Al-Wahidi (al-Basit)Ali 'Imran · 3:193–200

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:193–200

3:193Page 75

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ١٩٣

Our Lord, indeed we have heard a caller [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die among the righteous.

قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ الآية.

المنادي: محمد ﷺ، في قول ابن عباس [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 172 ب، و"تفسير البغوي" 2/ 153، و"زاد المسير" 1/ 528.]]، وابن مسعود [[قوله في: المصادر السابقة، ما عدا "زاد المسير".]]، وابن جريج [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 212، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 843، و"النكت والعيون" 1/ 443، و"زاد المسير" 1/ 528، و"الدر المنثور" 2/ 196 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر.]]، وابن زيد [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 212، و"النكت والعيون" 1/ 443، و"زاد المسير" 1/ 528.]]، والأكثرين [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 321، و"تفسير القرطبي" 4/ 317، وقال: (وهذا صحيح معنى)، و"تفسير ابن جزي" 104، و"تفسير ابن كثير" 1/ 476.]].

وقيل: عين [[هكذا في: (أ)، (ب). وفي (ج): (عنى).]] المُنادِي: القرآنُ؛ حِكايَةً عن مؤمني الإنس، كما حكى عن مؤمني الجنَّ: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: 1] الآية.

وهذا قول القُرَظِيِّ [[قوله في: "تفسير سفيان الثوري" 83، و"تفسير الطبري" 4/ 212، و"ابن أبي حاتم" 3/ 843، و"معانى القرآن" للنحاس 1/ 527، و"تفسير الثعلبي" 3/ 172 ب، == و"النكت والعيون" 1/ 442، و"تفسير البغوي" 2/ 153، و"زاد المسير" 2/ 196، و"الدر المنثور" 2/ 411 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والخطيب في "المتفق والمفترق".

وهو قول قتادة انظر: "تفسير الطبري" 4/ 212، ورجحه الطبري، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 842.]]، قال: لأنه ليس كلُّ أحدٍ لَقِيَ النبي ﷺ. والذين قالوا: إنه النبي؛ قالوا: إن من سَمِع القرآنَ، فكأنه رأى النبي وأدركه وسمع منه؛ لأن القرآن معجزته، لم يأت به غيره، فهو دليل عليه، وكل مَن بَلَغه القرآنُ، فقد أنذره رسول [[في (ب): (النبي)]] الله ﷺ.

وقال تعالى: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ قال أبو عبيدة [[في "مجاز القرآن" له 1/ 11. نقله عنه بمعناه.]]: هذا على التقديم والتأخير، أي: سمعنا مناديًا للإيمان ينادي. وقيل [[قال بذلك: الفرّاءُ في "معاني القرآن" 1/ 250، والطبري في "تفسيره" 4/ 213.]]: اللام؛ بمعنى: (إلى)؛ كقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: 8]، ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: 3] ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: 5]، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: 43]، ومثله كثير. وهذا قول أكثر النحويين [[انظر -إضافةً على ما سبق-: "تأويل مشكل القرآن" 572، و"اللامات" 143، و"النكت والعيون" 1/ 443.]].

وقيل: هي [[في (ج): (هو).]] لام (أَجْل) [[ذكره الثعلبي بلفظ (قيل: ..) ولم ينسبه لقائل.]].

وقوله تعالى: ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ معنى (التكفير) في اللغة: التغطية. و (رجلٌ مُكَفَّرٌ بالسلاح)؛ أي: مُغَطَّى [[(كَفَر) و (كَفَّر) بِمَعنى، وأصله يدل على التغطية والستر. ويقال: (فارسٌ مُكَفَّرٌ) و (مُتَكَفِّرٌ بالسلاح).= انظر: (كفر) في: "إصلاح المنطق" 126، 127، 240، و"تهذيب اللغة" 4/ 3161، و"المقاييس" 5/ 191، و"بصائر ذوي التمييز" 4/ 361.]].

والكُفْر، منه [[منه: ساقط من (ج).]] -أيضًا-، وقد [[في (ج): (قد) بدون واو.]] ذكرناه.

ومعنى ﴿كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾، أي: غَطِّها عَنّا [[(عنا): ساقطة من (ج).]]، حتَّى لا نراها [[في (ج): (نريها).]]؛ كما تقول: (اغفر لي خطيئتي).

و (الغَفْرُ) -في اللغة-: السَّتْر [[انظر: (غفر) في: "جمهرة اللغة" 1/ 778، و"تهذيب اللغة" 3/ 2679، و"الزاهر" 1/ 192، و"معجم المقاييس" 4/ 385، و"بصائر ذوي التمييز" 4/ 136.]]. وجَمَعَ بين غُفْران الذنوب، وتكفير السَّيئات؛ لأن غفرانَ الذنوبِ، تَفَضُّلُه ورحمتُه؛ وتكفيرَ السيئات بالطاعات؛ كما تقول في الأشياء الموجبة للكفَّارة، فإنها إذا كُفِّرت، صارت مُكفَّرةً بتلك الطاعةِ التي هي كفَّارةٌ لها، كالصوم في الظِّهار، وإعتاق الرَّقبة في القتل الخطأ، والإطعام في الحِنْث [[الحِنْثُ -هنا-: الخُلْف في اليمين.]]. فالمغفرة بفضله من غير سبب، والتكفير، بسبب [[في (ج): (سبب).]] طاعة.

والسَّيَئات جَمْعُ: سَيِّئَة. قال الليث [[قوله في: "تهذيب اللغة" 2/ 1583 (سوأ)، وقد دمج المؤلف -هنا- بين قول أبي زيد، وقول الليث. فمن قوله: (السيء ..) إلى (.. للأنثى): هو نص قول الليث. ومن قوله: (سوأت ..) إلى (.. بما صنع): من قول أبي زيد، تصرف فيه المؤلف.]]: يقال: (ساءَ الشَيءُ، يَسُوءُ)، فهو (سَيِّئٌ): إذا قَبُحَ.

وقال أبو زيد: (السَّيِّىُء)، و (السَّيِّئة)، عملان قبيحان. يصير (السيِّىءُ) [[في (ج): (الشيء).]] نعتًا للذَّكَرِ مِنَ الأفعال [[في "التهذيب": الأعمال.]]، و (السَّيِّئَةُ) للأنثى؛ ومِنْ هذا يقال: (سَوَّأتُ على فلان فعلَه) ، أي: قَبَّحْتُهُ عليه، وعِبْتُهُ بما صَنَع.

وقوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.

قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في "زاد المسير" 1/ 529.]]: يريد: مع [[(مع): ساقطة من (ج).]] الأنبياء؛ والمعنى: تَوَفَّنا في جُمْلَتِهم. وكلُّ مَنْ أُخِذَ في جُمْلَةِ قومٍ صار معهم؛ فلذلك قال: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.

3:194Page 75

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ١٩٤

Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."

قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ الآية.

قالوا: معناه: على ألسُنِ رُسُلِك. فهو من باب حذف المضاف [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 213، و"بحر العلوم" 1/ 324، و"تفسير الثعلبي" 3/ 173 أ، و"زاد المسير" 1/ 529.]].

وقال الكَلْبيُّ -عن ابن عباس- [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يقولون: على لِسان رُسُلِك.

ومعنى الدعاء -ههنا- مع العِلْم أنه مُنْجِزٌ وَعْدَهُ لا محالة-: التَّعَبُدُ؛ لمَا في ذلك من الخُضُوع لله، وإظهار الحاجة إليه؛ وذلك أن (الدعاء مُخُّ العِبَادةِ) [[هذا نص حديث، أخرجه بهذا اللفظ: الترمذي في "السنن" 5/ 456 رقم (3371). كتاب: الدعاء. باب: (من فضل الدعاء)، عن أنس بن مالك، من طريق ابن لهيعة، وقال الترمذي: (حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة).

وورد بلفظ: (الدعاء هو العبادة)، أخرجه: الترمذي في "السنن" رقم (2969) == كتاب: "التفسير": باب (من سورة البقرة). وقال: (حسن صحيح)، رقم (3247) كتاب: التفسير. باب (ومن سورة المؤمن)، رقم (3372) كتاب: الدعاء. باب: (ما جاء في فضل الدعاء).

وأحمد في "المسند" 4/ 271، والحاكم في "المستدرك" 1/ 491. وقال: (صحيح الإسناد)، ووافقه الذهبي.

وابن ماجه في "السنن" رقم (3828) كتاب: الدعاء باب (فضل الدعاء).

وأبو داود في "السنن" رقم (1479) كتاب: الصلاة باب (الدعاء).

وابن حبان في صحيحه - انظر: "الإحسان" 3/ 172 رقم: (890).

وابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 21 - 22 رقم (29158).

والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (714)، والطيالسي في "مسنده" 2/ 146 (838)، والبغوي في "شرح السنة" 5/ 184 رقم (1384).]].

ومثلُهُ -مِمَّا لا يجوز غيرُه، وقد تعبدنا بالدعاء به-: قولُهُ [[في (ج): (وقوله).]] -تعالى- [[(تعالى): ليست في (ج).]]: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: 112]، وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: 7] [[وانظر: "روح المعاني" 4/ 167.]] الآية

وقيل [[ذكر معنى هذا القول: الطبري في "تفسيره" 4/ 214، والثعلبيُّ في "تفسيره" 3/ 173 أ، ولم ينسباه لقائل.]]: معناه: اجعلنا مِمَّن وَعَدته بالثواب، دون الخِزْي والعِقَاب.

فمعنى (آتِنَا ذلك): اجعلنا مِنْ أهلِهِ. وقيل [[ممن قال به: ابن جريج. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 213، 214، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 843.

واختاره الطبري في: "تفسيره" 4/ 214. وقال الآلوسي: (وكلام أبي القاسم البلخي يشير إلى هذا أيضًا) "روح المعاني" 4/ 167.]]: معناه: و [[(الواو): زيادة من (ج).]] آتِنا ما وعدتنا مِنَ النصْرِ لنا، والخِذْلان لِعَدُونَّا، عاجِلًا. فهم سألوا تعجيل ما وُعِدوا.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنَا﴾ قد ذكرنا معاني (الإخزاء)، عند قوله: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: 192].

3:195Page 76

فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥

And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allāh, and Allāh has with Him the best reward."

قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي﴾ أي: بِأنِّي.

وقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: في الدِّينِ والنُصْرَةِ، والمُوَالاة. معناه: بعضكم يوالي بعضًا؛ كما ذكرنا في قوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 34]. هذا قولُ الكَلبِيِّ [[قوله، في: تفسير "بحر العلوم" 1/ 324، و"تفسير الثعلبي" 3/ 174أ.]] وغيرِه [[وهو قول: ابن عباس، والحسن، وقتادة، واختيار الطبري. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 216، و"النكت والعيون" 1/ 443، و"زاد المسير" 1/ 375.]].

وقيل [[هذا القول، أورده الطبري في تفسيره؛ مِن تتمة القول الأول، ولم يفصل بينهما. انظر: "تفسيره" 4/ 216. وأورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 174 أ، وصَدّره بـ (قيل) ولم ينسبه لقائل.]]: معناه: حُكْمُ جَمِيعِكم حُكْمُ واحِدٍ منكم؛ فيما أفْعَلُ بكم؛ مِنْ مُجازاتِكم على أعمالكم، وتَرْكِ تضييعها لكم. يستوي في ذلك ذُكْرانُكم وإناثكم.

وقوله تعالى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾. أحسنُ [[من قوله: (أحسن ..) إلى (.. للقتل الذي وقع بهم): نقله -بالمعنى- من "الحجة" للفارسي 3/ 117.]] وجوهِ القِراءَةِ: تقديمُ ﴿قَاتَلُوا﴾ على ﴿قُتِلُوا﴾ [[هي قراءة نافع، وعاصم، وأبي عمرو.

انظر: "السبعة" 221، و"القراءات" للأزهري 1/ 135، و"الحجة" للفارسي 3/ 117، و"الكشف" لمكي 1/ 373، و"التيسير" للداني 93.]]، لأن القتال قبل القتل. وقرأ ابنُ عامر، وابنُ كَثير: ﴿وَقُتِّلُواْ﴾ -مُشَدَّدَة- [[انظر: المصادر السابقة.]]؛ لِتَكَرُّرِ القتلِ فيهم، فهو مثل: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: 50]، ومَنْ خَفَّفَ؛ فإن التخفيف يقع على القليل والكثير.

وقرأ حمزة، والكسائيُّ [[انظر: المصادر السابقة، و"النشر" 2/ 246.]]: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾، ولها وجهان:

أحدهما: أن المعطوف بالواو، هو الأوَّلُ في المعنى، وإنْ كان مُؤَخَّرًا في اللفظ؛ لأن [[في (ج): (فإن).]] الواوَ لا يُوجِبُ [[في (ج): (لا توجب).]] ترتيبًا.

والثاني: أن المُرادَ بقوله: ﴿وَقتُلُواْ﴾ ، أي: قُتِلَ بعضُهم، ثم قاتل مَنْ بَقِيَ منهم، ولم يَهِنُوا، ولم يَضْعُفوا، لِلْقَتْلِ الذي وَقَعَ بهم [[استشهد الفارسي في هذا الموضع بقوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الآية: 146. سورة آل عمران].]].

وقوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِّن عِندِ اَللَّهِ﴾ قال الزجاجُ [[في "معاني القرآن" له 1/ 500. نقله عنه بتصرف واختصار.]]: هو مصدرٌ مؤكِّدٌ لِمَا قبله [[المصدر المؤكِّد، هو المفعول المطلق. وفي نصبه وجوه أخرى؛ منها: أنه منصوب على التمييز، الذي يسميه الفراء (التفسير). وقيل: منصوب على القطع؛ أي: الحال. وقيل غير ذلك.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 251، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 387، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 185، و"الدر المصون" 3/ 543 - 544.]] ، لأن معنى ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ﴾: لأُثِيبَنَّهُمْ.

قال: ومثله: ﴿كِتَابَ اللهِ﴾ [[سورة النساء: 24. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، لأن قبلها جاء قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية 23 من سورة النساء.]]، و ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ [[سورة النمل: 88. ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾.]]؛ لأن ما قبله بمنزلة: (كَتَبَ اللهُ)، و (صَنَعَ اللهُ) [[انظر: "كتاب سيبويه" 1/ 381، و"المسائل الحلبيات" 303، وانظر: تفسير قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُّؤَجَّلاً﴾ [الآية: 145].]].

3:196Page 76

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١٩٦

Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.

قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾

قال المفسرون: نزلت [[من قوله: (نزلت ..) إلى (.. فأنزل الله ﴿لَا يَغُرَّنَّك﴾): نقله -بتصرف يسير- عن "تفسير الثعلبي" 3/ 175أ.

وممن قال بذلك: مقاتل في "تفسيره" 1/ 323، وذكره أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 325 على أنه معنى الآية، ولم ينص على كونه سببًا في نزولها.

وذكره المؤلف في "أسباب النزول" 143، والبغوي في "تفسيره" 2/ 154، ولم ينسباه لقائل. وذكره الآلوسي، واستظهره. انظر: "روح المعاني" 4/ 172.]] في مشركي مَكَّة، وذلك أنهم كانوا يَتَجَبَّرُون [[في (ج)، و"تفسير الثعلبي": (يتَّجرون)، وكذا هي في: "روح المعاني"، حيث نقل الآلوسيُّ نَصَّ هذه العبارة عن الواحدي، وفيها (يتجرون). وهي أصوب وأليق بالمعنى المراد. والمثبت من (أ)، (ب)، وله وجه كذلك.]] وَيتَنَعَّمُون. فقال بعض المؤمنين: إن [[(إن): ساقطة من (ج).]] أعداء الله فيما نرى من الخير، وقد هَلَكْنَا من الجُوعِ والجَهْدِ، فنزلت هذه الآية.

وقال الفراء [[في "معاني القرآن " له 1/ 251.]]: كانت اليهود تضرب في الأرض فَتُصِيبُ الأموالَ، فأنزل [[في "معاني القرآن": (فقال الله عز وجل).]] الله: ﴿لَا يَغُرَّنَكَ﴾ [[ذكر هذا السببَ ابنُ الجوزي في "زاد المسير" 1/ 531، ونسبه لابن عباس.

وذكر ابن الجوزي عن أبي سليمان الدمشقي، أن النبي ﷺ، أراد أن يستلف من بعض اليهود شعيرًا، فأبى إلا على رَهْنٍ، فقال النبي ﷺ: "لو أعطاني لأوفيته، إني لأمينٌ في السماء، أمينٌ في الأرض" فنزلت هذه الآية.]].

قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 500. نقله عنه بنصه.]]: خطاب النبي ﷺ، خطاب الخَلْقِ في هذا الموضع؛ المعنى: لا يَغُرَّنَّكم أيها المؤمنون. وهذا قول قتادة [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 217، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 845.]]. قال: والله ما غَرُّوا نَبِيَّ اللهِ، حتى قبضه الله. والخطاب له، والمراد غيره [[(الخطاب له والمراد غيره): العبارة للثعلبي في "تفسيره" 3/ 175 أ.]].

وقال بعض النَحْوِيِّين [[لم أقف عليهم.]]: هذا خطابٌ لكل من سمعه من المكلفين؛ كأنه قيل: لا يَغُرَّنك أيُّها السامِعُ.

وُيبْنى المضارعُ مع النون الشديدة؛ لأن النون لحقت حرفَ الإعراب، على جهة التأكيد، فصار بمنزلة ضمِّ الاسم إلى الاسم في (خَمْسَةَ عَشَرَ)، ونحوه.

وقوله تعالى: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾.

يعني: تَصَرُّفهم للتجارات [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 251، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 117، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 500، و"تفسير الثعلبي" 3/ 175 أ، و"زاد المسير" 1/ 532.]].

أعلَمَ [[من قوله: (أعلم ..) إلى (.. نعيم بعده النار): نقله -بتصرف يسير- عن: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 500 - 501.]] اللهُ أن ذلك مما لا ينبغي أن يُغْبَطوا به؛ لأن مصيرهم -بكفرهم- إلى النار، ولا خير [[في (ج): (وأخبر).]] في نَعِيمٍ [[في "معاني القرآن": (بخير) بدلًا من (في نعيم).]] بعده النار.

3:197Page 76

مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٩٧

[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.

فقال: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: تَقَلُّبُهُم مَتَاعٌ قَلِيلٌ. وقال الفراء [[قد يُفْهم قولُ الفراء هذا، من عباراته التي يقول فيها: (كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال، فقال الله عز وجل: لا يغرنك ذلك. وقوله: ﴿مَتَعٌ قَلِيلٌ﴾ في الدنيا). "معاني القرآن" 1/ 251. معنى قوله: (ذلك)، أي: ضَرْبُ اليهود في الأرض، متاع قليل.]]: ذلك متاعٌ قليل.

وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 501. نقله عنه بنصه.]]: ذلك الكَسْبُ والرِّبْحُ الذي يربحونه، مَتَاعٌ قليل. وإنما وصفه [[في (ب): (وصف).]] بالقِلَّةِ؛ لأنه فانٍ مُنْقَطِعٌ؛ ولأنَّهُ [[في (ج): (وإنه).]] -بالإضافة إلى نعيم الآخرة- قليلٌ.

3:198Page 76

لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ ١٩٨

But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allāh. And that which is with Allāh is best for the righteous.

قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ الآية. قد ذكرنا التخفيفَ والتشديد في ﴿لَكِنِ﴾ [[قرأ أبو جعفر بتشديد النون المفتوحة. وقرأ الباقون بالتخفيف. انظر: "المبسوط" لابن مهران 151، و "تفسير الثعلبي" 3/ 175ب، و"زاد المسير" 1/ 532، و"النشر" 2/ 247.]] عند قوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [[سورة البقرة:102. وانظر: "الحجة" للفارسى 2/ 169 - 180.]]، ومعناه [[في (ج): (معناه) بدون واو.]] -ههنا-: الاستدراك بها، خلاف المعنى المتقدم؛ وذلك أن [[(أن): ساقطة من (ج).]] قوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ تَضَمَّنَ: ما لَهُم كثيرُ انتفاع؛ فجاء على ذلك: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ لَهُمْ [[(لهم): زيادة من (ب).]] الخلود في النعيم المقيم.

وقوله تعالى: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. المعنى: مِنْ تحتِ أشجارِهَا وقصورها وأبْنِيَتِها.

وقوله تعالى: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ النُّزُلُ [[النُّزُل، والنُّزْل -بضم الزاي وتسكينها. انظر: "القاموس المحيط" (1062) (نزل).]]: ما يُهيّأ لضيف أو لقوم إذا نزلوا موضعًا.

ويقال: (أقمت لهم نُزُلَهم) ، أي: أقمت لهم غذاءَهم [[في (ج): (عداوهم).]]، وما يصلح معه أن ينزلوا [[من قوله: (أقمت ..) إلى (.. ينزلوا عليه): هو نص قول الزجاج في: "معاني القرآن" له 4/ 306 عند تفسير الآية 62 من سورة الصافات ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾.]] عليه. هذا معناه في اللغة [[انظر هذا المعنى، وبقية المعاني و (نزل) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3555، و"المقاييس" 5/ 417، و"مفردات ألفاظ القرآن" 800، و"اللسان" 7/ 4400.]].

وقال الكَلْبيُّ في تفسيره [[في (أ)، (ب): (تفسير)، والمثبت من (ج). وقد أورد قوله هذا: الثعلبي في: "تفسيره": 3/ 175 ب وورد في: "زاد المسير" 1/ 532، ونسبه إلى ابن عباس. ويبدو أنه من رواية الكلبي عنه.]]: جزاءً وثوابًا [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 325، و"تفسير البغوي" 2/ 154.]]. وانتصابه على المصدر [[أي: المفعول المطلق.]]، في قول الزجاج، قال [[في "معاني القرآن" له 1/ 501. نقله عنه بنصه.]]: هو مصدرٌ مُؤَكِّدٌ [[مؤكد: ليس في "معاني القرآن".]]؛ لأن خلودهم فيها: إنزالهم فيها أو نزولهم [[(أو نزولهم): ليس في "معاني القرآن".]].

وقال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 251. نقله عنه بتصرف.]]: هو نصبٌ على التفسير [[(التفسير) من مصطلحات الكوفيين. وهو (التمييز) عند البصريين، ويقال له كذلك: التبيين. وقد يُطلِقُ الفراءُ (التفسير) على المفعول لأجله، أو على بدل المطابقة. ولكنهما ليسا مرادان في هذا الموضع.

انظر: "همع الهوامع" 3/ 62. و"دراسة في النحو الكوفي" 266 - 228، و"النحو وكتب التفسير" 1/ 189، 190.]]، كما تقول: (هو لك: هِبَةً وبَيْعًا وَصَدَقَة).

وقوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ أي: مما يَتَقَلَّبُ [[في (أ): (ينقلب). وفي (ج): غير معجمة. والمثبت من (ب)؛ لأنها أولى وأليق بالمعنى. وكذا وردت في: "الكشاف" 1/ 491، و"تفسير القرطبي" 4/ 322، و"تفسير البيضاوي" 1/ 83]] فيه الكفّار في دار الدنيا. و (الأبرار) [[من قوله: (والأبرار ..) إلى (للتضعيف) نقله عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 501.]] يجوز أن يكون واحده (بارٌّ)، مثل: صاحِبٌ وأصحاب. ويجوز أن يكون واحده (بَرٌّ)، وأصلُهُ: (بَرَرٌ) [[(وأصله برر): ساقط من (ج).]]، فأدْغِمَ [[في (ج): (وأدغم).]] للتضعيف [[في "الصحاح"، و"اللسان"، و"المصباح المنير"، و"التاج": أن (الأبرار) جمع (بَرٍّ). و (بَرَرَة) جمع (بارٍّ). انظر: (بر) في: "الصحاح" 2/ 588، و"اللسان" 1/ 253، و"المصباح" 17، و"التاج" 6/ 701.

وعند الراغب: أن (أبرار) جمع (بار). و (بَرَرَة) جمع (بَرٍّ). انظر: "مفردات ألفاظ القرآن": 115. وتبعه الفيروزآبادى في "بصائر ذوي التمييز" 2/ 213. وانظر: "البرهان" للزركشي 4/ 18، و"عمدة الحفاظ" 45.]].

3:199Page 76

وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩٩

And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allāh and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allāh. They do not exchange the verses of Allāh for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allāh is swift in account.

وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية.

اختلفوا في نزولها؛ فقال ابن عباس [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 1176، و"أسباب النزول" للمؤلف 143.]]، وجابر [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 218، و"تفسير الثعلبي" 176 أ، و"أسباب النزول" للمؤلف 143، 144.]]، وقتادة [[قوله، في: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 144، و"تفسير الطبري" 4/ 218 - 219، و"تفسير الثعلبي" 3/ 176 أ، و"أسباب النزول" للمؤلف 143، 144.]]: نزلت في النَّجَاشيِّ [[هو: أصحمة بن أبحر، والنجاشي، لقبه. قال ابن عيينة عن (أصحمة)، (هو بالعربية: عطية). وهو ملك الحبشة، وقد أكرم المسلمين الذين هاجروا إلى بلاده من مكة المكرمة، وأحسن استقبالهم، وأسلم ولم يهاجر. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 144، و"الإصابة" 1/ 109.]] حينَ مات، وصلّى عليه النبيُّ ﷺ بالمدينة. فقال المنافقون: إنه يُصَلِّي على نصرانِيٍّ لم يَرَهُ قَطُّ [[وبه قال ابن جريج في رواية عنه أخرجها الطبري في "تفسيره" 4/ 2191. وقال به أنس بن مالك، أخرجه عنه النسائي في "تفسيره" 356 رقم (108)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 846، والمؤلف في: "أسباب النزول" 144، والبزار

(انظر: "كشف الأستار عن زوائد البزار" 1/ 392 رقم: 832).

وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 3/ 38وزاد نسبة إخراجه للطبراني في "الأوسط"، وقال: (ورجال الطبراني ثقات)، وذكره ابن حجر في "الإصابة" 1/ 109، وزاد نسبة إخراجه لابن شاهين والدارقطني في: الأفراد.

وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 481، و"الدر المنثور" 2/ 200.

وبه قال الحسن البصري. ذكر ذلك ابن كثير في "تفسيره" 1/ 481، ونسب إخراج الأثر عنه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.

وصلاة الرسول على النجاشي، أخرجها الشيخان، ولكن ليس فيها اعتراض المنافقين، ولا أنه سبب نزول الآية.

انظر: "صحيح البخاري" (3877) كتاب: مناقب الأنصار. باب: موت النجاشي، و"صحيح مسلم" رقم (951 - 953) كتاب الجنائز. باب: في التكبير على الجنارة. وانظر: "جمع الزوائد" 3/ 38 - 39.]].

وقال ابن جُرَيْج [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 219، و"تفسير الثعلبي" 3/ 176 ب، و"أسباب النزول" للمؤلف 144.]]، وابن زيد [[قوله في: المصادر السابقة وبه قال مقاتل في "تفسيره" 1/ 323.]]: نزلت في عبد الله بن سَلامٍ وأصحابه.

وقال مجاهد [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 219، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 846، و"تفسير الثعلبي" 3/ 176ب، و"أسباب النزول" للمؤلف173، وهو قول ابن عباس من رواية أبي صالح عنه. انظر:"زاد المسير" 1/ 533. وإلى هذا القول، ذهب الطبري في تفسيره، في الموضع السابق.]]: نزلت في مؤمِنِي أهلِ الكتابِ، كلِّهم.

و [[(الواو): زيادة من (ج).]] قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 501. نقله عنه بالمعنى.]]: لَمَّا ذكر الذين كفروا من أهل الكتاب في قوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 187] ذكر حال مَنْ آمَنَ مِنْ أهلِ الكتاب، وأخبر أنهم صَدَقُوا في حال خُشُوعٍ.

وقوله تعالى: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: عَرَضًا مِنَ الدُّنياَ، كفعل اليهود الذين غَيَّروا التوراة بِثَمَن.

ومعنى: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ -ههنا-: أنه لا يُؤخِّرُ الجزاءَ عَمَّن استحقه؛ لِطُول الحِسَابِ والاشتغال به؛ كما يتأخر [[في (أ)، (ب)، (ج): (يتأخر). والأصل أن يقول: تتأخر. إلا أن المُثبَتَ على معنى: يتأخر قضاء الحقوق.]] لذلك الحقوقُ في الدنيا. ومضى الكلام في معنى سرعة حساب الله [[انظر: تفسير الآية: 202 من سورة البقرة.]].

3:200Page 76

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠

O you who have believed, persevere1 and endure2 and remain stationed3 and fear Allāh that you may be successful.

وقوله [[في (ج): (قوله) بدون واو.]] تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾

قال الحسن [[قوله في: "تفسيرالطبري" 4/ 221، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 849، و"تفسير الثعلبي" 3/ 176 ب، و"زاد المسير" 1/ 534.]]: اصبروا على دينكم فلا تَدَعُوه لِشِدّةٍ. وهذا اختيار الزجّاج [[في "معانى القرآن" له 1/ 501.

وهو قول محمد بن كعب القرظي. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 221، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 847.

وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 4/ 222 وعلله بقوله: (وذلك أن الله لم يخصص من معاني الصبر على الدين والطاعة شيئًا، فيجوز إخراجه من ظاهر التنزيل، فلذلك قلنا: إنه عنى بقوله: ﴿اصْبِرُوا﴾: الأمر بالصبر على جميع معاني طاعة الله، فيما أمر ونهى، صعبها وشديدها، وسهلها وخفيفها).]].

وقال زيد بن أسلم [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 222، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 848، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 201، 202. وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، والبيهقي في "الشعب".

وأخرجه الحاكم بنفس سند الطبري وابن أبي حاتم، إلا أنه زاد فقال: (.. عن زيد ابن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -) وفيه أن عمر بلغه أن أبا عبيدة حضر بالشام، وتألب عليه الأعداء، فكتب إليه يُصبِّره، وأنهى كتابه لهذه الآية. انظر: "المستدرك" 2/ 300. وصححه، ووافقه الذهبي.]]: أي: على الجهاد. وهو اختيار ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]].

وقال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 251. نقله عنه بنصه.]]: ﴿اصْبِرُوا﴾ مع نَبِيِّكم [[في المعاني: (مع نبيكم على الجهاد).]]، ﴿وَصَابِرُوا﴾ عدُوَّكم، فلا يكونن [[في (ج): (فلا يكون).]] أصْبَرَ منكم.

﴿وَرَابِطُوا﴾، أي: أقيموا على جهاد عدوكم بالحرب والحُجَّةِ. قاله الزجّاج [[في: "معاني القرآن"، له: 1/ 501 - 502. نقله عنه بنصه.]]. وأصلُهُ -عند أهل اللغة-: مِن (مُرابَطَةِ الخَيْل)، وهو ارتباطها بإيزاء العَدُوِّ في بعض الثُّغُور [[هذا نص قول الأزهري في: "تهذيب اللغة": 2/ 1346 (ربط).]].

قال ابن قتيبة [[في: "تفسير غريب القرآن"، له: 1/ 109. نقله عنه بتصرف.]]: أصل (المُرَابَطَةِ) و (الرِّباط): أن يَرْبِطَ هؤلاء خيولَهم في الثَّغْرِ، وَيربط الكفارُ خيولَهم، كلٌّ يُعِدُّ لِصَاحبه، ثم سُمِّيَ المُقامُ بالثغور (رِباطًا)؛ لوجود هذا المعنى [[قال ابن فارس عن الرباط: هو (ملازمة ثَغْرِ العدو، كأنهم رُبطوا هناك، فثبتوا به، ولازموه). "المقاييس" 2/ 478 (ربط). وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 222، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 530، و"مفردات ألفاظ القرآن" 338 - 339 (ربط)، و"أساس البلاغة" (316) (ربط).]].

وكلام ابن عباس -في رواية عطاء- يَدُلُّ على هذه الجملة، فإنه قال في قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾ يريد: عَدُوِّي وعدوَّكم. حتى يرجع عن دينه إلى دينكم [[ورد معنى قول ابن عباس في: "زاد المسير" 1/ 534، وأورد الثعلبي في "تفسيره" 3/ 177 أقول عطاء، دون أن يرفعه لابن عباس، وفيه: (﴿وَرَابِطُوا﴾: يعني. المشركين).]].

وهذا اللفظ يتضمن معنى [[(معنى): ساقط من (ج).]] ملازمة الجهاد. وهذا قول أكثر أهل التفسير [[هو قول: قتادة، وابن جريج، والضحاك، ومحمد بن كعب القُرَظي، ومقاتل. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 221، 222، و"تفسير مقاتل" 1/ 324.

وهو الذي رجحه الطبري في "تفسيره" 4/ 223؛ مُعَلِّلًا بأنه: (هو المعنى المعروف من معاني (الرباط)، وإنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه، دون الخفي، حتى يأتي بخلاف ذلك -مما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه- حُجةٌ يجب التسليم لها، مِن كتاب، أو خبر من الرسول ﷺ، أو إجماع من أهل التأويل) 4/ 223.]].

وقال أبو سَلَمَة بن عبد الرحمن [[قوله في: "المستدرك" للحاكم 2/ 301، و"تفسير الطبري" 4/ 222، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 481.]]: معنى ﴿وَرَابِطُوا﴾: انتظروا الصلاة بعد الصلاة. واحتج [[من قوله: (واحتج ..) إلى (.. الصلاة بعد الصلاة): ساقط من (ج).]] بقوله ﷺ في حديث أبي هريرة، حيث ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة- قال: (فَذلِكُمُ الرِّبَاط)، ثلاث مرّات [[الحديث من رواية أبي هريرة. أخرجه مسلم في "الصحيح" رقم (251). كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء، والترمذي رقم (51، 52) أبواب الطهارة. باب ما جاء في إسباغ الوضوء، وقال: (حسن صحيح)، ومالك في "الموطأ" ص 118 (58) كتاب قصر الصلاة في السفر، باب انتظار الصلاة والمشي إليها.]].

وأصل هذا من الرَّبْط، وهو: الشَّدُّ [[في (ج): (الشدة).]]. ويقال لِكُلِّ مَنْ صَبَرَ على أمْرٍ: (رَبَطَ قَلْبَه عليه)، و (ربط نفسه) [[انظر: (ربط): "تهذيب اللغة" 2/ 1346، و"مقاييس اللغة" 2/ 78، و"تفسير الثعلبي" 3/ 177 أ.]].

قال لَبِيد: رابطُ الجَأْشِ على كُلِّ وَجَلْ [[في (ب): (رجل).

وهذا عجز بيت، وصدره:

يُسْئِدُ السَّيْرَ عليها راكبٌ

البيت في: "ديوانه" 176. وورد منسوبًا له في: "تهذيب اللغة" 2/ 1591 (سأد)، و"الصحاح" 2/ 482 (سأد)، و"تفسير الثعلبي" 3/ 177 أ، و"اللسان" 3/ 1905.

ومعنى (يُسْئِد): يُغذُّ ويسرع السَّيْرَ. يقال: (أسْأدَ الرجلُ السَّيْرَ): أدْأبَهُ. و (الإسآد): الإسراع والإغذاذُ في السير، وأكثر ما يستعمل ذلك في سير الليل. وعن أبي عمرو: الإسآد: أن تسير الإبلُ الليل مع النهار. و (الوَجَلُ): الخوف.

انظر (سأد) في: "الصحاح" 2/ 482، و"اللسان" 3/ 1905، و"القاموس" (1067) (وجل).]]

أي: صابرٌ ثابت. فقيل للصبر على الصلاة وربط النفس عليها: (رِبَاط).

وقال أبو عبيدة [[في: "مجاز القرآن" 1/ 112.]]، وابنُ الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: معنى ﴿وَرَابِطُوا﴾؛ أي: اثْبُتُوا، وداوموا [[في "مجاز القرآن": ودوموا. وورد قول أبي عبيدة في: "تفسير الثعلبي" 3/ 177 أ، وفيه: (داوموا)، كما هي عند المؤلف.]].

وأنشد ابنُ الأنباري قولَ الأخْطَل [[هو: غياث بن غوث بن الصلت، أبو مالك التغلبي. شاعر نَصْراني، ومات على نَصْرانِيَّتِه، كان مُقَدَّمًا عند خلفاء بني أمية، لكثرة مدحه لهم وانقطاعه إليهم. توفي سنة (90 هـ).

انظر. "شرح شواهد المغني" 1/ 123، "الأعلام" 5/ 123.]]: ما زال فينا رِباطُ الخيْل معْلِمَةً ... وفي كُلَيْبٍ رِباطُ اللُّؤْمِ والعَارِ [[البيت في "شعره" 635. وورد منسوبًا له في: "الصحاح" 5/ 1990 (علم)،

و"اللسان" 5/ 3084 (علم).

وورد غير منسوب في: "أساس البلاغة" 1/ 316.

قوله: (مُعْلِمة) -بكسر اللام، وهكذا ضبطت في شعره، والصحاح، و"اللسان"-: هي من قولهم: (أعْلَمَ الفارِسُ): جعل لنفسه علامة الشجعان. فهو مُعْلِم. والخيل المُعلِمة: المشهورة التي لها علامة في الحرب.

وفي "مجاز القرآن": (مُعْلَمَة) -بفتح اللام-: وهي للبناء للمجهول، من قولهم: (أعْلَمَ الفَرَسَ): عَلَّق عليه صوفًا أحمر أو أبيض في العرب. انظر: "اللسان" 5/ 3084 (علم).

وكُلَيب: هم رهط جرير، الذي يهجوه الأخطلُ في هذا البيت.]]

قال: إنما [[(إنما): ساقط من (ج).]] أراد بـ (الرِّبَاط): اللزوم والثبات. وهذا المعنى راجع إلى ما ذكرنا من الصبر ورَبْطِ النفس.

ثم هذا الثبات والدوام يجوز أن يكون على جهاد العدو، ويجوز أن يكون على الصلاة [[والراجح أن (الرباط) -المذكور في الآية- معنيٌّ به المرابطة في الجهاد. وهو ما رجحه ابن جرير، وأكثر المفسرين. وقول رسول الله ﷺ: (فذلكم الرباط ..) إنما هو تشبيه المحافظة على الصلاة؛ بملازمتها والدوام عليها، والرباط في سبيل الله؛ بجامع ما في الأمرين من دوام ولزوم وانتظار. انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 477.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском