحه" (4568) كتاب التفسير. تفسير سورة آل عمران. باب: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾.
ومسلم في "صحيحه" رقم (2778) كتاب صفات المنافقين. والترمذي في "سننه" رقم (3014) كتاب تفسير القرآن. باب: من سورة آل عمران. وقال: (حسن صحيح غريب).
والحاكم في "المستدرك" 2/ 299 وصححه، ووافقه الذهبي.
والنسائي في "تفسيره" 1/ 352، والطبراني في "المعجم الكبير" 10/ 364 رقم (10730)، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 141، والطبري في "تفسيره" 4/ 206، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 838، والبغوى في "تفسيره" 2/ 150، والمؤلف في "أسباب النزول" 141.
وأورده السيوطى فى "الدر المنثور" 2/ 191 وزاد نسبه اخراجه إلى عبد بن حميد == وابن المنذر، والبيهقي في "الشعب".
وقد ورد حول سبب النزول أقوال أخرى. انظرها في: "تفسير الطبري" 4/ 205 - 208، و"تفسير البغوي" 2/ 150، و"أسباب النزول" للمؤلف 140 - 142، و"الدر المنثور" 2/ 191 - 193.
قال ابن حجر عن الأثر الوارد عن أبي سعيد وابن عباس والآخرين: (ويمكن الجمع بأن تكون الآية نزلت في الفريقين معًا، وبهذا أجاب القرطبيًّ وغيره). وقال -عن هذين الأثرين، وعن بقية الآثار الواردة في سبب نزولها-: (ولا مانع أن تكون نزلت في كل ذلك، أو نزلت في أشياء خاصة، وعمومها يتناول كل من أتى بحسنة ففرح بها فرح إعجاب، أحب أن يحمده الناس، ويثنوا عليه بما ليس فيه. والله أعلم).
"فتح الباري" 8/ 233، وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 306 - 307، و"تفسير ابن كثير" 1/ 473.]].
واختلف القرّاء في هذه الآية:
فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو -كلاهما-: بالياء وضمِّ الباء، مِنْ ﴿يَحْسِبُنَّهم﴾ [[أي: قرآ: ﴿وَلَا يَحْسِبَنَّ﴾، و ﴿فلا يَحْسِبُنَّهم﴾ بكسر السين فيهما. انظر: "السبعة" 219، و"الحجة " للفارسي 3/ 100 - 101، و"حجة القراءات" 186 - 187. وضبطت الكلمتان بفتح السين في: "إعراب القراءات السبع" لابن خالويه 1/ 125.]].
ووجه [[من قوله: (ووجه ..) إلى (.. فيستقيم فيه تقدير العطف): نقله -بتصرف- عن "الحجة" للفارسي 3/ 104 - 105.]] هذه القراءة: أنهما لم يُعَدِّيا (حَسِبْتُ) إلى مفعوليه اللذين [[في (ج): (الذين).]] يقتضيهما؛ لأنهما جعلا قولَهُ -تعالى- [[(تعالى): ليست في: (ج).]]: ﴿فَلا يَحْسِبُنَّهُم﴾ [[(أ)، (ب): (تحسِبنَهم) -بالتاء وكسر السين-. ولم ترد قراءة بهذه الصورة. وفي (ب): (تَحسَبَنَهم). وفي (ج): مهملة من النقط والشكل. ولكنَّ المؤلف -هنا- يتحدث عن توجيه قراءة ابن كثير وأبي عمرو، فالصواب ما أثبَتُه، والله أعلم.]] بدلًا مِنَ الأوَّلِ. ولَمَّا جعلاه بَدَلًا، وعُدِّي إلى مفعوليه، استُغنِيَ عن تَعْدِيَة الأولى إليهما، كما استغنى في قوله:
بِأيِّ كتابٍ أم بِأيِّة سُنَّةٍ ... تَرىَ حُبَّهُمْ عارًا عليَّ وتَحْسَبُ [[البيت للكُمَيت. وقد ورد منسوبًا له في: "شرح هاشميات الكميت" 49، و"المحتسب" 1/ 183، و"شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي 692، و"المقاصد النحوية" 2/ 413، 3/ 112، و"منهج السالك" 2/ 35، و"التصريح"، للأزهري 1/ 259، و"خزانة الأدب" 4/ 314، 9/ 137.
وورد غير منسوب في: "إعراب القرآن"، المنسوب للزجاج 2/ 432، و"أوضح المسالك" ص 77، و"شرح ابن عقيل" 2/ 55.
والشاهد فيه: أنه لم يذكر مفعوليْ (تحسبُ)، اكتفاءً بدلالة الفعل السابق عليهما، وهو: (ترى).]]
بتعدية أحد الفعلين إلى مفعوليه، عن تعدية الآخر إليهما.
فإن قيل: لا [[في (ج)، و"الحجة": (كيف) بدلًا من (لأن).]] يستقيم تقدير البَدَلِ في قوله: ﴿لا يَحْسِبَن [[(يحسبن) في (أ)، (ج): الياء غير منقوطة، والكلمة غير مشكولة. وفي (ب): (تحسبن)، والمثبت من: "الحجة" للفارسى، لأن المؤلف -هنا- يتحدث عن توجيه قراءة ابن كثير وأبي عمرو.]] الذيِن يَفْرَحُون بِمَا أتَوْا فَلا يَحْسِبُنَّهم [[في (أ)، (ب): (تَحْسِبُنَّهم). ولم ترد قراءة بهذه الصورة وفي (ج): مهملة من النقط والشكل. والمثبت من "الحجة" للفارسي.]] بِمَفَازَةٍ﴾، وقد دخلت الفاءُ بينهما، ولا يدخل بين البدل والمُبْدَلِ منه، الفاءُ [[(الفاء): ساقطة من (ج).]].
قيل: إن الفاء زائدة [[انظر: "معاني القرآن"، للأخفش: 1/ 222.]]؛ يَدُلُّك [[في (ج): (بذلك).]] على ذلك: أنها لا يجوز أن تكون عاطفة؛ لأن المعنى: لا يَحْسِبَنَّ الذين يفرحون بما أتوا، أَنْفُسَهم بمفازةٍ مِنَ العَذَابِ.
وإذا كان كذلك، لَمْ يَجُزْ تقديرُ العطف؛ لأن الكلام لم يستقل بعدُ، فيستقيم فيه تقديرُ العَطْفِ. ولا يجوز [[من قوله: (ولا يجوز ..) إلى نهاية بيت الشعر (.. فاجزعي): نقله -بتصرف واختصار- عن: "الحجة"، للفارسي 3/ 108 - 109.]] -أيضًا- أن تكون للجزاء، كالتي في قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [[سورة النحل: 53 وبقيتها: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾.]]، ونحوها؛ لأن هذا ليس من مواضع الجزاء. وإذا لم يجز أن تكون للعطف [و] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، و"الحجة".]] لا لِلْجَزَاء، ثَبَتَ أنها زائدة؛ كقوله:
وإذا هَلَكْتُ [[في (ب): (جزعت).]] فَعِنْدَ ذلك فاجْزَعِي [[عجز بيت للنَّمِر بن تَوْلَب. وصدره:
لا تَجْزعي إنْ مُنْفِسا أهلكته
وهو في "شعره" 72. وورد منسوبا له في: "كتاب سيبويه" 1/ 134، و"الكامل"، للمبرد 3/ 300، و"شرح الأبيات المشكلة" 90، 361، و"سمط اللآلئ" 468، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 48، 3/ 129، و"اللسان" 8/ 4503 (نفس)، 2/ 1248 (خلل)، و"المقاصد النحوية" 2/ 535، و"شرح شواهد المغني" 1/ 472، 2/ 829، و"خزانة الأدب" 1/ 314، 321، 3/ 32، 9/ 41، 43، 44، 11/ 36. وورد غير منسوب في: "المقتضب" 2/ 76، و"الحجة" للفارسي 1/ 44، 3/ 109، و"شرح المفصل" 2/ 38، و"شرح ابن عقيل" 2/ 133، و"الأزهية" 248، و"منهج السالك" 2/ 75، و"الأشباه والنظائر" للسيوطي 2/ 181. ويروى: (لا تجزعي إنْ منفسٌ ..). انظر توجيه هذه الراوية في "خزانة الأدب" 1/ 314.
البيت ضمن أبيات يخاطب فيها الشاعرُ زوجَه التي لامته على إسرافه وتبذيره في == إكرامه لأضيافه.
الجَزَع: نقيض الصبر. و (المُنْفِسُ): المال النفيس الذي له قدر. ومعنى (أهلكتُه): أفنَيتُه، وأذهبتُه. انظر: "اللسان" 1/ 616 (جزع)، 8/ 4503 (نفس).
والشاهد في البيت: زيادة الفاء. قال الفارسي: (ألا ترى أن إحدى الفاءين لا تكون إلا زائدة؛ لأن (إذا) إنما يقتضي جوابًا واحدًا).
وانظر حول زيادة إحدى الفاءين -هنا-: "الخزانة" 1/ 315.]] وكما أنشد [[في (ج): (أنشده).]] قُطْرُب [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 268 - 269]]:
وحِينَ تَركتُ العائداتِ يَعدْنَهُ ... يَقُلْن فلا تَبْعَدْ وقلتُ لَه ابْعَدِ [[البيت لحاتم الطائي. وهو في "ديوانه" 30.
وقد ورد منسوبًا له، في: "سر صناعة الإعراب" 1/ 269، و"الأزهية" 247. وورد في المصادر السابقة: (حتى تركت ..). وفي الديوان: (وحتى .. * ينادين لا تبعد). يتحدث عن شخص طعنه الشاعرُ طعنةً، تركه بين الحياة والموت. و (العائدات): اللاتي يَزُرْن المريض. انظر: "القاموس" 303 (عود).
و (لا تَبْعَد): لا تهلك؛ من: (البُعْد)، وهو: الهلاك والموت؛ يقال: (بَعِدَ، بَعَدًا)، و (بَعُدَ): هلك. ومن العرب من يقول: (بَعُدَ) -في المكان-، و (بَعِد) -في الهلاك-. وقيل: (بَعِد)، و (بَعُد) فيكون مضارعها: (يَبْعَدُ) -بفتح العين-، وهكذا ضَبطتُها في البيت. انظر: "المزهر" 1/ 208 - 209. والشاهد فيه: زيادة الفاء في (فلا ..).]]
وذكرنا وجْهَ زيادة الفاء في الكلام، فيما تقدم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ قد [[من قوله: (قد ..) على (.. لا يحسبن زيدًا ذاهبًا): نقله -بتصرف واختصار- عن: "الحجة" للفارسي 3/ 105 - 106.]] تَعَدّى فيه فعلُ الفاعل إلى ضميرِهِ. وفِعْلُ الفاعل في هذا الباب، يَتَعدَّى إلى ضمير نفسه؛ نحوَ (ظَنَنْتُنىِ أخاه)، و (حَسِبْتُني ذاهبًا).
يدل على ذلك: قُبْحُ دخولِ النَفْسِ عليها. ولو قلت: (حَسِبتُ نفسي تفعل كذا). لم يَحْسُنْ، كما يَحْسنُ: (حَسِبْتُنِي)، و (أَحْسِبُنِي) [[يجوز في مضارع (حَسِبَ) كسر السين وفتحها. انظر: "المزهر" 1/ 209.]].
وحُذِفَتْ واوُ الضميرِ في ﴿يَحْسِبُنَّهم﴾ [[في (أ): (تَحْسُبُنهم) بالتاء وضم السين. وهي خطأ واضح. وفي (ب): (تحسبنهم)، وفي (ج): مهملة من النقط والشكل. والمثبت هو ما استصوبته؛ لاتساقه مع ما سبق.]]؛ لِدُخول النون الثقيلة، واجتماع الساكنين [[أي: سكون الواو، وأول النون المشددة.]]. و-كذلك- يُحذف عند دخول النونِ الخفيفة؛ كما تقول: (لا يَحْسِبُنْ زيدًا ذاهبًا).
وقوله تعالى: ﴿بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
في موضع المفعول الثاني. وقرأ حمزة، وعاصم والكسائي -كلاهما- [[هكذا جاءت في: (أ)، (ب)، (ج): (كلاهما) -على الرفع للمثنى-، والأصل فيها أن تكون: (كلهم)، وتعود على القراء الثلاثة. أو (كليهما) -بالنصب بالياء-، وتعود على القراءتين القرآنيتين ﴿تَحْسَبَنَّ﴾، و ﴿تَحسَبَنَّهُم﴾، وقد ترجع (كلاهما) على عاصم والكسائي.]]: بالتَّاء، وفتحوا الباءَ من ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ [[أي: ﴿تَحسَبَنَّهُم﴾ -بالتاء وفتح الباء والسين-. إلا أن الكسائي كَسَر السين. انظر: "السبعة" 220، و"الحجة" للفارسي 3/ 101، و"حجة القراءات" 186، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 183.]].
ووجه هذه القراءة: أنه حذف [[من قوله: (حذف ..) إلى (.. لاتفاق الفعلين): نقله -بتصرف- عن: "الحجة" للفارسي 3/ 108.]] المفعولَ الثاني الذي يقتضيه ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ الأول؛ لأن ما يجيء بَعدُ من قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ ، يدل عليه.
ويجوز أن تجعل [[في (ب): (يجعل).]] ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ بدلًا من ﴿تَحْسَبَنَّ﴾، كما جاز أن تجعل (يَحسِبُنَّهم [[(أ)، (ب): (تحسبنهم)، وفي (ج): غير معجمة. والمثبت من "الحجة" للفارسي.]]) بدلًا من (يَحْسِبَنَّ [[(أ)، (ب): (تحسبن)، وفي (ج): غير معجمة. والمثبت من "الحجة".]]) في قراءة ابن كثير وأبي عمرو، لاتِّفاق [[(أ)، (ب): (ولاتفاق)، ولا وجه للواو -هنا-. والمثبت من (ج)، و"الحجة"، للفارسي.]] الفعلين.
قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 498. نقله عنه بتصرف واختصار يسيرين.]]: ووقعت (فَلا [[في (أ)، (ب)، (ج): (لا). والمثبت وفق رسم المصحف الشريف. وكذا جاءت في "معاني القرآن".]] تَحسَبَنَّهم) مُكَرَّرةً؛ لِطُول القصَّة.
والعربُ تُعيد إذا طالت القصّة (حَسبت) وما أشبهها؛ إعلامًا أن الذي جرى متصل بالأوَّل، وتوكيد [[في (ج): (وتأكيد)، وفي المعاني؛ وتوكيدًا.]] له، فتقول: (لا تظنَنَّ زيدًا إذا جاءك وَكلَّمَكَ في كذا وكذا، فَلاَ تظُننَّه صادقًا)، فتكرره إيضاحًا للقصة.
وهذا -الذي ذكره أبو إسحاق- سائغٌ في القراءتين: قراءةِ أبي عمرو، وقراءةِ حمزة.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامر: الأوَّل بالياء، والثاني بالتاء وفتح الباء [[أي: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ و ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ﴾، وكسرَ نافعٌ السينَ وفتحها ابنُ عامر. انظر: "السبعة" 219 - 220، و"علل القراءات" 1/ 131، و"الحجة" للفارسي 3/ 101]].
ووجه هذه القراءة: أن المفعولَيْن [[من قوله: (المفعولين ..) إلى (.. من بعد عليهما): نقله -بتصرف- عن "الحجة" للفارسي 3/ 107.]] اللَّذَيْن يقتضيهما الحِسْبانُ في قوله: ﴿لَا يَحْسَبَنَّ الذين يفرحون﴾ محذوفان [[في (ج): (محذوفًا).]]؛ لِدَلالَةِ ما ذكِرَ من بَعْدُ عليهما [[في (ج): (عليها).]]. فَلمَّا كان قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ متَّصلًا بمفعولَيْن ظاهِرَيْنِ، جُعِلا مفعولَي قولِهِ [[في (ج): (لقوله).]]: ﴿لا يَحْسَبَنَّ [[(أ)، (ب): ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ -بالتاء-. وفي (ج): غير معجمة. والمُثبَت يتناسب مع السياق؛ لأن المؤلف يوجِّهُ قراءةَ نافع وابن عامر وهي بالياء.]] الذين يَفْرَحُون﴾ ، بتقدير: لا يَحْسَبَنَّ [[في (أ)، (ب): ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ -بالتاء-. وفي (ج): غير معجمة والمثبت يتناسب مع السياق.]] الذين يفرحون أنْفُسَهُمْ، بمفازةٍ من العذاب، ولا تَحْسَبَنَّهم أنت -أيضًا- كذلك.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَتَوْا﴾ قال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 250. نقله عنه بتصرف.]]: يريد: [ما] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج). وفي "معاني القرآن": بما فعلوا.]] فعلوه؛ كما قال ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: 27] أي: فَعَلْتِ. وكقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: 16].
وقوله تعالى: ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ أي [[من قوله: (أي ..) إلى (.. نجا): نقله -بنصه- عن "تفسير غريب القرآن"، لابن قتيبة 1/ 109.]]: بِمَنْجَاةٍ؛ مِنْ قولهم: (فَازَ فلانٌ): إذا [[في "تفسير الغريب" أي.]] نَجَا. وقال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 250.]]: أي: بِبُعْدٍ [[في (أ): (يبعد)، وفي (ب)، (ج): رسمت كالتي في (أ)، إلا أنَّ النقط غير == واضحة. والمثبت هو ما استظهرت صوابه. وهي أقرب إلى رسمها في "معاني القرآن" (ببعيد)، وكذا وردت في: "إعراب القراءات السبع" لابن خالويه 1/ 125 (ببعد من النار).]] من العذاب؛ لأن الفَوْزَ معناه: التباعد من المكروه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 495.]].
وذكرنا ذلك في قوله: (﴿فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185].
3:189Page 75
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allāh is over all things competent.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بِمُلْكِ تدْبيرِهما [[في (ج): (سرها).]]، وتصريفهما [[في (ج): (وتصريفها).]] على ما يشاء. وهذا تكذيبٌ لِلَّذِين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [[سورة آل عمران: 181. وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 209.]].
3:190Page 75
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠
Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -
No commentary for this ayah
3:191Page 75
ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١
Who remember Allāh while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ الآية.
رُوي عن علي، وابن عباس، وقتادة [[ذكر قولهم الثعلبي في "تفسير" 3/ 170 ب، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 527.]]: أنهم قالوا: يعني [[في (ج): (معنى).]] [أنهم] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] يُصَلُّون على هذه الأحوال: قِيَامًا، فإن لم يستطيعوا فقُعُودا، فإن لم يستطيعوا فَعَلَى جُنُوبِهم.
وهذا اختيار الزجاج، قال [[في "معاني القرآن"، له: 1/ 499. نقله عنه بنصه. ولكن ليس هذا اختيار الزجاج، وإنما أورده وعزاه لبعض المفسرين، فقال: (وقال بعضهم ..) ثم ذكره، وأعقبه بقوله: (وحقيقته عندي -والله أعلم-: أنهم موحدون الله على كل حال). وقال قبلها: (.. وإنهم يذكرون الله في جميع أحوالهم) 1/ 498. وهذا هو اختياره.]]: يصلون في [[في "معاني القرآن": على.]] جميع هذه الأحوال، على قَدْرِ إمْكانِهِم، في صحتهم وسَقَمِهم.
وقال آخرون [[ممن قال به: قتادة، وابن جريج، ومجاهد. انظر. "تفسير الطبري" 4/ 210، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 842]]: يريد: أنهم يذكرون الله على كل حال.
وجاز [[من قوله: (وجاز ..) على (.. وراكبًا): نقله -بتصرف- عن: "معاني القرآن"، للزجاج: 1/ 498.]] أن يعطف بـ (على) على ﴿قِيَامًا﴾ و ﴿وَقُعُودًا﴾ ، لأن معناه يُنْبِئ عن حالٍ مِنْ أحوال تَصَرُّفِ الإنسان؛ كما تقول: (أنا أصِيرُ إلى زيدٍ ماشِيًا، وعلى الخيل). المعنى: ماشِيًا ورَاكِبًا [[أي أنَّ ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ في معنى الاسم؛ أي: (ونيَامًا)، أو (مُضْطجِعين على جنوبهم). فحسن حينها عطفها على ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا﴾، كما قال في موضع آخر: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [سورة يونس: 12] فقوله: ﴿لِجَنْبِهِ﴾، أي: (مضطجعا)، فعطف على الأسماء بعدها.
انظر: "معاني القرآن"، للفراء 1/ 250، و"تفسير الطبري" 4/ 210.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
ليَكُون [[من قوله: (ليكون ..) إلى (.. آثار حكمته): نقله -بتصرف- عن "معاني القرآن"، للزجاج: 1/ 499.]] ذلك أزيد في بَصِيرتهم؛ لأن فكرهم يُرِيهم عِظَمَ شأنهما، فيكون تعظيمُهم للهِ عز وجل على حسب ما يقفون عليه من آثار حكمته.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
أي: و [[(الواو): زيادة من (ج).]] يقولون: رَبَّنا ما خلقت هذا [[في (ج): (هذه).]]. الإشارة بـ ﴿هَذَا﴾ راجعةٌ إلى الخَلْقِ. و ﴿خَلَقْتَ﴾ يدل على الخَلْقِ [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 210. وقال مُعلِّلًا ذلك: (يدل على ذلك قوله: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ورغبتهم إلى ربِّهم أنْ يُقِيهم عذابَ الجحيم. ولو كان المعنِيَّ بقوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، معنًى مفهومٌ؛ لأن السمواتِ والأرضَ أدلةٌ على بارئها، لا على الثواب والعقاب، وإنما الدليل على الثواب والعقاب الأمر والنهي).]].
وقوله تعالى: ﴿بَاطِلًا﴾.
أي: خلقته دليلًا على حكمتك، وكَمَالِ قُدرتِك.
ومعنى الباطل: الزائِل الذاهب، الذي لا يَثْبُتُ [[قال ابن فارس (الباء والطاء واللام، أصلٌ واحدٌ، وهو: ذهاب الشيء، وقِلَّةُ مُكْثِهِ ولُبْثِه؛ يقال: (بَطَلَ الشيءُ، يَبْطُلُ بُطْلًا وبُطُولًا". "مقاييس اللغة" 1/ 258 (بطل).]]. ولَمَّا كان خَلْقُ السَّموات والأرض خَلْقًا مُتْقَنًا، وصُنْعًا مُحْكمًا دالًا على قدرة الصانع، لم يكن باطلًا.
وكثير من المفسرين يذهبون إلى أن المعنى: (ما خلقتهما لغَيرِ شيءٍ) [[وممن قال بهذا المعنى: مقاتل، والطبري، وأبو الليث السمرقندي، والثعلبي، والعز بن عبد السلام.
انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 321، و"تفسير الطبري" 4/ 210، و"بحر العلوم" 1/ 324، و"تفسير الثعلبي" 3/ 171 أ، و"فوائد في مشكل القرآن" لابن عبد السلام 109.]]؛ لأنه خلقهما لِيَبْلُوَ العِبَادَ بينهما بالأمر والنهي، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي [[قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: 22].]]، وانتصب قولُه ﴿بَاطِلًا﴾ على أنه نَعْتُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: خَلْقًا باطلًا [[وهذا وجه واحد من وجوه نصبه، وفيه وجوه أخرى، ذكرها أبو حيان في "البحر == المحيط" 3/ 140، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 532 - 533 واستحسنا كونها حالًا من ﴿هَذَا﴾.]].
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾.
أي: تنزيهًا لك، ببراءتك عما لا يجوز في وصفك [[التسبيح: تنزيه الله -تعالى- من كلِّ سُوء والتنزيه: التبعيد. فقولهم: (سبحانك)؛ أي: تنزيهًا لك يا ربنا .. أي: نَزَّهناك.
انظر: "الزاهر" 1/ 144، و"مقاييس اللغة" 3/ 125 (سبح)، و"اللسان" 4/ 1914 (سبح).]].
﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
أي: قد اعترفنا بوحدانيَّتِك، وصدَّقنا أنَّ لك جَنّةً ونارًا، فقِنا عذابَ النار.
3:192Page 75
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ١٩٢
Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
الإخزاء -في اللغة- يَرِدُ على معانٍ، يَقْرُبُ بعضُها مِنْ بَعْضٍ.
قال الزجاج [[لم أقف على مصدر قوله. وورد عنه في: "معاني القرآن" -عند هذه الآية-: (والمَخْزِيُّ -في اللغة-: المُذَلُّ المَحقور بأمرٍ قد لَزمَهُ بِحُجَّة، وكذلك (أخزيته)؛ أي: ألزمته حجة أذْلَلْتهُ معها).]]: (أخزى اللهُ العَدُوَّ)؛ أي: أبْعَدَهُ. وقال غيرُه [[أورد هذا القول الأزهري في: "التهذيب" 1/ 1027 (خزى) ولم ينسبه لقائل؛ حيث أورد قولَ الليث بن المظفر أولًا، ثم قال: (وقال غيره ..) وذكر القول.]]: الخِزْي: الهَوَانُ، و (أخزاهُ الله)؛ أي: أهانه.
وقال شَمِر [[قوله في: "تهذيب اللغة" 1/ 1027 (خزى). ونصه في "التهذيب": (قال شمر: قال بعضهم ..) ثم ذكره.]]: أخزيته: فضحته. وفي القرآن: ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود: 78].
وقال [[في (ج): (قال) بدون واو.]] المُفَضَّلُ [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 172 أ.]] -في قوله: ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾ -: أي: أهْلَكته.
وقال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: معنى الخِزْي -في اللغة-: الهلاك بتَلفٍ أو انقطاع حُجّةٍ، أو بوقوعٍ في بلاء [[تعرض ابن الأنباري لهذه الكلمة في "الزاهر" 1/ 374 فقال عن قولهم (أخزى الله فلانًا): (معناه: أذله الله وكسَره وأهلكه. قال أبو العباس: الأصل فيه: أن يفعل الرجل فَعْلَةً، يستحي منها وينكسر لها، ويذل من أجلها ..).]]. قال جرير:
تَمَّتْ تَمِيمٌ يا أُخَيْطِلُ فانْجَحِرْ ... خَزِيَ الأُخَيْطِلُ حين قُلتُ وقالا [[البيت في: ديوانه: 362. وهو من قصيدة يهجو فيها الأخطل، الشاعر النصراني.
وروايته في الديوان: (تمت تميمي يا أخيطل فاحتجز ..).
ومعنى (فانْجَحِرْ): ادخل جُحرك. من: (جَحَرَ الضبُّ): دخل جُحره و (جَحَرَ فلانٌ الضَبَّ): أدخله في جحره. انظر: "القاموس" ص 362 (جحر).]]
أي: هَلَكَ بانقطاع حُجّتِهِ. ويحتمل: استحيا بانقطاعه. يقال [[من قوله: (يقال ..) إلى (.. إذا استحيا): موجود في: "الزاهر" لابن الأنباري 1/ 374.]]: (خَزِيَ، يَخْزَى، خِزْيًا): إذا هلك. و (خَزِي، يَخْزى [[قوله: (خزيًا: إذا هلك وخزي يخزى) ساقط من (ج).]]، خَزَايةً): إذا استحيا [[ونصه عند ابن الأنباري: (يقال: (خَزِي يخزَى خزايَةً): إذا استحيا. و (خزِي يخزَى خِزْيا): إذا انكسر وهلك وذل).]].
وتعلقت الوَعِيدِيَّةُ بهذه الآية، وقالوا: قد أخبر الله -تعالى-: أنه لا يُخزي النبيَّ والذين آمنوا معه، فوجب أن كلّ مَنْ يدخل النارَ لا يكون مؤمنًا؛ لِقَولِه: ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾. والجواب عن هذا، من وجوه: أحدها: ما رَوَى قتادة، عن أنسٍ [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 211، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 842، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 526، و"تفسير الثعلبي" 3/ 172 أ.]] -في قوله: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ -، قال: إنك مَنْ تُخَلِّدْ في النار.
وقال الثَوْريُّ: بَلَغَنِي عن سعيد بن المسيب [[قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 142، و"تفسير الطبري" 4/ 211، و"تفسير الثعلبي" 3/ 172 أ، وفيها: (أخبرنا الثوري، عن رجل، عن ابن المسيب ..). وأورده ابن أبي حاتم في "تفسيره" 964 بدون إسناد.]]، أنه قال في هذه الآية: هي خاصَّةٌ في قومٍ لا يخرُجونَ مِنَ النَّارِ بعد دُخُولِهم إيَّاها.
ورُوي هذا المعنى -أيضًا- عن قتادة [[قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" 4/ 842، و"تفسير الثعلبي" 3/ 172 أ. وهو قول: سعيد بن جبير، وابن جريج، ومقاتل. انظر: "زاد المسير" 1/ 528.]] نفسِهِ. فمذهب هؤلاء الثلاثة: أنَّ الآية خاصَّةٌ فيمن يدخلها للخلود فيها. يدل عليه آخرُ الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يريد: الكفار.
والثاني: أن المُدخَل في النار مَخْزِيٌّ في حال دُخُولِهِ، وإن كانت عاقبتُهُ أن يخرج منها، فإن الدخول لا يقع إلّا بخزيٍ في ذلك الوقت. وهذا مذهب جابر بن عبد الله، واختيار ابن الأنباري.
يَدُلُّ عليه ما روي عن عَمْرُو بن دينار، أنه قال: قَدِم علينا جابر -في عُمْرةٍ -، فسألته عن هذه الآية، فقال: وما أخزاهُ [[(أ) ، (ب): (اخزاؤه). ولا وجه لها -هنا-. والمثبت من (ج)، ومصادر الخبر التالية.
وقوله: (وما أخزاه) أي: ما أشد وأكثر خزيه! أو: يا لخزيه!.]] حين أحرقه بالنار! إنّ دون ذا [[في (ب): (ذلك) وكذا وردت في مصادر الخبر.]] لَخِزْيًا [[أخرج الخبر: الحاكم في "المستدرك" 2/ 300، والطبرى في "تفسيره" 4/ 211،== وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 196.
وقد رجح الطبريُّ هذا القول. انظر: "تفسيره" 4/ 211.]].
قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: وحَمْل الآية على العموم أولى من نقلها إلى خصوصٍ لا دليل عليه.
والجواب الثالث: ما قال أهلُ المعاني، وهو: أنّ الإخزاءَ يحتمل معنيين: أحدهما: الإهانة والإهلاك والإبعاد، كما ذكرنا. وهذا للكفّار والثاني: الإخجال؛ يقال: (خَزِيَ خَزَايَةً): إذا استحيا، و (أخزاه غَيْرُهْ): إذا عَمِلَ بِهِ عَمَلًا يُخْجِلُه، ويستحيي منه.
ومنه حديث يزيد بن شَجَرَة [[هو: يزيد بن شَجَرة بن أبي شجرة الرُّهاوي. شامي من مذحج، مُخْتَلَفٌ في صُحبته، وكان معاوية (يستعمله على الجيوش، وكان أميرًا حازمًا، قتل في إحدى الغزوات سنة (55 هـ)، وقيل: (58 هـ).
انظر: "الاستيعاب" 4/ 138، و"الكامل" 3/ 190، 227، و"أسد الغابة" 5/ 495، و"الإصابة" 3/ 658.]]: (ولا تُخزُوا الحورَ العِين) [[الأثر، مِنْ خُطبة ليَزيد بن شجرة، أخرجه ابن المبارك في "الزهد" 43 رقم (133)، موقوفًا على يزيد، قال: (أخبرنا زائدة عن منصور عن مجاهد، قال: كان يزيد بن شجرة مما يُذَاكرنا فيبكي ..) وذكره.
وأخرجه أبو عبيد بن سلام في "غريب الحديث" 4/ 358 - 359، موقوفًا.
وأورده الأزهريُّ في "تهذيب اللغة" 1/ 1027 نقلًا عن أبي عبيد، وأورده الزمخشري في "الفائق" 1/ 317، وابن الجوزي في "غريب الحديث" 1/ 277.
وقد أورده -كذلك-: ابنُ الأثير في "أسد الغابة" 5/ 495، بنحوه، مرفوعًا عن يزيد، وكذا أورده ابن حجر في "الإصابة": 3/ 658، مرفوعًا عن يزيد. وعزاه، ابن حجر للخرائطي في: مكارم الأخلاق، وابن أبي شيبة، وعزاه للبغوي من طريق خالد الواسطي، ولأبي نعيم من طريق مسعود بن سعد، عن يزيد، ونسب ابن == حجر إخراجه لآخرين غيرهم من طرق مختلفة، ونقل عن البغوي أنه موقوف، وقال ابن حجر: (وهو الصواب).]]؛ كأنهن يَتَطلَّعنَ مَن يَصيرُ إليهن بالشهادة؛ يقول: فلا تُخْجِلُوهُنَّ بِفِرَارِكُم.
فعلى هذا، خِزْيُ المؤمنين: الحياءُ مِنْ سائِرِ أهلِ الإيمان، بدخول النار إلى أن يخرجوا منها، وخِزْيُ الكافرين: الهلاكُ بالخلود [[في (ب): (في الخلود).]] فيها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences