Al-Wahidi (al-Basit)Saba · 34:13–20

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Saba 34:13–20

34:13Page 429

يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ١٣

They made for him what he willed of elevated chambers,1 statues,2 bowls like reservoirs, and stationary kettles. [We said], "Work, O family of David, in gratitude." And few of My servants are grateful.

قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ قال مجاهد: بنياناً دون القصور [["تفسيرمجاهد" ص 524.]].

وقال قتادة: قصور ومساجد [[انظر: "الماوردي" 4/ 438، "مجمع البيان" 8/ 598، "زاد المسير" 6/ 439.]].

وقال الضحاك ومقاتل: يعني المساجد [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 أ، "الطبري" 22/ 70.]].

وقال ابن زيد: هي المساكن [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 438، "المحرر الوجيز" 4/ 409.]]

وقال أبو عبيدة: المحراب سيد البيوت [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 438، "تفسير القرطبي" 14/ 271.]].

وقال أبو إسحاق: أشرف موضع في الدار وفي البيت يقال له: محراب [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 246.]].

وقال المبرد: أطبقوا على أنها لا تكون إلا أن يرتقى إليها بدرج [[لم أقف على قول المبرد.]]، ومن ذلك قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: 21]. وذكرنا تفسير المحراب في سورة آل عمران [[عند الآية 37.]].

قوله تعالى: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ قال المبرد: جمع تمثال، وهو كل شيء مثلته بشيء [[لم أقف على هذا القول منسوبًا للمبرد، وانظر: "تهذيب اللغة" 98/ 15 (مثل)، "اللسان" 11/ 614 (مثل).]]. وقال الأزهري: (التمثال اسم للشيء المصنوع مشبهًا بخلق من خلق الله، وأصله من: مثلت الشيء بالشيء إذا قدرته على قدره، ويكون تمثيل الشيء بالشيء تشبيهًا، واسم ذلك الممثل تمثال) [["تهذيب اللغة" 15/ 98 (مثل).]].

قال المفسرون: هي صورة من نحاس وزجاج ورخام كانت الجن تعلمها، قالوا: وهي سورة الأنبياء والملائكة، كانت تصور في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة، هذا يدل على أن التصوير كان مباحًا في ذلك الزمان [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 438، "بحر العلوم" 3/ 68، "تفسير هود بن محكم" 3/ 391، "القرطبي" 14/ 272، "مجمع البيان" 8/ 600.]].

قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ﴾ جمع جفنة، وهي [[في (أ): (وهو).]] القصعة الكبيرة، والعدد الجفنات [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 112، "اللسان" 13/ 89 (جفن).]] كالجوابي جمع الجابية، وهي الحوض الكبير يجبي الماء أي: يجمعه. قال الأعشى:

نفى الذم عن رهط المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق [[البيت من الطويل، وهو للأعشى في "ديوانه" ص 225، وانظر: منسوبًا إليه في: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 246، "الدر المصون" 5/ 435، "مجمع البيان" 8/ 596، "تفسير القرطبي" 14/ 2754 والمعنى هنا يقول: صان آل المحلق أعراضهم بالجود، ونفى عنهم الذم جفنة ضخمة تقدم للضيفان كأنها حوض الماء يمده نهر العراق. انظر: "الديوان" ص 225.]]

قال المفسرون: يعني قصاعًا في العظم كحياض، الإبل يجلس على القصعة الواحدة ألف رجل يأكلون منها [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 68، "مجمع البيان" 8/ 600، "تفسير القرطبي" 14/ 275، "زاد المسير" 6/ 445.]]. والقراء يختلفون في إثبات الياء في الجوابي؛ فقرأ ابن كثير بالياء فيها وصلا [[في (ب): تقديم وتأخير (وقفًا ووصلا).]] ووقفًا، وهو الأصل والقياس؛ لأن هذه الياء تثبت مع الألف واللام، ووقف أبو عمرو بغير ياء؛ لأنه شبهها بالفاصلة والوقف) [["الحجة" 6/ 10 "الحجة في القراءات السبع" ص 293، "البحر المحيط" 8/ 528.]]. قال أبو إسحاق: لأن الكسر ينوب عنها.

قوله تعالى: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ قال المفسرون: قدور عظام، لها قوائم لا يحركن عن أماكنها ولا يحركن لعظمها، ثوابت على أثافيها، تنحت من الجبال وكانت بأرض اليمن، وكان ملك سليمان ما بين كابل ومصر [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 68، "مجمع البيان" 8/ 600، "القرطبي" 14/ 276، "زاد المسير" 440/ 6.]].

ثم قال: قوله تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ لما أعطيتكم من الفضل والخير [[في (ب): (من الخير والفضل).]] أي: وقلنا اعملوا بطاعة الله يا آل داود شكرًا له على ما آتاكم. قال أبو إسحاق: (شكرًا ينتصب على وجهين: أحدهما: اعملوا للشكر، أي: اشكروا الله على ما آتاكم. والثاني: ينتصب على المصدر، كأنه قيل: اشكروا شكرًا) [[انظر: "معانى القرآن وإعرابه" 4/ 246.]]؛ لأنه معنى اعملوا آل داود شكرًا.

قال مجاهد: لما نزلت ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ قال داود لسليمان: إن الله قد ذكر الشكر، فاكفني قيام النهار أكفك قيام الليل، قال: لا أستطيع. قال: فاكفني إلى صلاة الظهر فكفاه [[انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 10/ 3163، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 401، "روح المعاني" 22/ 120 وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 380، وعزاه للفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد.]].

34:14Page 429

فَلَمَّا قَضَيۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ١٤

And when We decreed for him [i.e., Solomon] death, nothing indicated to them [i.e., the jinn] his death except a creature of the earth eating his staff.1 But when he fell, it became clear to the jinn that if they had known the unseen, they would not have remained in humiliating punishment.2

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال المفسرون: كانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون الغيب الذي يكون في غد، فابتلوا بموت سليمان، فمات سليمان متكئًا على عصاه وبقي كذلك ميتًا سنة، والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة التي كانت تعمل في حياة سليمان، لا يشعرون في موته حتى أكلت الأرضة عصا سليمان فخر ميتًا، فحينئذ علموا بموته، وعلموا الإنس أن الجن لا تعلم الغيب، فذلك قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال المفسرون: يعني الأرضة [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 74، "تفسير الماوردي" 4/ 441، "بحر العلوم" 3/ 68، "تفسير الثعلبي" 3/ 242، "غرائب القرآن" 22/ 45.]].

وقوله: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قالوا: عصاه. قال السدي: هي بلسان الحبشة [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 441، "تفسير القرطبي" 14/ 278، "تفسير الطبري" 22/ 73.]]. وقال ميسرة: هي بلغة اليمن [[لم أقف عليه.]].

وقال أبو عبيدة: المنسأة التي ينساء بها الغنم [["مجاز القرآن" 2/ 145.]].

وقال الفراء: هي العصاة العظيمة التي تكون مع الراعي، أخذت من نسأت البعير: إذا زجرته ليزداد سيره [["معاني القرآن" 2/ 356.]].

وقال أبو إسحاق: المنسأة التي ينسأ بها، أي: يطرد ويزجر [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 247.]].

وقال أبو عبيدة: هي التي يضرب بها [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو علي الفارسي: هي من نسأت الغنم، إذ سقيتها [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: سقتها. انظر: "الحجة" 6/ 11.]] وأنشدوا قول طرفة:

أمون كألواح الأران نسأتها ... على لا حب كأنه ظهر يوجد [[في (ب): (حدد)، وهو خطأ.]] [[البيت من الطويل، وهو لطرفة بن العبد في: "ديوانه" ص22، "شعراء النصرانية في الجاهلية" 3/ 300 "لسان العرب" 1/ 173 (نسأ)، 13/ 15 (أرن)، كتاب "العين" 8/ 278.

ومعنى البيت: الأمون: هي الناقة الموثقة الخلق التي يؤمن عثارها وزللها، والإران: هو النشاط ونساتها: أي حملتها على السير في هذا الطريق اللاحب هو البين، والبرجد، كساء فيه خطوط وطرائق، فشبه الطرائق بطرائق البرجد. "شرح القصائد السبع الجاهليات" ص 151.]]

وقال المبرد: المنسأة: العصاة لأنها ينسأ [[في (أ): (تنسئ).]] بها الطريق، أي يقصد، يقال: نسات الناقة، إذا حملتها على الطريق، وأنشد قول طرفة) [[لم أقف على القول منسوبًا للمبرد.

وانظر: "تهذيب اللغة" 13/ 84، مادة: (نسأ)، "اللسان" 1/ 169 (نسأ).]].

وأكثر القراء على همزة المنسأة. وقرأ نافع وأبو عمرو بغير همز. قال أبو عبيدة: (تركوا همزها كما ترك بعضهم همز البرنة والذرية والنبئ. قال المبرد: بعض العرب يبدل من همزتها ألف فيقول: منساة وينشدون: إذا دببت على المنساة من كبر ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل) [[البيت من البسيط، ولم أقف على قائله، وهو في "اللسان" 169/ 1 (نسأ)، "الصحاح" 1/ 67 (نسأ)، وكذا هو في "الدر المصون" 5/ 346، "مجمع البيان" 8/ 595، بلا نسبة.]] [["مجاز القرآن" 2/ 145.]]

وقال أبو علي: (قياس تخفيف الهمزة أن يجعلها بين بين، إلا أنهم خففوا همزتها على غير قياس) [["الحجة" 12/ 6.]].

قوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ أي: سقط ميتًا. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ الآية. قال المفسرون: تبينت الإنس أن الجن ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾، قالوا: وكذا [[في (ب): (وكذلك).]] كان ابن عباس يقرأها، بتبينت الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 74، "تفسير الماوردي" 4/ 442، "علل القراءات" 2/ 549، "تفسير القرطبي" 14/ 281.]].

وأما معنى قراءة العامة، فقد ذكر [فيه] [[ما بين المعقوفين ساقط في (ب).]] الفراء وأبو إسحاق وجوهًا بعيدة [[انظر: هذه الوجوه في: "معاني القرآن" للفراء 2/ 357، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 247.]]. والصحيح ما ذكر أبو عبيدة فقال: (تبينت الجن للناس، أي: تبين للناس أن الجن لا يعلمون الغيب، ما غيب عنهم لما كانوا في نصبهم وهو ميت) [["مجاز القرآن" 2/ 146.]]. ويدل على صحة هذا المعنى قراءة يعقوب: تُبِينت، بضم التاء وكسر الباء، أي: علم من حال الجن أنهم لا يعلمون الغيب. وأن على [[في (ب): (وأن في).]] قراءة العامة في محل الرفع على البدل من الجن، هذا وجه قراءة العامة. ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن الجن كانت تتوهم أنها تعلم الغيب، فلما ابتلوا بموت سليمان ولم يقفوا عليه حتى دلتهم الأرضة، علمت أنها لا تعلم الغيب. وعلى هذا الوجه أن في موضع نصب وتبينت بمعنى علمت. وعلى الوجه الأول معناه: ظهرت وانكشفت [["مشكل إعراب القرآن" 2/ 206، "البحر المحيط" 8/ 532، "التبيان" 2/ 277.]]. وذكر ابن قتيبة الوجهين معًا [["تفسير غريب القرآن" ص 355.]].

قال أبو إسحاق: (المعنى أنهم لو كانوا يعلمون ما غاب عنهم، ما عملوا مسخرين لسليمان وهو ميت، وهم يظنون أنه حي يقف على عملهم) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 247.]].

قال مقاتل: العذاب المهين: الشقاء والنصب في العمل [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 أ.]].

34:15Page 430

لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ ١٥

There was for [the tribe of] Saba’ in their dwelling place a sign: two [fields of] gardens on the right and on the left. [They were told], "Eat from the provisions of your Lord and be grateful to Him. A good land [have you], and a forgiving Lord."

قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ ذكر الكلام والقراءة في سبأ في سورة النمل [[عند قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ آية: 22. قال: قرئ من سبأ بالإجراء والتنوين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو غير مجرى. قال الفراء: من أجراه فلأنه فيما ذكروا رجل.]]. وذكر المفسرون هاهنا ما روي عن فروة بن مسيك [[هو: فروة بن مسيك، وقيل: مسيكة بن الحرث بن سلمة المرادي القطيعي، أبو عمر، له صحبة، وقد على النبي -ﷺ- سنة عشر من الهجرة، فأسلم، فبعثه على == مراد وزبيد ومذحج، وقد روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه الشعبي وأبو سبرة النخعي وغيرهم.

انظر: "الاستيعاب" 3/ 194، "الإصابة" 3/ 200.]] أن رجلاً قال: يا رسول الله، أخبرنا عن سبأ ما هو، رجل أم امرأة أم أرض؟ فقال: "ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد له عشرة من العرب، فتيامن ستة وتشام أربعة، فأما الذين تساموا فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومدلج وحمير وأنمار". فقال رجل: ما أنمار يا رسول الله؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة" [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 76، "تفسير الماوردي" 4/ 203، "مجمع البيان" 8/ 604. وأخرجه أحمد في "مسنده" 1/ 316، من حديث ابن عباس إلا أنه قال: سأل رجل النبي -ﷺ-، والترمذي في "سننه" كتاب التفسير: تفسير سورة سبأ 5/ 39، وقال: هذا حديث غريب حسن، رقم الحديث (3275)، والحاكم في "المستدرك" في تفسير سورة سبأ 2/ 424، وصححه ووافقه عليه الذهبي.]].

وقال مقاتل: هو رجل من يشجب بن يعرب بن قحطان، يقال: سبأ بن يشجب، والمراد بسبأ هاهنا: القبيلة [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 أ.]].

قوله: (في مساكنهم) وقرئ: مسكنهم، على الواحد، بفتح الكاف وبكسرة [[انظر: "النشر" 2/ 350، "حجة القراءات" ص 585.]].

قال أبو علي: (الوجه الجمع؛ ليكون اللفظ موافقًا للمعنى؛ لأن لكل [[في (ب): (كل)، وهو خطأ.]] ساكن مسكنًا [[في (ب): (مسكن).]]، ومن قال: مسكنهم، أي: يكون جعل المسكن مصدرًا وحذف المضاف، والتقدير: في مواضع سكناهم [[في (ب): (مسكنهم).]]، فلما جعل المسكن كالسكنى أفرد كما يفرد المصادر، وهذا أشبه من أن يحمله على نحو: كلوا في بعض بطنكم، وجلد الجواميس، وعلى هذا قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: 55] أي: مواضع قعود، ألا ترى أن لكل واحد من المتقين موضع قعود، وهذا التأويل أشبه من أن يحمله على الآخر الذي لا يكاد يجيء إلا في شعر، وأما كسر الكاف؛ فاسم المكان والمصدر من هذا الجنس الذي هو فعل يفعل مفتوحًا، مثل: المحشر ونحوه، وقد يشذ عن القياس المطرد، هكذا وكالمسجد، وسيبويه يحملها على أنه اسم البيت وليس المكان، من فعل يفعل، وكذلك المطلع، والقياس: الفتح) [["الحجة" 6/ 12 - 14.]].

وقال أبو الحسن: المسكن بكسر الكاف لغة فاشية، وهي لغة الناس اليوم، والفتح لغة أهل الحجاز، وهي اليوم قليلة [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 603، "البحر المحيط" 8/ 533.]].

وقال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة [["معاني القرآن" 2/ 357.]].

قال المفسرون: وكانت مساكنهم بمأرب من اليمن [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 238.]]. يدل عليه قول النابغة:

من سبأَ الحاضرينَ مأربَ إذْ ... يبنونَ من دونِ سيلهِ العَرِما [[البيت من المنسرح، وهو للنابغة الجعدي في "ديوانه" ص 134، "الكتاب" 3/ 253، "جمهرة اللغة" ص 773، "سمط الآلئ" ص 18، "اللسان" 1/ 396 مادة: (عرم).]] قوله: ﴿آيَةٌ﴾ أي: علامة تدلهم على قدرة الله، وأن المنعم عليهم هو الله، ثم ذكر تلك الآية فقال: ﴿جَنَّتَانِ﴾. قال الفراء: جنتان مرفوعتان؛ لأنهما تفسير للآية [["معاني القرآن" 2/ 358.]]. وذكر الزجاج وجهًا آخر فقال: كأنه لما قيل: آية، قيل: الآية جنتان) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248.]]، وعلى هذا ارتفع بخبر الابتداء المحذوف.

قوله تعالى: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ أي: يمنة وسرة. قال مقاتل: عن يمين الوادي وعن شماله [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 أ.]].

وقال الآخرون: عن يمين من أتاهما وشماله [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 70، "مجمع العلوم" 8/ 604، "تفسير القرطبي" 14/ 248.]].

وقال الفراء: أراد عن أيمانهم وشمائلهم [["معاني القرآن" 3/ 358.]]. والمعنى أن الجنتين أحاطت بهم وبمساكنهم يمنة ويسرة.

قوله: ﴿كُلُوا﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: قيل لهم ذلك [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248]].

وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ يعني: ثمار الجنتين. قال السدي وأهل التفسير: كانت المرأة تخرج، فتحمل مكتلًا على رأسها وتمر في البستان فتملأ مكتلها من ألوان الفاكهة، من غير أن تمس شيئًا بيدها [[أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 490 عن السدي، وابن أبي حاتم 10/ 3165 عنه كذلك، و"تفسير الطبري" 22/ 77 عن قتادة، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 604، ولم ينسبه.]].

قوله: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ أي: على ما رزقكم من النعمة، والمعنى: اعملوا بطاعته إذ أنعم عليكم بما أنعم، وهاهنا تم الكلام.

ثم ابتدأ فقال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾. قال أبو إسحاق: المعنى: هذه بلدة طيبة [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248.]].

قال مقاتل: أرض سبأ بلدة طيبة؛ لأنها أخرجت ثمارها [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 أ.]]. فعلى هذا طيبها: كثرة ثمارها. وقال الفراء: ليست بسبخة [["معاني القرآن" 2/ 358.]].

وقال ابن زيد: ليس فيها شيء مؤذ، من بعوضة أو ذباب.

قال: ولم يكن يرى في بلدهم بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب، ويمر الغريب في بلدهم وفي ثيابه القمل فتموت كلها. وعلى هذا طيبها: طيب هوائها [[أخرجه ابن أبى حاتم في "تفسيره" 10/ 3165 عن ابن زيد، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 490 عنه كذلك.]].

قوله: ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ أي: والله رب غفور. قال مقاتل: وربكم إن شكرتم فإما رزقكم رب غفور للذنوب [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]].

34:16Page 430

فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ ١٦

But they turned away [refusing], so We sent upon them the flood of the dam,1 and We replaced their two [fields of] gardens with gardens of bitter fruit, tamarisks and something of sparse lote trees.

قوله: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ قال مقاتل: عن الحق [[المصدر السابق.]].

وقال ابن عباس: يريد فكفروا وكذبوا أنبيائهم [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 360.]].

﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ قال المفسرون: كان الماء يأتي أرض سبأ من الشجر وأودية اليمن، فردموا ردمًا بين جبلين وحبسوا الماء، وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، وكان يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث، فأخصبوا وكثرت أموالهم، فلما كذبوا رسلهم بعث الله جرذًا نقب ذلك الردم حتى انتقض، فدخل الماء جنتهم ففرقها، ودفن السيل بيوتهم [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 79، "القرطبي" 14/ 285، "مجمع البيان" 8/ 605.]]، فذلك قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.

واختلفوا في العرم ما هو؟ فأكثر المفسرين على أن العرم: السكر [[قال في "اللسان" 4/ 375: سكر النهر يسكره سكرًا، سد فاه، وكل شق سد فقد سكر، والسكر ما سد به، والسكر: أيضًا المسناة. اهـ والمسناة بلغة أهل اليمن.]] والمسناة، وهي التي تحبس الماء [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 79، "تفسير القرطبي" 14/ 285، "زاد المسير" 6/ 445، "معاني القرآن" النحاس 5/ 407.]].

قال السدي وأبو ميسرة: أهل اليمن يسمون المسناة العرم [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 79، "المحرر الوجيز" 4/ 414، "البحر المحيط" 8/ 533، ولم أقف على من نسبه للسدي.]]. وهو اختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 358.]]، وابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" ص 355.]]، والمبرد، قال: العرم جمع عرمة، وهي الحاجز بين الشيئين، يسمى السكر [["الكامل" 3/ 1033.]]، واحتجوا بقول الجعدي [[هو النابغة الجعدي، وقد سبق التعريف به، وتخريج البيت كذلك.]]:

إذ يبنون دون سيله العرما وقال مقاتل: العرم اسم الوادي [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]].

وقال ابن الأعرابي: العرم السيل الذي لا يطاق [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 390 مادة: (عرم).]]. وعلى هذا دل كلام ابن عباس، قال: [يريد] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ب).]] لا يمر بشيء إلا غرقه [[ذكر المفسرون تفسير ابن عباس للعرم بأنه الشديد. انظر: "تفسير الطبري" 22/ 80، "المحرر الوجيز" 4/ 414، "زاد المسير" 6/ 445.]]. وقال مقاتل: العرم اسم الوادي [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]].

وحكى أبو إسحاق في العرم قولين آخرين: أحدهما: أن العرم اسم الجرذ الذي بنوا [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، إذ الصواب: الجرذ الذي ثقب السكر عليهم. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248.]] للسكر عليهم، وهو الذي يقال له: الخلد، وذكر ابن الأعرابي أن العرم من أسماء الفأر [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 391.]] الثاني: أن العرم هو المطر الشديد [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248.]]. وأصل هذا كله من العرامة، وهي الشدة، ومثله: العرام، ورجل عارم: شديد لا يطاق [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 390، "اللسان" 2/ 395.]].

قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال ابن عباس: يريد اللتين كان فيهما الفواكه والثمار. ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال ابن عباس: يريد الأراك. وهو قول مجاهد وقتادة ومقاتل والسدي، قالوا: الخمط: الأراك [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 81، "القرطبي" 14/ 286، "زاد المسير" 6/ 446.]]. قال قتادة: وأكله البرير [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 81، "تفسير هود بن محكم" 3/ 394، "زاد المسير" 6/ 446 والبرير: هو ثمر الأراك. انظر: "اللسان".]].

وقال أبو عبيدة: الأكل الجني، والخمط: كل شجرة [ثمرة] [[ما بين المعقوفين لعلها زيادة من النساخ، إذ ليست من كلام أبي عبيدة.]] ذات شوك [["مجاز القرآن" 2/ 147.]]. ونحو هذا قال ابن قتيبة، فإن الأكثرين على أن الخمط اسم شجرة [[" تفسير غريب القرآن" ص 356.]]. وإذا كان كذلك، فالأحسن قراءة من لم ينون الأكل وأضافه، وذلك أن الأكل إذا كان الجناء، فإن جنا [[في (ب): (الجنا).]] كل شجرة منه، والتنوين في هذا ليس في حسن الإضافة، وذلك؛ لأن [[في (ب): (أن).]] الخمط إنما هو اسم شجرة وليس بوصف للأكل، وإذا [[في (ب): (وإذا كان) زيادة كان، وهو خطأ.]] لم يكن وصفًا، لم يجر على ما قبله كما يجري على الموصوف، والتبدل ليس بالسهل أيضًا؛ لأنه ليس هو ولا بعضه؛ لأن الجنا من الشجرة وليس الشجرة من الجنا [[انظر: "علل القراءات" 2/ 551 "مجمع البيان" 8/ 603، "البحر المحيط" 8/ 536.]].

قال أبو الحسن: (في كلام العرب أن يضيفوا ما كان من نحو هذا، مثل: دار آجر، وثوب خز.

قال: و ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ بالتنوين، ليس بالجيد في العربية) [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 603، "تفسير القرطبي" 14/ 287.]]. واختار أبو عبيد التنوين، قال: لأن الأكل هو الخمط في التفسير، فالنعت أولى به من الإضافة، هذا قول أبي عبيد [[لم أقف عليه. وقد ذكره النحاس في "إعراب القرآن" ص 664، وأنه اختيار المبرد.]]. والمفسرون على خلاف ما قال، فإنهم جعلوا الخمط الشجر لا الأكل [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 81، "تفسير هود بن محكم" 3/ 394، "بحر العلوم" 3/ 70، "زاد المسير" 6/ 446.]]. وقد قال ابن الأعرابي: الخمط ثمر شجر يقال له: فوه الضبع، على سورة الخشخاش، ينفرك ولا ينتفع به [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 260، "اللسان" 7/ 296، "روح المعاني" 22/ 127.]].

قال أبو إسحاق: (يقال لكل نبت قد أخذ طعمًا من المرارة حتى لا يمكن أكله: خمط) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 249.]]. ونحو هذا قال المبرد.

ومنه قيل للبن إذا أحمض: خمط [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 286، "إعراب القرآن" للنحاس ص 464.]]. فهؤلاء جعلوا الخمط اسمًا للمأكول، فيصح على هذا التنوين في الأكل.

قوله: ﴿وَأَثْلٍ﴾ قال مقاتل: يعني شجرة تشبه الطرف، يتخذ منه الأقداح [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]].

وقال الفراء: الأثل شبه بالطرف، إلا أنه أعظم منه طولا [["معاني القرآن" 2/ 359.]].

قال الأزهري: (هو يشبه الطرف إلا أنه أكرم منه، تسوى منه الأقداح الصفر الجياد، ومنه اتخذ منبر النبي -ﷺ-، وللأثل أصول غليظة يسوى منها الأبواب وغيرها، وورقه عبل كورق الطرف) [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 132.]].

قال ابن الأعرابي: والأثيل منبت الأراك [[انظر: قول ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" 15/ 131.]].

قوله: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ قال الأزهري: (السدر من الشجر سدران: أحدهما: سدر بري لا ينتفع بثمره، ولا يصلح ورقه للغسول، وربما خمط للراعية، وله ثمر عفص لا يؤكل، والعرب تسميه الضال. والجنس الثاني من السدر ينبت على الماء، وثمره النبق، وورقه غسول، يشبه شجر العناب إلا أن ثمره أصفر مر يتفكه به) [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 353.]].

وقال الفراء: ذكروا أنه الثمر [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: السمر، واحدته سمرة. "معاني القرآن" 2/ 359.]]. وقال مقاتل: ثمرة السدر النبق [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]].

وقال السدي: هذا السدر قليل، يعني: أن الخمط والأثل كانا أكثر في جنتيهم من السدر [[لم أقف عليه منسوبًا للسدي. وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 491، و"الطبرسي في مجمع البيان" 8/ 605، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 446، بدون نسبة.]]. قال قتادة في الآية: بينما شجر القوم من خير الشجر، إذ صيره الله من شر الشجرة [[انظر: المصادر السابقة، و"تفسير القرطبي" 14/ 287.]].

34:17Page 430

ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ ١٧

[By] that We repaid them because they disbelieved. And do We [thus] repay except the ungrateful?

قوله: ﴿ذَلِكَ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] إشارة إلى ما ذكر من التبديل. قال أبو إسحاق: (وموضع ذلك نصب، المعنى ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ ذلك ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ [[انظر: "معاني القران وإعرابه" 4/ 249.]].

﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ بالنون قرأ حمزة والكسائي؛ لقوله: ﴿جَزَيْنَاهُم﴾ ولم يقولوا جوزوا، من قرأ يجازي بالضم بني الفعل للمفعول به، والمجازي هو الله، فمعنى القراءتين سواء. وفي تخصيص الكفور بالمجازاة أقوال: أحدها [[في (ب): (أحدهما).]]: أن المؤمن يكفر عنه ذنوبه بطاعاته، فلا يجازى بذنوبه التي تكفر، قال الله تعالى: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [محمد: 2] وقال: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31]، والكافر يجازى بكل سوء يعمله، وهذا قول أبي إسحاق وأبي علي [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 249، "الحجة" 6/ 17 - 18.]].

وقال الفراء: (معنى جزيناه كافيناه [[في (ب): (جزيناهم افيناهم).]]، والسيئة للكافر بمثلها سيئة، وأما المؤمن فيجزى ولا يجازى؛ لأنه يزاد ويتفضل عليه، وقد يقال: جازيت بمعنى جزيت وأبين الكلام على ما وصفت) [["معاني القرآن" 2/ 359.]]. هذا كلام أهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 409، "معاني القرآن" للفراء 2/ 359، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 249.]].

وأما المفسرون؛ فقال مقاتل: وهل نكافئ بعمله السيئ إلا الكفور لله في نعمه [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]]. وهذا كقول الفراء.

وقال طاوس: يجازى الكفور ولا يغفر له، والمؤمن لا يناقش الحساب [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 409، "تفسير القرطبي" 14/ 288، تفسير ابن كثير" 5/ 543.]].

وقال مجاهد: وهل يجازى: يعاقب [["تفسير مجاهد" ص 525.]]. وهذا معنى وليس بتفسير. وبيانه ما ذكر ابن عباس في رواية عطاء قال: يريد لا أجازي بالعقاب إلا من كفر ربوبيتي وجحد نعمتي. فأضمر العقاب والمجازاة [[لم أقف عليه.]]. (وأدغم الكسائي لام هل في نون نجازي، وهو جائز، حكاه سيبويه، قال سيبويه: البيان أحسن؛ لأنه قد امتنع أن يدغم في النون شيء سوى اللام، فكأنهم يستوحشون من الإدغام فيها) [["الحجة" 6/ 18.]].

34:18Page 430

وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ١٨

And We placed between them and the cities which We had blessed1 [many] visible cities. And We determined between them the [distances of] journey,2 [saying], "Travel between them by night or by day in safety."

قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ قال أبو إسحاق: هذا عطف على قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 250.]] الآية. يعني: وكان من قصتهم أنا ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين سبأ ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. قال المفسرون: قرى الشام والأرض المقدسة: الأردن وفلسطين [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 83، "تفسير هود بن محكم" 3/ 395، "تفسير الماوردي" 4/ 444، "تفسير القرطبي" 14/ 289.]]. قال مقاتل: باركنا فيها بالشجر والماء [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 / ب.]]. قوله: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ قال أبو إسحاق: (كان بين سبأ والشام قرى متصلة بعضها ببعض، يبيتون بقرية ويقيلون بقرية، لا يحلون عقدة حتى يرجعوا إلى أهليهم [[في (ب): "أهلهم".]] [ساعون من حيث نزلوا ما يأكلون] [[ما بين المعقوفين يظهر -والله أعلم- أنه كلام زائد من النساخ؛ إذ لا معنى له.]] لا يحتاجون من وادي شيئًا إلى زاد [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب كما هو في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 444: لا يحتاجون من وادي سبأ إلى الشام إلى زاد.]]. وحقيقة معنى قوله ظاهرة، أن الثانيهَ تظهر من الأولى لقربها منها، كما قال الحسن: كان أحدهم يغدو فيقيل في قرية فيروح فيأوي إلى قرية، فإذا خرج من إحداها رأى الأخرى فظهرت [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 444، "القرطبي" 14/ 289، "زاد المسير" 6/ 448.]].

[أي] [[هكذا في النسخ! ويظهر أنها زائدة من النساخ.]].

وقال صاحب النظم: ليس من قرية إلا وهي ظاهرة، والمعنى أنها قرى متقاربة تتوالى، فإذا كان الرجل في قرية منها كانت التي تليها ظاهرة لعينه ينظر إليها.

قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ قال مقاتل: للمبيت والمقيل من قرية إلى قرية [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]]. قال الفراء: (جعل ما بين القرية إلى القرية نصف [[في (ب): (لضعف)، وهو خطأ.]] يوم، فذلك تقدير السير) [["معاني القرآن" 2/ 359.]]. قال أبو إسحاق: (جعلنا سيرهم بمقدار، حيث أرادوا أن يقيموا حلوا بقرية) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 250.]].

وقال ابن قتيبة: (جعلنا السير بين القرية إلى القرية مقدارًا واحدًا) [["تفسير غريب القرآن" ص 356.]].

وقوله: ﴿سِيرُوا﴾ أي: وقلنا لهم سيروا. ﴿فِيهَا﴾ في تلك القرى. ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا﴾ متى شئتم السير ليلاً أو نهارًا.

﴿آمِنِينَ﴾ من الجوع والعطش والسباع والتعب، ومن كل خوف. قال ابن عباس ومقاتل [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 360، "تفسير مقاتل" 98 ب.]].

34:19Page 430

فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا وَظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ١٩

But [insolently] they said, "Our Lord, lengthen the distance between our journeys," and wronged themselves, so We made them narrations1 and dispersed them in total dispersion. Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.

قال المفسرون: ثم إنهم سئموا الراحة وبطروا النعمة، وكرهوا ما كانوا فيه من الخصب [[في (ب): (الحطب)، وهو خطأ.]] والسعة في كفاية القدح في المعيشة كقوم موسى حين قالوا: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ إلى قوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 61] وهؤلاء من جملة من دخل في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: 58] فلم يشكروا ربهم، وسألوا أن تكون القرى والمنازل بعضها أبعد من بعض ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ أي: اجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز؛ لنركب إليها الرواحل ونتزود الأزواد. وقرئ: ﴿بَعَّد﴾، وهو مما فيه وفعل بمعنى واحد كقولك: ضاعِف وضعِّف، وكذلك خلافه [[في (ب): (خلاف).]] قارب وقرب. ومعنى قراءة من قرأ على الخبر: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾، أنهم استبعدوا سفرهم على قرية بطرا وأشرا، وقراءة العامة معناها الدعاء وسؤال الله أن يبعد بين أسفارهم [["الحجة" 6/ 19.]].

وقوله ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس: بكفرهم وتكذيبهم أنبيائهم [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 360.]].

﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ يريد لعن بعدهم، يتحدثون بأمرهم وشأنهم.

﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ مزقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق، وذلك أن الله تعالى لما غرق مكانهم وأذهب جنتيهم تبددوا في البلاد فصارت العرب تتمثل بهم في الفرقة، فيقولوا: تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبأ [[هذا مثل للعرب، يضرب للقوم إذا تفرقوا. انظر: "مجمع الأمثال" 2/ 4.]].

قال الشاعر:

من صادر أو وارد أيدي سبأ [[شطر بيت لم أقف على تمامه ولا قائله، وهو في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 251، "اللسان" 1/ 94 بلا نسبة.]]

وقال كثير:

أيادي سبأ يا عز ما كنت بعدكم ... فلم يحل بالعينين بعدك منظر [[البيت من الطويل، هو لكثير عزة في "ديوانه" ص 328، "شرح شواهد المغني" 2/ 687، "اللسان" 1/ 94.]]

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني فيما فعل بسبأ. ﴿لَآيَاتٍ﴾ عبرًا ودلالات. ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ قال ابن عباس: عن معاصي الله، (شكور) لأنعم الله [[لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وقد أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 493، "تفسير الماوردي" 4/ 446، "تفسير القرطبي" 14/ 291 بدون نسبة.]].

وقال مقاتل: يعني المؤمن من هذه الأمة صبور على البلاء، إذا ابتلي شاكر لله على نعمه [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]].

34:20Page 430

وَلَقَدۡ صَدَّقَ عَلَيۡهِمۡ إِبۡلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٠

And Iblees had already confirmed through them1 his assumption,2 so they followed him, except for a party of believers.

قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ وقرئ: صَدَقً، بالتشديد والتخفيف.

قال أبو إسحاق: صدقه في ظنه أنه ظن بهم أنه إذا أغواهم اتبعوه فوجدهم كذلك، فمن شدد نصب الظن؛ لأنه مفعول به، ومن خفف نصب الظن، على معنى صدق ظنا ظنه، وصدق في ظنه [[انظر: "معاني القرآن وإعربه" 4/ 251.]] هذا كلامه. وشرحه أبو علي فقال: معنى التخفيف أنه صدق ظنه، أي الذي ظن بهم من متابعتهم إياه إذا أغواهم، وذلك نحو قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16] و ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 39] وهذا ظنه؛ ذلك عن يقين؛ لأنه لم يقل بظنه [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: فظنه، كما في "الحجة" 6/ 21.]] على هذا ينتصب انتصاب المفعول به، ويجوز تعديته إلى المفعول به كما قال:

فإن تك ظني صادقي فهو صادقي [[شطر بيت من الطويل، لم أقف على قائله، وقد ورد في "إملاء ما من به الرحمن" 2/ 197، وكذا في "الدر المصون" 5/ 442. وجاء البيت بتمامه في "مجمع البيان" 8/ 607 برواية:

إن يك ظني صادقًا وهو صادقي ... بشملة يحبسهم بها محبسا وعرا

ونسبه محققه إلى مكبرة بنت بردام شملة، تقول: إن يك ظني بشملة صادقًا يحبسهم، أقي القوم الذين قتلوا أباه بتلك المعركة محبسا صعبا يدركه فيه ثأر أبيه]]

ويجوز أن ينتصب انتصاب الظرف، على تقدير: صدق عليهم الظن، على أنه مفعول به وعدي صدق إليه كما قال:

فإنْ لم أصدَّق ظنكَ بتيقنٍ ... فلا سقتِ الأوصالَ منِّي الرواعدُ [[بيت من الطويل ولم أقف على قائله.]].

واختلف المفسرون في هذه الآية؛ فمذهب ابن عباس في رواية عطاء أزال كناية في قوله: ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾ عن أهل سبأ [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 87، "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 430.]]. وقال في قوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: يريد قليلاً من الذين صدقوا الأنبياء وآمنوا بالله. وعلى هذا الاستثناء من سبأ، وهم من آمن منهم. ومذهب مجاهد [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 608، "تفسير القرطبي" 14/ 292.]] أن الكناية عن الناس كلهم، قال: صدق ظنه على الناس كلهم إلا من أطاع الله. وهو ظاهر مذهب المفسرين. قال مقاتل: يعني عباده المخلصين لم يتبعوهم في الشرك [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]]، وهم الذين قال الله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском