Al-Wahidi (al-Basit)Ali 'Imran · 3:20–25

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:20–25

3:20Page 52

فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠

So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allāh [in Islām], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned,1 "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islām], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allāh is Seeing of [His] servants.

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 20]. قال ابنُ عباس [[لم أهتد إلى مصدر قوله إلا ما ورد في "تنوير المقباس" 44، فقد قال بعد قوله تعالى: ﴿حَاجُّوكَ﴾ (يعني: اليهود والنصارى)، وقال بعد ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾: (يعني: العرب).]]: نزلت في يهود المدينة، ونصارى نَجْرَان، والأمِّيِّين من العرب.

قال الكلبي [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 25 أ.]]: وذلك أن اليهود والنصارى قالت: لسنا على ما سميتنا به يا محمد، إنما اليهودية والنصرانية نَسَبٌ، والدِّين هو الإسلام، ونحن عليه.

قال الزَّجَّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 388، نقله عنه بتصرف.]]: فأمر الله تعالى نبيَّه بأن يحتجَّ عليهم؛ أنه اتَّبع أمرَ اللهِ، الذي هم مُجْمِعون [[في "معاني القرآن": (أجمعون).]] مُقرُّون بأنه خالقُهم، وأمَرَه بقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الآية بأن يدعوهم إلى ما هو عليه من الإسلام.

قال أهل المعاني [[لم أعثر على من نصَّ على هذا القول، ممن سبق المؤلف.]]: وإنما لزمتهم الحُجَّة من حيث إن النبي ﷺ أراهم الدلالة على صدقه ونبوَّته، ثم دعاهم إلى اتباع أمر من أقروا بأنه خالقهم، فإذا لم يطيعوه، صاروا محجوجين.

فهذا وجه الحجة للنبي ﷺ في قوله: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾. ومعنى ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾: أي: انقدت له بقلبي ولساني وجوارحي.

وذكرنا أن الإسلام معناه -في اللغة-: الانقياد [[انظر ما سبق عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ من آية 19 من هذه السورة.]]. وذُكِرَ (الوجه) هاهنا؛ لأنه أكرم جوارح الإنسان، فإذا خضع وجهُهُ لشيء، فقد خضع له سائرُ جوارحه [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 214، "تفسير الثعلبي" 3/ 25 ب.]].

وقال ابن عباس في هذه الآية [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]]: يريد: كما قال أبوك إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 131]. وقد ذكرنا هناك معنى (أسلم) و (أسلمْتُ).

وقال الفرَّاء [[لم أهتد إلى مصدر قوله وهو موجود في "تفسير الثعلبي" 3/ 25 ب.]]: معنى [أسلمت وجهي لله: أخلصت عملي لله؛ يقال [[في (ج): (فقال).]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من: (ج)، (د).]]: (أسلمتُ الشيءَ لفلان)؛ أي: أخلصته لهُ، فسلم له الشيء، ولم يشاركه غيره [[في (ج): (فيه).]].

قال: ومعنى (الوجه) ههنا: العمل، كقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52 - الكهف: 28]، أي: قصده والعمل.

وقول الشاعر:

... إليه الوجهُ والعَمَلُ [[عجز بيت، وتمامه:

أستغفرُ الله ذنبًا لست مُحصِيَهُ ... رب العباد إليه الوجه والعمل

لم أهتد إلى قائله، وقد ورد غير منسوب في المصادر التالية "كتاب سيبويه" 1/ 37، "معاني القرآن" للفرَّاء: 2/ 314، "تأويل مشكل القرآن" 177، "أدب الكاتب" 524، "المقتضب" 2/ 321، "الأصول في النحو" 1/ 178، "المحلى" لابن شقير: 68، "الخصائص" 3/ 247، "الصاحبي" 291، 339، "أمالي المرتضى" 1/ 591، "تفسير الثعلبي" 25/ 3 ب، "المخصص" 14/ 71، "الاقتضاب" 3/ 400، "شرح المفصل" 7/ 63، 8/ 51، "اللسان" 5/ 26 (غفر)، "شرح شذور الذهب" ص 445، "المقاصد النحوية" 3/ 226، "منهج السالك" (شرح الأشموني): 2/ 194، "التصريح" للأزهري: 1/ 394، "الهمع" 5/ 17، ورد فيه الشطر الأول فقط. "خزانة الأدب" 3/ 111، "الدرر اللوامع" 2/ 106. ومعنى البيت: أطلب المغفرة؛ أي: الستر على ذنوبي، ويريد بـ (الذنب) هنا اسم الجنس؛ أي: جميع الذنوب؛ لأنه قال بعده: (لست محصِيَهُ)؛ أي: لا أحصي عدد ذنوبي التي عملتها، وأستغفر الله من جميعها. و (الوجه) هنا القصد، وهو بمعنى: التوجُّه؛ أي: إليه التوجه في الدعاء.]]

نسق بالعمل على الوجه، وهما واحدٌ؛ لاختلاف اللفْظَيْن. ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 112]، الآية.

وقوله تعالى: ﴿وَمنِ اَتَّبَعَنِ﴾. ﴿مَنِ﴾ عطف على الضمير في ﴿أَسْلَمْتُ﴾ من غير أن يؤكده؛ لأن الكلام طال بقوله: ﴿وَجْهِىَ للهِ﴾، فصار عِوَضًا من تأكيد الضمير المُتَّصِل.

ولو قيل: (أسْلَمْتُ وزيدٌ)، لم يَحْسُن حتى يقول: (أسلمتُ أنا وزيدٌ).

فإن قال: (أسلمتُ اليوم [[(اليوم): ساقطة من (د).]] بانشراح صدرٍ ومن جاء معي)، جاز وحَسُنَ [[وفي إعراب ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾، وجوهٌ أخرى، وهي: أنها مرفوعة على الابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: (ومن اتَّبعني أسلم وجهه لله). أنها منصوبة على المعيَّة، والواو واو المعية؛ أي: (أسلمت وجهي لله مع من اتبعني)، أو (مصاحبًا لمن أسلم وجهه لله).

أنها في محل جر عطفا على اسم الله تعالى، على تأويل: (جعلت مقصدي لله بالإيمان به والطاعة له، ولمن اتَّبعني بالحفظ له والاحتفاء بعمله وبرأيه وبصحبته). ويظهر على الوجه التكلف والتعسف. انظر هذه الوجوه، في "الفريد في إعراب القرآن المجيد" للمنتجب الهمداني 1/ 555، "البحر المحيط" 2/ 421، "الدر المصون" 3/ 90 - 92، "الفتوحات الإلهية" 1/ 253.]].

[قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 389، نقله عنه بتصرف واختصار قليل.]]: حذفت الياء من (اتبعن)، وهذه الياء إذا وقعت في آخر آية، حسن] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]] حذفها [[(حذفها): ساقطة من: (د).]]؛ لأن أواخر الآي تُشَبَّهُ [[(تشبه): مطموسة في (ج).]] بقوافي الشِّعْر، وأهل اللغة يسمونها الفواصل.

قال الأعشى:

ومن شانئٍ كاسِفٍ بالُهُ ... إذا ما انتسَبْتُ له أنكَرَنْ [[البيت في "ديوانه" ص 207. وورد منسوبًا له في "الكتاب" 4/ 187، "أمالي ابن الشجري" 2/ 291، و"مجاز القرآن" 2/ 195، و"الأمالي" للقالي 2/ 263، و"إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 259، و"فقه اللغة" للثعالبي 218،== "شرح المفصل" 9/ 83، 86. وورد غير منسوب في "غريب الحديث" للحربي: 2/ 874، "وشرح أبيات سيبويه" للنحاس: 189. وروايته في الديوان وبعض المصادر: (.. كاسف وجهه ..)، وورد في بعض المصادر: (.. ومن كاشح ظاهِرٍ غِمْرُهُ ..). و (الشانئ): المُبغِض، و (كاسف البال): سيِّء الحال، و (كاسف الوجه): عابِسُه؛ من سوء الحال، و (رجل كاسف): مهمومٌ، قد تغير لونه، وهزل من الحزن. و (أنكرن): أنكرني بادِّعائه أنه لا يعرفني؛ لكراهيته لي. أما في الرواية الثانية: فمعنى (كاشح)؛ أي عدو مبغض، وهو الذي يضمر لك العداوة في كَشْحه؛ أي: باطنه، أو يطوية عنك كشحُهُ وُيعرض عنك، و (الكشح): الخَصْر. و (الغَمْرُ) بفتح الغين وكسرها: الحقد والغِل. انظر: "اللسان" 4/ 2335 (شنأ)، 7/ 3877 (كسف)، 7/ 3880 (كشح)، 6/ 3294 - 3295 (غمر). والشاهد في البيت: حذف الياء من (أنكرن) في الوقف عليها في القافية، وأصلها: (أنكرني).]] فإذا لم يكن آخر آيةٍ أو قافيةٍ، فالأكثر إثبات الياء، وحذفها جيد، خاصة مع النونات؛ لأن أصل (اتبعني) [[في (ب): (اتبعن).]]: (اتبعي) [[في (أ)، (ب): (اتَّبعنن). والمثبت من: (ج)، (د)، "معاني القرآن" للزجَّاج، "زاد المسير" 1/ 364.]]، فزيدت النونُ؛ لِتَسْلَم فتحةُ العيْن. فالكسرة [[في (د): (فالكسر).]] من النون، تنوب عن الياء، فإذا لم تكن النون؛ نحو: (غلامي)، (وصاحبي)، فالأجود إثباتها، وحذفها قليل، إلا أنه جائز؛ لأن [[في (ج): (إلا أن).]] الكسْرَة دالة عليه.

قال ابن عباس [[لم أعثر على مصدر قوله.]]: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾: يريد: المهاجرين والأنصار.

وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾. يعني: العرب [[أي: إن الأميِّين هم العرب. وسُمُّوا بذلك كما يقول ابن عطية: نسبة (على الأم،== أو إلى الأمَّة ... أي: كما هي الأم، أو على حال خروج الإنسان عن الأم، أو على حال الأمة الساذجة قبل التعلم والتحذق) "المحرر الوجيز" 3/ 58؛ أي: سُمُّوا بذلك لعدم معرفتهم الكتابة والقراءة. وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 204 - 205 (أمم). وبهذا ورد الأثر عن ابن عباس، كما في "تفسير الطبري" 3/ 215، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 620. ويعزز هذا قول النبي ﷺ: "إنَّا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب .. ". أخرجه البخاري في "صحيحه" 2/ 230 كتاب الصوم، باب: 13، ومسلم في: "صحيحه": 2/ 761. كتاب الصيام، باب: وجوب صوم رمضان، رقم: 15. وقال محمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن إسحاق: الذين لا كتاب لهم. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 215، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 619.]] ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾.

قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 202.]]، والزجَّاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" له 1/ 390، وعنه نقل المؤلف العبارات التالية، بتصرف.]]: معناه: الأمر؛ أي: أسلموا؛ لأنه استفهام في معنى التوقيف والتهديد، وفي ضمنه الأمر؛ كما تقول للإنسان، بعد أن تأمره وتُؤكِّد عليه: أقَبِلْتَ؟ فأنت تسأله متوعدًا، وفي مسألتك دليلٌ أنك تأمره أن يفعل، ومثله قوله [[(قوله): ساقط من: (ج).]]: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91]؛ أي: انتهوا.

قال النحويون: إنما جاء الأمر في سورة الاستفهام؛ لأنه بمنزلته في طلب الفعل، والاستدعاء إليه، فذكر ذلك؛ للدلالة على الأمر، من غير تصريح به؛ ليُقِرَّ المأمورُ بما يلزمه من الأمر.

وقوله تعالى: ﴿عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. البلاغُ: اسمٌ [[(اسم): ساقط من: (د).]] للمصدر، بمنزلة التبليغ؛ كـ (السَّراح) [[(السَّراح) اسم للمصدر، بمعنى: التسريح، وأصل (التسريح): إرسال الإبل في المرعى، ثم جُعِل للمطلق الإرسال، ثم استعير في الطلاق، فـ (تسبح المرأة): تطليقها، والاسم: (السَّراح)، قال تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ الأحزاب: 49، وقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. ومن معاني (السَّراح): السهولة، والمصدر: (التسريح)؛ أي التسهيل. انظر: (سرح)، في "اللسان" 4/ 1984 - 1985، "عمدة الحفاظ" 237.]] و (الأداء)، أي: تبليغ الرسالة.

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال ابن عباس [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]]: ممن [[في (ج): (من)، (د): (بمن).]] آمن بك وصدَّقَكَ، ومن كفر بك وكذبك [[والذي في: "تنوير المقباس" عنه: 44: (بمن يؤمن، وبمن لا يؤمن).]]. وفي هذه الآية تسلية للمصطفى ﷺ حين أُخبر أنه ليس عليه هداهم، إنما عليه التبليغ، فإذا بلَّغ فقد أدَّى ما عليه.

وقال بعض المفسرين: حكم هذه الآية قبل أن يُؤمر النبي ﷺ بالسيف [[يعني أنها منسوخة، والمنسوخ منها عندهم هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. وممن قال بذلك ممن سبق المؤلف بالوفاة: أبو عبد الله، محمد بن حزم الأنصاري، المتوفى سنة (320 هـ) تقريبًا، في كتابه: "الناسخ والمنسوخ في القرآن": 30، وهبة الله بن سلامة، المتوفى سنة (410 هـ) في كتابه: "الناسخ والمنسوخ من كتاب الله عز وجل": 60. والناسخ لها عندهم هي آية السيف، وهي في أصح أقوال العلماء: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: 5]. ومنشأ دعواهم بأنها منسوخة، هو أنَّ الآية بما تضمنته من أسلوب القصر حصرت مهمة النبي ﷺ، في تبليغ الرسالة والموادعة دون قتال المخالفين، ثم جاءت آية == السيف بالإذن بقتالهم، فنسخت الاقتصارَ على التبليغ، وصارت المهمةُ بعدها: التبليغ والقتال في سبيل ما كُلِّفَ بتبليغه، ولكن دعوى النسخ هذه لا تُسلَّم؛ لأمور منها: أن هذه الآية خبَر، والأخبار لا تقبل النسخ. أن القول بالنسخ يقتضي معرفة تاريخ نزول الآية؛ ليقال: إن اللاحق نسخ السابق، والتاريخ هنا غير معروف. إن القصر هنا إضافيٌّ، يُراد به تقرير أن الرسول ليس مكَلَّفًا بإيجاد الإيمان في القلوب، وهو ما يُسمَّى بهداية القبول، فذلك من حق الله تعالى، أمَّا هداية البيان والإرشاد والتبليغ فذلك من وظيفة النبي ﷺ، وهي المرادة في هذه الآية. أن الآية كما يقول د. مصطفى زيد: (لم تكن تقصد إلى إعفاء النبي ﷺ من واجب القتال في سبيل الدعوة، وإنما قصدت إلى تقرير أنه قد بَلَّغ عن الله فأدَّى ما عليه. وشَرْعُ القتال قبلها، ثم بعدها بآية السيف وغيرها لم يغير شيئًا من حقيقة الوظيفة التي كُلِّفَ القيام بها، وإن كان قد زاد الوسائل إليها وسيلة جديدة، هي: مشروعية القتال في سبيلها؛ لتأمين الدعوة، وحماية أرواحهم من عدوان الكفار عليهم، لا لحملهم على الدخول في الإسلام بقوة السلاح). "النسخ في القرآن" د. مصطفى زيد: 1/ 425، وانظر: "المحرر الوجيز" 3/ 59.]].

3:21Page 52

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١

Those who disbelieve in the signs of Allāh and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ نزلت في اليهود [[وقال محمد بن جعفر، وقتادة، وأبو سليمان الدمشقي: إن المراد هنا هم اليهود والنصارى. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 215، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 621، "تفسير البغوي" 2/ 20، "زاد المسير" 1/ 365، "تفسير الخازن" 1/ 279، "البحر المحيط" 2/ 413 وقال ابن عطية، عن الآية بعد أن ذكر قول محمد بن جعفر: وتعم كلَّ من كان بهذه الحال، والآية توبيخ للمعاصرين لرسول الله ﷺ بمساوئ أسلافهم، وببقائهم أنفسهم على فعل ما أمكنهم من تلك المساوئ؛ لأنهم كانوا حرصى على قتل محمد ﷺ. "المحرر الوجيز" 3/ 60.]]، ومعنى هذه الآية، قد ذكرنا في سورة البقرة، عند قوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 61].

وقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. روى أبو عبيدة بن الجرَّاح [[هو: عامر بن عبد الله الجَرَّاح، الفِهْري القرشي. من كبار الصحابة، والسابقين منهم، سماه رسول الله ﷺ (أمينَ هذه الأمة)، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، توفي بالأردن، سنة (18هـ). انظر: "الاستيعاب" 2/ 341 - 343، "الإصابة" 2/ 252 - 254.]]: أن النبي ﷺ قال: قَتَلَت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين [[في (ب): (وأربعون).]] نبيًا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا [[في (د): (واثنى).]] عَشَرَ رجلًا، من عبَّاد بني إسرائيل، فأمروا مَنْ قَتَلَهم بالمعروف، ونَهَوْهم عن المنكر، فقُتِلُوا جميعًا من آخر النهار، في ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله عز وجل في كتابه، وأنزل الآية فيهم [[الأثر عن أبي عبيدة، أخرجه: الطبري في "تفسيره" 3/ 216، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 621 وفيه بلفظ (.. فقام مائة رجل وسبعون رجلًا ..)، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 26 ب، وذكره (8) الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 381، والبغوي في "تفسيره" 1/ 20 - 21، والديلمي في: "مسند الفردوس": 5/ 361 رقم (8441) وأورده القرطبي في "تفسيره" 4/ 46، ونسب إخرا جه للمهدوي، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 1/ 381، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 23. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 272، وقال: (رواه البزار، وفيه ممن لم أعرفه اثنان). وفيه عندهم جميعًا: أبو الحسن مولى بني أسد، وهو مجهول. انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 357، "ميزان الاعتدال" 6/ 188، "المغني في الضعفاء" للذهبي: 2/ 780.]].

وقرأ حمزةُ [[هو: أبو عمارة، حمزة بن حبيب الزيات، تقدمت ترجمته.]]: (ويُقاتِلون الذين)، لأنه [[من قوله: (لأنه ..) إلى (.. قتال المباين المشاق لهم): نقله عن "الحجة" للفارسي 3/ 24 بتصرف كثير.]] اعتبر قراءةَ عبد الله [[هو ابن مسعود رضي الله عنه. وانظر قراءته، في "المصاحف" لابن أبي داود: == 59، "تفسير الثعلبي" 3/ 26 أ، "الحجة" للفارسي 3/ 24، "البحر المحيط" 2/ 414.]]: (وقاتَلوا الذين يأمرون)، فقرأ [[من قوله: (فقرأ ..) إلى (.. يريد قاتلوا): ساقط من: (ج).]]: ﴿يُقَاتِلُونَ﴾، وهو يريد: (قاتَلُوا)، كما روي في حرف عبد الله.

ويجوز أن يكون المضارع، بمعنى الماضي؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: 25]، وقال في أخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا﴾ [[سورة النساء: 167، وورد هذا المقطع كذلك في: سورة النحل: 88، وسورة محمد: 32، 34.]]، فالأول جاء على لفظ المضارع؛ حكاية للحال، كذلك [[من قوله: (كذلك ..) إلى (.. حكاية للحال): ساقط من: (د).]] قراءة حمزة: (ويقاتلون)، يجوز [[في (ج): (ويجوز).]] أن يكون مراده: (قد قاتَلوا)، إلا أنه جاء على لفظ المضارع، حكايةً للحال.

والمعنى في قراءة حمزة: أنهم لا يوالون الذي يأمرون بالقسط؛ ليقلَّ نهيُهم [[في (أ)، (ب): (نبيهم)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "الحجة" للفارسي. وورد في إحدى نسخ "الحجة" أشار إليها محققه: (لِثِقَلِ نَهْيِهِم).]] إيَّاهم عن العدوان عليهم، فيكونون متباينين لهم [[هكذا جاءت في جميع النسخ، وفي "الحجة" للفارسي: (مباينين)، وهي الأصْوَب، ولكني تركت ما في الأصل كما هو؛ لاتفاق جميع النسخ عليه.]] مُشاقِّينَ؛ لأمرهم بالقسط، وإن لم يقتلوهم [[في (ج): (يقاتلوهم).]] كما قتلوا الأنبياء، ولكن يقاتلونهم [[فى (ج): (يقاتلوهم).]] قتال المُبايِنِ، المُشاقِّ لهم. والصحيح الموافق لتفسير الآية: قراءةُ العامَّةِ [[قال النحاس في "معاني القرآن" 1/ 375: (فإن قال قائل: الذين وُعظوا بهذا لم يقتلوا نبيًا. فالجواب عن هذا: أنهم رضوا فِعْلَ من قَتَل، فكانوا بمنزلته، وأيضًا فَإنهم قاتلوا النبي ﷺ وأصحابه وهمُّوا بقتلهم ..).]].

وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ذكرنا معنى التبشير، وجواز إطلاقه فيما [لا] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)؛ ليستقيم بها المعنى.]] يَسُر، عند قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 25].

وأما [[من قوله: (وأما ..) إلى (.. ذكرنا ما فيه عند قوله): ساقط من (د).]] دخول الفاء في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ وهو خبر الابتداء، فقد [[في (ج): (وقد).]] ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158].

3:22Page 52

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٢

They are the ones whose deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and for them there will be no helpers.

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ هو يريد بـ ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾: ما هم عليه من ادِّعائهم التمسك بالتوراة، وإقامة شريعة موسى. وأراد ببطلانها في الدنيا: أنها لم تحقن دماءَهم، وأموالهم [[يعني المؤلف هنا والله أعلم: أنهم لم ينالوا بها محمدة الناس، وثناءَهم، ولم يرفع الله بها ذكرَهم؛ لأنهم كانوا على ضلال وباطل، ولعنهم وفضح ما كانوا يُخفُون من قبيح الأعمال على ألْسِنة رسله وأنبيائه في كتبه المنزلة، فأزال من قلوب الخلق محبَّتهم، وغرس فيها احتقارهم، وبقيت على مدى الدهر مذمَّتُهم؛ مما أدى لأن تُسفَك دماؤُهم، وتُسلَب أموالهم. انظر "تفسير الطبري" 3/ 217، "تفسير الفخر الرازي" 7/ 233.]]؛ وفي الآخرة: لم يستحقوا بها مثوبة، فصارت كأنها لم تكن ولم توجد.

3:23Page 53

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣

Do you not consider, [O Muḥammad], those who were given a portion of the Scripture? They are invited to the Scripture of Allāh that it should arbitrate between them;1 then a party of them turns away, and they are refusing.

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية إنما قال: ﴿نَصِيبًا﴾؛ لأنهم كانوا يعلمون بعض ما في الكتاب [[وقال الشوكاني في "فتح القدير" 1/ 495: (وتنكير النصيب؛ للتعظيم؛ أي: نصيبًا عظيمًا، كما يفيده مقام المبالغة. ومن قال: إنَّ التنكير للتحقير فلم يصب، فلم ينتفعوا بذلك؛ وذلك بأنهم يدعون إلى كتاب الله الذي أوتوا نصيبًا منه، وهو التوراة). وبهذا قال الزجَّاج في "معاني القرآن" 1/ 391، والنحاس في "معاني القرآن" 1/ 376، والزمخشري في "الكشاف" 1/ 420، وأبو السعود في "تفسيره" 2/ 20.]]. والمراد بهؤلاء: اليهود.

وقوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس في رواية الضحَّاك [[هذا الأثر، في "تفسير الثعلبي" 3/ 27 أ، "تفسير البغوي" 2/ 21. وهو كذلك من رواية أبي صالح عنه، وهو قول الحسن، وقتادة. انظر: "النكت والعيون" 1/ 382، "زاد المسير" 1/ 367.]]: المرادبـ (كتاب الله) ههنا: القرآن، والله [تعالى] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]] جعل القرآن حَكَماً بينهم وبين رسول الله ﷺ [[في (ج)، (د): (رسوله).]]، فَحَكمَ القرآن عليهم بالضلالة، فأعرضوا عنه.

فإن قيل: كيف دُعوا إلى حكم كتابٍ لا يؤمنون به؟

قيل: إنَّما دُعوا إليه بعد [[(إليه بعد): ساقطة من (ج).]] أن ثبت أنه [[في (ج): (أنهم).]] من عند الله، بموافقته التوراة في الأنباء والقصص، ورصانته [[في (د): (ورصافته).]]، بحيث لم يقدر بشرٌ أن يعارضَه، وهذا قول قتادة [[يعني بـ (قول قتادة) والله أعلم: ما سبق أن ذكره من أن المراد بـ (الكتاب)، هو: القرآن.]]، وقال في رواية سعيد بن جُبَير، وعكرمة: إنَّ النبي ﷺ قال لليهود: "أنا على ملَّة [[في (ج): (ما أنا على ملة)، (د): (ما علامكة).]] إبراهيم، وملَّته: الإسلام"، فقالوا: إن إبراهيم كان يهودياً، فقال لهم رسول الله ﷺ: "فَهَلُمُّوا إلى التوراة". فأبوا عليه. فأنزل الله هذه الآية [[هذا الأثر في "سيرة ابن هشام" 2/ 179 - 180 "تفسير الطبري" 3/ 217، "ابن أبي حاتم" 2/ 622، "الثعلبي" 3/ 27 ب، "أسباب النزول" للواحدي: 102، "تفسير البغوي" 2/ 21 - 22، "زاد المسير" 1/ 366، "تفسير القرطبي" 4/ 50، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 24، "لباب النقول" 50، ونسب إخراجه لابن المنذر.]].

وقال في رواية أبي صالح: أنكروا آية الرجْمِ من التوراة، وكان قد

زنى منهم رجل [[في (ج): (د): (رجل منهم).]] وامرأة، فكرهوا [[في (ج): (وكرهوا).]] رجمَهما [[في (ج): (رجمها).]] وسألوا النبي ﷺ ما يلزمهما [[في (أ): (يلزمها)، والمثبت من: (ب)، (ج) (ء).]]، فحكم بالرجْمِ. فقالوا: جُرْتَ [[قوله: (فقالوا: جرت): ساقط من (ج).]] يا محمد! فقال: "بيني وبينكم التوراة". ثم أتوا بابن صُورِيا [[جاء في "تفسير الثعلبي" 3/ 27 (ب) أن رسول الله ﷺ سأل اليهود، فقال: "فمن أعلمكم بالتوراة؟ " فقالوا: رجل أعور يسكن فدك، يقال له: ابن صوريا. واسمه: عبد الله.]]، فقرأ التوراة، فلما أتى على آية الرجم سترها بكفِّهِ، فقام [[في (ج): (فقال).]] ابنُ سَلام، فرفع كفه [[في (ج): (ارفع كفك).]] عنها، ثم قرأ على رسول الله ﷺ وعلى اليهود الرجْمَ، فغضب اليهودُ لذلك [[(لذلك): ساقطة من (ج).]] غضباً شديداً، وانصرفوا؛ فأنزل الله هذه الآية [[هذا الأثر في "تفسير الثعلبي" 3/ 27 ب من رواية الكلبي عن أبي صالح. كما ورد في "تفسير البغوي" 2/ 22، "زاد المسير" 1/ 366، "البحر المحيط" 2/ 416. وقد ذكره المؤلف هنا مختصرًا وأورد طرفًا منه في "أسباب النزول" 102، وأشار إلى أنه سيأتي بيان ذلك في سورة المائدة، ولكنه عند إيراده لأسباب نزول سورة المائدة، لم يورد هذا الأثر عن ابن عباس، وإنما أورد آثارًا أخرى في نفس المعنى. ولم أجد أحدًا من المفسرين ممن اطَّلعت على تفاسيرهم ذكر هذا السبب عند هذه الآية، إلَّا من سبق ذكره، وإنما أورد المفسرون هذا السبب عند الآية: 41، 43 من سورة المائدة، ولكن بروايات أخرى عن ابن عباس وغيره، وأقرب هذه الروايات إلى ما ذكره المؤلف: ما أخرجه البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: (إنَّ اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ، أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ " فقالوا: نفضحهم ويُجلدون. قال عبد الله بن سَلاَم: كذبتم! إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدُهم يَدَه على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم. قالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله ﷺ فَرُجِما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة). "صحيح البخاري" (6841). كتاب الحدود. باب: أحكام أهل الذمة. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (1699) كتاب الحدود، باب: رجم اليهود، أهل الذمة. وأخرجه أبو داود (4446). كتاب: الرجم. وليس في لفظ الحديث أنه سبب لنزول الآية. وأما الوارد عن ابن عباس مما هو قريب من هذه الرواية فهو من رواية معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وأخرجها الطبري 6/ 232 عند آية 41 من المائدة، وليس فيها كذلك أنها سبب لنزول الآية. انظر بقية الروايات، في "الدر المنثور" 2/ 498 - 500، "أسباب النزول" للواحدي: 197 - 200، "لباب النقول" للسيوطي: 91 - 92.]].

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. إن قيل: كيف خصَّ بالتولِّي فريقاً، ثم جمعهم في الإعراض، فقال: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾؟.

فالجواب، ما قال ابن الأنباري [[لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد أورد طرفًا منه ابنُ الجوزي في "زاد المسير" 1/ 367.]]، وهو: أنَّ الفريق المتولِّي، هم: المعرضون. وأراد بـ (الفريق المتولي): الرؤساء الذين تدين السَّفَلَةُ لهم، فأفردهم الله تعالى بالذكر، وخصَّهم بالتولي، لأنهم سببٌ لإضلال أتبَّاعهم.

قال [[(قال): ساقطة من (د).]]: ويحتمل أن يكونَ المتولُّون: العلماء والرؤساء، والمعرضون: الباقون منهم؛ كأنه قيل [[في (د): (كانو قبل).]]: ثم يتولى العلماءُ. والتُبَّاعُ معرضون عن القبول من النبي ﷺ لتولي علمائهم. ويجوز أن يكون الفريق اختصه الله [[معنى عبارة المؤلف هنا: أن الله خصَّ بالتولي فريقًا منهم دون الكل، لأن منهم من لم يتولَّ، كابن سلام وغيره.]]؛ لأن عبد الله بن سَلام، وغيره من مؤمني أهل الكتاب، كانوا ممن قبلوا حكم النبي ﷺ فكان [[في (ج)، (د): (وكان).]] المتولِّي بعض مَن أوتي [[في (ج): (أولى).]] الكتاب.

3:24Page 53

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤

That is because they say, "Never will the Fire touch us except for [a few] numbered days," and [because] they were deluded in their religion by what they were inventing.

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾. [[(بأنهم): ساقطة من (د).]] اختلف أهل المعاني في المُشارِ إليه بـ ﴿ذَلِكَ﴾، فقال بعضهم [[لم أهتد إلى هذا القائل. ولم أقف فيما رجعت إليه من مصادر على من قال برجوع ﴿ذَلِكَ﴾ إلى (الحبوط).]]: ﴿ذَلِكَ﴾ راجعة إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [آل عمران: 22]؛ يعني: ذلك الحُبُوطُ؛ بكذبهم على الله؛ وهو قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَات﴾.

و [[الواو زيادة من: (ج)، (د).]] قال ابن الأنباري [[لم أعثر على مصدر قوله.]]: معنى قوله [[(قوله): ساقطة من (ج).]]: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُم﴾ أي: ذلك الاجتراء عليك، وعلى الإعراض عن حكمك يا محمد بسبب اغترارهم، ومقالتهم؛ حيث قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَات﴾، وظنوا [[في (ب): (وطَّنوا)، وفي (د): (وطمنوا).]] أنفسهم على قِلَّةِ العذاب وقِصَرِ مُدَّته [[أي: أنهم ظنوا أنهم لا يعذبون إلا قليلًا، ولمدة قصيرة، كما زعموا.]]، فتجاسروا على تكذيب الرسل [[وقد ذهب أكثر المفسرين إلى هذا الرأي، وهو أن ﴿ذَلِكَ﴾ تعود على التَّوَلِّي والإعراض المذكور في الآية قبلها. انظر: "المحرر الوجيز" 1/ 355، "الكشاف" 1/ 421، "تفسير الفخر الرازي" 7/ 236، "تفسير ابن كثير" 1/ 381، "تفسير أبي السعود" 2/ 21، "الفتوحات الإلهية" 1/ 255، "فتح القدير" 1/ 496، "روح المعاني" 3/ 111.]].

وهذا معنى قول الزجَّاج [[في "معاني القرآن" 1/ 391، نقله عنه بالمعنى.]]: أخبر الله تعالى عن اليهود، أنهم يُعرضون عن حكم كتاب الله، ثم أنبأ وبيّن ما حملهم على ذلك، وخبَّر بما غرَّهم، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ [[(قالوا): ساقطة من (ج).]]. قال: وموضع: ﴿ذَلِكَ﴾ رفعٌ. المعنى: شَأنُهُم ذلك، وأَمْرُهُم ذلك [[أي: أنها مرفوعة على أنها خبرُ مبتدأ محذوف؛ المعنى: شأنهم وأمرهم ذلك. ولكنِ هذا القول، ضعَّفه العكبري في "التبيان" 1/ 250؛ لأنه سيجعل قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ في موضع نصب على الحال، مما في (ذا) من معنى الإشارة؛ أي: ذلك الأمر مستحقًا بقولهم .. ، وقال السمين الحلبي، في "الدر المصون" 3/ 95:== (بل هذا لا يجوز البتة). والقول الثاني: إن ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ انظر المراجع السابقة، "الفريد في إعراب القرآن المجيد" للمنتجب الهمداني: 1/ 557.]]. ومضى القول في تفسير قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا﴾ في سورة البقرة.

وقوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ﴾ الغُرور: الإطماع [[في (د): (الأطواع).]] فيما لا يصح [[انظر: "تاج العروس" 7/ 299 (غرر).]]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. يعني قولهم: لن تَمَسَّنا النار.

3:25Page 53

فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٥

So how will it be when We assemble them for a Day about which there is no doubt? And each soul will be compensated [in full for] what it earned, and they will not be wronged.

قوله [[في (د): (وقوله).]] تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ﴾. الآية. (كيف): معناه: السؤال عن الحال. والحال المسئولة عنها محذوفة؛ وتقديره: فكيف حالهم إذا جمعناهم؟ وتحذف الحال كثيراً مع كيف؛ لدلالته عليها؛ نحو قولك: (كنت أكْرِمُه وهو لم يزرني؛ فكيف إذا زارني؟)؛ أي: كيف حالُهُ إذا زارني في عِظَمِ الإكرام؟. ويُحذف أيضاً جوابُ هذا السؤال من الكلام؛ لأن في حذفه بلاغة تزيد على الإفصاح بذكره؛ لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة في قول القائل: فكيف إذا زارني؟ وكل نوع من أنواع العذاب في الآية.

وتأويل الكلام: أي حالة تكون [[في (ب): (يكون).]] حال من اغتر بالدعاوى الباطلة، إذا جُمعوا ليوم الجزاء [[قال أبو حيان في: "البحر": 1/ 417: (هذا تعجيب من حالهم واستعظام لعظم مقالتهم حين اختلفت مطامعهم، وظهر كذب دعواهم، إذ صاروا إلى عذابٍ مالهم حيلة في دفعه ..).]]؟ وقوله ﴿لِيَوْمٍ﴾ [[في (ج): (ليوم لا ريب فيه).]]، ولم يقل: (في يوم)؛ لأن المراد: لجزاء يوم، أو لحساب يوم؛ فحذف المضاف، ودلت اللاَّمُ عليه. قاله الزجَّاج [[في "معاني القرآن" 1/ 392، وعبارته: (أي: لحساب يوم لا شك فيه).]].

وقال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 202. نقله عنه بتصرف قليل.]]: اللاَّمُ، لفعل مُضْمَرٍ؛ إذا قلت: (جُمعوا ليوم الخميس)؛ كان المعنى: جُمعوا لما يكون يوم الخميس. وإذا قلت: (جُمعوا في يوم الخميس)، لم تُضْمِرْ فِعْلاً [[انظر كذلك "تفسير الطبري" 3/ 220.]].

وقوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ﴾. أي: لما يكون في ذلك اليوم من الحساب والجزاء. وهذا قريب من القول الأول، بل هو تفسير له [[(له): ساقط من: (ب). وقد يكون هذا من تتمة كلام الفرَّاء، ولكن المؤلف نقله بالمعنى، ونص قول الفرَّاء: (أي: للحساب والجزاء).]].

وقوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾. أي: جزاء ما كسبت [[قوله: (أي جزاء ما كسبت): ساقط من (ج).]] من خيرٍ أو شرٍّ. فهذا يكون على حذف المضاف، ويجوز أن يكون المعنى: ووُفِّيَت كل نفس ما كسب من الثواب والعقاب، بالطاعة والمعصية، فلا يكون في الكلام مضافٌ محذوف، ويجوز أن يُسمَّى الثوابُ والعقابُ كسباً للعبد؛ على معنى [[(معنى): ساقط من (د).]]: أنهما جزاء كسبه، وأنه اجتلبهما بأعماله [[في (ج): (بأعمال).]] الصالحة والطالحة [[قال الطبري في "تفسيره" 1/ 380: (وأصل (الكسب): العمل، فكل عامل عملًا، بمباشرة منه لما عمل، ومعاناة باحتراف، فهو كاسبٌ لما عمل ..).]].

وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. أي: لا يُنقص من حسناتهم، ولا يزاد على سيِّئاتهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском