Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:10–18
33:10Page 419
إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠
[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats, and you assumed about Allāh [various] assumptions.
وقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ إذ بدل من قوله: ﴿إِذ جَاَءَتكُمْ جُنُودُ﴾، وإذ ظرف لإنعام الله عليهم، كأنه قيل: اذكروا إنعام الله عليكم بالكفاية حين جاءتكم جنود، حين جاءوكم ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾. قال المفسرون: يعني من فوق الوادي من قبل المشرق، قريظة وعليهم حيي بن أخطب، والنضير وعليهم مالك بن عوف [[لم تذكر كتب المغازي والسير هذا الاسم ضمن قواد هذه الغزوة. لكن ذكر في غزوة حنين (مالك بن عوف النصْري) كان رئيس المشركين، ثم أسلم، وكان من المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامه، واستعمله النبي -ﷺ- على من أسلم من قومه.]]، وغطفان وعليهم عيينة بن حصن ومعهم طليحة بن خويلد [[هو: طليحة بن خويلد الأسدي، يقال: طليحة الكذاب؛ لأنه ارتد بعد وفاة النبي -ﷺ- وادعى النبوة، كان من فصحاء العرب وشجعانهم، أسلم بعد ردته في زمن == عمر -رضي الله عنه-، وخرج إلى العراق فحسن بلاؤه في الفتوح، واستثهد بنهاوند. انظر: "الاستيعاب بحاشية الإصابة" 1/ 229، "الإصابة" 1/ 226، "الأعلام" 3/ 230.]] في بني أسد. وقوله: ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ يعني: من بطن الوادي من قبل المغرب من ناحية مكي، أبو سفيان في قريش ومن اتبعه [["الثعلبي" 3/ 186 وما بعدها، "تفسير الطبري" 21/ 129 وما بعدها، "القرطبي" 14/ 144.]].
وقال الكلبي على الضد مما ذكرنا فقال: من فوقكم يريد من مكة، ومن أسفل منكم يريد أسد وغطفان [[ذكره ابن كثير 3/ 474، ولم ينسبه للكلبي وإنما هو من رواية حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- في حديثه الطويل المشهور بشأن تلك الغزوة.]]. ونحو ذلك قال الفراء: من فوقكم مما يلي مكة، ومن أسفل منكم مما يلي المدينة [["معاني القرآن" 2/ 336]].
قوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ ومعنى زاغت في اللغة: عدلت ومالت، يقال: زاغت الشمس تزيغ زيوغًا وزيغانًا [[انظر: "اللسان" 8/ 432 (زيغ)، "الصحاح" 4/ 1320 (زيغ).]]، قال قتادة ومقاتل: شخصت فرقًا [["تفسير مقاتل" 2/ 232، وذكره الطبري 21/ 131، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 113 منسوبًا لقتادة.]]، والشخوص غير الزيغ؛ لأن الشخوص هو أن يفتح [عينه] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] ينظر إلى الشيء فلا يطرف؛ يقال: شخص بصر الميت [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 71 (شخص)، "اللسان" 7/ 45 (شخص).]]. وإنما فسروا الزيغ بالشخوص هاهنا. لأن المعنى أن الأبصار مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى هؤلاء الذين أقبلوا من كل جانب، كأنها اشتغلت عن النظر إلى شيء آخر فمالت عنه وشخصت بالنظر إلى الأحزاب.
قال الكلبي: مالت أبصارهم إلا من النظر إليهم [[لم أجد من نسب هذا القول للكلبي، وذكر نحوه الطرسي في "مجمع البيان" 8/ 532، ولم ينسبه لأحد، كما ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 358، ولم ينسبه لأحد.]].
وقال الفراء: زاغت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها [["معاني القرآن" 2/ 336.]]. متحيرة تنظر إلى عدوها، وهذا الذي ذكره شرح شاف.
قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ االحنجرة: جوف الحلقوم، وكذلك الحنجور. قال قتادة: شخصت من مكأنها فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 113، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 576 عنه وقال: أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. قال عكرمة: لو أن القلوب تحركت أر زالت لخرجت نفسه، ولكن إنما هو الفزع [["تفسير الطبري" 21/ 131، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 576 عنه، وقال: أخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر.]].
قال ابن قتيبة: معناه وكادت القلوب تبلغ الحناجر [["تفسير غريب القرآن" ص 348.]]. و (كاد) مضمر في الآية.
قال ابن الأنباري: وهو غلط؛ لأن كاد لا يضمر ولا يعرف معناه إذا لم يوجد مظهر [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 358 عن ابن الأنباري.]]. فإنه ولو جاز هذا لجاز: قام عبد الله بمعنى كاد عبد الله يقوم، فيكون تأويل قام عبد الله لم يقم عبد الله، والمعنى ما ذهب إليه الفراء، وهو أنهم جبنوا وجزع أكثرهم. وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته، فإذا انتفخت دفعت القلب إلى الحنجرة، ولهذا يقال للجبان: انتفخ سحره [[ذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 517. ونسبه للفراء، وذكره الواحدي في "الوسيط" 3/ 461.]]، وهذا الذي ذكره الفراء وهو قول الكلبي، قال: رفعت الرئة القلب وانتفخت حتى صارت عند الحنجرة فلم ترجع [["معاني القرآن" للفراء 2/ 336 مع اختلاف في العبارة.]] ولم تخرج.
قال أبو سعيد: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقوله: فقد بلغت القلوب الحناجر. قال: فقولوا: "اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا". قال: فقلناها فضرب وجوه أعداء الله بالريح فهزموا [[أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 3/ 3، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 573، وعزاه لأحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري.]].
وقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ قال ابن عباس: يريد خفتم كثرتهم حتى قنطتم، وكان الله لكم ناصرًا [[لم أقف عليه.]].
وقال مقاتل: يعني الإياس من النصر واختلاف الأمر والنهي [["تفسير مقاتل" 88 ب.]] أن ظنونكم اختلفت، فظن بعضكم بالله النصر ورجاء الظفر والكفاية، وبعض يئس وقنط. وقال الكلبي: ظن به يومئذ ناس من المنافقين ظنونًا مختلفة، يقولون: هلك محمد وأصحابه [[ذكر هذا القول البغوي في "تفسيره" 3/ 516 غير منسوب لأحد، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 532 غير منسوب لأحد.]]. فعلى القول الأول (تظنون) خطاب للمؤمنين، وعلى قول الكلبي خطاب للمنافقين، والمؤمنون كانوا واثقين بنصر الله ووعده بالنصر لدينه ورسوله.
وقال الحسن: ظنونًا مختلفة، ظن المنافقون أنه يستأصل، وظن المؤمنون أنه ينصر [[انظر: "تفسير الطبري" (21/ 132)، "الماوردي" 4/ 380، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 577، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن.]].
الظونا والرسولا والسبيلا: ثلاثة أوجه من القراءة؛ إثبات ألفاتها وقفا ووصلا، وحذفها في الحالين، وإثباتها في حال الوقف وحذفها في الوصل. قال أبو الحسن الأخفش: العرب تلحق الواو والياء والألف في أواخر القوافي، فشبهت أواخر الآي بالقوافي [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 480، وانظر: "علل القراءات" 2/ 535، "الحجة في القراءات السبع" ص 289.]].
وقال أبو علي: أواخر الآي تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع، كما كانت القوافي مقاطع فكما ثبتت قوله: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: 15] ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 16] في حذف الياء بنحو:
من حذف [[هكذا في النسخ، وهو خطأ والصواب حذر.]] الموت أن يأتين
و:
إذا ما انتسبت له أنكرن [[عجزا بيتين من المتقارب للأعشى، والبيتان هما:
فهل يمنعني ارتيادي البلاد ... من حذر الموت أن ياتين
ومن شأني كاسفٍ وجهه ... إذا ما انتسبت له أنكرن
وهما من قصيدة طويلة يمدح بها قيس بن معد يكرب الكندي في: "ديوانه" ص 15، "الحجة" لأبي علي 3/ 219، "الكتاب" 2/ 151 - 290.]]
كذلك تشبه في إثبات الألف بالقوافي) [["الحجة" 5/ 469.]]. نحو قوله: أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت لقد أصابا [[البيت من الوافر، مطلع قصيدة لجرير في "ديوانه" 2/ 813، "خزانة الأدب" 1/ 69، "الخصائص" 2/ 106، "الكتاب" 4/ 205.
والشاهد فيه: إجراء المنصوب المقرون بالألف واللام مجرى غير المقرون بها في ثبات الألف لوصل القافية؛ لأن المنون وغير المنون في القوافي سواء.]]
قال أبو الفتح الموصلي: هذه الألف لإشباع الفتحة للقافية، وكذلك الواو لإشباع الضمة في القافية، والياء لإشباع الكسرة [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 471، 677، 726.]].
فمن أثبت في الوقف دون الوصل، وهو اختيار أبي عبيد [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 459، "تفسير القرطبي" 14/ 145. تقدم في سورة الأنفال.]] قال: العرب تثبت هذه الألفات في قوافي أشعارهم ومصاريفها؛ لأنها مواضع قطع وسكت، فتعمد الوقوف على هذه الألفات موافقة للخط، وإذا وصلت حذفت كما تحذف [[في (أ) جاء الكلام هكذا: كما تحذف [الكسر، فمن أثبت في الوقف دون الوصل دون الوصل] غيرها مما يثبت وهي زيادة خطأ.]] غيرها مما يثبت في الوقف، نحو التشديد الذي يلحق الحرف الموقوف عليه، قال أبو عبيد: وأكره أن يثبتها مع إدماج القراءة؛ لأنه خروج من العربية [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 145.]] لما يعد هذا عندهم جائزًا في اضطرار ولا غيره، وأما من أثبت في الوصل فوجهه أنها في المصحف ثابتة، وإذا أثبتت [[في (ب): (أثبت).]] في الخط فينبغي [[في (ب): (ينبغي).]] ألا تحذف كما لا تحذف هاء الوقف من (حسابيه) (وكتابيه) وأن يجري مجرى الموقوف عليها كما يثبت ذلك في القوافي في الوصل، وهي لغة أهل الحجاز فيما حكاه أبو الحسن) [[إلى هنا من "الحجة" 5/ 470.]]. قال [[انظر قول الأخفش في: "الخصائص" 2/ 97، ولم أقف عليه في "معانيه".]]: إنهم يثبتون الألف والواو والياء التي تلحق القوافي في الوصل، ولا ينونون كما ينونون من وصل: أقلي اللوم عاذلي والعتابن.
وإذا كان كذلك فثباتها في الفواصل كما ثبتت في القوافي حسن، وأما من طرحها في الحالين فإنه لم يعتد بها ولم يشبه [المنثور بالمنظوم] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] وفيه مخالفة لخط المصحف [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 132، "الحجة" 5/ 468، "الحجة في القراءات السبع" ص 289، "البحر المحيط" 8/ 458، "الدر المصون" 9/ 98.]].
33:11Page 419
هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١
There the believers were tested and shaken with a severe shaking.
قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ﴾ يقال: هنا للقريب من المكان، وهنالك للبعيد، وهناك للوسيط بين القريب والبعيد، وسبيله سبيل ذا وذلك وذاك، وذكرنا فيما تقدم [[عند قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)﴾. آية 38.]] أن هنالك يجوز أن يشار به إلى المكان وإلى الوقت، والمراد بقوله (هنالك) في هذا الموضع الإشارة إلى الوقت الذي تقدم ذكره، وهو قوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾. قال مقاتل: يعني عند ذلك [["تفسير مقاتل" 88 ب.]]. وقال أبو إسحاق: أي في ذلك المكان [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 219 مع اختلاف في العبارة.]].
وقوله: ﴿ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قال الفراء والزجاج: اختبروا [["معاني القرآن" 2/ 336، "معاني القرآن وإعرابه للزجاج" 4/ 219.]]. وقال مجاهد: محصوا [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 132، "معاني القرآن الكريم" للنحاس 5/ 330.]]. أي: ليتبين المخلص من المنافق؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: 141] وقد مر، قال مقاتل: ابتلي المؤمنون بالقتال والحصر [["تفسير مقاتل" 88 ب.]].
وقال عطاء: بالجزع [[لم أعثر على من ذكر هذا القول من المفسرين.]].
قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ أي: أزعجوا وحركوا، يقال: زل فلان عن مكانه وزلزله غيره. ﴿زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾، قال أبو إسحاق: ويجوز فتح الزاي والمصدر من المضاعف يجيء على فعلال وفعلال نحو: قلقلته قلقالًا وقلقالًا والكسر أجود؛ لأن غير المضاعف من هذا البناء مكسور الأول نحو: دحرجته دحراجًا، لا يجوز فيه غير الكسر [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 218 مع اختلاف في العبارة.]].
وقال الفراء: الزلزال بالكسر المصدر وبالفتح الاسم، وكذلك الوِسواس والوَسواس [["معاني القرآن" 3/ 283.]]. قال الكلبي ومقاتل: جهدوا جهدًا شديدًا [["تفسير مقاتل" 88 ب، ولم أجد من نسب القول للكلبي.]].
وقال عبد الله بن مسلم: أي شدد عليهم وهول [["تفسير غريب القرآن" ص 348.]]. والزلزال: الشدة والزلزال: الشدائد، وأصلها من التحريك.
وقال أبو إسحاق: (أزعجوا إزعاجًا شديدًا) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 219.]]. والمعنى أن من كان بصدد ما يخاف ويحذر لم يستقر على مكانة، بل يكون منزعجًا مضطربًا متحركًا، وهذه الآية إخبار عن ابتلائهم بالشدة والخوف ليظهر الصابر من الجازع والمؤمن من الشاك، ألا ترى كيف ظهر نفاق المنافقين، حيث أخبر عنهم بقوله:
33:12Page 419
وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢
And [remember] when the hypocrites and those in whose hearts is disease said, "Allāh and His Messenger did not promise us except delusion,"
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾. قال الزجاج: موضع (إذ) نصب، المعنى: واذكر إذ يقول المنافقون [[المرجع السابق.]].
قال ابن عباس: يعني أوس بن قبطي [[هو: أوس بن قبطي بن عمرو بن زيد بن جشم الأنصاري الأوسي، شهد أحدًا مع الرسول -ﷺ- يقال: إنه كان منافقًا، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾
انظر: "الاستيعاب بهامش الإصابة" 1/ 55، و"الإصابة" 1/ 98، "أسد الغابة" 1/ 148.]] ومعتب بن بشير [[هو: معثب بن بشير، ويقال بن قشير الأوسي الأنصاري، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا. وقال ابن هشام بأنه ليس من المنافقين. وقيل: إنه تاب مما قاله يوم أحد. انظر: "الاستيعاب" 3/ 442، "الإصابة" 3/ 422، "أسد الغابة" 4/ 394.]] وطعمه بن أبيرق وسهل بن الحارث [[لم أقف له على ترجمة]] ووداعة [[لم أقف له على ترجمة.]] وعبد الله بن أبي، وعدة نحوًا من سبعين رجلاً، قالوا يوم الخندق: إن محمدًا يعدنا أن يفتح مدائن كسرى وقيصر واليمن، ونحن لا نأمن أن نذهب [[في (ب): (يذهب)، وهو خطأ.]] إلى الخلاء [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 462 دون تسمية المنافقين.]].
وقوله تعالى: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. قال قتادة: قال أناس من المنافقين: يعدنا محمدًا [[هكذا في جميع النسخ! والصواب: محمدث لأنها فاعل.]] أن يفتح [[في (أ): زيادة: (يعدنا محمدًا قصور اليمن وفارس والروم ولا يستطيع أحدنا أن يبرز إلى [ثم وضع نقط هكذا] أن يفتح قصور الشام وفارس)، وهو خطأ.]] قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله [[انظر: "تفسير ابن جرير" 21/ 133، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 577 وقال: أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.]].
وقال مقاتل: قال معتب: يعدنا محمد قصور اليمن وفارس والروم، ولا يستطيع أحدنا أن يبرز إلى الخلاء، هذا والله هو الغرور [["تفسير مقاتل" 88 ب.]].
وقال محمد بن إسحاق عن أشياخه: قال معتب أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن يأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لايقدر يذهب إلى الغائط [[انظر "تفسير الطبري" 21/ 133 ونسب القول لقتادة ولمجاهد، وذكر السيوطي في "الدر" 6/ 577، وعزاه لابن أبي حاتم عن قتادة والسدي.]].
33:13Page 419
وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣
And when a faction of them said, "O people of Yathrib,1 there is no stability for you [here], so return [home]." And a party of them asked permission of the Prophet, saying, "Indeed, our houses are exposed [i.e., unprotected]," while they were not exposed. They did not intend except to flee.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يعني: من المنافقين، قال بعضهم لبعض: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ في عسكر رسول الله -ﷺ- ليس لكم به موضع إقامة. قال مقاتل: هم بنو سالم من المنافقين [["تفسير مقاتل" 89 أ.]]. وقال السدي: يعني عبد الله بن أبي وأصحابه [[انظر: "الكشاف" 3/ 230، "زاد المسير" 6/ 359، "تفسير الماوردي" 4/ 381.]].
وقال ابن عباس: قالت اليهود للمنافقين: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 148.]]. قال أبو عبيدة: يثرب اسم أرض المدينة، ومدينة الرسول -عليه السلام- في ناصية منها، وأنشد لحسان مما قاله في الجاهلية [[البيت من الطويل، وهو لحسان في "ديوانه" ص 369. "مجاز القرآن" 2/ 134.]]:
سأهدي لها في كل عام قصيدة ... وأقعد مكفيا بيثرب مكرما
وروي أن النبي -ﷺ- نهى أن يقال للمدينة: يثرب، وسماها طيبة [[أخرج الإمام أحمد في "مسنده" 4/ 285 عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة هي طابة هي طابة" وذكره ابن كثير في "التفسير" 5/ 343، وقال: تفرد به الإمام أحمد، وهو ضعيف.]] كأنه كره ذكر الثرب؛ لأنه فساد في كلام العرب، يقال: شرب وأثرب وثرب إذا وسخ وأفسد [[نظر: "اللسان" 1/ 234 (ثرب).]]. ذكرنا ذلك في قوله ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: 92].
قوله: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾. قال أبو إسحاق: لا مكان لكم تقيمون فيه [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 219.]]. والمقام اسم الموضع، يقال: مقام إبراهيم، ومنه قيل للمجلس والمشهد: مقام ومقامة. قال الله تعالى: ﴿وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء 58، الدخان:26]. قال الشاعر:
فأيي ما وأيك [[في (ب): (ما واك).]] كان شرًّا ... فقيد إلى المقامة لا يراها [[البيت من الوافر، وهو للعباس بن مرداس في "ديوانه" ص 148، "خزانة الأدب" 4/ 367، "الكتاب" 2/ 402، "لسان العرب" 12/ 506، "الحجة" 5/ 471.
المقامة: بالضمة المجلس وجماعة الناس، والمراد: أعماه الله حتى صار يقاد إلى مجلسه.]]
ودخلت التاء كما دخلت على المنزلة والمقامة، والمقامة موضع ثواء ولبث.
وقرأ عاصم: لا مقام لكم بضم الميم [["الحجة" 5/ 471، "الكشف عن وجوه السبع وعللها وحججها" 2/ 195.]].
قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 337.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 219.]]: من ضم الميم كان المعنى: لا إقامة لكم، يقال: أقمت إقامة ومقامًا.
وقال أبو علي: يجوز في قول من ضم الميم أن يكون المعنى: لا موضع إقامة لكم، وهذا أشبه؛ لأنه في معنى من فتح، يقال: لا مقام لكم [["الحجة" 5/ 471.]]. والمقام بضم الميم يكون [[في (ب): زيادة: (يكون المعنى لا موضع)، وهو خطأ.]] مصدرًا ويكون اسمًا لموضع الإقامة.
وقوله: ﴿فَارْجِعُوا﴾ قال المفسرون: أي إلى المدينة، وذلك أن رسول الله -ﷺ- والمسلمون خرجوا عام الخندق حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع والخندق بينه وبين القوم، فقال هؤلاء الذين يثبطون الناس عن رسول الله -ﷺ-: ليس لكم هاهنا موضع إقامة؛ لكثرة العدد وغلبة الأحزاب، فارجعوا إلى المدينة [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 135، "تفسير الماوردي" 4/ 382، "مجمع البيان" 8/ 545، "زاد المسير" 6/ 360.]].
قوله -عز وجل-: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ أي: في الرجوع إلى المدينة. قال مقاتل: وهم بنو حارثة وبنو سلمة قالوا للنبي -ﷺ- إن بيوتنا عورة [["تفسير مقاتل" 89 أ.]].
قال الليث: العورة سوأة الإنسان وكل أمر يستحي [[في (أ): (يستحق)، وعلق في الهامش: يستحي.]] منه فهو عورة، والنساء عورة، والعورة في التفود وفي الحروب: خلل تخوف منه القتل.
قوله: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾: أي ليست بحريزة. ويقال في التذكير [[في (ب): (بالتذكير).]] والتأنيث والجمع عورة لمصدر [["تهذيب اللغة" 3/ 173 (عار).]]. قال الزجاج: يقال: عور المكان يور عورا وعورة فهو عور، وبيوت عورة، وعورة على ضربين فمن سكن كان المعنى: ذات عورة) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 220 مع اختلاف يسير.]].
قال الفراء: يقال: أعور منزلك إذا بدت منه عورة، وأعور الفارس اذا كان فيه موضع خلل للضرب، وأنشد:
له الشدة الأولى إذا القرن [[في (ب): (القرآن)، وهو خطأ.]] أعورا [["معاني القرآن" 2/ 337.
وهذا شطر بيت لم أهتد إلى تمامه وقائله. قال الفراء: أنشدني أبو ثروان، وفي "تهذيب اللغة" 3/ 172، و"اللسان" 4/ 617 (عور) وقال: إنه في وصف أسد.]] ..
وقال ابن قتيبة: أصل العورة ما ذهب عنه الستر والحفظ، وكأن الرجال ستر وحفظ للبيوت، فإذا ذهبوا عنها أعورت البيوت، تقول العرب: أعور منزلك إذا ذهب سترها وسقط جدارها، وأعور الفارس إذا بدا فيه موضع خلل للضرب والطعن [["تفسير غريب القرآن" ص 348.]].
قال مجاهد والحسن ومقاتل: قالوا: بيوتنا ضائعة [[طمس في (ب).]] نخشى عليها السرق [[انظر: "تفسير الطبري" 11/ 1361، "تفسير مقاتل" 2/ 272، "مجمع البيان" للطبرسي 8/ 545.]].
وقال قتادة: قالوا: بيوتنا مما يلي العدو، ولا نأمن على أهالينا [[انظر: "تفسير الطبري" 11/ 136، "مجمع البيان للطبرسي" 8/ 545.]].
وقال الكلبي: بيوتنا عورة أي خلاء [[في (أ): (خال)، وهو خطأ.]] يعني من الرجال [["تفسير الماوردي" 4/ 383.]].
وقال أبو إسحاق: فكذبهم الله وأعلم أن قصدهم الهرب والفرار [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 219.]] فقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ قال مقاتل: ما يريدون إلا فرارًا من القتال ونصرة النبي -ﷺ- [["تفسير مقاتل" 89 أ.]].
33:14Page 419
وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا ١٤
And if they had been entered upon from all its [surrounding] regions and fitnah [i.e., disbelief] had been demanded of them, they would have done it and not hesitated over it except briefly.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾. قال مقاتل والفراء: لو دخلت عليهم المدينة [["تفسير مقاتل" 89 أ، "معاني القرآن" للفراء 2/ 337.]].
وقال الزجاج: لو دخلت البيوت [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 220.]]. يعني: لو دخلها عليهم هؤلاء الذين يريدون القتال وهم الأحزاب من أقطارها من نواحيها، واحدها قطر، والقطر والفتر الجانب الواحد والناحية.
قوله: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ يعني: الشرك في قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 136، "معاني القرآن" للفراء 2/ 337، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 333، "زاد المسير" 6/ 361.]].
وقال الزجاج: أي قيل لهم: كونوا على المسلمين مظهرين الفتنة لفعلوا ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 220.]].
قال ابن عباس ومقاتل: يقول الله لو أن الأحزاب دخلوا المدينة ثم أمروهم بالشرك لأشركوا [[انظر: "مجمع البيان" للطبرسي 8/ 545. "تفسير ابن عباس" ص 351، "تفسير مقاتل" 89 أ.]].
وقال الكلبي [[لم أقف على قول الكلبي.]]: يقول لو دخل عليهم من أطراف المدينة الخيل والرجال، ثم دعوهم إلى الشرك بالله لأعطوا ذلك وهو قوله: ﴿لَآتَوْهَا﴾ أي: لما امتنعوا منها. وقرأ الحجازيون: لأتوها قصرًا أي: لفعلوها [[انظر: كتاب "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها" 2/ 196.]].
قال الفراء: من قولك: أتيت الشيء إذا فعلته، تقول: أتيت الخير أي فعلت الخير، والمعنى: ثم سئلوا فعل الفتنة لفعلوها [[لم أقف على قول الفراء في معاني القرآن له، ولا فيما لدي من مراجع.]].
وقال الزجاج: من قرأ بالقصر كان المعنى لقصدوها [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 220.]]. والاختيار المد؛ لقوله: سئلوا، فالإعطاء مع السؤال حسن. قاله الفراء وأبو علي [["معاني القرآن" 2/ 337، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 472.]].
وقال أبو عبيد [[لم أقف على قول أبي عبيد.]] قد جاءت الآثار في الذين كانوا يفتنون بالتعذيب في الله أنهم أعطوا ما سألهم المشركون غير بلال، وليس في شيء من الحديث أنهم جاءوا ما سألوهم، ففي هذا اعتبار للمد.
قال أهل المعاني: هذا إخبار عن ظهور فضيحتهم وعدم نصرتهم عند وقوع الشدة بإبداء المكتوم وإعطاء الفتنة وإظهار الردة [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 334، للفراء 2/ 337، للزجاج 4/ 220.]].
قوله: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ قال ابن عباس: لم يلبثوا باعطاء الشرك إلا يسيرًا [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 545، "تفسير ابن عباس" ص 351.]].
وقال مقاتل: وما أحسوا من الشرك إلا قليلاً حتى يعطوها طائعين [["تفسير مقاتل" 89أ.]].
وقال قتادة: وما أحبسوا من الإجابة إلى الكفر إلا قليلاً، وهذا قول أكثر المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 11/ 136، "مجمع البيان" 8/ 545، "زاد المسير" 6/ 361.]].
وقال السدي: وما تلبثوا بها أي: بالمدينة إلا يسيرًا بعد إعطاء الكفر حتى يهلكوا [[انظر: "زاد المسير" 6/ 362، "تفسير القرطبي" 14/ 150.]].
وقال الحسن: وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلاً حتى يعذبوا. وهذا القول اختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 337.]] وابن قتيبة [["غريب القرآن" ص 349. وانظر: "مجمع البيان" 8/ 545، "القرطبي" 14/ 150.]]. والكناية في (بها) على القول الأول تعود إلى الفتنة، يقال: تلبث بالشيء تربص به إذا آخره ومنعه. وعلى القول الثاني يعود إلى المدينة، وهي مذكورة في قوله: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾. وروى عطاء عن ابن عباس قولًا ثالثًا فقال: يريد لم يقيموا مع النبي -ﷺ- في حرب ولا دين [[لم أقف عليه.]]. وعلى هذا قوله: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا﴾ ابتداء إخبار عنهم أنهم لم يقيموا هناك، ورجعوا إلى بيوتهم وليس عطفًا على ما قبله، والكناية في (بها) تعود إلى غير مذكور على تقدير: وما تلبثوا بالمعركة، وبالمقامة [[في (ب): (ولا بالمقامة).]]، وهذا أضعف الأقوال.
وذكر أبو علي هذه الآية في "المسائل الحلبية" فقال: (من قرأ: لآتوها بالمد فلمكان المسألة، كأنه لو سئلوا لأعطوها ولأتوها من الإتيان حسن؛ لأن قوله: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ دليل على أنهم يسألون النبي -ﷺ- ترك الإتيان والوقوف معه، فكان المعنى: ويستأذن فريق منهم النبي في أن لا يأتوه لاشتغالهم بحفظ بيوتهم المعورة في زعمهم.
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ أي: لو بلغت البيوت في أعوارها أن دخل عليهم من جوانبها كلها لفرط عوارها، ثم سئلوا معونة العدو على المسلمين، لأتوها وأسرعوا إليها ولم يعتلوا عليهم بأن بيوتهم معورة كما اعتلوا به في تأخرهم عن النبي -ﷺ- والمسلمين ونصرهم، فالمعنى: يستأذنون النبي في أن يقعدوا عنه ولم يأتوه، وهم يأتون العدو لينصروهم ويعينوهم على المسلمين لو سألوهم، فالقراءة بالقصر أشكل بما قبله وما بعده [[(ما) ساقطة من (أ).]]. ألا ترى أن بعدها: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ومن قرأ بالمد فهو راجع إلى هذا؛ لأن إعطاء الفتنة هو راجع إلى هذا؛ لأن إعطاءهم الفتنة معونتهم على المسلمين وإتيانهم العدو ناصرين [[في (ب): (قاصدين).]]. فأتوها بالقصر أشد إبانة للمعنى المراد بهذه الآية، فالمعنى قريب من قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: في نصرتهم وهذا مثل قوله: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ لأن في الموضعين دلالة على المعونة على المسلمين وعلى أنهم غير مسافلين [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: متثاقلين.]].
وقوله: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ يقرب من قوله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ لآية، إلا أنهم في هذه الآية كأنهم أشد يأسًا من [[هكذا هي في جميع النسخ! وفي "المسائل الحلبيات" في.]] النصرة لقطعهم على أن ما وعد الله والرسول به غرور، ويجتمعان في الإخبار عنهم بأن قلوبهم لم تثلج بالإيمان ولم تسكن إلى قول الرسول والإيمان والقرآن وما اجترءوا [[هكذا في جميع النسخ! وفي "المسائل الحلبيات": (ما أخبروا به)، وهو الصواب.]] به من الظفر ووعدوا به من الفتح والنصر في قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33، الفتح: 28، الصف: 9]) [["المسائل الحلبيات" ص 360 - 362 مع اختلاف يسير في العبارة.]]، وقوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56]، وقوله: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ أي: تلبثوا بدورهم إلا زمانًا قليلًا حتى يأتوا العدو ناصرين لهم عليكم، ويجوز أن يكون المعنى: لو أتوا العدو ناصرين لهم ومظهرين ما هم مبطنون لاستؤصلوا بالسيوف ويغلبوا كما غلب العدو، ونزل بهم من العذاب ما يهلكهم إذا باينوكم في الدار. ثم ذكرهم الله تعالى عهدهم مع النبي -ﷺ- بالثبات في المواطن فقال:
33:15Page 419
وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا ١٥
And they had already promised Allāh before not to turn their backs [i.e., flee]. And ever is the promise to Allāh [that about which one will be] questioned.
﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل الخندق أن لا ينهزموا ولا يولون العدو ظهورهم. وقوله: ﴿لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ أراد عاهدوا أن لا يولون فلما حذف (أن) عاد الفعل إلى الرفع كقول طرفة:
ألا أيُّهذا الزاجري أحضر الوغا [[صدر بيت من الطويل، وعجزه:
وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي.
وهو لطرفة في "ديوانه" ص 32، "خزانة الأدب" 1/ 119، "الإنصاف" 2/ 560، "سر صناعة الإعراب" 1/ 285.
والشاهد فيه: قوله: أحضر، حيث روي بالرفع على حذف أن الناصبة وارتفاع الفعل بعدها، وروي بالنصب بإضمار أن.]]
البيت.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أي عنه، فحذف للعلم به، كقوله في سورة بني إسرائيل: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]، وقد مر.
وقال صاحب "النظم": معنى مسئولًا هاهنا مطلوبًا بمعنى مطالبًا به ممن صنعه، كما تقول: أسألك حقي أي: أطالبك حقي، أخبر الله تعالى أنهم يسألون في الآخرة عن عهدهم.
33:16Page 420
قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذٗا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٦
Say, [O Muḥammad], "Never will fleeing benefit you if you should flee from death or killing; and then [if you did], you would not be given enjoyment [of life] except for a little."
ثم أخبر أنهم إن جبنوا عن العرب وخذلوا النبي -ﷺ- وأصحابه حرصًا على الحياة، وخوفًا من الموت لم ينفعهم ذلك، فقال قوله: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ قال ابن عباس: لأن المراد إذا حضر أجله مات أو قتل [[انظر: "الوسيط" 3/ 463، ولم أجد من نسب هذا القول لابن عباس غير الواحدي.]].
قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: لا يمتعون في الدنيا بعد الفرار إن فررتم إلا مدة آجالكم. قال الربع بن خيثم [[هو: الإمام العابد أبو يزيد الربيع بن خيثم الثوري الكوفي، أدرك زمان النبي -ﷺ- وأرسل عنه، وكان يعد من عقلاء الرجال، روى عن عبد الله بن مسعود، وأبي أيوب الأنصاري وغيرهما، وعنه روى الشعبي والنخعي ومنذر الثوري وغيرهم، توفي رحمه الله قبل سنة 65 هـ
انظر: "الطبقات الكبرى" 6/ 182، "حلية الأولياء" 2/ 105، "السير" 4/ 258.]]: القليل ما بينهم وبين الأجل [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 138، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3121، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 560، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر.]].
وقال الكلبي: تمتعون إلى آجالكم، وهو القليل؛ لأن كل ما هو آت قريب [[لم أقف عليه عن الكلبي، وأورده القرطبي 14/ 151، ولم ينسبه.]].
33:17Page 420
قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةٗۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧
Say, "Who is it that can protect you from Allāh1 if He intends for you an ill or intends for you a mercy?" And they will not find for themselves besides Allāh any protector or any helper.
ثم أخبر أن ما قدر عليهم وأراده بهم لم يدفع عنهم بقوله: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يجيركم ويمنعكم منه. ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾ قال الكلبي: هلاكًا [[لم أقف على هذا القول.]]. وقال مقاتل: يعني الهزيمة [["تفسير مقاتل" 89 ب.]]. ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ قال: يعني: خير، وهو النصر [[المرجع السابق.]]. وقال الكلبي: هي العافية [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 420.]]. هذا كله أمر للنبي -ﷺ- أن يخاطبهم بهذه الأشياء، ثم يخبر عنهم مؤكدًا لما سبق بقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني قريبًا ينفعهم ولا ناصرًا ينصرهم [["تفسير مقاتل" 89 ب، ولم أقف على من نسبه لابن عباس.]].
33:18Page 420
۞ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا ١٨
Already Allāh knows the hinderers1 among you and those [hypocrites] who say to their brothers, "Come to us,"2 and do not go to battle, except for a few,3
قوله ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ العوق والاعتياق والتعويق بمعنى، يقال: عاقه واعتاقه وعوقه إذا صرفه عن الوجه الذي يريده، والتعويق: ترغيب الناس عن الخير، ورجل عوقة: يعوق الناس عن الخير. قال المفسرون: هؤلاء قوم من المنافقين كانوا يثبطون أنصار النبي -ﷺ-، وذلك أنهم قالوا: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحماً لألهتهم [[هكذا في النسخ! والصحيح: لالتقمهم.]] أبو سفيان وحزبه، فخلوهم وتعالوا إلينا. وهذا قول ابن عباس وقتادة [[انظر: "تفسير مقاتل" 89 ب، "تفسير البغوي" 3/ 517، "الجامع لأحكام القرآن" 14/ 151، وقد نسبه لمقاتل وقتادة وغيرهما، ولم أجد من نسبه لابن عباس.]]. [والقائلين في هذا القول هم المعوقون.
وقال مقاتل: (المعوقين) هم المنافقون، عبد الله بن أبي وأصحابه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، وكتب بالهامش.]] و (القائلين) هم اليهود، وذلك أن اليهود أرسلوا إلى المنافقين أيام الخندق فقالوا: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بأيدي أبي سفيان ومن معه، فإنهم إن قدروا عليكم هذه المرة ما استبقوا منكم أحدًا، وإنا نشفق عليكم؛ فإنكم إخواننا ونحن جيرانكم هلم إلينا، فأقبل المنافقون على المؤمنين يعوقونهم ويخوفونهم بأبي سفيان ومن معه، فذلك قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ يعني: المنافقين، ويعلم (القائلين لإخوانهم) يعني اليهود حين دعوا إخوانهم المنافقين: (هلم إلينا) [["تفسير مقاتل" 89 ب.]]. وذكرنا الكلام في (هلم) في سورة الأنعام [[عند قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ الآية: 150.]].
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: لا يحضرون القتال في سبيل الله، قاله ابن عباس وغيره [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 351، وبه قال قتادة. انظر: "تفسير الطبري" 21/ 139، "تفسير الماوردي" 4/ 385.]]. (إلا قليلاً). قال الكلبي ومقاتل: إلا رياء وسمعة من غير احتساب، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرًا [["تفسير مقاتل" 90 أ، ولم أجد من نسبه للكلبي، ونسبه الماوردي للسدي 4/ 385.]]، وهذا كقوله في صفتهم أيضًا: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142].
وقال أبو إسحاق: (لا يأتون العرب مع أصحاب النبي -ﷺ- إلا تعذيرًا يوهمونهم أنهم معهم).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences