Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:55–60
3:55Page 57
إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٥٥
[Mention] when Allāh said, "O Jesus, indeed I will take you and raise you to Myself and purify [i.e., free] you from those who disbelieve and make those who follow you [in submission to Allāh alone] superior to those who disbelieve until the Day of Resurrection. Then to Me is your return, and I will judge between you concerning that in which you used to differ.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾. الآية. العامل في (إذ): قوله: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [[أي إنها منصوبة بقوله: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ أي ت ومكر الله بهم في هذا الوقت. وقيِل: إن الناصب لها، قوله: ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وقيل: إن الناصب لها، فعل مقدَّر، هو: (اذكر). انظر تفسير "الكشاف" 1/ 432، "غرائب القرآن" 3/ 203، "الدر المصون" 3/ 213.]].
واختلف أهل التأويل في هذه الآية على طريقين: أحدهما: إجراء الآية [[في (ج): (الإجراء).]] على سياقها من غير تقديم ولا تأخير. وهو قول الحسن [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 289 - 290، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 661، "تفسير الثعلبي" 3/ 58 ب، "النكت والعيون" 1/ 397، "تفسير البغوي" 2/ 45، "زاد المسير" 1/ 396، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 64.]]، والكلبي [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 58 ب، "تفسير البغوي" 2/ 45.]]، وابن جُريج [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 290، "تفسير الثعلبي" 3/ 58 ب، "النكت والعيون" 1/ 397، "تفسير البغوي" 2/ 45، "زاد المسير" 1/ 396.]]، وابن زيد [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 290، "تفسير الثعلبي" 3/ 58 ب، "النكت والعيون" 1/ 397.]]، ومَطَر [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 290، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 410، "تفسير الثعلبي" 3/ 58 ب، "تفسير ابن كثير" 1/ 393. ومطر، هو: ابن طَهْمان الوَرّاق،== أبو رجاء، السّلمي مولاهم، الخراساني، سكن البصرة، قال ابن حجر: (صدوق كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف). مات سنة (125هـ)، وقيل: (129هـ). انظر: "ميزان الاعتدال" 5/ 251 - 252، "تقريب التهذيب" 534 (6699).]]، قالوا: معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابضك من غير موت. و (التَّوَفِّي): أخذُ الشيء وافيًا [[انظر (مادة: وفى) في "تهذيب اللغة" 4/ 3924 - 3925، "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: 878، "التاج" 20/ 300.]]. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم [[انظر: "تفسير البسيط" للمؤلف: 3/ 804 - 805، وانظر في موضع آخر عند تفسير آية: 281 من البقرة.]].
يدل على هذا القول: قوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ [المائدة: 117]، أي: قبضتني إلى السماء [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 139، "أبي السعود" 3/ 101، "البيضاوي" (68).]].
فعلى هذا، معنى قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابضك وافيا، لم ينالوا منك شيئًا [[وهذا الذي رجحه الطبري في "تفسيره" 3/ 289 - 290، حيث قال: (وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا، قول من قال: (معنى ذلك: أني قابضك من الأرض، ورافعك إليَّ)؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ، أنه قال: (ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدجال، ثم يمكث في الأرض مدَّة ذكرها، اختلفت الرواية في مبلغها، ثم يموت، فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه" ثم ذكر ابن جرير روايات في ذلك.]].
وقال [[في (ج): (قال).]] الربيع [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 289، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 409، والنكت العيون: 1/ 397، "تفسير البغوي" 2/ 45، "تفسير ابن كثير" 1/ 393.]]: معناه: متوفيك وفاة نومٍ [[(نوم): ساقطة من: (ج). وقد وردت في جميع النسخ (يوم) بدلًا من: (نوم)، وما أثبتُّه هو الصواب؛ لأن المقصود بها أن الله رفعه إليه بعد أن نام، وقد سمَّى الله النوم وفاة، كما جاء في الدليل بعدها، وهو ما تدل عليه روايات الأثر في مصادره المذكورة سابقًا.]]، للرفع [[في (د): (الرفع).]] إلى السماء، يدلُّ عليه: قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: 60]. قال ابن عباس في رواية الوالبي [[هذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه تعليقًا: 6/ 190 كتاب "تفسير القرآن" سورة المائدة، باب: 13. وهي كذلك في "تفسير الطبري" 3/ 290، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 661، "تفسير الثعلبي" 3/ 58 ب، "تفسير البغوي" 2/ 45، "تفسير ابن كثير" 1/ 393. وأورَدَها السيوطى في "الدر المنثور" 2/ 64، وزاد نسبت إخراجها لابن المنذر. وانظر: "تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير" 1/ 169.]]: معناه: إنِّي مميتك. ووجه هذا القول؛ ما قال وهبٌ [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 290، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 661، "مستدرك الحاكم" 2/ 596، "تفسير الثعلبي" 3/ 58 ب، "تفسير البغوي" 2/ 45، "المحرر الوجيز" 3/ 143، "تفسير ابن كثير" 1/ 393.]]: توفَّى اللهُ عيسى ثلاثَ ساعات من النهار، ثمَّ أحياه، ورفعه إليه [[أخرج الحاكم عن وهب، قوله: (توفى الله عيسى ثلاث ساعات من نهار، ثم رفعه إليه، والنصارى تزعم أنه توفاه سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ..). وقال الذهبي عن هذه الرواية: (رواه عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عنه، قلت: وعبد المنعم، ساقط). "المستدرك" 2/ 596، كتاب: تواريخ المتقدمين. وأورد السيوطي عن وَهْب، قوله: (أماته الله ثلاثة أيام، ثم بعثه ورفعه). "الدر المنثور" 2/ 64، ونسب إخراجه لابن عساكر. قال الطبري رادًا على من قال بأن الله أماته في الدنيا ثم رفعه: (ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله عز وجل، لم يكن بالذي يميته مِيتةً أخرى، فيجمع عليه ميتتين، لأن الله عز وجل إنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يميتهم ثم يحيهم ..). تفسيره: 3/ 292.]].
وقال الواسطي [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 59 ب. وسماه الثعلبي: (أبو بكر الواسطي). وهو: أبو بكر، يوسف بن يعقوب بن الحسين الأصم، الواسطي. الإمام المُجوِّد، مقرئ واسط، وإمام جامعها، إمام جليل القدر، ثقة، محقق كبير، توفي سنة (313 هـ)، وقيل: (314 هـ). انظر: "تاريخ بغداد" 14/ 319، "معرفة القراء الكبار" 1/ 250، "سير أعلام النبلاء" 15/ 218، "غاية النهاية" 2/ 404.]]: معناه: إنِّي متوفيك عن شهواتك و [عن] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]] حظوظ نفسك؛ وذلك [[من قوله: (وذلك ..) إلى (.. كحال الملائكة)، هذا التعليل ذكره الثعلبي تعليقًا على قول الواسطي، ولفظ الثعلبي في "تفسيره" 3/ 59ب، بعد أن ذكر قول الواسطي: (ولقد أحسن فيما قال؛ لأن عيسى ..)، ثم ذكره]] أن عيسى لمَّا رُفع إلى السماء، صارت حالُهُ [[في (ج): (حالته).]] كحالِ الملائكةِ [[ورد هذا في "تفسير البغوي" 2/ 45، عن قتادة بدون سند قال: (ورفعه إليه، وكساه الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذَّة المطعم والمشرب، وطار مع الملائكة، فهو معهم حول العرش ..) وقد أورده القرطبي في "تفسيره" 4/ 100، عن الضحاك ولم يسنده.]] والطريق [[في (ج): (الطريق) بدون واو.]] الآخر في هذه الآية: أنها على التقديم والتأخير.
قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية]]: هذا مقدَّمٌ ومؤخَّرٌ، يريد: إني رافعك إليَّ، ومتوفيك بعد أن أُهبِطك إلى الأرض حتى تكون فيها، وتتزوج، وُيولَد لك، وتكون في أمَّة محمد، ومعهم حتى تموت. [[ورد هذا القول عن الضحاك. انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 59 أ.]] وفي حديث أبي هريرة: أنه يُدفن في حجرة النبي ﷺ، فيقوم أبو بكر وعمر يوم القيامة بين رسولين: محمد وعيسى عليهما السلام [[حديث أبي هريرة رضي الله عنه في نزول عيسى عليه السلام، ورد عنه من طرق وألفاظ مختلفة، فقد أخرجه البخاري في "الصحيح" (3448) كتاب الأنبياء، باب: 49، و (2476) كتاب المظالم، باب: 31. ومسلم في الصحيح: (انظر: "صحيح مسلم" (155) كتاب: الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم حاكمًا). والترمذي (2233) كتاب الفتن، باب: 54. وأحمد في "المسند" انظر: "الفتح الرباني" للبنا: 24/ 87، 88 كتاب الفتن أبواب ظهور العلامات الكبرى)، والحاكم في "المستدرك" 2/ 595 كتاب التواريخ، والطبري في "تفسيره" 3/ 292. وقد ورد == فيها أنه يُتَوفَّى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه، ولكن لم أقف فيها على كونه يتزوج، ويولد له، أو كونه يُدفن في حجرة النبي ﷺ .. إلخ، إلا في رواية أوردها الثعلبي في "تفسيره" 3/ 59 ب، عن أبي هريرة، ولم يسندها، قال: (.. ثم يتزوج ويولد له، ثم يتوفى، ويصلي المسلمون عليه، ويدفنونه في حجرة النبي ﷺ. وفي سنن الترمذي، عن عبد الله بن سلام: (مكتوب في التوراة صفة محمد وصفة عيسى بن مريم يدفن معه، قال: فقال أبو داود [أحد الرواة في السند]: وقد بقي في البيت موضع قبر) وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب). "السنن" (3611) كتاب المناقب، باب: 1. وفي "الدر المنثور" 2/ 65 قال: (وأخرج البخاري في تاريخه، والطبراني، عن عبد الله بن سلام، قال: (يدفن عيسى بن مريم مع رسول الله ﷺ وصاحبيه، فيكون قبره رابعا). وقد جمع ابن كثير والسيوطي روايات كثيرة في نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان، انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 393، "الدر المنثور" 2/ 65.]].
قال الفرَّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 219. نقله عنه بنصه]]: يقال: إنَّ هذا مقَدَّمٌ ومؤَخرٌ؛ المعنى [[في "معاني القرآن": المعنى فيه.]]: إني رافعك إليَّ، ومُطَهِّرُكَ من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إيَّاك إلى [[في "معاني القرآن": في.]] الدنيا.
ومثله من المقدَّم والمؤخر، قوله: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1] [[ويعني المؤلف بالتقديم والتأخير في الآية، على أن معناها. الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قَيِّما، ولم يجعل له عِوَجًا. وهو مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، واليه ذهب الطبري، والفراء، والزجاج. وقيل: ليس فيه تقديم ولا تأخير، والمعنى: ولم يجعل له عوجا، ولكن جعله قيِّما. وهو مروي عن قتادة. وكذلك ذهب إليه الفخر الرازي، وقال: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ يدل على كونه كاملًا في ذاته، وقوله ﴿قِيَمًا﴾ يدل على كونه مكملا لغيره، وكونه كاملًا في ذاته، متقدم بالطبع على كونه مكملًا لغيره، فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح == هو: الذي ذكره الله تعالى، وهو قوله ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قِيَمًا﴾، فظهر أن ما ذكروه من التقديم والتأخير فاسد، يمتنع العقل من الذهاب إليه) "تفسير الفخر الرازي" 21/ 76 انظر: "تفسير الطبري" (ط: دار الفكر): 15/ 190191، "معاني القرآن" للفراء: 2/ 133، "معاني القرآن" للزجاج: 3/ 267، "معاني القرآن" للنحاس 4/ 211212، "تفسير القرطبي" 10/ 351.]] [الآية] [[ما بين المعقوفين زيادة من (د).]]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [[سورة طه: 129. والمعنى على التقديم والتأخير فيها: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسَمَّى لكان لزاما .. وهو قول قتادة، وأبي زيد، وأهل التفسير. انظر: "تفسير الطبري" (ط. دار الفكر): 22/ 232، "تفسير الفخر الرازي" 22/ 133، "تفسير البيضاوي" 2/ 65.]].
وقوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [أي] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج، (د).]]: و [[الواو: ساقطة من: (ج)، (د).]] إلى سمائي ومحل كرامتي. فجعل ذلك رَفْعًا إليه؛ للتفخيم [[في (ب): (إلى التفخيم).]] والتعظيم، ومثله، قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: 99]، وإنما ذهب إبراهيم عليه السلام من العراق إلى الشام، والتقدير: إلى أمر ربي، لأنه أمره بذلك المكان.
وقوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. أي: مُخرِجُك مِن بينهم؛ لأن كونه في جملتهم، بمنزلة التنجيس له بهم.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية. وورد في "تفسير الثعلبي" 3/ 60 أ، "تفسير البغوي" 2/ 46: أن الضحاك، ومحمد بن أبَّان، قالا: (يعني: الحواريون فوق الذين كفروا).]]: يعني بـ (الذين اتَّبعوه): الحواريّين ومن كان على دينهم.
وقال قتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 292، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 661، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 411، "تفسير الثعلبي" 3/ 60 أ، "النكت والعيون" 1/ 398، "تفسير البغوي" 2/ 46، "زاد المسير" 1/ 397، "الدر المنثور" 2/ 64 وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد.]]، والربيع [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 292، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 661، "تفسير الثعلبي" 3/ 60 أ، "النكت والعيون" 1/ 398، "تفسير البغوي" 2/ 46، "زاد المسير" 1/ 379.]]، والكلبي [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 60 أ، "تفسير البغوي" 2/ 46، "زاد المسير" 1/ 379.]]، ومقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 279، "تفسير الثعلبي" 3/ 60 أ، "تفسير البغوي" 2/ 46.]]: هم أهل الإسلام من أمَّة محمد ﷺ، اتَّبعوا دين المسيح، وصدَّقوه بأنَّه [[في (ب): (أنه).]] رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. فوالله ما [[في (ب): (وربما).]] اتَّبعه من دعاه [[في (د): (ادعاه).]] ربًّا.
وقوله تعالى: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يحتمل أن يكونوا فوقهم بالبرهان والحُجَّة، ويحتمل بالعِزِّ والغَلَبَةِ.
وقال ابن زيد [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 292، "تفسير الثعلبي" 3/ 60 أ، "تفسير ابن عطية" 3/ 144، "زاد المسير" 1/ 379.]]: وجاعل النصارى فوق اليهود، فاليهود: مُسْتذلُّون مقهورون، والنصارى وأهل الروم: لهم الملك والبسطة.
و (الاتِّباعُ) على هذا القول، بمعنى: الادِّعاءُ والمحبَّة، لا بمعنى: اتِّباع الدين والمِلِّة [[يعني: أنه بناء على قول ابن زيد، يكون معنى اتباع النصارى لعيسى الوارد في الآية إنَّما هو: ادِّعاؤهم اتِّباعه ومحبته، وليس المراد به الالتزام الحقيقي باتباع دينه وملته؛ لأن واقع النصارى يخالف ذلك.]]. والاختيار: ما سبق من القولين.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾. عَدَل عن الغَيْبَة إلى الخطاب؛ لتَغليب الحاضر على الغائب، لمَّا دخل معه في المعنى، وهو محمد ﷺ. ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله من المعنى: كأنَّه قيل: أمَّا الدنيا: فالحال فيها ما ذكرنا، وأما الآخرة: فيقع فيها الحكم في [[في (ج): (على).]] اختلافكم في الدين وأمر عيسى.
3:56Page 57
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٥٦
And as for those who disbelieved, I will punish them with a severe punishment in this world and the Hereafter, and they will have no helpers."
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ الآية. العذاب [[من قوله: (العذاب ..) إلى (.. الجزية): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 420.]] في الدنيا: القتل الذي نالهم [[في (ب): (أصابهم).]]، وينالهم [[في (ب): (ونالهم).]]، وسَبْي الذراري، وأخذ الجزية. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. أي: مالهم مَن يمنعهم مِن عذاب الله.
3:57Page 57
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٧
But as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards, and Allāh does not like the wrongdoers.
قوله تعالى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ التَوْفِيَةُ: التكميلُ [[في (ج): (التمليك).]] في الأداء.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. أي [[من قوله: (أي ..) إلى (.. ولا يثني عليهم): نقله بتصرف يسير عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 421.]]: يعذِّبهم، ولا يرحمهم، ولا يُثْنِي عليهم [[المحبة هنا وفي غيرها من الآيات، صفة من صفات الله تعالى، وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله الكريم ﷺ وهي من صفاته تعالى الاختيارية المتعلقة بمشيئته. ومنهج السلف الكرام: وجوب اثبات ما أثبته الله لنفسه من صفات، وفق ما يليق به تعالى، دون تأويل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ويُنفى عنه ما نفاه عن نفسه منها. وقد وردت صفة المحبة في آيات كثيرة منها ما ورد بالإيجاب، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [195من سورة البقرة] ومنها ما ورد بالسلب، كالآية السابقة في الأصل، والتي هي موضوع هذا التعليق. والمؤلف هنا أثبت لازم الصفة، وثمرتها وفق مذهب الأشاعرة، وإثبات الَّازم غير إثبات الصفة، فالله تعالى لا يحب الظالمين على الحقيقة، ومن نتيجةِ ولازِمِ وعدم محبتهم: أن يعذبهم، ولا يرحمهم، ولا يثني عليهم. والأشاعرة والمعتزلة ينفون هذه الصفة بدعوى إيهامها النقص في الخلق؛ لأنها عندهم: مَيْلُ المخلوق إلى ما يناسبه أو يستلذه، ويرجعها الأشاعرة إلى صفة الإرادة، فيقولون بأن محبَّة اللهِ للعبد: هي إرادة إكرامه ومثوبته. والمعتزلة بما أنهم لا يثبتون إرادة قائمة، به فإنهم يفسرون المحبة بأنها نفس الثواب الواجب عندهم على الله. وكلا المذهبين خالف الحقَّ وجانب الصواب والعدل. والصراط السوي، هو: مذهب السلف الكرام الذي أثبت هذه الصفة وغيرها من الصفات الواردة في الكتاب والسنة لله، على الحقيقة ويثبت معها نتائجها ولوازمها. انظر: "مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 2/ 354، "شرح العقيدة الواسطية" 44 - 46، "المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات" 1/ 396 - 399.]].
3:58Page 57
ذَٰلِكَ نَتۡلُوهُ عَلَيۡكَ مِنَ ٱلۡأٓيَٰتِ وَٱلذِّكۡرِ ٱلۡحَكِيمِ ٥٨
This is what We recite to you, [O Muḥammad], of [Our] verses and the precise [and wise] message [i.e., the Qur’ān].
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾: إشارة إلى ما تقدَّم من النبأ عن [[في (د): من.]] عيسى ومريم والحواريِّين.
وقوله تعالى: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾. قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: نخبرك به. جَعَلَ إخبارَه به [[(به): ساقطة من (د).]]، وإظهارَهُ له [[(له): ساقطة من: (ج).]]: تِلاوَةً، لأن التلاوة: إظهار وإخبار [[وإخبار: ساقطة من (د). قال ابن فارس: (التاء، واللام، والواو، أصل واحد،== وهو: الاتباع. يقال: (تَلَوته)؛ إذا تَبِعْتَه. ومنه: تلاوة القرآن؛ لأنه يُتبع آية بعد آية). "معجم مقاييس اللغة" 1/ 351 (تلو). وقال الراغب: والتلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة؛ تارة بالقرآن، وتارة بالارتسام لما فيها من أمر ونهي وترغيب وترهيب، أو ما يتوهم فيه ذلك، وهو أخصُّ من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة. ولا يقال: (تلوت رُقْعتك)، وإنما يقال في القرآن، في شيء إذا قرأته وجب عليك اتِّباعه). "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: 167 (تلو)، وانظر: "اللسان" 1/ 444 (تلو).]].
ويجوز أيضًا أن تكون [[في (ب): (يكون).]] التلاوة [[(التلاوة): ساقطة من: (ب).]] لجبريل عليه السلام، والله تعالى يضيفها إلى نفسه [[(إلى نفسه): ساقطة من: (ب).]]؛ لأن تلاوة جبريل بأمر الله [تعالى] [[ما بين المعقوفين زيادة من (د).]].
ومثله: ﴿نَحْنُ [[(نحن): ساقطة من: (ج).]] نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [[مقطع من آية 3 في سورة يوسف، وأية 13 من الكهف. وسياقها في سورة يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾.]]، وأمثاله كثيرة. ومعنى ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: أي [[من قوله: (أي ..) إلى (.. لا تقرأ): نقله بتصرف واختصار عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 421.]]: من العلامات الدالة على تثبيت رسالتك [[انظر هذا المعنى لـ ﴿الْآيَاتِ﴾، في "الصحاح" 6/ 2275 (أيا)، "اللسان" 1/ 182 (أيا).]]؛ لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارئ كتاب أو من يوحى إليه، وقد علموا أنك أمِّيٌّ لا تقرأ.
وقوله تعالى: ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾. يعني: القرآن. ولـ ﴿الْحَكِيمِ﴾ [[في (ج): (والحكيم).]] ههنا معنيان:
أحدهما: أنه بمعنى: الحاكم، مثل: القدير، والعليم، ومعناه: ذو الحِكْمَةِ [[في (ج): (ذو القدرة).]] في تأليفه ونظمه، وإبانة [[في (ج): (وآياته).]] الفوائد فيه. [والحِكْمَة: أصله في اللغة: المنع عن الفساد. والقرآنُ حاكمٌ، على معنى: أنه بما فيه] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، (د). قال الزجاج: (وأصل (ح، ك، م) في الكلام: المَنْعُ. وسُمِّيَ الحاكمُ حاكمًا؛ لأنه يمنع الخصمين من التظالم. و (حَكَمَة الدابَّة)، سُمِّيت (حَكَمَةً)؛ لأنها تمنعه من الجِماح. وفي كتب السلاطين القديمة: (واحكُم فلانًا عن ذلك الأمر)؛ بمعنى: امنعهُ). تفسير أسماء الله الحسنى، للزجاج: 43. وانظر: "مقاييس اللغة" 2/ 91 (حكم)، "الزاهر" 1/ 207.]] من العِبَرِ والدِّلالات، مانع عن الكفر والفساد. وهذا كما وُصِفت الدِّلالةُ بأنَّها الدليلُ؛ لأنها بمنزلة الناطق بما فيها من البيان. وهذا الوجه، اختيار الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 421. وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 413.]].
الثاني: أنَّه بمعنى: المُحكَم، (فَعِيل) بمعنى: (مُفعَل).
قال الأزهري [[في "تهذيب اللغة"1/ 885 (حكم)، نقله عنه بالمعنى.]]: وهو سائغ [[في (د): (شائع).]] في اللغة؛ لأن (حَكَمتُ) يجري مجرى (أَحْكَمت) في المعنى، فَرُدَّ إلى الأصل.
ومعنى (المُحْكَم) في القرآن: أنه أُحكِم بالأمر والنهي، وبيان الحلال والحرام. قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: 1]. وهذا قول مقاتل [[في "تفسيره" 1/ 279.]]. قال: الحكيم: هو المُحكَمُ من الباطل. قال الليثُ [[قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 885 (حكم).]]: وسمَّى الأعشى القصيدَةَ المحكَمةَ: (حكيمةً)؛ فقال [[في (ج): (وقال).]]:
وغَرِيبَةٍ تأتي المُلوكَ حكيمةٍ ... قد قُلتُها ليُقالَ مَنْ ذا قالَها [[البيت، في ديوانه: 144، "تهذيب اللغة" 1/ 885 (حكم)، "اللسان" 2/ 951 (حكم). وأراد بـ (الغريبة): القصيدة.]].
3:59Page 57
إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٥٩
Indeed, the example of Jesus to Allāh1 is like that of Adam. He created him from dust; then He said to him, "Be," and he was.
و [[الواو: زيادة من (د).]] قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [[(كمثل آدم): ليست في (ب)، (د).]] الآية.
نزلت في وَفْدِ نجران، حين قالوا للنبي ﷺ: (وهل رأيت ولدًا من غير ذكرٍ؟)؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية [[ورد هذا السبب بألفاظ مختلفة في "تفسير الطبري" 3/ 295، 471، يرويه عن قتادة، والسدِّي، وابن زيد، ولفظه عن قتادة: (ذُكِر لنا أن سيِّديْ أهل نجران وأسْقُفَّيهم: السيد، والعاقب، لقيا نبي الله ﷺ فسألاه عن عيسى، فقالا: كل آدمي له أب، فما شأن عيسى لا أب له؟ فأنزل الله عز وجل فيه الآية (إنَّ مثل عيسى ..). وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 66 وزاد في نسبته إلى عبد بن حميد. ووردت روايات أخرى من طرق أخرى في سبب نزول هذه الآية، قريبة من السابقة، انظرها في "تفسير الطبري" 6/ 468 - 471، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 665، "أسباب النزول" للواحدي: 99، "لباب النقول" للسيوطي 52، "الدر المنثور" 2/ 67.]]. وقد ذكرنا معنى (المَثَل) فيما تقدم [[انظر: "تفسير البسيط" [البقرة: 26] تحقيق د. الفوزان.]]، وأن المراد به بيان أنَّ سبيلَ الثاني سبيلُ الأول.
فالله تعالى قد ذكر في القرآن قصَّهَ آدَمَ، وإنشاءه إيَّاه من غير والدٍ، ثم دلَّ في هذه الآية على أنَّ سبيلَ الثاني [[(الثاني): ساقطة من: (ج).]] وهو عيسى، في إنشائِه، وخَلْقِهِ من غير ذَكَرٍ سبيلُ الأول، وهو آدَم.
وفي هذه الآية حجةٌ على من أنكر القياس؛ لأن الله تعالى احتجَّ فيها على المشركين، ولا يجوز أن يدلَّهم إلاَّ بما فيه دليلٌ. فقياس [[في (ب): (فيقاس).]] خَلْقِ عيسى من غير ذَكَرٍ، كقياسِ خَلْقِ آدم، بل الشأن فيه أعجب؛ لأنه خُلِقَ من غير ذَكَرٍ ولا أنثى.
وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾. أي: في الخَلْق والإنشاء. خَلَقَ عيسى من غير أب، كما خَلَقَ آدمَ من غير أبٍ ولا أُمٍ. وتمَّ الكلام عند قوله: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [[ممن قال بأن الوقف تامٌّ: يعقوب، وقال أبو بكر بن الأنباري: إن الوقف هنا: حسنٌ، وليس بتامٍّ ولا كافٍ. انظر كتاب "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري: 2/ 578، "القطع والائتناف" للنحاس 226، "منار الهدى" للأشموني: 63.]]، وهو جملةُ تامَّةٌ، وتشبيهٌ كاملٌ. ولو اقتصر عليه حصل المراد. قال: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ وهذا ليس بِصِلَه لـ ﴿آدَمَ﴾، ولا صِفَةٍ، لأن الصلة للمبهمات [[لأن (آدم) معرفة، والمعارف لا تُوصل، وإنما الصلات للنكرات. انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 219، "تفسير الطبري" 3/ 296.]]، والصفة للنكرات [[لأن الجُمَل بعد النكرات صفات، و (آدم) مَعْرِفة، ولذا لا تكون الجملة بعده صفة له، لأن الجمل لا تكون إلا نكرة، فلا توصف بها معرفة.]]، ولكنَّهُ خبرٌ مستأنَفٌ على جهة التفسير لحال آدم [[أي: إنها جملة مفسرة لوجه التشبيه، فلا وجه لها من الإعراب، وهذا الوجه هو الأظهر.
وقيل: إنها في محل نصب على الحال من (آدم)، مع تقدير (قَدْ) معها لتقربه من الحال؛ لأن الفعل الماضي لا تصل بالأعلام إلا إذا أضمر معه (قَدْ)، والعامل فيها معنى التشبيه. وقال أبو البركات بن الأنباري في كتابه "البيان": إنها جملة مفسرة للمَثَلِ، وهي في موضع رفع؛ لأنها خبر لمبتدأ محذوفٍ؛ كأنه قيل: ما == المثل؟ فقال: خلقه من تراب. أي: المَثَلُ خلَقَهُ من تراب ..). انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 219، "تفسير الطبري" 3/ 296، "البيان" للأنباري: 1/ 206، "الدر المصون" 3/ 218، "منار الهدى" 63.]].
قال الزجَّاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 422، نقله عنه بتصرف يسير. والزجَّاج هنا يوضح كيف كانت ﴿خَلَقَهُ﴾ جملة مفسرة.]]: وهذا كما تقول في الكلام: (مَثَلُك، مَثلُ زيدٍ). تريد: أنك تشبهه في فِعْلٍ، ثم تخبر بقصَّة زيد، فتقول: كذا وكذا.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. اختلفوا في المَقُولِ له ﴿كُنْ﴾: فالأكثرون [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 96، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 665 وقد رواه عن ابن إسحاق، "المحرر الوجيز" 3/ 148.]]: على أنه (آدَمُ)، وعلى هذا يقع الإشكال في لفظ الآية؛ لأنه إنما يقول له: (كُنْ) قبل أن يخلقه لا بعده، وههنا يقول: ﴿خَلَقَهُ﴾ ، ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾. والجواب:
إنَّ الله تعالى أخبرنا أوَّلًا أنه خلق آدم من غير ذَكَر ولا أنثى، ثم ابتدأ خبرًا آخَرَ، أراد أَنْ يُخبرنا به، فقال: ثم [[(ثم): ساقطة من: (ج) و (د).]] إني أخبركم أيضًا بعد خبري الأول: أني قلت له ﴿كُنْ﴾، فكان، [فجاء] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (د)، وهي كذلك في "الدر المصون" 3/ 220؛ حيث نقل السمينُ الحلبيُّ قولَ الواحدي كاملًا.]] [(ثم)] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)، وكذلك هي في "الدر المصون" 3/ 220، ولكن وردت فيه: (بثم).]] لمعنى [[في (ج)، (د): (بمعنى).]] الخبر الذي تقدم، والخبر الذي تأخر في الذِّكْر، لا أن [[في (ب)، (ج)، (د): (لأن) بدلًا من: (لا أن) وكذلك وردت في "الدر المصون" == 3/ 220: (لأن). وما في هذه النسخ له وجاهته؛ حيث يعني أنه جيء بـ (ثم) لأن الإخبار عن قوله (كن) تأخر عن الإخبار عن الخلق. وما أثبته في الأصل من نسخة (أ)، يتناسب كذلك مع الكلام السابق واللاحق.]] الخَلْقَ تقدم على قوله: ﴿كُنْ﴾، وهذا كما تقول للرجل: أخبرك أني أعطيتك اليوم ألفا، ثم إني أخبرك [أني] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ب)، (ج)، (د)، "الدر المصون".]] قد أعطيتك [[أعطيتك: ساقطة من (د).]] أمس قبلَ هذا ألفا، فـ (أمس) متقدم [[في (د): (متقدما).]] لـ (اليوم)، وإنما جاء (ثم)؛ لأن خبَرَ اليومِ متقدمٌ خبرَ [[(خبر): ساقطة من: ب.]] أمس، وجاء خبرُ أمس بعد مُضِيِّ [[في (ب): (فأخبر أمس بفعل مضى).]] خبرِ اليوم، ومثله قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: 6]، وقد خُلِقت [[في (ج)، (د): (خلقتا).]] بعد خلق زوجها، ولكن هذا واقع على الخبر دون الخلق؛ لأن التأويل: أخبركم أني قد خلقتكم من نفس واحدة؛ لأن حوَّاء أيضًا خُلِقت من ضلعه، ثم إني أخبركم أني [[في (ب): (أني قد).]] خلقت زوجها منها، ومثل هذا مما جاء في الشعر، قوله:
قُلْ لِمَن سادَ ثمَّ سادَ أبوهُ ... ثم قد سادَ قبلَ ذلك جدُّهْ [[البيت لأبي نواس، وهو في ديوانه: 493. وورد البيت غير منسوب، في "غرائب التفسير" للكرماني: 1/ 260، "رصف المباني" 250، والجني الداني: 428، "مغني اللبيب" 159، "منهج السالك" 3/ 94، "همع الهوامع" 5/ 236 (1605)، "خزانة الأدب" 11/ 37، 40، "الدرر اللوامع" 2/ 173. وقد وردت روايته في == المصادر السابقة: (إنَّ من ساد ..).
وروايته في الديوان:
قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... قبلَهُ ثم قبل ذلك جدُّه
وقال البغدادي في "خزانة الأدب" 11/ 40: (وهذا البيت من شعرٍ مولَّدٍ لا يوثق به، وأوله مغيَّر اشتهر به، وهو أول أبيات سبعة مدح بها العباس بن عبيد الله بن أبي جعفر) وهو عم هارون الرشيد.]] ومعلوم أن الأبَ متقدم له، والجدَّ متقدم للأب، ولكنه أخبر عن سيادته أولًا، ثم عن سيادة أبيه، ثم عن سيادة جدِّه؛ فالترتيب يعود إلى الخبر، لا إلى الوجود. ويجوز أن يكون المراد: أنه خلقه قالَبًا من تراب، ثم قال له: (كن بَشَرًا)، فيصح النظم [[يعني المؤلف بقوله (فيصح النظم) والله أعلى: أن الذهاب في تفسير الآية إلى هذا الوجه الأخير الذي ذكره يغني عن تمحل إجابة كالتي سبقت في تفسيرها بالوجه الأول، وأنه لا إشكال في لفظ الآية.]]. وقال بعضهم: المقول له ﴿كُنْ﴾: عيسى عليه السلام [[روى أسباط عن السدِّي عن أبي مالك (غزوان الغفاري) أنه قال عن المَعنِيِّ بالآية: (فهو أمر عيسى والقيامة). انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 666، وبه قال البغوي في "تفسيره" 2/ 47، وهذا القول مذكور في "تنوير المقباس" 48. قال الآلوسي: (والضمير المجرور عائد على ما عاد عليه الضمير المنصوب، والقول بأنه عائد على عيسى، ليس بشيء؛ لما فيه من التفكيك الذي لا داعي إليه، ولا قرينة تدل عليه). "روح المعاني" 3/ 187. ويعني بـ (الضمير المجرور): الضميرَ في ﴿لَهُ﴾، ويعني بـ (الضمير المنصوب): الضميرَ في ﴿خَلَقَهُ﴾. وانظر: "البحر المحيط" 2/ 478.]]، ولا إشكال على هذا.
وفي قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾، وجهان من التأويل: أحدهما: أن هذا دلالة على أنه تعالى يخلق الشيء من غير نصب ولا تعب؛ لا أنَّه يختلقه بقوله ﴿كُنْ﴾؛ لأنه لو أراد خلق شيء وُجد ذلك الشيء، وإن لم يقل له: (كن).
والثاني: أن قولَه: ﴿كُنْ﴾، علامةٌ لما يريد خلقه وإنشاءه.
وقوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ﴾. قال بعض النحويين [[ومنهم الأخفش في "معاني القرآن" له: 1/ 206، وقال: (ومعناه: (كن فكان)، كأنه قال: فإذا هو كائن). والنحاس، في "إعراب القرآن" 1/ 338.]]: هو بمعنى: كان. وكذا فسَّره ابن عباس، فقال [[لم أقف على مصدر قولة، وأورده الخازن في "تفسيره" 1/ 302.]]: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾، فَكانَ، فجرى عليه [[في (ج)، (د): (فيه).]] الروح. وقد ذكرنا أنه يجوز أن يراد بمثال المستَقبَلِ الماضي، مستقصىً عند قوله: ﴿تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ [[سورة البقرة: 102. ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. قال النحاس: (والمستقبل يكون في موضع الماضي إذا عُرفَ المعنى) "إعراب القرآن" له: 1/ 338. وذكر الحدَّاديُّ أنَّ الماضي يذكر بلفظ المستقبل في موضعين:
أحدهما: إذا كان حالاً.
والثاني: إذا كان الفاعل يدوم على الفعل، وكان من سبيله إتيان ذلك الفعل. انظر: "المدخل لعلم تفسير كتاب الله" له: 228.]].
وقال آخرون [[لم أقف عليهم.]]: المعنى: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾، فيكون كما يأمر الله تعالى. وقوله: ﴿فَيَكوُنُ﴾، حكاية لتلك الحالة التي يكون فيها آدمُ كما شاءَ اللهُ.
3:60Page 57
ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ٦٠
The truth is from your Lord, so do not be among the doubters.
قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ارتفع ﴿الْحَقُّ﴾ عند الفراء [[انظر: "معاني القرآن" له: 1/ 220.]] والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" له: 1/ 422.]] بخبر ابتداءٍ محذوف. المعنى: [(الذي أنبأناك من قصة] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). ومُثْبت من بقية النسخ.]] عيسى، الحَقُّ). أو: (ذلك النبأ في أمر عيسى، الحقُّ). فحُذِفَ؛ لتقدم ذِكْره، وأغنى حضورُ المعنى للنفس عن الإشارة إليه.
وقال أبو عبيدة [[في "مجاز القرآن" له: 1/ 95. نقله عنه.]]: هو استئنافٌ بعد انقضاء الكلام، وخبره: في قولك [[في (ب)، (ج)، (د): (قوله).]]: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ [و] [[ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج)، (د).]] هذا كما تقول: الحقُّ من الله تعالى [[تعالى: ساقطة من: (ج)، (د).]]، والباطل من الشيطان [[وقيل: هو فاعل؛ أي: جاءك الحقُّ. انظر: "تفسير القرطبي" 4/ 103.]].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمراد: نهي غيره عن الشكِّ، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [[سورة الطلاق: 1. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال الزجاج: (والخطاب للنبي خطاب للخلق؛ لأن النبي لم يشكك في قصَّة عيسى) "معاني القرآن" له: 1/ 422.]] ويحتمل أن يكون المعنى: فلا تكن من الممترين أيُّها السامع للبرهان، من المكلفين كائنًا مَنْ كان.
والامْتِراءُ: الشكُّ [[في (ب): (الشاك).]]. قال ابن الأنباري [[في "الزاهر" 1/ 455 نقله عنه بالمعنى.]]: وهو مأخوذ من قول العرب: (مَرَيْتُ الناقةَ والشاةَ): إذا حَلَبْتهما [[في (ج): (حلبتها).]]. فكأنَّ الشاكَّ يجتذب بِشَكِّه [[من قوله: (بشكه ..) إلى (يجتذب): ساقط من (د).]] سِرًّا، كاللبن [[في (أ): (كاللين). والمثبت من بقية النسخ.]] الذي يُجتذَب [[في (ج): (يجتلب).]] عند الحلب. ويقال: (قد مارى فلانٌ فلانا): إذا جادله واستخرج غضبه [[ونصُّ قول ابن الأنباري: (وقولهم: "قد مارى فلان فلانًا"، قال أبو بكر: معناه: قد استخرج ما عنده من الكلام "الحجة" وهو مأخوذ من قولهم: "مَرَيْتُ الناقةَ والشاة، أمْريهما مَرْيًا": إذا مسحت ضروعهما لتَدُرّا).]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences