Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
As-Sajdah 32:18–30
32:18Page 416
أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ ١٨
Then is one who was a believer like one who was defiantly disobedient? They are not equal.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ قال السدي: نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة [[هو: الوليد بن عقبة بن أبي معيط القرشي الأموي، أمه أروى بنت كريز أم عثمان ابن عفان -رضي الله عنه-، فهو أخو عثمان لأمه كنيتة أبو وهب، أسلم يوم الفتح، ولاه عثمان الكوفة ثم عزله، وكان شاعرًا كريمًا -رضي الله عنه-، توفي في خلافة معاوية.
انظر: "الإصابة" 6/ 321، أسد الغابة 5/ 90، "سير أعلام النبلاء" 3/ 412.]] بن أبي معيط، وذلك أنه جرى بينهما تنازع وسباب، فقال له الوليد: اسكت فإنك صبي، وأنا والله أبسط منك لسانًا [[في (ب): (لسانك)، وهو خطأ.]]. فقال له علي: اسكت، فإنك فاسق تقول الكذب فأنزل الله هذه الآية تصديقًا لما قاله علي [[أورده المؤلف في "أسباب النزول" له ص 200 عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، والسيوطي في "لباب النقول في أسباب النزول" ص 170، وعزاه للواحدي وابن عساكر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأخرجه "الطبري " 21/ 107 عن عطاء بن يسار. قال السيوطي في "لباب النقول": وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار مثله، وأخرج بن عدي والخطيب في "تاريخه" من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: الفاسق عقبة بن أبي معيط.
واختار الزجاج هذا [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 208.]]. والباقون قالوا: هو الوليد بن عقبة [[وبه قال: عطاء أيضًا وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومقاتل. انظر: "تفسير الطبري" 21/ 107، "زاد المسير" 6/ 340.]].
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ قال الفراء: (ولم يقل: يستويان؛ لأن الاثنين إذا كان [[في (أ): (كانا).]] غير مصمود [[أي: غير مقصودين، تقول: صمده وصمد إليه أي: قصده. انظر: "اللسان" 3/ 258.]] لهما، ذهبا مذهب الجمع. تقول في الكلام: ما جعل الله المسلم كالكافر، فلا تسوين بينهما وبينهم، وكل صواب) [["معاني القرآن" 2/ 332.]]. وقال أبو إسحاق: من لفظها لفظ الواحد، وهي تدل على الجماعة فجاء لا يستوون على معنى: لا يستوي المؤمنون والكافرون. قال: ويجوز أن يكون لا يستوون للاثنين؛ لأن معنى الاثنين جماعة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 208.]].
32:19Page 416
أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٩
As for those who believed and did righteous deeds, for them will be the Gardens of Refuge as accommodation for what they used to do.
ثم أخبر عن منازل الفريقين فقال: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا﴾ أي: الموضع الذي يأوي إليه المؤمنون، وأضاف الجنات إليه؛ لأن ذلك الموضع الذي يأوي إليه المؤمنون يتضمن جنات وبساتين.
قال أبو إسحاق: فشهد الله -عز وجل- لعلي بالإيمان، وأنه في الجنة بهذه الآية [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 208.]]. وقوله: ﴿نُزُلًا﴾ النزاع: ما تهيأ ويقام للنازل والضيف [[انظر: "تهذيب اللغة" 13/ 211، (نزل).]]. وقد مر تفسيره [[عند قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 198]]]. وانتصب نزلًا على الحال من الجنات كأنه قيل: لهم الجنات معدة، ويجوز أن يكون مفعولًا له.
32:20Page 416
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٠
But as for those who defiantly disobeyed, their refuge is the Fire. Every time they wish to emerge from it, they will be returned to it while it is said to them, "Taste the punishment of the Fire which you used to deny."
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ الآية، مفسرة في سورة الحج.
32:21Page 417
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢١
And We will surely let them taste the nearer punishment1 short of the greater punishment that perhaps they will return [i.e., repent].
وقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ الآية. العذاب الأكبر: هو عذاب يوم القيامة، والعذاب الأدنى هو ما يعذبون به قبل يوم القيامة. واختلفوا فيه:
قال [[هكذا في النسخ لم يبين من القائل، وفي "الوسيط" قال: قال مقاتل.]]: هو الجوع الذي ابتلوا به بمكة سبع سنين حتى أكلوا الجيف. وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، وابن مسعود في رواية أبي عبيد، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح [[انظر: "تفسير مقاتل" 85/ ب، "تفسير الطبري" 21/ 110، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 309، "تفسير مجاهد" ص 511، "زاد المسير" 6/ 341.]].
وقال أبي بن كعب: هو مصائب الدنيا. وهو قول إبراهيم، قال: أشياء يصابون بها في الدنيا ويبتلون في أموالهم لعلهم يقبلون إلى الله. وهو قول الحسن، ورواية الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس [[انظر: "المصادر السابقة" والماوردي 4/ 365.]].
القول [الثالث] [[و [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 109، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 308، "مجمع البيان" 8/ 520، "زاد المسير" 6/ 341.]] ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] في العذاب الأدنى: أن القتل يوم بدر. وهو قول عبد الله في رواية مسروق عنه، وقول قتادة والسدي، قال: العذاب الأدنى: يوم بدر [بالسيف] (¬5)، لم يبق بيت من بيوت قريش إلا دخله غرم أو قتل [[لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وقد ذكره الماوردي 4/ 365 عن ابن مسعود.]]. وقال عبد الله بن الحارث بن نوفل: كل شيء وعد الله هذه الأمة من العذاب الأدنى إنما هو السيف (¬7).
القول الرابع: أن العذاب الأدنى عذاب القبر. وهو قول البراء، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح عنه [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 110، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 309، "تفسير الماوردي" 4/ 365، "زاد المسير" 6/ 341.]]. وأما العذاب الأكبر فلا خلاف أنه في الآخرة، إلا ما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال: يريد القتل يوم بدر [[لم أقف عليه.]].
وقوله: {لَ1 [[وبه قال أيضًا أبو العالية وقتادة وإبراهيم. انظر: "تفسير الطبري" 21/ 111، "تفسير الماوردي" 4/ 365.]].
32:22Page 417
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ٢٢
And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord; then he turns away from them? Indeed We, from the criminals, will take retribution.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف: 57] مفسر في سورة الكهف.
وقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ قال مقاتل: نزلت في المطعنين [[هكذا في النسخ! وفي "تفسير مقاتل" 85 ب: المطعمين.]] والمستهزئين من قريش، انتقم الله منهم بالقتل ببدر، وتعجيل أرواحهم إلى النار [[انظر: "تفسير مقاتل" 85 ب.]].
32:23Page 417
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٣
And We certainly gave Moses the Scripture, so do not be in doubt over his meeting.1 And We made it [i.e., the Torah] guidance for the Children of Israel.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراة. ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ قال مجاهد: من أن تلقى موسى [["تفسير مجاهد" ص 511، "زاد المسير" 6/ 343.]]. وقال الكلبي: من لقاء موسى، فلقيه حين أسري به من بيت المقدس. ونحو هذا قال السدي، قال: من لقاء موسى ثم لقيه في السماء [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 112، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 158، "زاد المسير" 6/ 343.]]. وعلى هذا الكناية عن موسى، وقد أضيف المصدر إلى المفعول وكأنه -ﷺ- وعد أنه سيلقى موسى قبل أن يموت فلقيه وروى [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: ورواه.]] أسباط عن السدي [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 520، ونسبه للسدي مباشرة.]].
﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [[قوله. (من لقائه) ساقط من (أ).]] من لقاء ربك. وعلى هذا القول قال صاحب النظم: هو كلام اعترض من بين قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [[قوله: (ولقد) ساقط من (أ).]] وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾. والخطاب للنبي -ﷺ- والمراد به غيره ممن ينكر البعث، وهم الذين ذكروا في قوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾. والمعنى: فلا تكن في مرية من البعث.
في الآية قولان آخران أشبه بالنفس وأليق بظاهر الآية. قال ابن عباس في رواية عطاء: فلا تكن في مرية في شك من لقائه، يريد الكتاب، يريد تصديق التوراة [[أورد الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 520 عن الزجاج، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 343 عن السدي والزجاج. ولم أقف عليه منسوبًا لابن عباس.]].
وقال مقاتل: فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب، فإن الله ألقى الكتاب إليه. وذكر أبو إسحاق أيضًا هذا القول [[انظر: "تفسير مقاتل" 85 ب، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 209.]]. وشرحه أبو علي فقال: هو على إضافة المصدر إلى المفعول، مثل: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: 24]، ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ [الروم: 3] كأنه لما قيل لموسى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: 145] أعلمنا أنه أخذ ما أمر به وتلقاه بالقبول، فالمعنى من لقاء موسى الكتاب، فأضيف المصدر إلى ضمير الكتاب، وفي ذلك مدح لموسى على امتثال ما أمر به، وتنبيه على الأخذ بمثل هذا الفعل كقوله. ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: 106]، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 18] [[انظر: "الحجة" 2/ 28.]].
القول الثاني: قال أبو إسحاق: ويجوز أن تكون الهاء لموسى والكاف محذوف؛ لأن ذكر الكتاب قد جرى [[في (ب): (جر).]] كما جرى ذكر موسى [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 209.]].
قال أبو علي: يجوز أن يكون الضمير لموسى والمفعول به محذوف، كقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر: 14] فالدعاء مضاف إلى الفاعل والمفعولون محذوفون، ومثل ذلك في إضافة المصدر إلى الفاعل وحذف المفعول به، قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: 10] فلم يذكر مفعول مقت الله [[انظر: "الحجة" 2/ 29.]].
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الضمير للكتاب في قول الجميع، قالوا: جعلنا التوراة هدى لبني إسرائيل من الضلالة. قال قتادة: وجعلنا موسى هدى لبني إسرائيل، أي هاديًا، وجعلنا من بني إسرائيل أئمة قادة في الخير [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 112 - 113، "تفسير الماوردي" 4/ 366، "زاد المسير" 4/ 344.]]. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ يدعون الناس إلى طاعة الله بأمر الله، وهؤلاء يجوز أن يكونوا أنبياء.
وقال قتادة: هم سوى الأنبياء [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 366، "الوسيط" 3/ 455.]].
32:24Page 417
وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤
And We made from among them leaders guiding by Our command when they were patient and [when] they were certain of Our signs.
﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾، وتقرأ: (لِمَا صبروا) أي لصبرهم. ومن قرأ: لما صبروا، فالمعنى معنى حكايته المجازاة، أي لما صبروا جعلناهم أئمة. قال أبو علي: من قرأ لِما، جعله كالمجازاة، إلا أن الفعل المتقدم أغنى عن الجواب، كما أنك إذا قلت: أجيك إن جئت، تقديره: إن جئت أجئك، فاستغنيت عن الجواب بالفعل المتقدم. ومن قال: لِما، علق الجار جعلنا، التقدير: جعلنا منهم أئمة لصبرهم [[في "الحجة" 5/ 464، وانظر: "علل القراءات" 2/ 531.]].
قال ابن عباس: لما صبروا على دينهم [[لم أقف عليه.]].
قال مقاتل: لما صبروا على البلاء حين كانوا بمصر ما لا يطيقون [["تفسير مقاتل" 85 ب.]].
وقال ابن المبارك: لما صبروا على الدنيا [[أورده الطبري 21/ 113 عن أبي، والماوردي 4/ 366 عن سفيان. ولم أقف عليه عن ابن المبارك.]].
قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد ماتوا على يقين من أمرنا [[لم أقف عليه.]].
وقال مقاتل: يعني الآيات التسع أنها من الله [["تفسير مقاتل" 85 ب.]].
32:25Page 417
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٢٥
Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ﴾ أي يقضي ويحكم. ﴿بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين كذبوا النبي -ﷺ- من بني إسرائيل [[أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 455 غير منسوب، ولم أقف عليه عن ابن عباس.]]. ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ﴾ من الدين. ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ وذلك أنهم اختلفوا، فآمن بعضهم وكفر بعضهم.
ثم خوف كفار مكة فقال:
32:26Page 417
أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ ٢٦
Has it not become clear to them how many generations We destroyed before them, [as] they walk among their dwellings? Indeed in that are signs; then do they not hear?
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: أو لم نبين لهم [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 113، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 312، "تفسير كتاب الله" لهود بن محكم 3/ 349، "مجمع البيان" 8/ 522.]].
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ وقال الفراء: (كم) في موضع رفع بـ ﴿يَهْدِ﴾، كأنك قلت: أو لم تهدهم القرون الهالكة [["معاني القرآن" 2/ 333.]].
قال أبو إسحاق: (وهذا لا يجوز عند البصريين [[في (أ): (المصريين)، وهو خطأ.]]؛ لأن لم لا تعمل ما قبل كم في كم لا يجزئ في قولك: كم رجل جاءني أن تقول: جائني كم رجل؛ لأن كم لا تزال عن الابتداء، وحقيقة هذا أن كم في موضع نصب بأهلكنا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 210.]]. وفيه تأويل الرفع كما تقول: قد تبين لي أقام زيد أم عمرو فتكون [[في (أ): (فيكون).]] الجملة مرفوعة في المعنى، كأنك قلت: تبين لي ذلك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 333.]]. وهذا القول قال في مثل هذه الآية في آخر سورة طه [آية: 128]. وقد ذكرنا تفسير الآية هناك.
قال أبوعلي: (قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ يجوز أن يكون الجملة في موضع نصب بما دل عليه قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾؛ لأنه بمنزلة أو لم يعلموا فحمله على ذلك [["المسائل الحلبيات" ص 239.]].
32:27Page 417
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ ٢٧
Have they not seen that We drive water [in clouds] to barren land and bring forth thereby crops from which their livestock eat and [they] themselves? Then do they not see?
قال مقاتل: ثم وعظهم ليحذروا [["تفسير مقاتل" 85 ب.]]. فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ﴾ قال ابن عباس: يريد السيل [[لم أقف عليه.]].
﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ قال الفراء والزجاج: هي التي لا تنبت، وفيه أربع لغات: جرز وجرز وجرز وجُرُز، ومثله الشغل والبخل، يأتي فيه اللغات الأربع [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 333، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 211.]].
وذكرنا تفسير الجرز واشتقاقه في سورة الكهف [[عند قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ آية: 8 قال هناك: وأما المجرز فقال الفراء: الأرض لا نبات فيها، يقال: جرزت الأرض فهي مجروزة، وجرزها الجراد ما عليها.]]. قال ابن عباس: يريد أرضًا باليمن ليس فيها بحار ولا أنهار، يأتيها السيل من حيث لا يعلمون، فيزرعون عليه كلما أحبوا من الحبوب [[ذكره نحوه: الطبري 21/ 115، الماوردي 4/ 367، "مجمع البيان" 8/ 523.]].
وقال مجاهد: هي أرض [[هكذا في النسخ! والصواب: الأرض.]] التي لا تنبت بالمطر إلا بما يأتيها من السيل [["تفسير مجاهد" ص 511.]].
وهذا قول أبي عبيدة قال: إنها بناحية عدن [[لم أقف عليه عن أبي عبيدة، وقد ذكره الطبري 21/ 115 أنها أرض باليمن عن ابن عباس. وأخرج أيضًا عن مجاهد أنها أبين. وهي من بلاد اليمن. وذكر الألوسي في "روح المعاني" 21/ 140، قال: أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنها قرى بين اليمن والشام، قال: وأخرج هو وابن جرير وابن المنذر وابن أبي شيبة عن ابن عباس أنها أرض باليمن.]]. وعلى هذا القول هي أرض بعينها.
قال المبرد [[انظر: قول المبرد في: "القرطبي" 14/ 110.]]: على هذا القول إنها أرض بعينها، يساق إليها الماء من غير مطر يصيبها، فيأتيها السيل من نواحي فسمى جرزًا بأن المطر لا يقع فيها. قال: وهذا القول بعيد في العربية؛ لأن حق مثل هذا لا يدخل عليه الألف واللام؛ لأنه معرفة كمكة ودمشق، وجوازه إن سميت باسم مشترك كقولك: المدينة والبصرة والكوفة فمجازها مجاز نظيرها من الأسماء، كالفعل والعباس والحارث، وسبب دخول اللام على هذه الأسماء مع كونها معارف أنها أوصاف نقلت فصارت أعلامًا، وأضمرت فيها لام التعريف على ضرب من توهم روائح الصفة فيها.
وقال السدي في هذه الآية: هي الأرض الميتة التي لا نبات لها، حتى إذا جاء الماء أنبتت ما يأكل الناس والدواب. ونحو هذا قال مقاتل [[أورده الطبري 21/ 115 عن ابن زيد، ولم أقف عليه عن السدي، وانظر: "تفسير مقاتل" 85 ب.]]. وهذا القول كان أجود؛ لأنه أشبه بنظائر هذه الآية من الاحتجاج على منكري البعث بإحياء الأرض الميتة، ولم يأت شيء منها في أرض بعينها.
وعلى هذا القول قوله: ﴿الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ يجوز أن يكون المطر ويجوز أن يكون يريد السيل.
32:28Page 417
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٨
And they say, "When will be this conquest,1 if you should be truthful?"
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعني القضي، وهو يوم البعث، يقضي الله فيه بين المؤمنين والكافرين. وقول قول قتادة ومجاهد ومقاتل، قالوا: إن المؤمنين قالوا للكافرين: إن لنا يومًا ننعم فيه ونستريح، فقالوا: متي هذا [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 116، "تفسير الماوردي" 4/ 368، "زاد المسير" 6/ 344، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 313،، تفسير مقاتل" 85 ب.]]؟ وقال السدي: هو يوم بدر، وذلك أن المسلمين قالوا لهم: لنا يوم يفتح فيه بيننا وبينكم، ينصرنا الله ويظهرنا عليكم، فقالوا: متى هذا [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 523. وذكره ابن الجوزي 6/ 345 عن السدي، قال: إنه اليوم الذي يأتيهم فيه العذاب في الدنيا.]]؟
وقال الكلبي: يعني فتح مكة [[انظر: "زاد المسير" 6/ 345. وذكره الماوردي 4/ 368 عن الفراء.]].
32:29Page 417
قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٢٩
Say, [O Muḥammad], "On the Day of Conquest the belief of those who had disbelieved will not benefit them, nor will they be reprieved."
قال الله لنبيه -عليه السلام-: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ أي الإيمان لا ينفع يوم القضاء بين الخلق. ومن قال: إنه يوم بدر، أراد لا ينفعهم الإيمان إذا جاءهم العذاب وقتلوا. ومن قال: إنه فتح مكة، قال: هذا لمن قبله [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: من قابله.]] خالد بن الوليد من بني كنانة، وهو قول الكلبي. وأضعف الأقوال هذا القول. قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي لا يؤخر العذاب عنهم.
قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾، قال ابن عباس: نسخه السيف [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 523. "تفسير القرطبي" 14/ 112، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 314، "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص381، "الناسخ والمنسوخ من كتاب الله العزيز" ص 143.]]. ﴿وَانْتَظِرْ﴾ قال: يريوإنتظر موعدي لك. قال مقاتل: يعني القتل ببدر [["تفسير مقاتل" 86 أ.]]. ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ قال ابن عباس: ينتظرون بك حوادث الأزمان [[لم أقف عليه.]]، والله أعلم بالصواب.
تم بحمد الله [وعونه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]].
(33) سورة الأحزاب
32:30Page 417
فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ٣٠
So turn away from them and wait. Indeed, they are waiting.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences