Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:30–35
3:30Page 54
يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠
The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allāh warns you of Himself, and Allāh is Kind to [His] servants."
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ اختلفوا في العامل في ﴿يَوْمَ﴾، فقال ابن الأنباري [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]]: اليوم معلق بـ ﴿الْمَصِيرُ﴾ [[في (د): (متعلق بالضمير). يعني بـ ﴿الْمَصِيرُ﴾: ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ آية: 28 من نفس السورة.]]، والتقدير: (وإلى اللهِ المصير، يومَ تَجِدُ).
وقال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 397.]]: العامل: قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، في الآية [[من قوله: (في الآية ..) إلى (.. نفسه): ساقط من (ج).]] السابقة؛ كأنه قال: ويحذِّرُكُم اللهُ نفسَهُ في ذلك اليوم [[ضعَّف أبو حيان نصب ﴿يَوْمَ﴾ بـ ﴿الْمَصِيرُ﴾، وبـ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾ في الآية التي قبلها؛ وذلك لأن الفاصل قد طال بين العامل والمعمول، ويضاف إليه في النصب بـ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾، أن التحذير موجود، واليوم موعود، فلا يلتقيان، فلا يصح عمل الفعل هنا. انظر: "البحر المحيط" 2/ 426، "التبيان" للعكبري: 1/ 252.]].
قال أبو بكر: ولا يجوز أن يكون (اليوم) منصوباً بـ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾، المذكور في هذه الآية، لأن واو النَّسَقِ [[أي: واو العطف.]] لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
قال: ويجوز أن يكون (اليوم) متَصلًا بـ ﴿قَدِيرٌ﴾ [[في (ج): (تقديره). ويعني بـ ﴿قَدِيرٌ﴾ الواردة في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ آية: 29.]] منصوباً به، والتأويل: (والله على كلِّ شيءٍ قديرٌ في هذا اليوم).
وخصَّ هذا [اليوم] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، (د).]]، وإنْ كان غيرُه من الأيام بمنزلته في قدرة الله تعالى؛ تفضيلاً له؛ لِعِظَمِ شأنِه؛ كقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [[وقيل إنَّ ﴿يَوْمَ﴾ في آية سورة آل عمران، منصوب بفعل مضمرٍ، هو (اذكر) أو (اتَّقوا)، وقال الزمخشري: إنَّ ناصبه هو فعل ﴿تَوَدُّ﴾ الآتي بعده. وحول هذه الوجوه نقاش، انظره في "تفسير الطبري" 3/ 231، "الكشاف" 1/ 423، "الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 560، "البحر المحيط" 2/ 426، "الدر المصون" 1/ 114.]].
وقوله تعالى: ﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾. يريد: بيان ما عملت؛ بما يرى من صحائف الحسنات. ويجوز أن يكون المعنى: جزاء ما عملت؛ بما يرى من الثواب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾. الأظهر: أن تجعل ﴿مَا﴾ ههنا بمنزلة (الذي)، فيكون معطوفاً على ﴿مَا﴾ الأولى، ويكون ﴿عَمِلَتْ﴾ صلةً لها. ويصلح أن تكون بمعنى: الجزاء فتكون مُسْتَأنَفَةً. وكان الأجود؛ إذا جعلت ﴿مَا﴾ بمعنى الجزاء، أن تنصب ﴿تَوَدُّ﴾، أو تخفضه، ولَمْ يقرأ أحدٌ إلا رفعاً، فكان هذا دليلاً [على] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ب)، (ج).]] أنَّ ﴿مَا﴾ بمعنى (الذي) [[انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 206،"إعراب القرآن" للنحاس: 1/ 321، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 155، "الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 561.]].
وقوله تعالى: ﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾. معنى (الأمد): الغاية التي يُنتَهى إليها [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 231، "القاموس المحيط" 339 (أمد).]].
قال مقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 270. ونصه عنده: (يعني: أجلًا بعيدًا بين المشرق والمغرب).]]: أي: كما بين المشرق والمغرب.
وقال الحسن [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 231، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 631، "تفسير الثعلبي" 3/ 36 ب، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 29، ونسب إخراجه لابن المنذر كذلك.]]: يَسُر أحدَهم أن لا يلقى عملَهُ أبدا.
وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. قد ذكرنا ما فيه [[ذكر ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ من آية: 28.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال الحسن [[قوله في "تفسير عبد الرزاق": 1/ 118، "تفسير الطبري" 3/ 231، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 631، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 1/ 384.]]: مِن رأفته بهم أن حذَّرهم نفسه.
3:31Page 54
قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١
Say, [O Muḥammad], "If you should love Allāh, then follow me, [so] Allāh will love you and forgive you your sins. And Allāh is Forgiving and Merciful."
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك [[قول ابن عباس، في "تفسير الثعلبي" 3/ 36 أ، "أسباب النزول" للواحدي: 105، "تفسير البغوي" 2/ 27، "زاد المسير" 1/ 373.]]: وقف النبي ﷺ على قريش وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام، فقال: "يا معشرَ قريش: والله لقد خالفتم ملَّة أبيكم إبراهيم! ". فقالت قريش: إنما نعبد هَّذه حبًا لله؛ ليقربونا إلى الله. فقال الله: قل يا محمد: إن كنتم تُحبُّون الله وتعبدون الأصنامَ لِتُقَرِّبكم إلى الله فاتَّبعوني، يُحْبِبْكم اللهُ، فأنا رسوله إليكم، وحجَّتُه عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم [[هذه الرواية عن ابن عباس، من طريق جُويبر عن الضحاك عنه، كما في "تفسير الثعلبي" "أسباب النزول" للواحدي وجُويبر، هو: ابن سعيد، أبو القاسم البلخي: ضعيف جدًّا. انظر: "المجروحين" لابن حبان: 1/ 217، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم 2/ 540، "تقريب التهذيب" (987).]].
وقال في رواية أبي صالح [[هذه الرواية في "تفسير الثعلبي" 3/ 37 أ "أسباب النزول" للواحدي 105.]]: إنَّ اليهود لمَّا قالت: نحن أبناءُ اللهِ وأحبَّاؤه، أنزل الله تعالى هذه الآية، فعرضها عليهم رسول الله ﷺ فأَبَوا أن يقبلوها [[هذه الرواية من طريق الكلبي عن أبي صالح. والكلبي -كما سبق- متَّهم بالكذب، وقد رُمي بالرفض، وقد قال لسفيان الثوري (كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب). انظر: "ميزان الاعتدال" 5/ 2 (7574)، "تقريب التهذيب" (5901)، وقد ورد في سبب نزول الآية سببان آخران:
الأول: ادِّعاء أقوام في عهد النبي ﷺ أنهم يحبون الله تعالى، فأنزل الله هذه الآية؛ ليبين لهم أن علامة حُبِّه هي: اتباع النبي ﷺ. وهو قول الحسن، وابن جريج.
الثاني: أنها نزلت رَدًّا على مزاعم النصارى في ادِّعائهم: أنَّ ما يقولونه عن عيسى عليه السلام إنما هو محبة لله وتعظيم له. فأخبرهم أن محبة الله تكون باتباع النبي ﷺ وهو قول محمد بن جعفر بن الزبير.
ورجَّح الطبري هذا القول، قائلًا: (لأنه لم يجر لغير وفد نجران في هذه السورة، ولا قبل هذه الآية ذكْرُ قوم ادَّعوا أنهم يحبُّون الله، ولا أنهم يُعَظِّمُونه)، ولم يجزم الطبري بصحة قول الحسن السابق، وبيَّن أنه ليس في السورة ما يدل عليه، إلا أن يراد بالقوم الذين ادَّعوا ذلك هم وفد نصارى نجران، فيكون القولان متَّفقين. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 232.
وقال ابن عطية: (وُيحتمل أن تكون الآية عامة لأهل الكتاب: اليهود والنصارى؛ لأنهم كانو يدَّعون أنهم يحبون الله، ويُحبهم، ألا ترى أنهم جميعًا قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18]، ولفظ ﴿وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ إنما يعطي أن الله يحبهم، لكن يعلم أن مراده "ويحبوه"). انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 80.]].
قال أهل العلم: معنى (مَحبَّة العبدِ لله): إرادته طاعته، وإيثاره أمره، ورضاه بشرائعه. ومعنى (مَحبَّة الله للعبد): إرادته لِثَوَابِهِ، وعفوه عنه، وانعامه عليه [[نقل القرطبي في تفسيره قريبًا من هذا القول عن الأزهري. انظر: "تفسير القرطبي" 4/ 60، "فتح القدير" 1/ 501، "فتح البيان" 2/ 42.
وما ذكره المؤلف هنا في محبة الله تعالى هو ما عليه مذهب الأشاعرة؛ حيث ينفون هذه الصفة، وغيرها من الصفات، عن الله تعالى ويعطلونها، ويفسِّرونها إذا وردت في القرآن والسنَّة بلوازمها ومقتضياتها، من إرادة الثواب للعبد والعفو عنه والإنعام عليه كما فعل المؤلف، فينفون حقيقة صفة الله، ويحرفونها ويؤوِّلونها، بدعوى أنها توهم النقص في الذات العلية؛ لأن المحبة عندهم، هي: ميل القلب إلى ما يلائم الطبع، وهذا من صفات المخلوق، والله منزَّه عن ذلك الأمر الذي دعاهم إلى تأويل صفة المحبة، وحملها على الإرادة كما فعل المؤلف.
والذي أوقع الأشاعرة في هذا الخطأ العقدي، هو قياسهم صفات الخالق على صفات المخلوق. ومن قواعد منهج السلف الصالح: أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن ذات الحق لا تشبه ذوات الخلق، فكذلك صفاته. ومن قواعدهم: أن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر، فيثبت السلف جميع صفات الله، ويمرُّونها كما جاءت بما يليق بذاته العلِيَّة، ولا يُؤوِّلونها، ومنها: صفة المحبة. ويثبتون كذلك لوازمها من إرادة الله إكرام من يحبه وإثابته، فالله تعالى يُحِبُّ، ويُحَبُّ لذاته، وليس فقط لثوابه، كما قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54].
وتأويل الأشاعرة ومنهم المؤلف لصفة المحبة بالإرادة، إنما هو حرْفٌ لحقيقة الصفة، وصرف لها عن وجهها الصحيح، ويقال لهم: إنَّ المعنى الذي صرفتم اللفظ إليه، هو نفس المعنى الذي صرفتموه عنه، فالإرادة، هي: ميل الإنسان إلى ما يلائمه، أو إلى ما ينفعه، ودفع ما يضره، وهي من صفات المخلوقين، والله منزَّه عن ذلك، فإن قال الأشاعرة: إرادة تليق به، قيل لهم: وكذلك له محبة، وصفات تليق به، فالسلامة والحكمة في منهج السلف.
انظر: "لوامع الأنوار البهية" للسفاريني 1/ 221 وما بعدها، "شرح العقيدة الواسطية" محمد هراس 45، "التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية" لفالح آل مهدي: 1/ 47، "الكواشف الجلية عن معاني الواسطية" للسلمان 183.]].
3:32Page 54
قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢
Say, "Obey Allāh and the Messenger. But if you turn away - then indeed, Allāh does not like the disbelievers."
قوله تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ قيل: لمّا نزل [[في (ب): (نزلت).]] قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، الآية، قال عبد الله بن أُبَي [[هو: عبد الله بن أبَيِّ بن سَلُول، العَوْفي الخزرجي. رأس المنافقين بالمدينة، وكان سَيِّد أهل المدينة قبل هجرة النبي ﷺ إليها، وقد اجتمعت الأوس والخزرج على أن يُتَوِّجوه عليهم مَلِكًا، فجاء الإسلامُ وهدى الله الحَيِّيْن له، ففَرَطَ منه هذا الشرفُ، فدخل في الإسلام مُكرَها، وأبطن النفاق والضَّغينة. انظر أخباره في "سيرة ابن هشام" 2/ 173، 234، 236 - 238، 3/ 51 - 53، 68، 200، 303.]]: إنَّ محمداً يجعل طاعتَه كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبَّت النصارى عيسى، فنزلت هذه الآية [[ورد هذا الأثر في "تفسير الثعلبي" 3/ 37 ب، "تفسير البغوي" 2/ 27، "زاد المسير" 1/ 373 - 374، وقال: (هذا قول ابن عباس)، كما ذكره الرازي 8/ 20.]] وبين فيها أنَّ طاعة الله معلقةٌ بطاعة الرسول، ولا يتمُّ لأحد طاعةُ الله، مع عصيان الرسول؛ ولهذا قال الشافعي - رضي الله عنه -: كل أمرٍ أو نهيِ، ثبت عن رسول الله ﷺ، جرى ذلك في الفريضة واللزوم، مجرى ما أمر الله به في كتابه، ونهى عنه [[لم أجد نصَّ قول الشافعي، فيما اطلعت عليه من مصادر، ولكن وردت أقوال كثيرة له تدل على هذا المعنى. انظر: "الرسالة" للشافعي 73، 76، 78، 84، 85، 88، "أحكام القرآن" للشافعي، (جامع البيهقي): 1/ 28.]].
قال عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، يريد: محمداً ﷺ فإن طاعتكم [لمحمدٍ طاعةٌ [[في (ج): (طاعتكم).]]] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]] لي، فأما أن تطيعوني وتعصوا محمداً، فلن أقبل طاعتكم [[لم أهتد إلى مصدر هذه الرواية]].
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. قال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 398.]]: أي [[(أي): ساقطة من (د).]]: فإنَّ الله لا يحبهم [[في (ج): (لا يحبكم).]]؛ لأن من تَوَلَّى عن النبي ﷺ، فقد تَوَلَّى عن الله عز وجل. ومعنى ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾: لا يغفر لهم، ولا يُثْنِي عليهم خيراً [[هذا من تمام قول الزجاج، وقد سبق أن بيَّنت أن عدم المغفرة، وعدم الثناء بالخير عليهم، إنَّما هو من لوازم، ومُقتضيات عدم المحبة، وليس هو حقيقة عدم المحبة، وحقيقة ذلك وكنهه وكيفيَّته، لا تحيط بها عقولنا، ونكلها إلى الحق عز وجل.]].
3:33Page 54
۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٣
Indeed, Allāh chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of ʿImrān over the worlds -
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ معنى (اصطفى) في اللغة: اختار. وتأويله: جعلهم صفوة خَلْقِه [[نقله عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 399، وأنظر: "تهذيب اللغة" 12/ 249 (صفو).]].
قال أهل المعاني [[ممن قال بذلك الزجاج في المصدر السابق. ومن قوله: (هذا تمثيل ..) إلى (.. والرسالة على عالمي زمانهم): نقله بالمعنى من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 399.]]: هذا تمثيل المعلومِ بالمرئيِّ، والعرب تفعل ذلك، فإذا سمع السامع ذلك المعلوم، كان عنده بمنزلة ما يشاهده عَياناً؛ وذلك أن الصافي هو: النَّقيُّ من شائب الكَدَر فيما يُشاهَد. فمُثِّلَ به خُلُوص هؤلاء القوم من الدنس؛ لأنهم خلصوا كخلوص [[في (ج) و (د): (الخلوص).]] الصافي من شائب الأدناس. وقيل في معنى (اصطفائه إيَّاهم)، قولان:
أحدهما: اصطفى دينهم على سائر الأديان؛ لأن دين الجماعة الإسلامُ، وقد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، وهذا اختيار الفرَّاء، قال [[في "معاني القرآن" 2/ 207، وهو اختيار الطبري كذلك في "تفسيره" 3/ 232.]]: وهو من باب حذف المضاف، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82].
القول الثاني: أنه اصطفاهم بالنبوَّة والرسالة، على عالمي زمانهم. وأراد بـ ﴿آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط [[هذا قول ابن عباس ومقاتل، وفي روايةٍ عن ابن عباس والحسن: أنه من كان على دينه. قال البخاري: (قال ابن عباس: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾ المؤمنين من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد ﷺ، يقول: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: 68]، وهم المؤمنون). "الصحيح" 4/ 138 كتاب الأنبياء. باب: 44. وقيل: هو نفسه. انظر: "وضح البرهان" للنيسابوري: 1/ 238، "زاد المسير" 1/ 374، "تفسير القرطبي" 4/ 62، "كشف المعاني" لابن جماعة: 127، "الدر المنثور" 2/ 30، وتفسير ابن عباس ومروياته من كتب السنة: 1/ 165. ومردُّ الخلاف: في ذلك إلى الـ (آل)، وهل هي تعني: الأهل والقرابة؟ أم الأتباع سواءً كانوا قرابة أو غيرهم؟ أم تعني: الرجل نفسه؟ والمسألة فيها خلاف، ولكلِّ قولٍ دليله. انظر: "اللسان" 1/ 171 (أول).]].
وبـ ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾: موسى وهارون [[وهو قول ابن عباس ومقاتل، وممن ذهب إليه الكرماني وابن جماعة وقيل: عيسى وأمه. و (عمران) والد مريم أم عيسى عليه السلام، وقال به الحسن وابن وهب. وقيل: هو نفسه، ورجَّح ابن جزي أن المعنيَّ بـ (عمران) هو: والد مريم؛ لِذِكْر قصَّتِها بعد ذلك في السورة، وممن ذهب إلى ذلك: أبو حيان، والسهيلي، والبلنسي، وابن كثير، والآلوسي، والقاسمي. انظر: "تفسير القرطبي" 4/ 63، "تفسير ابن جزي" 78، "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 251، "وضح البرهان" 1/ 238، "كشف المعاني" 127، "تفسير مبهمات القرآن" للبلنسي 1/ 279، "البحر المحيط" لأبي حيان 2/ 434، "تفسير ابن كثير" 1/ 384، "روح المعاني" 3/ 131، "محاسن التأويل" 4/ 289.]]. قالوا: وإنما خصَّ هؤلاء بالذكر؛ لأنَّ الأنبياء بأسرهم من نسلهم.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال صاحب "النَّظْمِ": ظاهر هذا اللفظ على العموم، وتأويله على الخصوص؛ لأنه يتضمَّنُ أخباراً منفصلاً بعضها من بعض، وأُجْمِلَت في الإخبار عنها؛ لأنه عز وجل إنْ كان عنى بالاصطفاء: أولادَ آدم، فمن سواه من العالمين الذين فُضِّل عليهم قد خرجوا من أن يكون لهم على العالمين فضل؛ لأن آدم من جملة العالمين، وكذلك نوحٌ، وإبراهيم، وآل عمران، إذا دخل أحد هؤلاء في التفضيل خرج الآخرون منه [[في (ب): (منهم).]]؛ لأن كلاً من (العالَمين).
فتأويل ذلك: أنَّ الله اصطفى كلاً منهم على عالَم لا يدخله من قد فُضِّل منهم على عالَم آخر، كما جاء في التفسير: على عالَمي زمانهم.
3:34Page 54
ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤
Descendants, some of them from others. And Allāh is Hearing and Knowing.
قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 399.]]: المعنى اصطفى ذرِّيَةً بعضها من بعض؛ فيكون نصب (ذريةً) على البدل [[والمُبدَل منه، فيه ثلاثة أقوال: قيل: مُبدَل من (آدم). ولم يرتض هذا العكبري، قائلا: (لأنه ليس بذرية). وقيل: مبدل من (نوح). وإليه ذهب العكبري. وقيل: مبدل من (آل إبراهيم وآل عمران). وبه قال الزمخشري. انظر: "الكشاف" 1/ 424، "التبيان" للعكبري: 1/ 184.]]، وجائز [[في (ب): (وجاز)، وفي "معاني القرآن" (وجائزًا).]] أن ينتصب [[في (ج): (ينصب)، وهكذا هي في "معاني القرآن".]] على الحال، المعنى: اصطفاهم في حال كون بعضهم مِن بعض [[وجوز الهمداني رفعها، على تقدير: تلك ذرية. انظر: "الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 563.]].
وقوله: ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: بعضها من ولد بعض؛ لأنَّ الجميع [[في (ب): (الأول).]] ذُرِّية آدمَ ثم ذُرِّية نوح [[أورد هذا القول الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 386، وعزاه لبعض المتأخرين دون أن يُعيِّنْ، وأورده ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 375 وقال: (ذكره بعض أهل التفسير).]].
الثاني: (بعضها [من بعض)] [[ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.]]، أي: في التناصر [[في (ب): (التباصر).]] في الدين [[وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة. انظر المصادر السابقة]]، فيكون المعنى: أنَّ بعضها يوالي [[في (ب): (توافي).]] بعضاً، ولا يَتَبَرَّأُ بعضهم من بعض، كما يتبرأ الكافرون؛ ألا تراه [[(ألا تراه): ساقط من (ج).]] قال: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} [البقرة:166].
فقوله: ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾، أي: هم على غير صفة الكافرين؛ لأنهم إخوان متوالون [[في (ب): (لما يتوالون)، بدلًا من إخوان متوالون.]]، وهذا كقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 67]؛ أي: بعضهم يُلابس [[أي: يخالط، وقد سبق بيانها.]] بعضاً، ويوالي بعضاً وليس المعنى: على النسل والولادة، [لأنه قد يكون من نَسْلِ] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، والمثبت من بقية النسخ.]] المنافقِ مُؤمنٌ، ومِنْ نَسْلِ المؤمنِ مُنافقٌ. قال عُبَيْد الرَّاعي [[هو: أبو جندل، عبيد بن حُصين بن معاوية النُّمَيْري، تقدم 2/ 318. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 502، "الشعر والشعراء" ص 265، "شرح شواهد المغني" 1/ 336.]]:
فَقلتُ ما أنا مِمَّن لا يُواصِلُنِي ... ولا ثَوائِيَ [[في (ب): (رأي). (أ)، (ج) ثواي. والمثبت من: الديوان، ومصادر البيت.]] إلا رَيْثَ أحْتَمِلُ [[الييت في: "ديوانه" 197. وقد ورد منسوبًا له في "الحجة" للفارسي 1/ 173، إلا أنه لم يجزم بنسبته إليه، بل قال: (أظنه الراعي). و"أساس البلاغة" 1/ 388، و"المقاصد النحوية" للعيني 2/ 336. وورد في "المقاصد النحوية" (يوافقني) بدلًا من: (يواصلني)، وورد في "أساس البلاغة" (وما) بدلًا من: (ولا). وورد في الديوان، وبقية المصادر: (أرتحل) بدلًا من: (أحتمل).]].
أي: لا [أُلابس مَنْ لا] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وفي (ب): (أنا ممن لا)، والمثبت من: (ج)، (د)، لأنها أقرب لما ذكره المؤلف من قبل.]] يواصلني، ولا أُواليهِ.
والعرب تقول: (هو مِنْ بني فلان)؛ إذا كان يواليهم ويُلابسهم، وإن لم يكن من نسلهم. وهذا القول يُحكى معناه عن أبي رَوْق [[الذي في "تفسير الثعلبي" 3/ 38 أ: (وقال أبو روق: بعضها على دين بعض). وأبو رَوْق، هو: عَطِيّة بن الحارث الهَمْداني الكوفي تقدم.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال عطاء عن ابن عباس [[لم أهتد إلى مصدر هذه الرواية عنه من طريق عطاء، والذي عثرت عليه هو ما سبق من رواية أبي صالح عنه في هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، آية: 31، وقد سبق الكلام على هذه الرواية.]]: هذا مخاطبة لليهود الذين قالوا: نحن أبناءُ الله وأحبَّاؤه، وأبناء [[في (ب): (وأما).]] الأنبياء الذين اصطفاهم. فأنزل فيهم قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، الآيات إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، ويريد: ﴿سَمِيعٌ﴾ لقولكم الذي تقولون: إنكم من ولد إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ومن آل عمران. وإنَّما فضَّلت أولئك، ورفعتهم واصطفيتهم؛ بطاعتهم، ولو عصوني، لأنزلتهم منازل العاصين. ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في قلوبكم من تكذيب محمد، وعصيانه، بعد إقراركم بالتوراة، وتصديقكم بما فيها من صفته.
وذكر أهل المعاني في هذا قولين آخرين:
أحدهما: أنَّ المعنى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لما تقوله (الذرية) المصطفاة ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تضمره [[والذُرِّيَّة: تأتي مذكرًا ومؤنثًا ومفردًا وجمعًا، ولذا جاء هنا تذكير الضمائر. انظر تفسير قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا﴾ من آية: 38. من هذه السورة.]]؛ فلذلك فضلها على غيرها، لما في معلومه من استقامتها في فعلها وقولها [[لم أهتد إلى قائل هذا القول ولكن ورد مثل هذا القول في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 636 عن ابن إسحاق، حيث قال: (أي: سميع لما يقولون، .. عليم بما يخفون).]].
القول الثاني: أنَّ هذه الآية تتصل بما بعدها، تقديرها: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لما تقوله امرأة عمران، ﴿عَلِيُمٌ﴾ بما تضمره، إذْ قالتْ: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ﴾ [آل عمران: 35]، الآية، وفيه إشارة إلى أنه لا يضيع لها شيء من جزاء عملها [[وهذا قول الطبري في "تفسيره" 3/ 235.]].
3:35Page 54
إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٥
[Mention, O Muḥammad], when the wife of ʿImrān said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."
قوله تعالى [[في (د): (عز وجل).]]: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾. اختلف النحويون في وجه ﴿إِذْ﴾ ههنا: فزعم أبو عبيدة [[في "مجاز القرآن" 1/ 90.]] أنها زائدة، لَغْوٌ؛ والمَعنى: (قالت امرأة عمران)، ولا موضع لها من الإعراب [[وكذا قال ابن قتيبة بأنها زائدة. انظر: "تفسير غريب القرآن" له 103.]].
قال الزَّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 400، نقله عنه بتصرف يسير.]]: ولم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً، لأن (إذ) تدل على ما مضى من الزمان، وكيف يكون الدليل على ما مضى من الوقت لغواً.
وقال ابن الأنباري [[لم أهتد إلى مصدر قوله.]] منكراً لهذا القول أيضاً [[(أيضًا): ساقطة من (د).]]: إنَّا لا نُلغي حرفاً من كتاب الله عز وجل إذا وجدنا سبيلاً إلى أن لا يكون مُلغىً [[اختلف أهل النحو والتفسير في وقوع الزوائد في القرآن؛ بين مانع لذلك، وبين مُجوِّز. فمن (8) المانعين: المبرد، وثعلب، وداود الظاهري، وابن السَّرّاج، الذي رفض أن يكون في لغة العرب زوائد. وهناك من جوز ذلك، فرأى أن وجود هذه الزوائد كعدمها، وقال الزركشي عن هذا الرأي: (وهذا أفسد الطرق) "البرهان" 3/ 73. وأكثر النحويين على أن في القرآن حروفًا زوائد، ولكن من جهة الإعراب، لا من جهة المعنى؛ حيث إن لهذه الزوائد فوائد كثيرة منها: فصاحة اللفظ وحسنه، وتوكيد المعنى، وتمييز مدلوله عن غيره، إلى غير ذلك. وهذا ما تميل إليه النفس. قال السمين الحلبي عن القائلين بزيادة بعض الحروف: (لا يعنون أنه يجوز سقوطه، ولا أنه مُهْمَل لا معنى له. بل يقولون: زائد للتوكيد. فله أسوة بسائر ألفاظ التوكيد الواقعة في القرآن). "الدر المصون" 3/ 462.
ولقد تَحرَّجَ كثيرٌ من العلماء من القائلين بوقوع الزيادة في القرآن من إطلاق لفظ (زائد) أو (مكرر)، لما له من مدلول لا يتفق وإحكام كتاب الله، واستخدموا محله لفظ (الصلة) و (الإقحام) و (التأكيد). انظر للتوسع في معرفة آراء العلماء في ذلك "البرهان" 2/ 178، 3/ 72 - 73، 1/ 305، "التأويل النحوي في القرآن" د. عبد الفتاح الحموز:2/ 1277 - 1279، "لطائف المنان وروائع البيان في دعوى الزيادة في القرآن" د. فضل عباس: 57 وما بعدها.]].
قال الأخفش، والمبرِّد [[قولهما، في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 400، "الإغفال" للفارسي 566.]]: المعنى: (اذكر إذ قالت امرأة عمران). وقد [[من قوله: (وقد ..) إلى: (.. إذ قالت امرأة عمران): ساقط من (د).]] مضى مثل هذا كثيراً.
وقال أبو إسحاق [[هو الزجاج، في: المصدر السابق: نقله عنه باختصار.]]: المعنى عندي: (واصطفى آل عمران ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾) [[(إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ): ساقط من (ج).]]. فالعامل في ﴿إِذْ﴾: معنى الاصطفاء [[يعني: أنَّ قولها ذلك، ونذرها ما في بطنها لله، وقبول الله لنذرها، كل هذا يُعَدُّ اصطفاءً وتفضيلًا لآل عمران.]].
وأنكر أبو بكر هذا، وقال: الله تعالى قَرَنَ اصطفاءه [آل عمران] [[ما بين المعقوفين مطموس في: (أ). والمثبت من بقية النُّسخ.]] باصطفائه آدم ونوحاً، واصطفاؤه آدم ونوحاً قبل قول إمرأة عمران. وأيضاً فإن (عمران) هذا غير عمران المذكور في قوله: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾، لأنه [[في (ج) و (د): (لأن).]] عمران أبو موسى وهارون، وهذا عمران بن ماتان [[في (ب)، (ج): (مانان). وفي (د): (ماثان). وكذا ورد في "المعارف" لابن قتيبة: 52، وفي "تاريخ الطبري" 1/ 785. وينقل الطبري في "تفسيره" 3/ 235، و"تاريخه" 1/ 585 عن ابن إسحاق أن اسمه: (عمران بن ياشهم)، وفي "تفسير الثعلبي" 3/ 38 (أ)، (ب) (عمران بن أشهم)، ينقله عن الحسن وابن وهب وابن إسحاق، وكذا في "تفسير البغوي" 2/ 28.]]، وبينهما ألف وثمانمائة سنة. كذلك ذكره ابن عبّاس [[قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 38 ب، "زاد المسير" 1/ 376، "الدر المنثور" 2/ 32، ونسب إخراجه لإسحاق بن بشر، وابن عساكر.]]، ومقاتل [[قوله، في "تفسيره" 1/ 271.]].
وذكرنا أيضاً عن بعض أهل المعاني أن هذه الآية متصلة بما قبلها، فيكون العاملُ في ﴿إِذْ﴾ على هذا القول: معنى قوله ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ هي: حَنَّةُ [[بنت فاقود وقيل: فاقوذ بن قبيل. انظر: "تاريخ الطبري" 1/ 585، وتفسير مبهات القرآن، للبلنسي 1/ 279.]]، أمُّ مريمَ، جَدَّةُ عيسى عليه السلام، دعت الله أنْ يَهَبَ لها ولداً، وقالت: الَّلهم لك عَلَيَّ إن رزقتني ولداً، أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من [[في (ج): (عن).]] سَدَنَتِه [[السَّدَنة، جمع: سادِن، وهو: الذي يقوم على خدمة بيت العبادة. انظر: "القاموس" 1555 (سدن).]] وخَدَمِه، شكراً لك. وكان على أولادهم فرضاً أن يطيعوهم في نذورهم، وكان الرجل ينذُرُ في ولده أن يكون خادماً في مُتعّبَّدِهم [[انظر قصتها في: "تفسير الطبري" 3/ 235، "تفسير الفخر الرازي" 8/ 25، "الدر المنثور" 2/ 32.]].
وقوله تعالى: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ معنى ﴿نَذَرْتُ﴾: [أَوْجَبتُ] [[ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (أوفيت)، ولم أر لها وجهًا، وما أثبته هو ما رجَّحتُ صوابه؛ لدلالة المعنى اللغوي للكلمة، كما ذكره المؤلف بعدها، وهو: ما يوجبه الإنسان على نفسه .. ، وفي "تهذيب اللغة" (إنما قيل له نذر؛ لأنه نُذِر فيه؛ أي: أوجِبَ، من قولك: (نذرت على نفسي)؛ أي: أوْجَبْتُ) 4/ 3546 (نذر). وكذا في "تفسير الثعلبي" 3/ 39 أ؛ حيث فسرها بـ (أوجبت)، وكذا في بقية كتب اللغة. انظر (نذر) في "مفردات ألفاظ القرآن" 797، والتعريفات، للجرجاني: 420، "اللسان" (نذر) 7/ 4390، "عمدة الحفاظ" 569، "التوقيف على مهمات التعارف" 694 - 695. وقد يكون مرد الخطأ، إلى اللبس في قراءة الأصل الذي انتُسِخت منه النسخ؛ نظرًا لتقارب الكلمتين في الرسم.]].
والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه بِشَرِيطة كان، أو بغير شَرِيطة [[هذا التعريف ذكره الثعلبي في: "تفسيره": 3/ 39 أ. وقوله: (بشَريطة)؛ أي: أنْ يكون النذرُ مُعلَّقًا على شرط؛ كأن يقول: (إن شفى الله مريضي، فعلي أن أتصدق). وأما قوله: (بغير شَرِيطة)، فيعني به النذرَ المُطلَق غير المشروط، كأن يقول: (لله علي أن أتصدق بدينار).
وبهذين النَّوْعَيْن من النذر، قال الشافعيةُ والمؤلف منهم، والحنابلة، وأهل العراق، وأكثر أهل العلم، وأوجبوا الكفارة عند عدم الالتزام. انظر: "فتح الوهاب" للنووي: 204، "مغني المحتاج" للشربيني 4/ 356، "المغني" لابن قدامة: 13/ 622 - 623.
ويرى ابن عرفة أن النذر: هو ما كان وعدًا بِشرْط، وما ليس وعدًا بشرطٍ، فليس بنذر. وهو قولُ أبي عمرو (غلام ثعلب)، وبه قال: أبو البقاء، وفي (الكليات)، وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي. إلا أن الراجح هو الأول. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3546 - 3547 (نذر)، "الكليات" لأبي البقاء (نذر): 912، "المغني" لابن قدامة 13/ 623.]].
قال أهل اللغة: معنى النَّذْر: استدفاع المَخُوفِ، بما يُعقَد على النفس من عمل البِّر. وأصله، من: الإنذار، وهو: الإعلام بموضع المخافة [[وفي "مقاييس اللغة" 5/ 414 ويقول عن (نذر): (.. كلمة تدل على تخويف، أو تخوُّف، ومنه الإنذار: الإبلاغ، ولا يكاد يكون إلا في التخويف).
وفي "تهذيب اللغة" (الإنذار: الإعلام بالشيء الذي يُحذر منه) 4/ 3547 (نذر).]].
وانتصب ﴿مُحَرَّرًا﴾ على الحال من ﴿مَا﴾ تقديره: نذرت لك الذي في بطني محرراً [[وقيل في علة النصب: إنه حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، ﴿فِي بَطْنِي﴾، والعامل فيه، هو: (استقر)، وبه قال الطبري. وقيل: انتصب على المصدر، ويكون فيه حينها حذفُ مضاف، تقديره: (نذرت .. نذرَ تحرير)، أو انتصابه على ما تضمنه ﴿نَذَرْتُ لَكَ﴾ من معنًى، وهو: (حرَّرْتُ لك ما في بطني تحريرًا). وقيل: نصب على أنه نعت مفعول محذوف؛ أي: (.. غلامًا محررًا). انظر: "تفسير الطبري" 3/ 235، "الدر المصون" 3/ 130، "الفريد في إعراب القرآن" 1/ 564، "روح المعاني" 3/ 134.]].
وقال ابن قتيبة [[في "تفسير غريب القرآن" له: 103.]]: أرادت نذرت لك أن أجعل [[في (د): (نجعل).]] ما في بطني محرراً، أي: عتيقاً [[من قوله: (عتيقا ..) إلى (.. والحمأة والعيوب): نقله مع اختصار قليل عن "تفسير الثعلبي" 3/ 39 أ.]] خالصاً لله، خادماً للكنيسة، مفرغاً للعبادة ولخدمة الكنيسة. وكل ما أُخْلِصَ فهو مُحَرَّر. يقال: (حرَّرتُ العبدَ). إذا أعتقته، و (حَرَّرْتُ الكتابَ) إذا أصلحته، وأخلصته، فلم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاحه [[في (ج)، (د) (إصلاح).]].
و (رجل حُرٌّ): إذا كان خالصاً لنفسه، ليس لأحد عليه مُتَعَلَّق. و (الطينُ الحُرُّ): الذي خَلَصَ من الرملِ والحَمْأَةِ [[في (د): الحمأ. والحَمْأة، والحَمَأ: الطين الأسود المنتن. انظر (حمأ) في "الصحاح" 45، "اللسان" 2/ 986.]] والعيوب.
وقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾. معنى التَّقَبُّلِ [[(معنى التقبل): ساقط من (ج).]]: أخذُ الشيءِ على الرِضى [[في (ج)، (د): (الرضا). والأصل في كتابتها أن ترسم بالألف الممدودة؛ لأنها اسم ثلاثي منقلب ألفه عن واو، وهو مذهب البصريين، وما أثْبَتُّه صحيح على رأي الكوفيين الذين يكتبون ما كان على وزن (فعَل) بالياء، سواء كان أصل الألف ياءً أم واوًا. قال الفراء: (الحِمَا والرِّضَا، يكتبان بالألف والياء؛ لأن الكسائي سمع العرب تقول: حِمَوان ورِضَوان، وحِمَيان، ورِضَيان). انظر: "المنقوص والممدود" للفراء (تح: عبد العزيز الميمني): 33. وفي "إصلاح المنطق" 139: (ويقال: كان مَرضِيًا ومَرضُوَّا). وانظر: "باب الهجاء" لابن الدهان: 29.]] به [[انظر: "اللسان" 6/ 3516 (قبل).]]. وأصله، من: المقابلة؛ لأنه يقابل بالجزاء ما يؤخذ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾. أي: لدعاي [[في (د): (دعائي).]]. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلبي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences