Al-Wahidi (al-Basit)Ar‑Rum · 30:32–47

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:32–47

30:32Page 407

مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢

[Or] of those who have divided their religion and become sects, every faction rejoicing in what it has.1

﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 185.]] ذكرنا تفسيره في آخر سورة: الأنعام [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [159]: "قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: المشركين بعضهم يعبدون الملائكة يزعمون أنهم بنات الله، وبعضهم يعبد الأصنام ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18] فهذا معنى: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: فرقًا وأحزابًا في الضلالة؛ فتفريقهم دينهم أنهم لم يجتمعوا في دينهم الذي هو شرك على شيء واحد .. ".]]. وهذه الآية متصلة بالأُولى؛ لأنها من نعت المشركين. قال الفراء: وإن شئت استأنفت قولَه تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 325، وتمامه: كأنك قلت: الذين تفرقوا وتشايعوا كل حزب بما في يده فرح.]].

قال مقاتل: كل أهل ملة [["تفسير مقاتل" 79 أ. وفي النسختين: (مكة). بدل: (ملة)؛ وهو تصحيف.]] بما عندهم من الدَّين راضون به [["تفسير مقاتل" 79 أ.]].

وقال الزجاج: كل حزب من هذه الجماعة الذين فرقوا دينهم فرح؛ يظن أنه هو المهتدي [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 186.]]. وهذا مذكور في سورة: المؤمنين [[عند قوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وقد أحال الواحدي في تفسيرها على سورة الأنبياء؛ حيث قال: "والكلام في هذا قد سبق في نظيرتها في سورة الأنبياء". "البسيط" 2/ 619. تح/ المديميغ. قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 93]: "قال ابن عباس: يريد المشركين اتخذوا من دونه آلهة. هذا كلامه في رواية عطاء. والصحيح أن هذا إخبار عن جميع مخالفي شريعة محمد -ﷺ- يقول: اختلفوا في الدين فصاروا فيه فرقا وأحزابًا. ويجوز أن يكون هذا الاختلاف راجعًا إلى اختلاف أهل كل ملة كاختلاف اليهود فيما بينهم، واختلاف النصارى؛ وهذا هو الظاهر. ويجوز أن يرجع إلى مخالفتهم دين الحق". "البسيط" 1/ 187 (تح/ المديميغ).]].

30:33Page 408

وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٣٣

And when adversity touches the people, they call upon their Lord, turning in repentance to Him. Then when He lets them taste mercy from Him, at once a party of them associate others with their Lord,

قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة، الضر يعني: القحط والسَّنة ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعين إليه [["تفسير مقاتل" 79 أ.]]. قال أبو إسحاق: أي لا يلتجئون في شدائدهم إلى مَنْ عبدوه مع الله -عز وجل-، إنما يرجعون في دعائهم إليه وحده [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 186.]].

قوله: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ قال مقاتل: إذا أعطاهم من عنده، يعني: المطر ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يقول: تركوا توحيد ربهم في الرخاء، وقد وحدوه في الضراء [["تفسير مقاتل" 79 أ.]].

30:34Page 408

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٤

So that they will deny what We have granted them.1 Then enjoy yourselves, for you are going to know.

﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ هذه الآية مفسرة في آخر سورة: العنكبوت [[عند قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت].]].

وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ قال أبو إسحاق: هذا خطاب بعد الإخبار؛ لما قال: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ كان خبرًا عن غائب، وكأن المعنى: فتمتعوا أيها الفاعلون لهذا، وليس هذا بأمر لازم، بل هو أمر على جهة الوعيد، يدل عليه قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني حالكم في الآخرة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 186. قال الأخفش: كأنه قال: فقد تمتعوا فسوف يعلمون.]].

30:35Page 408

أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ ٣٥

Or have We sent down to them an authority [i.e., a proof or scripture], and it speaks of what they have been associating with Him?

وقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس: حجة [[ذكره الثعلبي 8/ 169 أ، عن ابن عباس، والضحاك.]].

قال قتادة ومقاتل: كتابًا من السماء ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا﴾ يقولون؛ يعني: من الشرك [[أخرج ابن جرير 21/ 44، عن قتادة. و"تفسير مقاتل" 79 أ. وذكره الثعلبي 8/ 169 أ، عن قتادة والربيع.]]؛ يعني: يأمرهم به، ونعذرهم على ذلك [["تفسير الثعلبي" 8/ 169 أ. واقتصر عليه الفراء، ولم ينسبه. "معاني القرآن" 2/ 325.]]. وهذا استفهام معناه: الإنكار، أي: ليس الأمر على هذا.

30:36Page 408

وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ ٣٦

And when We let the people taste mercy, they rejoice therein, but if evil afflicts them for what their hands have put forth, immediately they despair.

ثم ذكر بطرهم عند النعمة، وبأسهم عند [[(عند) ساقطة من النسختين؛ وزدتها لاستقامة الكلام.]] الشدة بقوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾ الآية، وهذا خلاف وصف المؤمن؛ فإنه يشكر عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة، ويرغب إليه في كشفها.

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يعني: شدة وبلاء ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما عملوا من السيئات ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ﴿إِذَا﴾ جواب الشرط، وهو مما يجاب به الشرط، قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ في موضع: قنطوا [[ذكر الإعراب، والمعنى: سيبويه، "الكتاب" 3/ 63، وذكره المبرد في "المقتضب" 2/ 58، وقال في 3/ 178: فأما (إذا) التي تقع للمفاجأة فهي التي تسد مسد الخبر، والاسم بعدها مبتدأ، كقولك: جئتك فإذا زيد، وكلمتك فإذا أخوك، وتأويل هذا: جئت ففاجأني زيد، وكلمتك ففاجأني أخوك، وهذه تغني عن الفاء، وتكون جوابًا للجزاء؛ نحو: إن تأتني إذا أنا أفرح، على حد قولك: فأنا أفرح، قال الله -عز وجل-: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ فقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ في موضع: يقنطوا. وذكره أيضًا الأخفش، "معاني القرآن" 2/ 657. وأبو علي، "الإيضاح العضدي" 1/ 330. وابن جني، "سر صناعة الإعراب" 1/ 254، 261.]].

30:37Page 408

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٣٧

Do they not see that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.

قال مقاتل: ثم وعظهم فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ﴾ الآية [["تفسير مقاتل" 79 ب.]]

30:38Page 408

فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٣٨

So give the relative his right, as well as the needy and the traveler. That is best for those who desire the face [i.e., approval] of Allāh, and it is they who will be the successful.

وقوله: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ أي: من الصلة والبر [[تفسير ابن جرير 21/ 45.]]. قال مقاتل: حقُّ القرابة: الصلة [["تفسير مقاتل" 79 ب.]].

وقال قتادة: إذا كان لك ذو قرابة فلم تصله بمالك، ولم تمش إليه برجلك فهو قطيعة [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 103.]].

وقال أبو إسحاق: وفرائض المواريث كأنها قد نَسختْ هذا؛ أعني: حق القرابة، وجائز أن تكون القرابة حق لازم في البر [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 187. والصحيح أن الآية لا نسخ فيها، فحق ذوي القربى ثابت بالإحسان إليهم بالكلام الحسن، والقول المعروف، ووصلهم بالنفقة إذا كانوا محتاجين، ووقع الخلاف بين أهل التفسير هل الأمر في الآية للوجوب أم للندب على قولين؛ قال القرطبي 14/ 35: "واختلف في هذه الآية؛ فقيل: إنها منسوخة بآية المواريث، وقيل: لا نسخ، بل للقريب حق لازم في البر على كل حال، وهو الصحيح، قال مجاهد وقتادة: صلة الرحم فرض من الله -عز وجل-، حتى قال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة. وقيل: المراد بالقربى أقرباء النبي -ﷺ-؛ والأول أصح؛ فإن حقهم مبين في كتاب الله -عز وجل- في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: 41] وقيل: إن الأمر بإيتاء ذي القربى على جهة الندب. قال الحسن: ﴿حَقَّهُ﴾ المواساة في اليسر، وقول ميسور في العسر". وحكى الشوكاني قول القرطبي مقررًا له. "فتح القدير" 4/ 219.

قال أبو المظفر السمعاني 4/ 215: "أكثر المفسرين على أن المراد من إيتاء ذي القربى هاهنا صلة الرحم بالعطية والهدية، ثم ذكر قول قتادة. وقال القاسمي: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ أي: من البر والصلة. واستدل به أبو حنيفة على وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب؛ لأن ﴿ءاتِ﴾ أمر للوجوب. والظاهر من الحق بقرينة ما قبله أنه: مالي، وهو استدلال متين. "تفسير القاسمي" 13/ 181.

قال ابن كثير: "يقول تعالى آمرًا بإعطاء ذي القربى حقه أي: من البر والصلة". "تفسير ابن كثير" 6/ 318. وهو قول البغوي 6/ 272. قال أبو حيان 7/ 169، بعد ذكر رأي الحنفية: "الظاهر أن الحق ليس الزكاة وإنما يصير حقاً بجهة الإحسان والمساواة". قال ابن عطية 11/ 459: "هذا على جهة الندب". وهذا محمول على إذا لم تكن قرابته محتاجة، إذا كانت قرابته محتاجة فقيرة وهو غني مقتدر فيجب عليه أن يصل قرابته بماله. والله أعلم.]].

وقوله: ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾ قال ابن عباس: أطعم الطواف [[ذكره عنه القرطبي 14/ 35 ، بلفظ: أطعم السائل الطواف.]] وقال مقاتل: حقه أن يُتصدق عليه [["تفسير مقاتل" 79 ب.]].

وقوله: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ يعني: حق الضيف عليك أن تحسن إليه [["تفسير مقاتل" 79 ب. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 187.]].

﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ يقول: إعطاء الحق أفضل من الإمساك ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [["تفسير مقاتل" 79 ب.]] يطيعون بما يعلمون ثوابه. ثم نعتهم فقال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [["تفسير مقاتل" 79 ب، من قوله: ثم نعتهم.]].

30:39Page 408

وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ ٣٩

And whatever you give for interest [i.e., advantage] to increase within the wealth of people1 will not increase with Allāh. But what you give in zakāh,2 desiring the face [i.e., approval] of Allāh - those are the multipliers.3

قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ الآية، روى قتادة عن ابن عباس في هذه الآية قال: هي هدية الرجل يهدي الشيء يريد أن يثاب أفضل منه، فذلك الذي لا يربو عند الله، لا يؤجر فيه صاحبه، ولا إثم عليه فيه [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 103، وأخرجه ابن جرير 21/ 84، عن ابن عباس من طريق قتادة. وأخرجه ابن جرير 21/ 46، من طريق محمد بن سعد بإسناده عن ابن عباس. وهو قول مقاتل 79 ب.]]. وعن مجاهد قال: هي الهدايا [[أخرجه ابن جرير 21/ 46.]].

وروى ابن أبي روَّاد عنه قال: هو الربا الحلال؛ يهدي الرجل الشيء ليُهدَى له أفضل منه، فهو حلال ليس فيه إثم ولا أجر [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 104، عن الضحاك بن مزاحم، من طريق عبد العزيز بن أبي رواد.

- عبد العزيز بن أبي رواد، شيخ الحرم، واسم أبيه: ميمون، حدث عن سالم بن عبد الله، والضحاك بن مزاحم، وعكرمة، ونافع، وغيرهم، وحدث عنه: يحيى القطان، وعبد الرزاق، وابن المبارك، وغيرهم، صدوق عابد، وربما وهم، ورمي بالإرجاء، ت: 159 هـ. "سير أعلام النبلاء" 7/ 184، و"تقريب التهذيب" ص 612.]]. وقوله: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] نزلت في النبي -ﷺ- خاصة، نُهي أن يُهدِي هدية فيُهدَى له أفضل منها، وحَرُم ذلك عليه خاصة [[تفسير ابن جرير 21/ 46، ولم ينسبه. وقد كُتب في "تفسير ابن جرير" بعد قول الضحاك مفصولًا عنه، فلعله من قول الضحاك، وفصْله عنه خطأٌ، وقد أورده السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 495، من كلام الضحاك، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. وذكره عن الضحاك الثعلبي 8/ 169 أ. ذكر ابن كثير 8/ 264، في آية المدثر أربعة أقوال، استظهر منها القول الذي اقتصر عليه الواحدي.]].

وقال السدي: الربا في هذا الموضع: الهدية يهديها الرجل لأخيه، طلبَ المكافأة، فإن ذلك لا يربو عند الله، ولا يؤجر عليه صاحبه. وقال سعيد بن جبير: هذا في الرجل يُعطِي ليثابَ عليه [[أخرجه ابن جرير 21/ 46.]]. هذا قول المفسرين في هذه الآية.

وشرحها أهل المعاني؛ فقال أبو إسحاق: يعني به: دفعُ الإنسان الشيء ليعوض ما هو أكثر منه، فذلك ليس بحرام، ولكنه لا ثواب فيه؛ لأن الذي يهبه يستدعي به ما هو أكثر منه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 187، بمعناه.]].

وقال أبو علي الفارسي: ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ﴾ يحتمل تقديرين؛ يجوز أن تكون للجزاء [[أي: اسم شرط جازم.]]، ويجوز أن تكون موصولة؛ فإن قدرتها جزاء كانت في موضع نصب بـ: ﴿آتَيْتُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ في موضع جزم بأنه جواب للجزاء، ويقوي هذا الوجه: قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ ألا ترى أنه لو كان مبتدأً لعاد عليه ذكرٌ، وإن جعلتها موصولة كان موضع ﴿مَا﴾ رفعًا بالابتداء، و ﴿آتَيْتُمْ﴾ صلة، والعائد إلى الموصول: الذكر المحذوف من ﴿آتَيْتُمْ﴾ [[يعني بالذكر المحذوف هنا: الضمير الواقع مفعولًا في قوله تعالى: ﴿آتَيْتُمْ﴾ والتقدير: الذي آتيتموه، وسر تسميته بالذكر المحذوف -فيما يظهر- أن المقدر هنا كالمذكور سواء بسواء.]] وقوله: ﴿فَلَا يَرْبُو﴾ في موضع رفع بأنه خبر الابتداء، والفاء دخلت في الخبر على حد بما دخلت في قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].

وقوله: ﴿آتَيْتُمْ﴾ أكثر القراء قرأ: ﴿آتَيْتُمْ﴾ بالمد [[قرأ ابن كثير: ﴿أَتَيْتُمْ﴾ مقصورة، والباقون: ﴿آتَيْتُمْ﴾ بالمد، في قوله تعالي: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ فلم يختلفوا في مدها. "السبعة في القراءات" ص 507، "والحجة للقراء السبعة" 5/ 446، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 196، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 344.]]، [[يوجد هنا سقط في النسختين؛ ولا يتم المعنى بدونه، وتمام الكلام كما هو عند أبي علي في "الحجة" 5/ 446: "وأما قصر ابن كثير فإنه يؤول في المعنى إلى قول من مد .. ".]] إلى قول: من مد كأنه قيل: ما جئتم من ربًا، ومجيئهم ذلك على وجه الإعطاء له كما قال [[في "الحجة" 5/ 446: كما تقول.]]: أتيت الخطأَ، وأتيت الصوابَ، وأتيت قبيحًا، قال الشاعر:

أتيتُ الذي يأتي السفيه لِغرتي ... إلى أن علا وَخْطٌ من الشيبِ مَفْرِقي

فإتيانه الذي يأتي السفيه إنما هو فعل منه له [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 446، وأنشد البيت كاملًا، ولم ينسبه. الغِزُّ: الصغير الذي لم يجرب الأمور، يقال: كان ذلك في غرارتي وحداثتي. "تهذيب اللغة" 16/ 71 (غرر). والمفرق: وسط الرأس. "لسان العرب" 10/ 301 (فرق).]].

وقوله: ﴿مِنْ رِبًا﴾ على ضربين؛ أحدهما: متوعد عليه محرم بقوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278] والآخرُ غير محرم: وهو أن يُهدِي شيئًا، أو يهبه فيستثيب أكثر منه. وسمي بهذا المدفوع على وجه اجتلاب الزيادة: ربًا، لَمَّا كان الغرض فيه الاستزادة على ما أَعطى، فسمي باسم الزيادة، لمكان الزيادة المقصودة في المكافأة، والربا هو: الزيادة، فبذلك سُمِّي المحرم ربًا، لزيادة ما يأخذ على ما دَفع [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 447، بتصرف. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 187، بمعناه، وهذا من الاستطراد لبيان معنى الآية، لأن الربا المحرم لا يدخل في هذه الآية، وليس هو المراد منها، بدليل ما نقله الواحدي عن السلف في ذلك، فلم يُنقل عنهم -والله أعلم- أن الربا المحرم معني بهذه الآية، إذ لو أريد ذلك لكان في القطع بتحريمه من خلال هذه الآية نظرة فالآية ليس فيها تحريمٌ، بل فيها إخبار عن فقد الأجر والثواب لمن فعل هذا الفعل، وهذا كما سبق في قول ابن عباس: ليس فيه أجر ولا وزر. والله أعلم.]].

وقوله: ﴿لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ فاعل (يَرْبُوَا) الربا المذكور في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ وقُدِّر المضاف فحذفه، كأنه: في اجتلاب أموال الناس، أو اجتذابه، ونحو ذلك [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 447، ولفظه: "وقدر المضاف وحذف كأنه: اجتلاب أموال الناس، واجتذابها، ونحو ذلك".]].

وقرأ نافع: (لِتُربوا) بالتاء وضمها [[قرأ نافع: ﴿لِتُربوْا﴾ بضم التاء، ساكنة الواو، وقرأ الباقون: ﴿لِيَربوَا﴾ بالياء، مفتوحة الواو. "السبعة في القراءات" ص 507، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 447. و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 196، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 344. وقد ضبط محقق كتاب "الحجة" قراءة نافع هكذا. ﴿لِترْبُوَ﴾ وقال بعدها: بالتاء ساكنة الواو. وهذا خطأ من وجهين؛ الأول: قراءة نافع بالتاء مضمومة، وليست مفتوحة كما ضبطها المحقق في ص 448، الثاني: الواو في قراءة نافع: ساكنة، وليست مفتوحة، مع أن المحقق قد أحال في الحاشية على كتاب "السبعة".]]، أي: لتصيروا ذوي زيادة من أموال الناس بما آتيتم، أي: تستدعونها وتجلبونها، وكأنه من: أربى إذا صار ذا زيادة، مثل: أقطف وأجدب [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 448، وفيه: أقطف وأجرب، بدل: أجدب. وكلاهما صحيح؛ يعني: صار ذا جدب، أو صار ذا جرب. في "تهذيب اللغة" 16/ 282 (قطف): أقطف الرجل؛ إذا كانت دابته قَطُوفًا، والقِطاف مصدر القَطوف من الدواب؛ وهو المقارب الخَطو، البطيء.]].

وقوله: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: لأنكم إنما قصدتم إلى زيادة العِوض، ولم تقصدوا وجه البر والقربة، ولو قصدتم به وجه الله لكان كقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ وفي (مَا) هذه الوجهان ذكرناهما في (مَا) في أول الآية؛ فإن جعلتها: الموصولة فهي في موضع رفع، و (ءَاتَيْتُم) صلة، والراجع إلى الموصول محذوف، على تقدير: آتيتموه.

قال: (وَمَاءَاتَيْتُم) ثم قال: (فَأُولَئِكَ) فانتقل من الخطاب إلى الغيبة [["المسائل الحلبيات" ص 85.]]، كما جاء في ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: 22] [[ذكر هذا ابن قتيبة، "تأويل مشكل القرآن" ص 289.]]. والفاء دخلت على: (فَأُولَئِكَ) لذكر الفعل في الصلة، والجملة في موضع خبر المبتدأ الذي هو: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ﴾ ويقدر راجعًا محذوفًا، التقدير: فأنتم المضعفون به. أي: ذوو الضعف بما آتيتم من زكاة، فحذفت العائد على حد ما حذفته من قولك: السمن منوان بدرهم [[ساق هذا المثال للتدليل على حذف العائد المجرور، وتقديره: السمن منوان منه بدرهم، فحذف منه لدلالة السياق عيه، كما قدر في الآية: فأنتم المضعفون به. والله أعلم. والمَنَّ: معيار قديم يكال به أو يوزن. "لسان العرب" 13/ 418 (منن)، و"المعجم الوسيط" 2/ 888.]].

هذا كله كلام أبي علي ذكره في مواضع متفرقة، فرددت كلًا إلى موضعه.

قال أبو إسحاق: وما أعطيتم من صدقة لا تطلبون بها المكافأة وإنما تقصدون بها ما عند الله ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ أي: فأهلها يضاعف لهم الثواب؛ يُعطون بالحسنة عشر أمثالها. وقيل ﴿الْمُضْعِفُونَ﴾ كما يقال رجل مقوٍ؛ أي: صاحب قوة، وموسر، أي: صاحب يسار، وكذلك: مُضعف، ذو أضعاف من الحسنات [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 188.]].

قال مقاتل: ثم ذكر ما أصاب الناس من ترك التوحيد في قوله تعالى:

30:40Page 408

ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيۡءٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٠

Allāh is the one who created you, then provided for you, then will cause you to die, and then will give you life. Are there any of your "partners" who does anything of that? Exalted is He and high above what they associate with Him.

No commentary for this ayah

30:41Page 408

ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤١

Corruption has appeared throughout the land and sea by [reason of] what the hands of people have earned so He [i.e., Allāh] may let them taste part of [the consequence of] what they have done that perhaps they will return [to righteousness].

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يعني: قحط المطر وقلة النبات [["تفسير مقاتل" 79 ب.]]. قال أبو علي: الفساد جاء في القرآن على ضربين؛ فساد معاقب عليه، وهو كثير [[مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 11، 12]. وقد ورد الفساد بهذا المعنى في أكثر من خمسة وأربعين موضعًا في القرآن الكريم. انظر الآيات في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم 518 (فسد).]]. وفساد على غير ذلك؛ بمعنى: الجدْب [[من أمثلته قول الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]، وهو بهذا المعنى قليل لم أجده إلا في أربعة مواضع؛ البقرة: 251، الأنبياء: 22، المؤمنون: 71، وآية الروم هذه. والله أعلم.]]، وهو المراد في هذه الآية، وهذا كما قلنا في: الحسنة والسيئة؛ وقد ذكرنا ذلك في قوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: 95] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: "قال أهل اللغة: السيئة كل ما يسوء صاحبه، والحسنة ما يحسن عليه أثره. ثم ذكر قول أبي علي الذي ذكره هنا، ثم قال: والمعنى: أنه تعالى أخبر أنه يأخذ أهل المعاصي بالشدة تارة، وبالرخاء تارة".]].

وقوله: ﴿الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال: يعني: حيث لا يجري نهر، وهو لأهل العمود والبحر، ونقصُ الثمار في الريف؛ يعني: القرى تجري [[(تجري): مكررة مرتين في (ب).]] فيها الأنهار [[كتاب "الشعر" لأبي علي 2/ 457، بتصرف. قال مقاتل 79 ب: ثم أخبرهم أن قحط المطر في البر ونقص الثمار في الريف حيث تجري فيها الأنهار إنما أصابهم بترك التوحيد، فقال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يعني: قحط المطر، وقلة النبات حيث لا تجري فيها الأنهار لأهل العمود، ثم ظهر الفساد يعني: قحط المطر، ونقص الثمار في البحر، يعني: الريف، يعني: القرى التي تجري فيها الأنهار.

قال الليث: يقال لأهل الأخبية الذين لا ينزلون غيرها: هم أهل عَمُود، وأهل عماد. كتاب "العين" 2/ 57 (عمد) ونقله الأزهري، "تهذيب اللغة" 2/ 251.]].

قال ابن عباس في رواية عكرمة: أما البحر فما كان من المدائن والقرى على شاطئ نهر، وأما البر: فالبرية التي ليس عندها نهر [[ذكره السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 496، وعزاه لابن أبي حاتم.]].

وقال السدي: الفساد: القحط. والبر: كلُّ قرية من قرى العرب نائيةٍ عن البحر، مثل: المدينة ومكة. [قال: والعرب تسمي الأمصار: بحرًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من: (أ).]] وأما البحر: فكلُّ قريةٍ مثلُ: البصرة والكوفة والشام [[ذكره السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 497، وعزاه لابن أبي حاتم.]].

وقال عكرمة: أما إني لا أقول: بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماء، قال: والعرب تسمي الأمصار: بحرًا [[أخرجه ابن جرير 21/ 49.]].

وقال فضيل بن مرزوق: قلت لعطية في قوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} هذا البر، فالبحر أي فساد فيه؟ قال: يقال إذا قلَّ المطر قلَّ الغوص [[أخرجه ابن جرير 21/ 49. فضيل بن مرزوق الأغر، الرَّقاشي، الكوفي، أبو عبد الرحمن، صدوق يهم، ورمي بالتشيع، حدث عن عدي بن ثابت، وعطية العوفي، وشقيق بن عقبة، وغيرهم، وحدث عنه وكيع، وأبو نُعيم، وعلي بن الجعد، وغيرهم. روى له مسلم في المتابعات، ت: 160 هـ. "سير أعلام النبلاء" 7/ 342، و"تقريب التهذيب" 786.]]. يعني: أن البحر إذا أمطر تفتح الأصداف أفواهها، فما وقع فيها من ماء السماء فهو لؤلؤ [[ذكره الثعلبي 8/ 169 ب، عن ابن عباس.]]. وعلى هذا المراد بالبحر: بحر الماء لا القرى. والقول هو الأول [[يعني أن المراد بالبحر: القرى التي على شاطىء البحر، وهذا القول وإن كان له وجه، لكن إجراء الآية على ظاهرها حيث لا يمنع من ذلك شيء أولى. ولعل الذي حمل الواحدي على ترجيح هذا القول تفسيره الفساد في الآية بالجدب والقحط، وهو غير مُتصور في البحر. وسيأتي توضيح القول الصحيح إن شاء الله تعالى.]].

قوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي: من المعاصي [[ذكره السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 497، وعزاه لابن أبي حاتم.]]. يعني: كفار مكة ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ الله بالجوع في السنين السبع [[المراد بذلك ما ورد في الحديث الصحيح في دعاء النبي -ﷺ- على أهل مكة بسنين كسني يوسف، -عليه السلام-، وقد سبق ذكره وتخريجه في تفسير الآية: 93، من سورة النمل.]] ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أي: جزاء

﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا من الكفر إلى الإيمان [["تفسير مقاتل" 79 ب، بنصه.]]. هذا الذي ذكرنا هو الصحيح في تفسير هذه الآية. وذُكر في تفسيرها أقوالٌ لا تليق بالآية؛ منها قول قتادة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ فقال: هو الشرك امتلأت الأرض ظلمًا وضلالة، قبل أن يبعث الله نبيه [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 104، وابن جرير 21/ 49.]].

قال مجاهد: قَتْلُ ابنِ آدم أخاه في البر، وأخذُ الملِك السفنَ غصبًا في البحر [[أخرجه ابن جرير 21/ 49.]].

قال الحسن: أفسدهما الله بذنوبهم في بر الأرض وبحرها ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يرجع مَنْ بعدهم [[أخرجه ابن جرير 21/ 49، 50. وأخرج عن ابن زيد: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال: الذنوب.]]. وهذه الأقوال مرذولة فاسدة ليست تحسن في تفسير هذه الآية [[كان الأولى بالواحدي أن يبين ضعف هذه الأقوال دون الحاجة لوصفها بهذا الوصف.

فعلى القول الذي صححه الواحدي يكون المراد بالفساد: ما أصاب الناس من القحط والجدب. وعلى القول الثاني الذي رده الواحدي، المراد بالفساد: ظهور الشرك والمعاصي في كل مكان، من البر والبحر، وانتشار الظلم، وحصول النقص في الخيرات، والحروب، والكوارث، ونحو ذلك كلُه ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي: بذنوب الناس انتشر الشر والظلم والفسق والفجور في البر والبحر. وقد اقتصر على هذا القول ابن جرير 21/ 50، قال: "فتأويل الكلام إذًا إذ كان الأمر كما وصفت: ظهرت معاصي الله في كل مكان، من بر وبحر ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي: بذنوب الناس، وانتشر الظلم فيهما". وقد تأول ابن جرير هذا القول من أقوال قتادة، ومجاهد، والحسن، التي وصفها الواحدي بأنها: أقوال مرذولة!؛ والصواب أنها أقوال مناسبة لسياق الآية، ولظاهرها كما يدل عليه تمثيل مجاهد للفساد في البحر: بأخذ السفن غصبا، وهذا هو مقتضى الحكمة، والقول الذي == اختاره الواحدي محمول على التمثيل للفساد بالجدب والقحط، لا على أنه هو المقصود وحده حتى يتأول البحر بالقرى المحيطة به، وينبني على القول الذي اختاره الواحدي أن الذنوب والمعاصي كلما زادت قل المطر وانتشر الجدب والقحط، وهذا غير مسلم؛ لأن الله تعالى أخبرنا في كتابه الكريم أنه لا يمنع الناسَ الرزقَ بسبب كفرهم، بل قد يمدهم بالرزق والنعم استدراجًا، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 55، 56] وأخبر تعالى أنه لو يؤاخذ الناس بذنوبهم لهلكوا ولم يبق منهم أحد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: 45] حتى الدواب تهلك تبعًا لهلاك بني آدم، بسبب

ذنوب بني آدم، ولا يُعترض على هذا بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96] فالآية في زيادة الخير والرزق لمن حقق الإيمان والتقوى، بل إن من حكمة الله تضييق الرزق على الأنبياء وأتباعهم، تعظيمًا لأجرهم في الآخرة كما لا يخفى، وخلاصة ذلك أن اعتراض الواحدي ورده لهذه الأقوال لم يبين دليله عليه، مع أن القول الذي رده ظاهر جدًا من سياق الآية، وعليه فيحمل الفساد على ما يظهر في البر والبحر من الكفر والظلم والطغيان، وما يلحق الناس بسبب ذلك من نقص المطر وحصول القحط والجدب، والعذاب بالزلازل والخسف والغرق، والحروب، والسلب والنهب، والخوف وغيره من أنواع الفساد الذي ينتشر بسبب ذنوب الناس؛ من الشرك وغيره، ومما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]. والله تعالى أعلم.]].

30:42Page 409

قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ ٤٢

Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how was the end of those before. Most of them were associators [of others with Allāh].

قال مقاتل: ثم خوفهم فقال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [["تفسير مقاتل" 80 أ.]]، وقوله: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ فأهلكوا بكفرهم. وإخباره عنهم بالشرك إخبار عن إهلاكهم؛ ودل عليه قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ ومعلوم أن عاقبتهم كان إلى الهلاك.

30:43Page 409

فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۖ يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ ٤٣

So direct your face [i.e., self] toward the correct religion before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. That Day, they will be divided.1

قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ قال أبو إسحاق: أقم قَصدك، واجعل جهتَك اتباع الدين القيم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 188.]]. قال مقاتل: وهو الإسلام المستقيم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: يوم القيامة لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم [["تفسير مقاتل" 80 أ.]]؛ لأن الله قد قضى بمجيئه، فإذا جاءكم لا مردَّ له.

﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون بعد الحساب، إلى الجنة والنار. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 80 أ. والزجاج، "معاني القرآن" 4/ 188.]]. وهذا كقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ وقد مر [[الآية 14، من هذه السورة.]]. قال الفراء: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾: يتصدعون، أي: يتفرقون، تقول العرب: صدَعتُ غنمي صِدْعَتين، أي: فَرَقْتُها فِرقتين [["معاني القرآن" للفراء 2/ 325، وليس فيه: يتصدعون.]].

30:44Page 409

مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ ٤٤

Whoever disbelieves - upon him is [the consequence of] his disbelief. And whoever does righteousness - they are for themselves preparing,

قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ قال ابن عباس: يجازى بكفره. قال مقاتل: عليه إثم كفره [["تفسير مقاتل" 80 أ.]] ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: يوطئون لأنفسهم منازلهم [[قال الزجاج 4/ 188: أىِ: لأنفسهم يوطئون.]].

وقال الكلبي: يفرشون [["تنوير المقباس" ص 342.]].

وقال مجاهد: يسوون المضاجع في القبر [[أخرجه ابن جرير 21/ 52.]]. يقال: مهدت لنفسي خيرًا؛ أي: هيأته ووطأته.

30:45Page 409

لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٥

That He may reward those who have believed and done righteous deeds out of His bounty. Indeed, He does not like the disbelievers.

قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿يَمْهَدُونَ﴾ أي: يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: ليثيبهم الله أكثر من ثواب أعمالهم.

30:46Page 409

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦

And of His signs is that He sends the winds as bringers of good tidings and to let you taste His mercy [i.e., rain] and so the ships may sail at His command and so you may seek of His bounty, and perhaps you will be grateful.

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ قال ابن عباس: بالمطر [["تنوير المقباس" ص 342، وأخرجه ابن جرير 21/ 53، عن مجاهد.]] ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ قال: يريد الغيث والخَصْب. قال صاحب النظم: هو معطوف على تأويل: ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ على نظم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ ليبشركم وليذيقكم من رحمته، ولتجري الفلك في البحر بتلك الرياح بأمره، ولتبتغوا في البحر من فضله، يعني: الرزق بالتجارة. قال مقاتل: كل هذا بالرياح ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعمة فتوحدونه.

30:47Page 409

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧

And We have already sent messengers before you to their peoples, and they came to them with clear evidences; then We took retribution from those who committed crimes, and incumbent upon Us was support1 of the believers.

ثم خوف كفار مكة، وعزَّى نبيه -ﷺ- فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [["تفسير مقاتل" 80 أ.]] أي: بالدلالات الواضحات على صدقهم. وقال ابن عباس: بالفرائض والحلال والحرام.

وقال مقاتل: أخبروهم بالعذاب أنه نازل بهم إن لم يؤمنوا [["تفسير مقاتل" 80 أ.]].

قوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ كفروا بآياتهم [[الضمير يعود على البينات التي جاء بها الرسل، كما يدل عليه سياق الآية.]].

وقال الكلبي: جرمهم هاهنا: الكفر [["تنوير المقباس" (342)، وهو قول مقاتل 80 أ.]].

﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الحسن: نصر المؤمنين: إنجاؤهم مع الرسل من عذاب الأمم. وهو قول الكلبي ومقاتل [["تنوير المقباس" ص 342، و"تفسير مقاتل" 80 أ.]]. ومعنى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ واجبًا، يعني: وجوبًا هو أوجبه على نفسه من حيث أخبر به، وإذا أخبر بشيء حق ذلك الشيء ووُجِد على ما أخبر به. وقد أخبر أنه ينجي المؤمنين من عذاب المكذبين. ولا يجب على الله شيء ابتداءً بخلاف ما قالت القدرية. وفي هذا تبشير النبي -ﷺ- بالظَفَر في العاقبة، والنصر على مَنْ كذبه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском