Al-Wahidi (al-Basit)Ali 'Imran · 3:76–80

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:76–80

3:76Page 59

بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧٦

But yes, whoever fulfills his commitment and fears Allāh - then indeed, Allāh loves those who fear Him.

قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ في ﴿بَلَى﴾ وجهان: أحدهما: أنه جواب متصل بالجَحْدِ المتقدم، وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، فقال الله عز وجل رادًّا عليهم [[عليهم: ساقطة من (ج).]]: ﴿بَلَى﴾، [أي: بَلَى] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]] عليهم سبيل في ذلك. وهذا اختيار الزجاج؛ قال [[في "معاني القرآن" له 1/ 434. نقله عنه بالمعنى.]]: وعندي وقف التمام على ﴿بَلَى﴾. وما بعده استئناف [[في (ب): (وما بعدها مستأنف).]].

والوجه الثاني: أن ﴿بَلَى﴾ ابتداء كلامٍ، أتى به بيانا [وتصديقًا لما بعده] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وفي (ب): (وفيت لما بعده). والمثبت من (ج).]]، وهي [[في (ج): (هو).]] كلمة مصححة لحب اللهِ عز وجل، من اتَّقاهُ وعبدَه وخاف عقابه. وعلى هذا الوجه لا يحسن الوقف على ﴿بَلَى﴾.

وقوله تعالى: ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾. مضى الكلام في معنى (الوفاء)، و (العهد) [[انظر: "تفسير البسيط" البقرة: 40.]].

قال المفسرون: أي: بما [[في (ج): إنما. ومن قوله: (أي بما) إلى (.. الأمانة): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 60 ب.]] عهد [[في (أ)، (ب): (عاهد)، والمثبت من: (ج)، "تفسير الثعلبي".]] اللهُ إليه في التوراة، مِنَ الإيمان بمحمد، والقرآن، وأداء الأمانةِ [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 320.]].

والهاء [[في (ج): (والفاء).]] في (عهده)، تعود على اسم الله، في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. ويجوز أن تعود على ﴿مِّن﴾ لأن العهد مصدر يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول [[انظر: "تفسير الثعلبى" 3/ 60 ب، "الدر المصون" 3/ 270271.]].

وقوله تعالى: ﴿وَاَتَّقَى﴾ أي: الكفر [[من قوله: (الكفر ..) إلى (.. هذه صفته): نقله بتصرف يسير جدًّا عن "تفسير الثعلبي" 3/ 60 ب.]]، والخيانة، ونقض العهد. ﴿فَإِنَ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلمُتَّقِينَ﴾. يريد: مَن كانت هذه صفته.

3:77Page 59

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٧

Indeed, those who exchange the covenant of Allāh and their [own] oaths for a small price will have no share in the Hereafter, and Allāh will not speak to them or look at them on the Day of Resurrection, nor will He purify them; and they will have a painful punishment.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآية. أكثر أهل التفسير على أن هذه الآية نزلت في اليهود [[ممن قال بذلك: عكرمة كما سيأتي، ومقاتل، والكلبي، والحسن. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 285، "تفسير الثعلبي" 3/ 61 ب، "أسباب النزول" للمؤلف (112)، "النكت والعيون" 1/ 404. ولم أقف على غيرهم قال بهذا القول. وفي الآية روايات أخرى صحيحة، تخالف هذا القول ذكرها المفسرون، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 320، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 686، "ابن كثير" 1/ 401، "الدر المنثور" 2/ 77.]].

قال عكرمة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 321، 6/ 528، "تفسير الثعلبي" 3/ 61 ب، "أسباب النزول" للمؤلف (112)، "تفسير البغوي" 2/ 56، "زاد المسير" 1/ 411.]]: إن جماعة من علمائهم [[هم: أبو رافع، وكنانة بن أبي الحُقَيق، وكعب بن الأشرف، وحُيي بن أخطب. كما في المراجع السابقة.]] كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من شأن محمد ﷺ، وبدَّلُوه، وكتبوا غيره بأيديهم من عندهم، فيما ادَّعوه أنه ليس عليهم في الأميين سبيل، وحلفوا أنه من عند الله؛ لئلا تفوتهم الرِّشَى [[الرِّشى بكسر الراء، وبضمها: جمع رَشْوة بفتح الراء وبضمها وبكسرها: وهي الجُعْل الذي يُتوصل به إلى الحاجة، وأصلها من الرِّشاء، وهو: الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، والمصدر: الرَّشْوُ. انظر: "النهاية في غريب الحديث" 2/ 226، "اللسان" 3/ 1648 (رشا).]] والمآكل.

ودليل هذا: قوله في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [[سورة البقرة: 174. وهذه الآية نزلت في اليهود. انظر: "تفسير الطبري" 2/ 89.]] الآية.

وقال ابن عباس في رواية باذان [[في (ب): بانوان. ولم أقف على مصدر هذه الرواية. وباذان، هو: أبو صالح، مولى أم هانئ، يقال: باذان، وباذام. وقد سبق، ورواية باذان عن ابن عباس وردت في "تفسير الثعلبي" من طرق كلها عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.]]: نزلت في رجلين اختصما إلى النبي ﷺ في ضَيْعَةٍ، فَهَمَّ المدَّعَى عليه أن يحلف، فنزلت هذه الآية، فَنَكَلَ المدَّعَى عليه عن اليمين، وأقر للمدَّعِي بحقه، ودفعه إليه [[ورد عن ابن جربج أثر قريب من هذا القول أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 322: (قال [يعني أن جريج]: قال آخرون ..) ثم ذكره. وملخصه: أن الأشعث بن قيس اختصم مع رجل في أرض، فطلب الرسول ﷺ من الرجل البيِّنة، فقال: ليس يشهد لي أحدٌ على الأشعث، قال: فلك يمينه فقام الأشعث ليحلف، فأنزل الله هذه الآية، فنكل الأشعثُ، وقال: إني أشهد الله وأشهدكم أن خصمي صادق. فردَّ إليه أرضه، وزاده من نفسه زيادة كثيرة .. قال الشيخ أحمد شاكر: (هذا حديث مرسل، لم يذكر ابن جريج من حدَّثه به، فهو ضعيف الإسناد). المرجع السابق. وورد في نزول هذه الآية أسباب أخرى، أصح من هذا الأثر، فقد ورد أنها نزلت في السبب التالي: (قال رسول الله ﷺ: "من حلف يمين صبر؛ ليقتطع بها مال امريء مسلم، لقيَ الله وهو عليه غضبان". فأنزل الله تصديق ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ...﴾ إلى آخر الآية. قال فدخل الأشعث بن قيس، وقال: فيَّ أنزِلَت، كانت لي بئر في أرض ابن عمِّ لي، قال النبي ﷺ: "بيِّنَتك أو يمينه". فقلت إذًا يحلفُ يا رسول الله! فقال النبي ﷺ من حلف على يمين صبر ..). إلى آخره.

أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...﴾، واللفظ له، انظر: "فتح الباري" 8/ 212. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (138) كتاب الإيمان، باب: (وعيد من اقتطع حق مسلم). وأبو داود في "السنن" (3243) كتاب الأيمان والنذور، باب: (فيمن حلف يمينًا ليقتطع بها مالًا). والترمذي في "السنن" (2669) كتاب التفسير، باب: (ومن سورة آل عمران). وابن ماجه في "السنن" (2322) كتاب الأحكام، باب: (البيِّنة على المدعي). وأحمد في "المسند" 5/ 211، 212 وانظر: "المسند" شرح شاكر ==5/ 210 رقم (3597)، 6/ 58 رقم (4049). والبيهقي في "السنن" 10/ 178، وأبو داود الطيالسي في مسنده: 35 رقم (262)، 141 رقم (1050، 1051)، والطبراني في "المعجم الكبير" 1/ 234، والحميدي في مسنده: 1/ 53 رقم (95)، والنسائي في "تفسيره" 1/ 299، والطبري في "تفسيره" 3/ 220 وفيه أن الخصومة كانت بين الأشعث وبين رجل من اليهود، وأخرجه ابن أبي حاتم في 2/ 686. وأخرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...﴾ سببًا آخر عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما: (أن رجلًا أقام سلعة في السوق، فحلف فيها: لقد أعطِيَ بها ما لم يُعطَه؛ ليوقع فيها رجلًا من المسلين. فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...﴾). انظر: "فتح الباري" 8/ 213، وأخرجه كذلك الطبري 6/ 533، وابن أبي حاتم 2/ 686. وقد وردت روايات أخرى، ولكنْ هاتان الروايتان أصح ما ورد، وعليهما الاعتماد، وهما نصَّان في السببيَّة، ولا يمتنع أن يتعدد السبب والنازل واحد. وقال الكرماني: (لعل الآية لم تبلغ ابن أبي أوفى إلا عند إقامته السلعة، فظنَّ أنها نزلت في ذلك، أو أن القصتين وقعتا في وقت واحد، فنزلت الآية). "فتح الباري" 11/ 560. ولكن هذا لا يمنع أن يدخل اليهود فيها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معروف. وانظر بقية الروايات في "تفسير الطبري" 6/ 530 - 534.]].

ومعنى ﴿يَشْتَرُونَ﴾: يستبدلون [[في (ب): يسترون: يستدلون.]]. وذكرنا هذا في قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ [[في (ج): (واشتروا). سورة البقرة: 16.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾. جاز [[في (ب): (فإما).]] أن يكون [[من قوله: (أن يكون) إلى (لم ينقض ذلك) نقله عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 434 نقل بعض عباراته بالنص، وتصرف في بعض عباراته بالزيادة والاختصار.]] إسماع الله جلَّ وعز أولياءَهُ كلامَهُ بغير سفير، خصوصيةً يَخُصُّ بها أولياءَه، فهو لا [يكلم هؤلاء أصلا. ويكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة.

وجائز أن يكون معنى] [[ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج).]] ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: لا يكلمهم بكلامٍ يَسُرُّهم. ونفى الكلامَ أصلًا لأنه يتضمن [[في (ج): (يضمن).]] معنى الغضب؛ كما يقال: (فلان لا يكلم فلانًا)، تأويله: أنه غضبان عليه، وإنْ كلمه بكلام سوء، لم ينقض ذلك.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾. أراد: نظر الرحمة؛ كما يقال: (نظر فلان لفلان)، و (نظر الأمير لرعيته): إذا رحمهم، وبهذا فسره ابن عباس، فقال [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: لا [[في (ب): (ولا).]] يرحمهم.

وروى جعفر بن سليمان الضُّبَعِي [[هو: أبو سليمان الحرشي البصري. قال عنه ابن حجر: (صدوق زاهد، لكنه كان يَتَشيَّع)، وعَدَّه من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين، توفي سنة (178 هـ). انظر الجرح والتعديل: 2/ 481، "ميزان الاعتدال" 1/ 408، "تقريب التهذيب" (942).]] عن أبي عِمْران [[في (ج): (أبي عمر).]] الجَوْني [[في (ب): الجرني. وهو: أبو عمران، عبد الملك بن حبيب، البصري، الأزدي، الجَوْني. ثقةٌ، من التابعين، توفي سنة (128هـ) وقيل: بعدها. انظر: "الأنساب" 2/ 125، "تقريب التهذيب" (4172).]]، أنه قال [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 63 أ، وقد أورده بسنده عنه.]]: ما نظر الله عز وجل إلى شيء إلاَّ رَحِمَه، ولو قضى أن ينظر إلى أهل النار لرحِمَهُم؛ ولكن قضى أن لا ينظرَ إليهم. ومضى الكلام في معنى تزكية الله.

3:78Page 60

وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٨

And indeed, there is among them a party who alter the Scripture with their tongues so you may think it is from the Scripture, but it is not from the Scripture. And they say, "This is from Allāh," but it is not from Allāh. And they speak untruth about Allāh while they know.

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا﴾. يعني: من اليهود [[وهذا قول ابن عباس في رواية عطية، والربيع، وقتادة، وإليه ذهب الطبري، وابن كثير. وذهب الحسن، وابن عباس في رواية الضحاك: إلى أنهم أهل الكتاب كلهم. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 323، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 688، "تفسير الثعلبي" 3/ 64 ب، "تفسير البغوي" 2/ 59، "زاد المسير" 1/ 411، "تفسير ابن كثير" 1/ 404.]]. وفي هذا دليل: أن الآية المتقدمة نازلةٌ [[في (ب): (أولا).]] في اليهود، حيث عطف عليها بهذه [الآية] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ب).]] التي هي [[في (ب): (أنها).]] نازلة فيهم بلا خلاف.

وقوله تعالى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾. قال مجاهد [[قوله في "تفسيره" 129، "تفسير الطبري" 3/ 323، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 689.]]، وقتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 323، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 689.]]، والربيع [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 324، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 689.]]، وابن جريج [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 324.]]: يحرفونه [[في (ب): (يحرفون).]] بالتغيير والتبديل.

وأصل (اللَّيِّ): [الفَتْلُ؛ من قولك: (لَوَيْتُ يدَهُ): إذا فتلتها [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 324، قال: (وأصل (الليِّ): الفَتْل، والقلب، من قول القائل: لوى فلانٌ يدَ فلان: إذا فتلها وقلبها).]]، و] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وساقط من: (ب). والمثبت من: (ج).]] تحريف الكلام [وتقليبه] [[في (ب): وتقلبه. وقد جاءت في النسخ الثلاث: (وتقلبه). وما أثبتُّه من "تفسير الخازن" 1/ 311؛ حيث نقل عبارة الواحدي، وفيها: (تقليبه) وهي الأليق بسياق الكلام.]] عن وجهه، [و] [[ما بين المعقوفين زيادة لازمة ليستقيم بها الكلام.]] لَيُّ اللِّسانِ به؛ لأن المُحرِّفَ [[في (ب): (الحرف).]] لَوَى لسانَهُ [[(لسانه): ساقطة من (ج).]] عن سَنَنِ [[في (ب): (حسن).]] الصواب، بما يأتي به من عند نفسه [[بما يأتي به من عند نفسه: ساقط من (ب).]].

ويحتمل أن يكون المعنى: يَلْوُونَ بألسنتهم الكتابَ [[(بألسنتهم الكتاب): الكتاب: غير مقروء في (أ). وفي (ب)، (ج): (السنتهم بالكتاب)، ولا يستقيم بها المعنى. وما أثبتُّه من "تفسير الخازن" 1/ 311؛ حيث نقل عبارة الواحدي هذه، وهي الأصح والأليق بسياق الكلام.]]؛ لأنهم [[في (ب): (أي).]] يحرفون الكتاب عما هو عليه، بألسنتهم، فأتى به على القلْب. والقَلْبُ سائغٌ في كلام العرب. ولهذا نظائر وأشباه.

وقوله تعالى: ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾. أي: لتحسبوا ما لَوَوا ألسنتَهم به، وما حرفوه من الكتاب.

فرجعت [[في (ب): (ورجعت).]] الكناية [[الكناية، هي: الضمير؛ لأنه يكنى به أي: يرمز به عن الظاهر.]] إلى مفعول ﴿يَلْوُونَ﴾، وهو غير مذكور [[في (ج): (منكور).]] ولكن الفعل يدل عليه [[(وهو غير مذكور ولكن الفعل يدل عليه): ساقط من (ب).]].

3:79Page 60

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩

It is not for a human [prophet]1 that Allāh should give him the Scripture2 and authority and prophethood and then he would say to the people, "Be servants to me rather than Allāh," but [instead, he would say], "Be pious scholars of the Lord because of what you have taught of the Scripture and because of what you have studied."

قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ الآية. لمَّا ادعت اليهود والنصارى أنهم على دين إبراهيم، أخبرهم النبي ﷺ أنهم ليسوا على دينه، غضبوا، وقالوا: ما يرضيك منا يا محمد إلا أن نتخذك ربًّا ونعبدَك؟. فقال رسول الله ﷺ: "معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني ربي". فأنزل الله عز وجل هذه الآية. هذا قول ابن عباس [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 325، "تفسير الثعلبي" 3/ 64 ب، "أسباب النزول" للواحدي: (116)، "تفسير ابن كثير" 1/ 404، "لباب النقول" 54، "الدر المنثور" 2/ 82 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن إسحاق، وابن المنذر، والبيهقي في "الدلائل".]].

وقال الضحاك [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 64 ب، "أسباب النزول" للواحدي: 116، "تفسير البغوي" 2/ 59، "زاد المسير" 1/ 413.]]، ومقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 286، "تفسير الثعلبي" 3/ 64 ب، "تفسير البغوي" 2/ 59 "زاد المسير" 1/ 413.]]: كانت النصارى تقول: إن عيسى إلهٌ معبودٌ، وزعموا أن عيسى قال لهم ذلك، فنزلت الآية فيهم.

فقوله [[(فقوله): ساقط من: (ج).]]: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ [[في (أ): (وما).]]؛ يعني: محمدًا عليه السلام على قول ابن عباس. وعلى قول مقاتل، يعني: عيسى.

و (الحُكْم) [[من قوله: (والحكم ..) إلى نهاية بيت الشعر: من قول الليث بن المظفر، نقله المؤلف بتصرف من "تهذيب اللغة" 4/ 111.]] في اللغة وفي التفسير: العلم والفقه؛ قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: 12]، يعني: العلم والفقه.

و (الحُكْم): القضاء بالعدل [[في (ب): والعدل. في (ج): (بالعذاب).]] أيضًا؛ ومنه قول النابغة:

واحْكُم كحُكْمِ فتاةِ [[في (ب): قناة. في (ج): (فتادة).]] الحَيِّ. [[صدر بيت، وتمامه: == واحكم كحكم فتاةِ الحي إذْ نَظَرَتْ ... إلى حَمامٍ شِراع واردِ الثَّمَدِ

وهو في ديوانه: 34، وورد منسوبًا له، في "كتاب سيويه" 1/ 168، والحيوان، للجاحظ: 3/ 221، "تهذيب اللغة" 1/ 885 (حكم)، "الصحاح" 5/ 1902 (حكم)، "أمالي ابن الشجري" 3/ 29، "اللسان" 2/ 951 (حكم)، (1006) (حمم)، "التصريح" 1/ 225، "شرح شواهد المغني" 1/ 75.

ويروى: (.. سِراع) بدلًا من (شراع).

والشاعر هنا يخاطب النعمان بن المنذر، ويعتذر إليه، ويطلب منه أن يحكم بالعدل في أمره، كما حكمت فتاةُ الحيِّ، وهي زرقاء اليمامة، المشهورة بحدَّةِ النظر، حيث نظرت إلى سرب حمام في الجو، فأحصتها، ولم تخطيء في عددها. و (شِراع): مقبلة على شِرعةِ الماء؛ أي: مَوْرِدهِ. و (الثَّمَدِ): الماء القليل. انظر: "اللسان" 4/ 2238 (شرع)، "القاموس" 270 (ثمد)، "شرح شواهد المغني" 1/ 76 - 77. وقيل: إن معنى قوله: (احكم كحكم ..)؛ أي: كن حكيمًا كفتاة الحي؛ أي: إذا قلت فأصِبْ كما أصابت هذه المرأة في حكمها. انظر: "التهذيب" 1/ 885.]] .. البيت.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولَ للِنَّاسِ﴾. عطف على قوله: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾ أي: ما كان لبشرٍ أن يجمع بين هذين: بين النُّبُوَّة، وبين دعاء الخلق إلى عبادة غير الله.

قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 435، نقله عنه بتصرف.]]: أي: الله عز وجل لا يصطفي لنبوته الكَذَبَةَ [[في (ب): (مثل ذ) ابدلا من (الكذبة).]]، ولو فعل ذلك بشَرٌ، لَسَلَبَهُ الله عز وجل آياتِ النُّبُوّة، و [[الواو ساقطة من: (أ)، (ب). والمثبت من (ج)، و"معاني القرآن".]] علاماتها. ونصب ﴿ثُمَّ يَقُولُ﴾ على الاشتراك [[في (ج): (الإشراك).]] بين أن يُؤتِيَه وبين أن يقولَ [[في "معاني القرآن": (يقول) بدون واو.]]؛ أي: لا يجتمع لنبي إتيانُ [[الأوْلى أن تكون (إيتاء النبوة) بدلًا من (إتيان)؛ لأن الإتيان: المجيء، وهو == مصدر: (أتى يأتي)، ومن مصادره أيضًا: (أتْيًا، وأُتِيَّا، وإتِياَّ، ومأتاة). أما قوله تعالى: ﴿يُؤْتِيَهُ﴾، فهو من: (آتاه، يُؤْتيه)؛ أي: أعطاه، يعطيه. والمصدر: إيتاء. انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 115 (أتى)، والسان: 1/ 21 (أتي).]] النُّبوَّةِ والقولُ للناس: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي﴾.

وقال صاحبُ النَّظْمِ: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾: نفيٌ، والنفي واقع غير موقعه؛ لأن التأويل ما كان لبشر يُؤتِيَه الله الكتابَ والحكمَ والنبوةَ. وقوله تعالى [[(تعالى): ساقطة من: (ج).]]: ﴿يُؤتِيَهُ اَللَّهُ﴾ [[في (ب): ﴿يَقُولَ للِنَّاسِ﴾.]] صفة للنكرة [[(صفة للنكرة): ساقطة من (ب).]]؛ على تأويل: (ما كان لِبَشَرٍ يكون بهذه الحال، أن يقول للناس: كونوا عبادًا لي من دون الله).

فالمنفي [[في (ب): (والمنفي).]]: قوله: (أن يقول الناس). فلمَّا [[في (ب): (وإنما).]] وقع ﴿أَنْ﴾ في غير موقعه، نسق [[أي: عطف. وحروف النسق، هي: حروف العطف.]] عليه بـ ﴿ثُمَّ﴾. ففي الآية تقديم حرف حقُّهُ أن يُؤَخَّرَ، ومثله من تقديم ما وجب أن يؤخر في النظم: قوله تعالى [[(تعالى): ساقطة من: (ج).]]: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ [[(أن تطؤوهم): ساقطة من: (ج).]]﴾ [الفتح: 25]، التأويلُ: ولولا أن تطؤوا رجالًا مؤمنين ونساءً مؤمناتٍ لم تعلموهم؛ أي: لم تعرفوهم.

وقوله تعالى: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي﴾. قال ابن عباس [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 65 أ.]]: هذه لغة مُزَيْنَة [[قبيلة عربية مُضَرية عدنانية، كانت مساكنهم بين المدينة ووادي القرى. وقد قاتلت مُزينة مع النبي ﷺ في غزوة حنين، واشتركوا في فتح مكة مع خالد بن الوليد رضي الله عنه. انظر: "معجم قبائل العرب" 3/ 1083.]]، تقول للعبيد: (عِبَاد) [[فرق الراغب بينهما، فجعل (العبد) بمعنى (العابد)، وجعل (العبيد) جمع (العبد) الذي هو مسترقٌّ. أي: أن (العباد) من العبادة، و (العبيد) من العبودية، وهي لا تمتنع أن تكون لغير الله. ثم قال: (فـ (العبيد) إذا أضيف إلى الله، أعم من (العباد)؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: 29]، فنبه إلى أنه لا يظلم من يختص بعبادته، ومن انتسب إلى غيره من الذي تسموا بـ (عبد الشمس)، و (عبد اللات)، ونحو ذلك). "المفردات" 543 (عبد). ويرى ابن عطية أن (العباد) (جمع (عبد)؛ متى سيقت اللفظةُ في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة، دون أن يقترن بها معنى التحقير وتصغير الشأن)، وضرب لذلك أمثلة، منها: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 27]، و ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26]. "المحرر الوجيز" 3/ 187، وانظر: "روح المعاني" 3/ 207.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. أي: ولكن تقول: كُونُوا، فحذف القول؛ لدلالة الأولى عليه.

و (الرَّبّانِي): العالم، في قول كلهم.

أخبرني العَرُوضِيُّ، عن الأزهري، قال [[قوله هذا في "تهذيب اللغة" 2/ 1336. ومن قوله: (قال ..) إلى (.. بصغار العلوم قبل كبارها): موجود مع اختلاف يسير في "التهذيب" 15/ 179.]]: أخبرني المُنْذِري، عن أبي طالب [[هو: المفضَّل بن سَلمة بن عاصم، أبو طالب الضَّبِّي، تقدمت ترجمته.]]، قال: الرَّبّاني: العالم. والجماعة [[في (ب): (للجماعة).]]: الربّانِيُّون. وقال أبو العباس [[هو ثعلب كما في "تهذيب اللغة" قوله: (الربّاني: العالم. والجماعة: الربَّانيون).]]: الربَّانِيُّون: العلماء.

وقال سيبويه: زادوا ألِفًا ونونًا في (الرَّبّاني)، إذا [[(إذا): ساقطة من (ج).]] أرادوا تخصيصًا بعلم الرَّبِّ، دون غيره من العلوم، وهذا كما قالوا: (شَعْراني)، و (لِحْيانِي)، و (رَقَباني): إذا خُصَّ بكثرة الشَّعْر، وطول اللِّحْيَة، وغِلظ الرَّقَبَة. فإذا نسبوا إلى الشَّعْر، قالوا: (شَعْرِي)، وإلى الرَّقَبَة: (رَقَبِي)، وإلى اللِّحْيَة: (لِحْيِي) [[انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 380. "المقتضب" 3/ 144.]].

وقال ابنُ الأعرابي: الرباني: العالم المُعَلِّم، الذي يَغْدُوا الناسَ [[في (ج): (للناس).]] بصِغار العلوم قبل كبارها.

وقال المبرد [[قوله بنصه، في "تفسير الثعلبي" 3/ 65 ب، "تفسير القرطبي" 4/ 122.]]: الربّانِيُّون: أرباب العلم، وأحدهما: رَبّاني، وهو: الذي يَرُبُّ العِلم، ويَرُبُّ الناسَ؛ أي: يعلمهم ويصلحهم، ويقوم بأمورهم [[انظر: "الزاهر" 1/ 576، "تهذيب اللغة" 2/ 1336 (ربَّ)، "تاج" 2/ 10 (ربب).]].

والأَلِف والنُّونُ: للمبالغة؛ كما قالوا: (رَيّان) [[في (أ)، (ب)، (ج): (ربَّان). والمثبت من "تفسير الثعلبي".]]، و (عطشان)، و (شبعان)، و (عُرْيان) [[في (ب): (وعرقان)، في (ج): (وعرثان).]]، و (نَعْسان)، و (وَسْنان) [[يقال: (وَسِنَ، يَوْسَنُ، وَسَنًا)، و (سِنَةً)، و (وَسْنَةً)، أي: أخذ في النُّعاس، فهو: (وَسِنٌ)، و (وَسْنان)، و (مِيْسان). والاسم: (الوَسَن)، وهو: النعاس. انظر (وسن) في "المجمل" 925، "القاموس" (1238)، "المعجم الوسيط" 1033.]]، ثم ضمَّت إليه ياءُ النسبة، كما قيل: (لِحياني)، و (رَقَبانِي).

فعلى قول سيبويه؛ الرَّبّاني: منسوب إلى الرَّبِّ؛ على معنى التخصيص بعلم الرَّبِّ، أي: يَعْلَم الشريعة، وصفات الرب. وعلى قول ابن الأعرابي، والمبرد؛ الرّبّانِي: من الرَّبِّ، الذي هو بمعنى: التربية، على البيان الذي ذكر.

وقال أبو عبيدة [[قوله في "مجاز القرآن" 1/ 97.]]: لم تعرف العرب (رَبّانِيِّين) [[ونص قول أبي عبيدة كما في "مجاز القرآن" (لم يعرفوا ربّانيِّين). وفي "تهذيب اللغة" 2/ 1336: (قال أبو عبيدة: وأحسب الكلمة ليست بعربية، وإنما هي عبرانية أو سريانية: وذلك أن أبا عبيدة زعم أن العرب لا تعرف الربّانيين. قال أبو عبيد: وإنما عرفها الفقهاء وأهل العلم).]]. هذا قول أهل اللغة في معنى [[(معنى): ساقطة من: (ب).]] هذا [[(هذا): مطموسة في (أ). ومثبتة من: (ب)، (ج).]] الحرف.

قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير [[الرواية في "تفسير الطبري" 3/ 325، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 691، "تفسير الثعلبي" 3/ 65 أ.]]: ربانيين؛ أي: معلِّمِين [[في (ب): (مسلمين). واختلفت ألفاظ هذه الرواية عن ابن عباس في مصادرها، فعند الطبري، ورد: (حكماء فقهاء)، وعند ابن أبي حاتم: (الفقهاء المعلمون)، ومثله عند الثعلبي. وورد عن ابن عباس من رواية عطية العوفي: (حكماء فقهاء)، هكذا عند الطبري. وعند الثعلبي: (حكماء علماء). ومن رواية الضحاك عنه: (الفقهاء العلماء). انظر المراجع السابقة.]]. وهو قول مُرَّة الهَمْداني [[هو: أبو إسماعيل، مُرَّة بن شَرَاحِيل، الكوفي، البكيلي الهَمْداني، تقدم 2/ 77]]، واختيار عبد الله بن مُسْلِم [[هو ابن قتيبة وقوله في "تفسير غريب القرآن" له: 107.]]، ويقوى هذا قول ابن الأعرابي والمبرد [[قال الطبري: (وأولى الأقوال عندي بالصواب في (الرَّبانيِّين): أنهم جمع (رَبّاني)، وأن (الرَّبّاني): المنسوب إلى (الرَّبَّان) الذي يربُّ الناسَ، وهو الذي يُصْلح أمورهم، و (ويربُّها)، ويقوم بها ..). ثم قال: (يقال منه: (رَبَّ أمري فلان، فهو يُربُّه رَبًّا، وهو رَابُّه). فإذا أريد به المبالغة في مدحه، قيل: (هو ربّان) ..). ثم تابع قائلاً جامعًا بين الأقوال المختلفة: (فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا وكان (الربَّان) ما ذكرنا، و (الربّاني) هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفتُ وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين يَرُبّ أمورَ الناس، بتعليمه إياهم الخيرَ، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم وكان كذلك الحكيمُ التقيُّ لله، والوالي الذي يلي أمورَ الناس على المنهاج الذي وَليَهُ المقسطون من المصلحين أمورَ الخلق، بالقيام فيهم بما فيه صلاح عاجلهم وآجلهم، وعائدةُ النفع عليهم في دينهم، ودنياهم، كانوا جميعًا يستحقون أن [يكونوا] مِمّن دَخل في قوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. فـ (الرَّبّانيُّون) إذًا، هم عمادُ الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا. ولذلك قال مجاهد: (وهم فوق الأحبار)؛ لأن (الأحبار): هم العلماء، و (الرَّبّانِي): الجامع إلى العلم والفقه، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم). تفسيره: 3/ 296.]].

وقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [[(الكتاب): ساقطة من (ج).]]. ويُقرأ: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ [[في (أ): (تُعَلمون). وفي (ب)، (ج) مهمل، لم يضبط بالشكل. وما أثبته هو الصواب. وهذه القراءة بفتح التاء، وإسكان العين وفتح اللّام، قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ بضم التاء وتشديد اللام المكسورة. انظر: "السبعة" 213، "الكشف" 1/ 351.]]، من: العلم. والباء [[من قوله: (الباء ..) إلى (.. أبلغ في هذا الوضع): نقله باختصار وتصرف من "الحجة" للفارسي: 3/ 59 - 61.]] في ﴿بِمَا﴾، متعلقة بقوله: ﴿كُونُوا﴾. و (ما) في القراءتين، هي التي بمعنى المصدر مع الفعل، والتقدير: كونوا رَبَّانِيِّين، بكونكم عالمين؛ [أو: معلِّمين] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ)، وساقط من (ب). ومثبت من (ج). إلّا أنه ورد في (ج): (أي: معلمين)، بدلًا من: (أو معلمين)، ولم أرَ لها وجهًا. والصواب ما أثبته؛ لأن المؤلف هنا يذكر التقدير في القراءتين باعتبار أنَّ (ما) مصدرية فيهما. ففي القراءة الأولى ﴿تَعلمون﴾، يكون التقدير: (بكونكم عالمين)، أو يكون التقدير: (بكونكم مُعَلِّمين) على اعتبار القراءة الثانية ﴿تُعَلِّمُونَ﴾.

ويعزز هذا ما ورد في "التفسير الوسيط" للمؤلف؛ حيث أورد في هذا الموضع القراءتين، فقال عن قراءة: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ (أي: بكونكم عالمين). وقال عن قراءة ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ بالتشديد: (بكونكم معلمين). "الوسيط" تحقيق بالطيور: 255.]].

وعلى هذا التقدير أيضًا قوله تعالى [[لفظة (تعالى): ساقطة من: (ج).]]: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. ومثل هذا مِنْ كَوْن [[في (ب): (ممن تكون فيه).]] (ما) مع الفعل بمنزلة [[في (ب): (بمعنى).]] المصدر؛ قوله [تعالى] [[ما بين المعقوفين زيادة من: ب.]]: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: 51]؛ أي: كنسيانهم لقاء يومهم، وككونهم [[في (ج): (ولكونهم).]] بآياتنا جاحدين.

فأما قوله: ﴿تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ﴾، من قرأه [[في (ج): (قرأ).]] بالتخفيف؛ فهو من (العِلم) الذي يراد [[في (ج): (يريد).]] به: المعرفة، فيتعدى إلى مفعول واحد؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: 65]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220]، وحجته: ما رُوي عن عمرو [[هو أبو عمرو بن العلاء، ممن قرأ ﴿تَعْلَمون﴾.]] أنه احتج بقوله: ﴿تَدْرُسُونَ﴾ ولم يقل: (تُدَرِّسُون)، وأيضًا فإن التشديد يقتضي مفعولين، والمفعول ههنا واحد، فالتخفيف أولى.

ومن قرأ بالتشديد: فالمفعول الثاني محذوف، تقديره: بماكنتم تُعَلِّمونَ الناسَ الكتابَ، أو غيرَكم الكتابَ. وحُذِف؛ لأن المفعول به قد يُحذَف من الكلام كثيرًا.

وحجته في التشديد: أن التعليم [[في (ج): (العلم).]] يَدُل على العِلْم؛ لأن الذي يُعَلِّم لا يكون إلا عالمًا بما يُعَلِّم، والعِلْم لا يدل على التعليم، فالتشديد أبلغ في هذا الموضع. وأيضًا فإن الرَّبّانِيّين لا يقتصرون على أن يَعْلَموا لأنفسهم حتى يتقربوا إلى الله بالتعليم، يدل عليه: قول مُرَّة بن شَراحيل [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 65 أ، "حلية الأولياء" 2/ 98، "صفة الصفوة" 2/ 16.]]: كان عَلْقَمَةُ من الربّانيين الذي يُعَلِّمون الناسَ القرآن.

قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 435. نقله عنه بالمعنى.]]: معنى قوله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾: كونوا معلِّمِي الناس بعِلْمِكم ودَرْسِكم، عَلِّموا الناسَ وبَيِّنوا لهم؛ كما تقول: انفعوهم بمالِكم. وقيل [[هذا القول يدخل ضمن معنى قول الزجاج في المصدر السابق.]]: كونوا ممن يستحق أن يُطلق [[في (ب): (تطلق).]] له صفة عالم بعلمه؛ لإخلاصه وقيامه بحقه.

وقوله تعالى: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. أي: تقرأون [[في (ج): (تقرون).]]. ومنه قوله تعالى: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: 169]. وشَرْحُ معنى الدَّرسِ والدراسة، يُذكر عند قوله: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: 105].

3:80Page 60

وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ٨٠

Nor could he order you to take the angels and prophets as lords. Would he order you to disbelief after you had been Muslims?

قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾. الآية. أكثر القراء على رفع ﴿ولا يأمُرُكُم﴾ [[القراءة برفع الراء، هي لابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، والكسائي، وأبي جعفر، وعاصم برواية الأعشى والبرجمي عن أبي بكر. وكان أبو عمرو يختلس حركة الراء تخفيفًا. والقراءة بالفتح، لعاصم برواية حفص وحماد ويحيى عن أبي بكر، وهي كذلك قراءة ابن عامر، وحمزة، ويعقوب، وخلف. انظر: "السبعة" 213، "المبسوط" لابن مهران: 145 - 146، "حجة القراءات" 168، "الإقناع" 621، "إتحاف فضلاء البشر" (177).]].

قال سيبويه [[في "الكتاب" 3/ 52.]]: ﴿وَلَا يَأَمُرُكم﴾: منقطعة مما قبلها؛ لأن المعنى: ولا [[من قوله: (ولا ..) إلى (.. ابن جريج وجماعة): ساقط من: (ج).]] يأمُرُكم الله.

وقال ابن جريج [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 329.]]، وجماعة [[لم أقف على المراد بهم. وقد وردت هذه العبارة بنصها في "تفسير الثعلبي" 3/ 66 أ. قال: (وقال ابن جريج وجماعة).]]: ولا يأمُرُكم محمدٌ. ومما يدل على الانقطاع من الأول: ما روي عن ابن مسعود، أنه قرأ: (ولن يأمُرَكم) [[ذكر هذه القراءة: الطبري في "تفسيره" 3/ 329، والفارسي في "الحجة" 3/ 58، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 66 أ. وقال الطبري: عن سند هذه القراءة: (فذلك خبر غير صحيح سنده). "تفسيره" 3/ 329.]].

قال الفراء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 225. نقله عنه بنصه.]]: فهذا دليل على انقطاعها من النَّسَقِ، وأنها مستأنفة؛ فلما وقعت (لا) موقع (لن) رفعت، كما قال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} [البقرة: 119]، وفي قراءة عبد الله: (ولن تُسأَلَ) [[انظر هذه القراءة في "تفسير الطبري" 1/ 516، "المحرر الوجيز" 1/ 469.]].

ومَن نَصَبَ ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ كان [[من قوله: (كان ..) على (.. لبشر أن يأمركم): ساقط من: (ج).]] وجهه ما قال سيبويه: إن المعنى: وما كان لِبَشَرٍ أن يأمرَكم أن تتخذوا الملائكة. فيكون نصبًا بالنَّسَقِ على قوله: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾. ويقوي هذا الوجه ما ذكرنا: أن اليهود قالت للنبي ﷺ: أتريد يا محمدُ أن نتخذك ربًّا؟! فقال الله سبحانه: ما كان لِبَشَرٍ أن يأمر بذلك [[سبق تخريج هذا الأثر في التعليق على تفسير آية 79 من هذه السورة.]].

قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 436، نقل عنه بنصه.]]: معنى الآية [[في "معاني القرآن": أي.]]: ولا يأمركم أن تعبدوا الملائكة والنبيين؛ لأن الذي قالوا: إن عيسى إلهٌ، عبدوهُ واتخذوهُ ربًّا. وقال قوم من الكفار: إن الملائكة أربابُنا [[في (ج): (أربابا).]]؛ يقال [[في "المعاني": (ويقال).]]: إنهم الصابئون [[(الصابئ) هو الذي خرج من دينه ودخل في دين آخر. ولذا سَمَّ كفارُ قريش النبيَ ﷺ وصحابته بذلك -بزعمهم- لأنهم تركوا دينهم ودخلوا في دين آخر. و (الصابئة) هنا لفظة قديمة من لغة عرب ما بين النهرين من العراق، وهو دين قديم ظهر في بلاد الكلدانيين في العراق، واشتهر في (حرّان) من بلاد الجزيرة الفراتية، ويُسَمَّون لذلك بـ (الحرْنانِيّة) على غير قياس. ودينهم من أقدم الأديان، ولما بعث الله إبراهيم عليه السلام كان الناس على دين الصابئة. وقد ترك هؤلاء دين التوحيد وعبدوا النجوم والكواكب وعظموها، مدعين أن البشر عاجزون عن الوصول إلى جلال الخالق == فلزم التقرب إليه بواسطة مخلوقات مقربة لديه، وهي الأرواح الطاهرة المقدسة، وزعموا أن هذه الأرواح تسكن الكواكب، وأنها تنزل إلى النفوس الإنسانية بمقدار تقرب النفوس إليها، فعبدوا الكواكب بقصد الاتجاه إلى رُوحانياتها. وبنوا للكواكب هياكل وجعلوا لها تماثيل. انظر حول تفصيل معتقدهم "الملل والنحل" للشهرستاني: 2/ 5 وما بعدها، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين، للفخر الرازي:143، "لسان العرب" 4/ 2398 (صبأ)، "المختصر في أخبار البشر" 1/ 81، "التحرير والتنوير" لابن عاشور: 1/ 533.]].

وقوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ﴾. استفهام معناه: الإنكار؛ أي: لا يفعل [[في (ج): (نفعل).]] ذلك، وإنما جاز أن يُنقَلَ إلى الإنكار؛ لأنه مما أقَرَّ بِهِ المخاطَبُ، [و] [[الواو: زيادة لازمة ليستقيم بها المعنى.]] ظهر افتضاحه، وبان سقوطه؛ لأنه مما لا يَخفى فسادُه؛ فلذلك [[في (ج): (فكذلك).]] جاء الكلام على السؤال، وإنْ لم يكن معناه تَعَرُّف الجواب.

وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. أي: بعد إسلامكم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском