Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Ahzab · 33:58–73

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:58–73

33:58Page 426

وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٥٨

And those who harm believing men and believing women for [something] other than what they have earned [i.e., deserved] have certainly borne upon themselves a slander and manifest sin.

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ قال مجاهد: يقضون فيهم بعد ما علموا، يعني: يرمونهم بما ليس فيهم [["تفسير مجاهد" ص 520 ومعنى يقضون: يقذفونهم ويتهمونهم بالفجور.]]. وروي أن رجلَّا شتم علقمة فقرأ هذه الآية [[انظر: "الوسيط" 3/ 482.]].

وقال قتادة والحسن: إياكم وأذى المؤمن فإن الله يغضب له [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 45، وابن أبي حاتم 10/ 3152 كلاهما عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 657 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة والواحدي في "الوسيط" 3/ 482 ونسبه لقتادة والحسن والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 580 عن قتادة والحسن.]].

واختلفوا في سبب نزوله، فقال عطاء عن ابن عباس: رأى عمر -رضي الله عنه- جارية من الأنصار متبرجة فضربها وكره ما رأى من زينتها، فذهبت إلى أهلها تشكو عمر، فخرجوا إليه فآذوه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يريد عمر بن الخطاب [[انظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 207، و"تفسير زاد المسير" 6/ 421.]].

وقال مقاتل: نزلت في علي بن أبي طالب وذلك أن نفرًا من المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه [[انظر: "تفسير مقاتل" 95 أ، "تفسير الماوردي" 4/ 423.]].

وقال السدي والكلبي: نزلت في أهل الفسق والفجور كانوا يتبعون الإماء بالمدينة يفجرون بهن فكانت المرأة من نساء المؤمنين تبرز للحاجة، فيتعرض لها بعض الفجار يرى أنها أمة وكان الزي واحداً فتصيح به، فيذهب، فشكا المسلمون ذلك إلى رسول الله -ﷺ- فأنزل الله هذه الآية [[انظر: "الماوردي" (4/ 423) عن الكلبي، "مجمع البيان" 8/ 580، "تفسير زاد المسير" 6/ 4219.]].

33:59Page 426

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٩

O Prophet, tell your wives and your daughters and the women of the believers to bring down over themselves [part] of their outer garments.1 That is more suitable that they will be known2 and not be abused. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.3

ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء في الزي بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع الجلباب يعني ملاءة المرأة التي تشتمل بها [[انظر: "اللسان" 1/ 272 (جلب)، "مقاييس اللغة" (470) (حلب).]].

وذكرنا تفسير الجلباب في سورة النور [النور: 30 - 31]، قال المفسرون في قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يغطين رءوسهن ووجوههن إلا عينًا واحدة، فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن بأذى من قول وهو قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [[(أدنى) مكررة في (ب) وهو خطأ.]] هذا قول ابن عباس وابن سيرين [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 46، "ابن أبي حاتم" 10/ 3154، عن ابن عباس، "مجمع البيان" 8/ 580، ذكره السيوطي في "الدر" 6/ 659، وزاد نسبته لابن مردويه عن ابن عباس، وذكره الفراء في "معاني القرآن" 2/ 349.]].

قال أصحابنا: الحكم في الحرة إذا برزت لحاجة أن تلتحف حتى لا يرى منها سوى الصحيحين، وأما الأمة فإنها أيضًا يأمرها بالستر والتقنع وإن كانت لا تؤمر في ذلك الزمان. كما روى أن عمر -رضي الله عنه- أنكر على أمة رآها متقنعه [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 244، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 660 وعزاه لابن أبي شيبة عن أبي قلابة ولابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أنس.]]. ويجوز تغير الحكم في الأزمنة بتغير أهلها ألا ترى أن أصحاب رسول الله -ﷺ- منعوا النساء المساجد بعد وفاة رسول الله -ﷺ- مع قوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" [[أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 16 - 36 - 438 - 475، 6/ 69، والدارمي في "سننه" كتاب الصلاة، باب النهي عن منع النساء من المساجد 2/ 293.]] [[قول المؤلف -رحمه الله- إن الفتوى تتغير الزمان هذا فيما يكون من الأحكام مبنيًّا على عادة النساء وعرفهم ومن المعلوم أن الشرع المطهر أوجب ملاحظة العرف والعادة عند تطبيق الأحكام ولذلك فمما يجب على المجتهد المفتي أن يكون مطلعًا على أحوال الناس عارفًا لمجاري كلامهم في عقودهم ومعاملاتهم فتكون فتواه على حسب ذلك.

ومن هنا تتغير الفتوى حسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال. يقول القرافي رحمه الله فيما نقله عنه د/ عبد الله التركي في "أصول مذهب الإمام أحمد" ص 664: " إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع، وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة. اهـ

وليس معنى هذا أن أحكام الشريعة ونصوصها تتغير بل أن تغير الفتوى بتغير الزمان أو المكان أو حالة الناس هو تطبيق صحيح لأحكام الشريعة ونصوصها ذلك أن الشارع الحكيم جعل تطبيق هذه الأحكام مبنيًا على العرف والعادة. يقول د/ عبد الله التركي في المصدر السابق ص 665: ولذلك أوجب العلماء على المفتين إذا جاءهم مستفت من غير بلادهم ألا يفتوه بما يفتون به أهل البلد، بل عليهم أن يسألوه عن العرف في بلده وهو يخالف عرف المفتي أو يتفق معه وهل تجدد لهم عرف إذا كان المفتي يعرف عرفهم السابق قال القرافي رحمه الله في هذا: "وهذا أمر متعين وواجب لا يختلف فيه العلماء وإن العادتين متى كانتا في بلدين ليستا سواء أن حكمهما ليس سواء". اهـ.

وقد عقد ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "أعلام الموقعين" فصلا عن تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأعراف وقد ضرب على ذلك أمثلة كثيرة بين فيها اختلاف الحكم من زمان إلى زمان ومن حال إلى حال وما ذاك إلا لاختلاف الزمان والحال "أعلام الموقعين" 1/ 14 ولمزيد من العلم في هذه المسألة راجع الكتب التالية "إعلام الموقعين" 1/ 70، "الفروق" 1/ 44 - 47، "أصول مذهب الإمام أحمد". عبد الله التركي ص 664 - 670.]].

قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لمن اتبع [أمره رحيمًا به] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] قاله ابن عباس [[لم أقف عليه.]].

وقال مقاتل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ وفي تأخير العذاب ﴿رَحِيمًا﴾ حين لم يعجل بالعقوبة.

33:60Page 426

۞ لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠

If the hypocrites and those in whose hearts is disease1 and those who spread rumors in al-Madīnah do not cease, We will surely incite you against them; then they will not remain your neighbors therein except for a little,

قال: ثم أوعدهم فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ عن نفاقهم. ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: الفجور [[انظر: "تفسير مقاتل" 95 ب.]]، وهم الزناة وهو قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 27، "تفسير الماوردي" 4/ 424، "تفسير هود بن محكم" 3/ 382، "تفسير زاد المسير" 6/ 422.]] ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قالوا: هم قوم كانوا يخبرون المؤمنين بما يكرهون من أمر عدوهم ويقولون: قد أتاكم العدو ويقولون [لسرايا] [[لعلها: (عن سرايا).]] رسول الله -ﷺ- إنهم قتلوا وهزموا [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 48، "تفسير الماوردي" 4/ 424، "تفسير راد المسير" 6/ 422، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 662، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]] وذكر الفراء أن قومًا من المؤلفة قلوبهم كانوا يرجفون بأهل الصفة ويشنعون عليهم أنهم هم الذين يتناولون النساء لأنهم عزاب [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 349.]]، ومعنى الإرجاف إشاعة الباطل للاغتمام به [[قال في "اللسان" (رجف) قال الليث: أرجف القوم إذا خاضوا في الأخبار السيئة وذكر الفتن، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ وهم الذين يولدون الأخبار الكاذبة التي يكون معها اضطراب في الناس.]]. وهذا مما سبق تفسيره.

قوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ قال ابن عباس: لنسلطنك عليهم [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 48، "الماوردي" 4/ 424، "مجمع البيان" 8/ 51.]]، وهو قول المفسرين وأهل المعاني [[انظر: المصادر السابقة و"معاني القرآن وإعرابه" 4/ 236، "معاني القرآن" للفراء 2/ 349، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 379.]].

وقال مقاتل: لنحملنك على قتلهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 95 ب.]] ومعنى الإغراءت الدعاء إلى تناول الشيء بالتحريض عليه، وقد مر [[عند تفسير قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ آية: 14.]]. ومعنى الآية [إن لم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ينته هؤلاء أمرناك بقتلهم حتى تقتلهم وتخلي المدينة منهم وهو قوله: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: لا يساكنوك في المدينة، قال ابن عباس: لا يقيمون معك بالمدينة ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلا يسيرًا حتى يهلكوا [[ذكره الطبري 22/ 48، الواحدي في "الوسيط" 3/ 483، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 581 ولم ينسبوه لأحد ولم أقف على من نسبه لابن عباس.]]. قال الفراء: (ويجوز أن تجعل [[في (أ): (يجعل) بالياء.]] القِلَّة من صفة الملعونين كأنك قلت إلا قليلاً ملعونين؛ لأن قوله ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾ يدل على أنهم ملعونون فيعرفون) [["معاني القرآن" 2/ 350 وعبارة الفراء هكذا وقد يجوز أن تجعل القلة من صفتهم صفة الملعونين كأنك قلت: إلا أقلاء ملعونين؛ لأن قوله: "أينما ثقفوا أخذوا" يدك على أنهم يقلون ويتفرقون. اهـ.]].

33:61Page 426

مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا ٦١

Accursed wherever they are found, [being] seized and massacred completely.

﴿مَلْعُونِينَ﴾ مطرودين مبعدين عن الرحمة وعنكم قاله المبرد [[لم أقف على قول المبرد.]].

قال أبو إسحاق: (ملعونين منصوب على الحال لا يجاورونك إلا وهم ملعونين) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 236.]] وذكر الفراء: هذا القول وقولا آخر، فقال: (ملعونين على الشتم وعلى الفعل أي لا يجاورونك فيها إلا ملعونين والشتم على الاستئناف كما قال ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4] فيمن نصب تم استئناف جزاء فقال: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [["معاني القرآن" 2/ 349 - 350.]] أي: مبعدين حيث ثقفوا مبعدين حيث ثقفوا فجعل قوله ملعونين متصلاً بما بعده.

قال أبو إسحاق: (ولا يجوز أن يكون [قوله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] ملعونين منصوبًا بما بعد أيضًا لا يجوز أن يقال ملعونًا أينما أخذ زيد يضرب؛ لأن ما بعد حروف الشرط لا تعمل فيما قبلها) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 236.]] وقوله: ﴿أُخِذُوا﴾ قال مقاتل: (وجدوا وأدركوا): ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ قال يعني خذوهم واقتلوهم) [[لم أقف عليه وليس في "تفسير مقاتل".]].

وقال المبرد: (أي الحكم فيهم هذا على جهة الأمر كما قال "العقرب يقتل" أي: هذا الحكم فيها) [[انظر: قول المبرد وفي "تفسير القرطبي" 14/ 47، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 423، ولم ينسبه لأحد.]].

33:62Page 426

سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٦٢

[This is] the established way of Allāh with those who passed on before; and you will not find in the way of Allāh any change.

قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ الآية قال أبو إسحاق: (المعنى سن الله في الذين بنافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يقتلوا حيث ما ثقفوا) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 236.]]. وهذا معنى قول المفسرين في هذه الآية [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 49، "تفسير الماوردي" 4/ 425، "مجمع البيان" 8/ 581، "تفسير زاد المسير" 6/ 423 "تفسير هود بن محكم" 3/ 383.]].

33:63Page 427

يَسۡـَٔلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِۚ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ٦٣

People ask you concerning the Hour. Say, "Knowledge of it is only with Allāh. And what may make you perceive? Perhaps the Hour is near."

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ قال الكلبي: إن أهل مكة سألوا النبي -ﷺ- عن الساعة وعن قيامها فنزلت هذه الآية [[لم أقف عليه منسوبًا للكلبي وقد ذكر السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 61 قريبًا منه غير منسوب لأحد، وكذا ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 493.]]. وقال مقاتل: إن النبي -ﷺ- كان يخطب فسأله رجل عن الساعة فأوحى الله إليه [فقال] [[ما بين المعقوفين ساقط في (ب).]] [[في (أ): (فقل)، وهو خطأ.]]: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 أ.]]. ونظير هذه الآية في الأعراف [آية: 187].

قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ يقال: دريت الشيء عرفته وأدريته غيري إذا أعلمته ولا معنى أي شيء يعلمك علم الساعة حتى يكون قيامها أي [أنت] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] لا تعرفه. ثم قال: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ والباقي ظاهر إلى قوله:

33:64Page 427

إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِيرًا ٦٤

Indeed, Allāh has cursed the disbelievers and prepared for them a Blaze.

No commentary for this ayah

33:65Page 427

خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٦٥

Abiding therein forever, they will not find a protector or a helper.

No commentary for this ayah

33:66Page 427

يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠ ٦٦

The Day their faces will be turned about in the Fire, they will say, "How we wish we had obeyed Allāh and obeyed the Messenger."

No commentary for this ayah

33:67Page 427

وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ٦٧

And they will say, "Our Lord, indeed we obeyed our masters and our dignitaries,1 and they led us astray from the [right] way.

﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ (وساده جمع سيد وهو فعله مثل كتبة وفجرة ووجه الجمع بالألف والتاء أنهم قالوا الجُرُزات [[في (ب): (الجردات).]] والطرقات والمعنات في [جمع معن] [[هكذا في النسخ وهو في "الحجة": معين فيما بين المعقوفين زيادة من النساخ.]] جمع معين فكذلك يجوز في هذا الجمع سادات، قال أبو الحسن: ولا يكادون يقولون سادات قال وهي عربية) [["الحجة" 6/ 480.]].

قال الكلبي: قالوا ربنا أطعنا أشرافنا وعظماءنا فأزالونا عن طريق الهدى [[لم أقف على من نسبه للكلبي وقد ذكره "الماوردي" 4/ 4235، والواحدي في "الوسيط" 3/ 483، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 424.]]. وقال مقاتل: أطعنا سادتنا في الشرف وكبراءنا وذوي الأسنان منا قال وهم المطعمون [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: المطعمون كما في "تفسير مقاتل".]] في غزوة بدر [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 أ.]].

﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ الهدى وهو التوحيد، والتقدير: أضلونا عن السبيل فلما حذف الجار وصار الفعل والإضلال لا يتعدى إلى مفعولين من غير توسط حرف الجر كقوله: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ [الفرقان: 29] قال أبو عبيدة: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ أضلونا عن السبيل [["مجاز القرآن" 2/ 141 وعبارة أبي عبيدة: أضلني عن السبيل، ومجازه عن الحق والدين.]]. وذكرنا الكلام في نحو قوله: السبيلا والرسولا في أول السورة [[عند الآية 10.]].

33:68Page 427

رَبَّنَآ ءَاتِهِمۡ ضِعۡفَيۡنِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ وَٱلۡعَنۡهُمۡ لَعۡنٗا كَبِيرٗا ٦٨

Our Lord, give them double the punishment and curse them with a great curse."

ثم قالت الأتباع: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يعنون: القادة والرؤساء أي: عذبهم مثل عذابنا [[هكذا في النسخ والظاهر أنه خطأ؛ لأنه عذاب القادة إذا كان مثل عذاب الأتباع فليس ضعفين وإنما هو مثله وليس كذلك معنى الآية فلعل الكلام مثلي عذابنا.]] قوله تعالى: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ قال مقاتل: يعني: اللعن علي أثر اللعن [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 أ.]]. وقرأ عاصم كبيرًا بالياء على وصف اللعن بالكبر وهو العظم والثاء أشبه بالمعنى؛ لأنهم يلعنون مرة بعد مرة وقد جاء ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] فالكثرة أشبه بالمرار المتكررة من الكبر [["الحجة" 5/ 481.]]. [مع ما ذكرنا من تفسير [[هكذا في النسخ والذي يظهر أن ما بين المعقوفين زيادة من النساخ إذ لا معنى لها فهي خطأ والله أعلم.]] مقاتل] ويشهد لصحة قراءة عاصم قول الكلبي في تفسير: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ يقول عذبهم عذابًا كبيرًا [[لم أقف عليه.]].

33:69Page 427

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهٗا ٦٩

O you who have believed, be not like those who abused Moses; then Allāh cleared him of what they said. And he, in the sight of Allāh, was distinguished.

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ قال مقاتل: وعظ الله المؤمنين ألا يؤذوا محمدًا -ﷺ- بقولهم زيد بن محمد فإن ذلك أذى له كما آذت بنو إسرائيل موسى فزعموا أنه آدر وذلك أن موسى كان فيه حياء شديد وكان لا يغتسل إلا وعليه إزار وكانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، فقالوا ما يمنع موسى أن يتجرد كما نتجرد إلا أنه آدر فانطلق ذات يوم يغتسل في عين بأرض الشام واستتر بصخرة فوضع ثيابه عليها [ففرت] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] الصخرة بثيابه فاتبعها موسى متجردًا حتى انتهى إلى [ملأ من] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] بني إسرائيل فنظرت إليه [بنو إسرائيل فإذا هو من أحسن [[هكذا في النسخ وقد سقطت كلمة الرجال ففي بعض روايات الحديث من أحسن الرجال خلقًا.]] خلقًا وأعدله صورة وليس به] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] الذي قالوا فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [وهذا قول ابن عباس] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] والحسن والمفسرين وروي ذلك مرفوعًا عن أبي هريرة بطرق كثيرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 أ، "تفسير الطبري" 22/ 51، "تفسير الماوردي" 4/ 427، "تفسير كتاب الله لهود من محكم" 3/ 384، "مجمع البيان" 8/ 583، "تفسير زاد المسير" 6/ 425.

والحديث رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: الاغتسال، باب: من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة 1/ 789 ومسلم في كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى -عليه السلام- 4/ 1841.]].

قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ الوجيه ذو الوجاهة [يقال] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه إذا كان ذا جاء [[انظر: "لسان العرب" 13/ 558 (وجه).]]، وقد قال ابن عباس: [كان [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] عند الله] حظيًا لا يسأله شيئاً إلا أعطاه [[انظر: "الماوردي" 4/ 427، "مجمع البيان" 8/ 583، "زاد المسير" 6/ 425.]].

وقال الحسن: كان مستجاب الدعوة [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 427، وذكره الواحدي في "الوسيط" 3/ 484.]]. وقال مقاتل: يعني مكينا [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 ب.]].

33:70Page 427

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠

O you who have believed, fear Allāh and speak words of appropriate justice.

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ قال الليث: يقال: قل قولًا سددًا أو سديدًا أي صوابًا [والسدد مقصور] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] من السداد [[لم أقف على قول الليث.]] وأنشد لكعب:

ماذا عليها وماذا كان ينقصها ... يوم الترحل لو قالت لنا سددا [[البيت من البسيط وهو مختلف في نسبته فهو لكعب كما قال المؤلف وكذا هو منسوب في كتاب: "العين" 7/ 184، و"الأفعال" 3/ 550، و"أساس البلاغة" ص 206 (سدد). وللأعشى في "لسان العرب" 3/ 210 (سدد). وليس في "ديوان الأعشى" ولا في "ديوان كعب بن زهير" ولا "كعب بن مالك".]]

وقال شمر: السداد الإصابة في المنطق، يقال: إنه لذو سداد في منطقه وتدبيره ورميه إذا كان مصيبًا. ويقال سديد إذا أتى السداد [["تهذيب اللغة" 12/ 276 (سدد).]].

قال ابن عباس: قوله: ﴿سَدِيدًا﴾ صوابًا [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 428، "تفسير القرطبي" 14/ 353، "تفسير زاد المسير" 6/ 427.]].

وقال الحسن: صادقًا [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 53، وعزاه الكلبي، و"تفسير الماوردي" 4/ 428، "تفسير زاد المسير" 6/ 427 عن الحسن.]].

وقال مقاتل: عدلًا وهو التوحيد [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 ب.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد شهادة ألا إله إلا الله [[انظر: "تفسير راد المسير" 6/ 427، "تفسير القرطبي" 14/ 353.]].

وقال عكرمة والكلبي: هو ألا إله إلا الله [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 53، "تفسير الماوردي" 4/ 428، "مجمع البيان" 8/ 584.]].

ومعنى الآية: هو أن الله أمر المؤمنين بالتوحيد والتقوى ووعد عليهما أن يصلح أعمالهم فقال:

33:71Page 427

يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١

He will [then] amend for you your deeds and forgive you your sins. And whoever obeys Allāh and His Messenger has certainly attained a great attainment.

﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم [[انظر: "الوسيط" 3/ 484، "مجمع البيان" 8/ 584، "تفسير زاد المسير" 6/ 427.]]. قال مقاتل: يزكي أعمالكم [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 ب.]].

33:72Page 427

إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا ٧٢

Indeed, We offered the Trust1 to the heavens and the earth and the mountains, and they declined to bear it and feared it; but man [undertook to] bear it. Indeed, he was unjust and ignorant.2

قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [[قوله: (والجبال) ساقط من (ب) وهو خطأ.]] قال ابن عباس: الأمانة الفرائض التي افترضها الله على العباد [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 54. "تفسير الماوردي" 4/ 428، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 384، "مجمع البيان" 8/ 584.]].

وقال الحسن: هو الدين، فالدين كله أمانة [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 428.]].

وقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به وما نهوا عنه [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 428، "مجمع البيان" 8/ 584، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 668، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].

وقال مقاتل: الأمانة هي الطاعة [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 ب.]]. والأمانة في هذه الآية في قول جميعهم: الطاعة والفرائض التي [[في (ب): (الذي).]] يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 57، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 384، "تفسير زاد المسير" 6/ 428، "تفسير القرطبي" 14/ 254.]].

وروى زيد بن أسلم عن النبي -ﷺ- أنه قال: "الأمانة ثلاثة: الصلاة والصيام والغسل من الجنابة" [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 102، وفي "تفسير البغوي" 6/ 380 عنه الصوم والغسل من الجنابة وما يخفى من الشرائع. وقد رجح الطبري رحمه الله في "تفسيره" 22/ 57 أن المراد بالأمانة في هذا الموضع: جميع معاني الأمانات في الدين وأمانات الناس وذلك أن الله لم يخص بقوله ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ بعض معاني الأمانات.]].

وروي عن الحسن في هذه الآية قال: عرضت الأمانة على السموات السبع الطباق التي زينت بالنجوم وحملت العرش العظيم، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قلن [[كذا في النسخ وهي في "الوسيط" قبل لهن.]] لها: إن أحسنتن جزيتن وإن أسأتن عوقبتم. قلن: لا، ثم عرضت على الأرضين السبع اللاتي شددن بالأوتاد وذللت للمهاد وأسكنت العباد، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قلن لها [[في (ب): (وإن أسأتن جوزيتن عقوبتين)، وهو خطأ.]]: إن أحسنتن جزيتنن وإن أسأتن عوقبتن [[لم أقف عليه وقد أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 10/ 3160 نحو هذا القول عن مجاهد.]]. قلن: لا، ثم عرضت على الجبال الصم الشم الشوامخ البوادخ الصلاب الصعاب، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قيل: إن اْحسنتن جزيتن وإن أسأتن عوقبتن، قلن: لا. فذلك قوله: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾.

وقال ابن جريج: قالت السموات: يا رب خلقتني وجعلتني سقفا محفوظًا، وأجريت في الشمس والقمر، لا أتحمل فريضة ولا أبتغي ثوابًا ولا عقابًا [[أخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير" 10/ 3159 عن ابن جريح.]].

وقال مقاتل بن حيان: بدأ الله بالسموات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة ولكن علي الفضل والكرامة والثواب في الجنة؟ قلن: يا رب إنا لا نستطيع هذا الأمر وليست بنا قوة ولكنا لك مطيعون. وقال للأرض مثل ذلك، فقالت: لا صبر لنا على هذه يا رب ولا نطيقه، ولكنا لك سامعون مطيعون ولا نعصيك في شيء تأمرنا به. ثم قربت الجبال كلها فقلن مثل ذلك وهذا قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 53، وما بعدها، "تفسير الماوردي" 4/ 429، "تفسير القرطبي" 14/ 253، "مجمع البيان" 8/ 586، "تفسير زاد المسير" 6/ 428.]]. وعلى هذا يكون العرض على أعيان هذه الأشياء بأن ركب الله تعالى فيهن العقول ويفهمن [[هكذا في النسخ، والذي يظهر أنه خطأ، والصواب هو كما في "الوسيط" 3/ 484 أفهمهن خطابه.]] خطابهن حتى فهمن ونطقن بالجواب، ومعنى قوله: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ أي: مخافة وخشية، لا معصية ومخالفة، والعرض كان تخييرًا لا لزامًا.

قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ قال ابن عباس: قال الله لآدم: إني عرضت الأمانة على السموات والأرض فلم تطقها أفتحملها أنت [بما فيها] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]]؟ قال: وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت [[في (ب): (عوقبتم).]]. قال: فأنا أتحملها بما فيها، فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين الأولى والعصر حتى أخرجه الشيطان منها [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 54، "تفسير القرطبي" 14/ 253، "تفسير زاد المسير" 6/ 427.]].

وقال في رو اية عطاء: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ يريد آدم -عليه السلام-، عرض عليه أداء الفرائض والصلوات الخمس في مواقيتها، وأداء الزكاة عند محلها، وصام رمضان وحج البيت، على أن له الثواب وعليه العقاب، فقال: بين أذني وعاتقي [[ذكره الطبري نحوه عن ابن زيد الطبري 22/ 55، ولم أقف على رواية عطاء عن ابن عباس.]].

وقال ابن حيان: قال الله تعالى لآدم: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال آدم: وما لي عندك؟ قال: إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة فذلك الكرامة وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت وأسأت فإني معذبك ومعاقبك. قال: قد رضيت ربي وتحملها، فقال الله قد حملتها فذلك قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [[ذكره ابن أبي حاتم 10/ 3160 عن مجاهد، وابن كثير 5/ 524 وعزاه لابن أبي حاتم.]].

وقال ابن عثمان: عرضت على آدم الطاعة والمعصية وعرف ثواب الطاعة وعقاب المعصية [[لم أقف عليه. وقد ذكر القرطبي في "تفسيره" 14/ 253 نحو هذا القول عن ابن عباس.]] قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، قال الكلبي: ظلمه حين عصى ربه فأخرج من الجنة وجهله حين احتملها [[لم أقف عليه وانظر: المصدر السابق.]]. وقال المقاتلان: ظلومًا لنفسه جهولًا بعاقبة ما تحمل [[لم أقف على قول ابن حبان، وانظر: قول ابن سليمان في "تفسيره" 96 ب.]]. وهذا معنى قول المفسرين.

وقال قتادة: ظلومًا للأمانة جهولًا بحقها [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 430.]].

هذا الذي ذكرنا في تفسير هذه الآية مذهب الجمهور أهل التفسير، وقال السدي: الأمانة هي ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده وخيانته إياه في قتل أخيه، وذلك أن الله تعالى قال لآدم إن لي بيتًا بمكة فأته. قال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل، قال: نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك، فانطلق آدم ثم رجع وقد قتل قابيل هابيل [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 56 - 57، "تفسير زاد المسير" 6/ 428.]].

وقال أبو إسحاق: حقيقة تفسير هذه الآية -والله أعلم- أن الله تعالى ائتمن بني آدم على ما افترض عليهم من طاعته، وائتمن السموات والأرض والجبال بقول: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11] فعرفنا الله أن السموات والأرض لم تحمل الأمانة أي: [أدتها] [[ما بين المعقوفين طمس في جميع النسخ والتصويب من "معاني القرآن وإعرابه".]] فكل من خان الأمانة فقد حملها وكذلك من أثم فقد حمل الإثم ويسمى حاملًا للإثم والسموات والأرض أبين أن يحملن الأمانة وأديتها وأداؤهما طاعتهما فيما أمر الله به وترك المعصية، وحملها الإنسان، قال الحسن: أراد الكافر والمنافق حملا الأمانة أي: خانا ولم يطيعا، قال: فهذا المعنى والله أعلم صحيح، ومن أطاع الأنبياء والصديقين والمؤمنين لا يقال ظلومًا جهولًا وتصديق ذلك ما يتلو هذا من قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾ [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 238 باختصار واختلاف في العبارة.]].

قال الأزهري: [وما علمت أحد شرح في هذه الآية ما شرحه أبو إسحاق قال: ومما يؤيد قوله [[في (أ): قلبه. وهو خطأ.]] في حمل الأمانة أنه خيانتها وترك أدائها قول الشاعر:

إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة ... وتحمل أخرى أفرحتك الودائع) [["تهذيب اللغة" 5/ 93.]] [[البيت من الطويل وهو لبيهس العذري في "لسان العرب" 2/ 541 (فرح)، و"التنبيه والإيضاح" 1/ 258، "تاج العروس" 17/ 13 (فرح). وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 5/ 93، "المخصص" 12/ 314.]]

أراد بقوله: وتحمل أخرى أي: تخونها فلا تؤدها يدلك على ذلك قوله أفرحتك الودائع أي: أثقل ظهرك الأمانات التي تخونها ولا تؤديها، قال أبو علي: وحملها الإنسان أي: لم يؤدها؛ لأن حمل الحامل الشيء إمساك له وخلاف لأدائه وكأنه لم يؤد الأمانة [["الحجة" 5/ 246.]].

33:73Page 427

لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمَۢا ٧٣

[It1 was] so that Allāh may punish the hypocrite men and hypocrite women and the men and women who associate others with Him and that Allāh may accept repentance from the believing men and believing women. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

قوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ قال المقاتلان: ليعذبهم الله بما خانوا الأمانة وكذبوا الرسل ونقضوا الميثاق الذي أقروا به حين أخرجهم من ظهر آدم ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ بأدائهم الأمانة ووفائهم بالعهد والميثاق [[انظر: "تفسير مقاتل" 96/ ب، "تفسير الماوردي" 4/ 430.]].

وروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ﴾ فقالا: هؤلاء الذين خانوهما وهم الذين ظلموها [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 58، "مجمع البيان" 8/ 587، "تفسير هود" 3/ 386.]].

﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ هؤلاء أدوها. وقال ابن قتيبة: أي عرضنا ذلك ليظهر نفاق المنافق وشرك المشارك [[هكذا في النسخ وهو عند ابن قتيبة: المشرك.]] فيعذبهما الله ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه) [[انظر: "مشكل القرآن" ص 82.]] أي يعود عليه بالرحمة والمغفرة إن حصل منه تقصير في نقص الطاعات، ولذلك ذكرنا بلفظ التوبة وخص بالعذاب والمشرك فدل أن المؤمن العاص في خارج من العذاب وداخل في قوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ غفورًا للمؤمنين رحيمًا بهم قاله ابن عباس ومقاتل [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 427 بهامش المصحف، "تفسير مقاتل" 96/ ب.]].

والله تعالى أعلم بالصواب.

سورة سبأ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском