Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Saba 34:37–54
34:37Page 432
وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧
And it is not your wealth or your children that bring you nearer to Us in position, but it is [by being] one who has believed and done righteousness. For them there will be the double reward for what they did, and they will be in the upper chambers [of Paradise], safe [and secure].
ثم صرح بهذا المعنى فقال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ قال الفراء: (جعل التي جامعة للأموال والأولاد؛ لأن الأولاد يقع عليها التي وكذلك الأموال، فصلح أن يقع عليهما جميعًا التي، ولو قيل بالتي أو بالذين جاز، كما تقول: أما العسكر والإبل فقد أقبلا، ولو قيل: بالذين، يذهب إلى تذكير الأولاد وتغليب بني آدم لجاز، ولو قال: لو وجهت التي إلى الأموال واكتفيت بها من ذكر الأولاد لصلح، كما قال الأسدي [[هو: أبو حسان المراد بن سعيد بن حبيب الفقعسي، نسبته إلى فقعس من بني أسد ابن خزيمة، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، كثير الشعر، وكان مفرط القصر ضئيلا.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 440، "معجم الشعراء" ص 408.
والبيت من المنسرح، وهو من الأبيات المختلف في نسبتها، فقد نسبها المؤلف -رحمه الله- للأسدي، ينما نسبه سيبويه في "الكتاب" 1/ 75 لقيس بن الخطيم، وأورده ابن هشام في "مغني اللبيب" 2/ 622 غير منسوب لأحد، وكذا في "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 677، وفي "المقتضب" 3/ 112، 4/ 73. وقال الاْستاذ: محمد عبد الخالق عظيمة محقق كتاب "المعتصب" 4/ 73: والبيت نسبه إلى قيس بن الخطيم سيبويه، وكذلك فعل الأعلم وصاحب "معاهد التصيص" 1/ 189. و"صحح البغدادي في الخزانة" 2/ 189 نسبة الشعر إلى عمرو بن امرئ القيس. والقصيدة التي فيها هذا الشاهد في ديوان قيس بن الخطيم، طبع بغداد، ص 81. أهـ.]]:
نحن بما عندك وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف [[في (ب): (يختلف).]] [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 363.]]
واختار أبو [[في (ب): (ابن)، وهو تصحيف.]] إسحاق هذا القول فقال: (المعنى: وما أموالكم بالتي تقربكم، ولا أولادكم بالذين يقربونكم، ولكنه حذف اختصارًا وإيجازًا) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 255]].
قوله تعالى: ﴿تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ قال ابن عباس: يريد قربي [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وقد نسبه إلى مجاهد: "الطبري" 22/ 100، "الماودي"، 4/ 453، الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 615.]].
وقال مقاتل: يعني قربة [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.]].
قال الأخفش: زلفى هاهنا اسم المصدر، كأنه أراد بالتي تقربكم عند تقربنا [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 445، وعبارة الأخفش: بالتي تقربكم عندنا إزلافًا.]].
وذكرنا معنى الإزلاف عند قوله: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ [[سورة الشعراء: الآية 64. وموضعها بياض في (ب). وقال في هذا الموضع من "البسيط": وقال أبو عبيدة: أزلفنا جمعنا، قال: ومن ذلك سميت مزدلفة جمعا. ثم قال: والزلف الفازل والمراقي؛ لأنها تدني المسافر والراقي إلى حيث يقصده، ومنه قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.]] ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: 90]، وقوله ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ [[موضع (إلا) بياض في (ب).]] قال الفراء: إن شئت أوقعت التقريب على من، أي: لا تقرب الأموال إلا من كان مطيعًا [["معاني القرآن" 2/ 363.]]. ونحو هذا قال الزجاج، قال: موضع من نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم، على معنى: ما تقرب الأموال إلا من آمن وعمل بها في طاعة [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 255.]].
وعلى هذا يجب أن يكون الخطاب في قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ﴾ للمؤمنين والكافرين. والوجه أن يكون قوله: إلا من، استثناء منقطعًا، على تقدير: لكن من آمن وعمل صالحًا. وعلى هذا يدل تفسير ابن عباس، [فإنه] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] قال في قوله: إلا من آمن وعمل صالحًا [يريد] أن عمله وإيمانه يقر [بأنه] مني [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 432.]]. ولم يفسر بان أمواله وأولاده تقربه حتى يكون مستثنى من الخطاب الأول.
وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ قال ابن عباس: يريد يضعف الله لهم حسناتهم [[لم أقف عليه.]].
وقال مقاتل: يجزي بالحسنة الواحدة عشرًا فصاعدًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 100/ أ.]] وقال أبو إسحاق: (جزاء الضعف هاهنا عشر حسنات، تأويله: فأولئك لهم جزاء الضعف الذي قد أعلمناكم مقداره، وهو من قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160]) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 255.]].
وقال ابن قتيبة: لم يرد أنهم يجازون على الواحدة بواحدة مثله ولا [اثنين] [[ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من تفسير غريب القرآن لابن قتيبة.]]، كيف هذا والله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] ولكنه أراد لهم جزاء الضعف، أي: التضعيف، وجزاء التضعيف الزيادة، أي: لهم جزاء الزيادة. قال: ويجوز أن يجعل الضعف في معنى الجميع [[في (ب): (الجمع).]]، أي: جزاء الأضعاف، ونحوه ﴿عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ [ص: 61]) [["تفسير غريب القرآن" ص 357 - 358.]]. وقد مر تفسير الضعف عند قوله: ﴿عَذَابًا ضِعْفًا﴾ [[سورة الأعراف: الآية 38.]]، وتأويل قوله: ﴿جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ وهو أن يجازي بالواحد [[في (ب): (بالواحدة).]] عشر إلى ما زاد، فمعنى إضافة الجزاء إلى الضعف وهو الجزاء، كإضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظ، ويضمر المضاف إليه زيادة معنى نحو: حق اليقين، وصلاة الأولى. ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: من الخير في الدنيا.
﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ يعني: غرف الجنة آمنون من الموت. قاله مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.]].
وقال ابن عباس: يريد غرفا من ياقوت ودر وزبرجد آمنون من الموت والعذاب [[انظر: "القرطبي" 14/ 306.]].
(وقرأ حمزة: في الغرفة، على واحدة؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: 75]. فكما أن الغرفة، يراد بها الكثرة والجمع، كذلك قوله ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ يراد بها الكثرة واسم الجنس، وحجة الجمع قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ [الزمر: 20]، وقوله: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: 58]. وكما أن غرفا جمع كذلك الغرفات ينبغي أن تجمع، والجمع بالألف والتاء قد تكون للكثرة كقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]، وقول آخر:
لنا الجفنات الغر [[جزء من بيت، وتمامه:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
والبيت من الطويل، وهو لحسان بن ثابت في "ديوانه" ص 131، "الكتاب" == 3/ 578، "لسان العرب" 14/ 136 (جداً)، "المحتسب" 1/ 187، "خزانة الأدب" 8/ 106، 107، 110، 116.
والغر: الأبيض، جمع غراء، يريد بياض الشحم، يقول: جفاننا معدة للضيفان ومساكين الحي بالغداة، وسيوفنا تقطر بالدم لنجدتنا وكثرة حروبنا.
والشاهد فيه: جمع جفنة على جفنات مع أنها للقلة مرادًا بها جمع الكثرة. "الكتاب" 3/ 578.]] فهذا لا يريد إلا الكثرة؛ لأن ما عداها لا يكون موضع افتخار [[إلى هنا انتهى النقل من الحجة من قوله: وقرأ حمزة. "الحجة" 6/ 22.]].
34:38Page 432
وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨
And the ones who strive against Our verses to cause [them] failure1 - those will be brought into the punishment [to remain].
No commentary for this ayah
34:39Page 432
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩
Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills of His servants and restricts [it] for him. But whatever thing you spend [in His cause] - He will compensate it; and He is the best of providers."
قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، وروى أبو عبد عن اليزيدي: أخلف الله لك [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 403 (خلف).]]. وروى سلمة عن الفراء قال: سمعت: أخلف الله عليك، ويقال: أخلف الله لك، أي: أبدل الله لك ما ذهب [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 396 مادة: (خلف).]]. ويقال: قد أخلف الشجر إخلافًا، وذلك إذا أخرج ورقًا بعد ورق قد تناثر، والآية مختصرة، لأن المعنى فهو يخلفه لكم أو عليكم. قال سعيد بن جبير: وما أنفقتم من شيء في غير الإسراف ولا تقتير فهو يخلفه [[انظر: "الطبري" 22/ 101، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 706 وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد ابن حميد، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 461.]].
وقال الكلبي: ما تصدقتم وانفقتم في الخير والبر من نفقة فهو يخلفه، إما أن يعجله في الدنيا وإما أن يدخره له في الآخرة. وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ-: "كل معروف صدقه وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خلفه ضامنًا إلا ما كان من نفقة في [بنيان] [[انظر: "زاد المسير" 6/ 461.]] أو معصية" [[ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من الدر ومجمع البيان.]]. وقد بان بقول هؤلاء أن الآية ليست على ظاهرها من حيث أن كل منفق يستحق خلفًا عاجلاً، بل هو للمقتصدين والمتصدقين، ثم قد يكون عاجلًا في الدنيا ويكون مدخرًا في الآخرة، وقد قال مجاهد في هذه الآية: فإن الرزق مقسوم، فلعل رزقه قليل وهو ينفقه نفقة الموسع عليه [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 616، وأورده السيوطي في "الدر" وعزاه لابن عدي والبيهقي.]]، وربما أنفق الإنسان ما له في الخير ثم لم يزل عائلا حتى يموت. وهذا يؤكد ما قدمنا.
34:40Page 433
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٤٠
And [mention] the Day when He will gather them all and then say to the angels, "Did these [people] used to worship you?"
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين [[أورده السيوطي في "الدر" 6/ 706، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال مقاتل: يعني الملائكة ومن عبدها [[لم أقف عليه.]].
﴿يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ معنى هذا الاستفهام كالذي في قوله لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.]] الآية، وهو استفهام توبيخ للعابدين، فنزهت الملائكة ربها عن الشرك وتبرأوا منهم، وهو قوله:
34:41Page 433
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ أَكۡثَرُهُم بِهِم مُّؤۡمِنُونَ ٤١
They will say, "Exalted are You! You, [O Allāh], are our benefactor excluding [i.e., not] them. Rather, they used to worship the jinn; most of them were believers in them."
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تنزيها لك ما أضافوه إليك من الشركاء والمعبودين.
﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ قال ابن عباس: ما اتخذناهم عابدين ولا توليناهم، ولسنا نريد غيرك وليا [[انظر: "الوسيط" 3/ 497، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 463، ولم ينسبه لأحد.]]. ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ قال قتادة: يعني الشياطين [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: بل أطاعوا الشيطان [[في (ب): (الشياطين).]] في عبادتهم إيانا [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.]]. ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ يعني: المصدقين بالشياطين.
34:42Page 433
فَٱلۡيَوۡمَ لَا يَمۡلِكُ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٖ نَّفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ٤٢
But today [i.e., the Day of Judgement] you do not hold for one another [the power of] benefit or harm, and We will say to those who wronged, "Taste the punishment of the Fire, which you used to deny."
ثم يقول الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني: الآخرة. ﴿لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ يعني: العابدين والمعبودين. ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ أي: نفعا بالشفاعة، ولا ضرًا بالتعذيب، يريد أنهم عاجزين [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: عاجزون.]] لا نفع عندهم ولا ضر، وإنما يملكهم الله تعالى. وقال مقاتل: لا تملك الملائكة ولا تقدر أن تدفع عند سوءًا إذا عبدوهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 10 ب.]]. وعلى هذا يكون التقدير: ولا دفع ضر، فحذف المضاف. ثم أخبر عنهم أنهم يكذبون بمحمد والقرآن، ويسمون القرآن إفكًا وسحرًا، وهو قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
34:43Page 433
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٞ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمۡ عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُكُمۡ وَقَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٞ مُّفۡتَرٗىۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٤٣
And when Our verses are recited to them as clear evidences, they say, "This is not but a man who wishes to avert you from that which your fathers were worshipping." And they say, "This is not except a lie invented." And those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is not but obvious magic."
No commentary for this ayah
34:44Page 433
وَمَآ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّن كُتُبٖ يَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِيرٖ ٤٤
And We had not given them any scriptures which they could study, and We had not sent to them before you, [O Muḥammad], any warner.
ثم أخبر أنهم لم يقولوا ذلك عن بينة، ولم يكذبوا محمدًا عن ثبت عندهم، وهو قوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ قال قتادة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ قال قتادة:] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ما أنزل على العرب كتابًا قبل القرآن، ولا بعث إليهم نبيًا قبل محمد -ﷺ- [[انظر: "الطبري" 22/ 103، "زاد المسير" 6/ 463، "الوسيط" 3/ 498.]].
ونحو هذا قال ابن عباس والكلبي [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 433.]].
قال الفراء: أي من أين كذبوا بك ولم يأتهم كتاب ولا نذير بهذا الذي فعلوه [["معاني القرآن" 2/ 364.]].
وقال مقاتل: يقول ما أعطيناهم كتابًا بأن مع الله شريكًا، ولا أرسلنا إليهم رسولًا بذلك [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 ب.]].
34:45Page 433
وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَمَا بَلَغُواْ مِعۡشَارَ مَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ فَكَذَّبُواْ رُسُلِيۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٥
And those before them denied, and they [i.e., the people of Makkah] have not attained a tenth of what We had given them. But they [i.e., the former peoples] denied My messengers, so how [terrible] was My reproach.
ثم خوفهم وأخبر عن عاقبة من كان قبلهم من المكذبين فقال: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: الأمم الكافرة.
﴿وَمَا بَلَغُوا﴾ يعني: أهل مكة في قوله الجميع. ﴿مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] المعشار والعشير والعشر جزء من العشرة. [قال المفضل] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]]: لم يرد في العدد مفعال إلا هذا، والمرباع الربع [[في (ب): (الرفع).]] [[لم أقف على هذا القول عن المفضل، وقد ذكره ابن منظور في "اللسان" 8/ 101 (ربع) عن قطرب، وكذا الزبيدي في "تاج العروس" 21/ 31 (ربع).]]، وأنشد:
لك المرباع منها والصفايا [[صدر بيت، وعجزه:
وحكمك والنشيطة والفضول
وهو من الوافر، لعبد الله بن عنمة الضبي في: "الأصمعيات" ص 37، "تهذيب اللغة" 2/ 369، 11/ 314، 12/ 41، 249، "لسان العرب" 11/ 526 (فضل)، 14/ 462 (صفا)، "تاج العروس" 21/ 20 (نشط).]]
والمعشار والعشر في قول الجميع. قال ابن عباس: يقول: وما بلغوا قومك معشار ما آتينا [[في (أ): (آتيناهم).]] من قبلهم، من القوة وكثرة المال وطول العمر وعمران الأرض [[انظر: "الطبري" 22/ 103 - 104، "مجمع البيان" 8/ 618، "زاد المسير" 6/ 464، وعزاه للجمهور.]].
وقال قتادة: ما بلغوا هؤلاء معشار ما أتوا [[هكذا في (أ)، وهي بياض في (ب)، والصواب: ما أوتي.]] أولئك من القوة والجلد، فأهلكهم الله وهم أقوى وأجلد [[انظر: "المصادر السابقة، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 422.]]. وهو قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ قال ابن عباس: يقول كيف رأيت ما صنعت بالمكذبين [[لم أقف عليه.]].
وقال مقاتل: فكيف كان نكير يعني: تغييري أليس وجدوه حقًّا، يعني: العذاب، يحذر أهل مكة مثل عذاب الذين كانوا أشد منهم قوة [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.]]. والنكير اسم بمعنى الإنكار. قال أبو عبيدة: نكيري: عقوبتي [["مجاز القرآن" 2/ 150.]] [وعناي] [[ما بين المعقوفين يظهر أنها زيادة من النساخ. إذ لا معنى لها.]].
قال الزجاج: وحذفت الياء لأنه آخر آية [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 256.]].
34:46Page 433
۞ قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ ٤٦
Say, "I only advise you of one [thing] - that you stand for Allāh, [seeking truth] in pairs and individually, and then give thought." There is not in your companion any madness. He is only a warner to you before a severe punishment.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ أي: آمركم وأوصيكم، أمر الله نبيه -ﷺ- قال الزجاج: [أمره] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] أن يقول لقومه: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [[المصدر السابق.]] قال مجاهد: لا إله إلا الله [[انظر: "زاد المسير" 6/ 464، "القرطبي" 14/ 311. وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 710 وعزاه للفريابي وعبد بن حميد.]]. وروي ذلك عن ابن عباس [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 433.]].
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: بطاعة الله [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 528، "الطبري" 22/ 104، "الماوردي" 4/ 455، "زاد المسير" 6/ 465.]].
وقال مقاتل: بكلمة واحدة الإخلاص [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 ب.]].
وقال أبو إسحاق: والطاعة تتضمن التوحيد والإخلاص، أي: فأنا أعظكم بهذه الخصلة الواحدة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 256.]].
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ يصلح أن يكون محل (أن) خفضًا على البدل من واحدة، ويصلح أن يكون نصبًا، على تقدير: لأن تقوموا، فحذفت اللام، وهو قول الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 257.]]. ويصلح أن يكون رفعا بتقدير: هي أن تقوموا لله مثنى وفرادى، تقوموا منفردين ومجتمعين ثم تتفكروا، أي: الواحدة التي أعظكم بها قيامكم وتشمركم لطلب الحق بالفكرة مجتمعين ومنفردين [["إملاء ما من به الرحمن" 2/ 198، "البحر المحيط" 8/ 560.]]. وتم الكلام عند قوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ لتعلموا صحة ما أمرتكم به. قال مقاتل: يقول: ألا يتفكر الرجل منكم وحده ومع صاحبه، فينظر أن في خلق السموات والأرض دليلًا على أن خالقها واحد لا شريك له [["تفسير مقاتل" 100/ ب.]].
ثم ابتدأ فقال: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ هذا معنى قول المفسرين في هذه الآية. وأما أصحاب المعاني فإنهم جعلوا الآية متصلة. قال الفراء: أي يكفيني أن يقوم الرجل منكم وحده أو هو وغيره، ثم تتفكروا هل جربتم على محمد كذبًا أو رأيتم به جنونًا، ففي ذلك ما يتيقنون به أنه بني [["معاني القرآن" 2/ 263]].
وقال أبو إسحاق: المعنى: ثم تتفكروا فتعلموا أن النبي -ﷺ- ما هو بمجنون كما يقولون [[في (أ): (يقولون)، وهو تصحيف.]] [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 257.]]. وعلى هذا الآية نظمها منفصل، ومعنى قوله. بواحدة، أي: بخصلة واحدة، وهو معنى قول الفراء: يكفيني أن يقوم الرجل منكم وحده أو هو وغيره.
وشرح ابن قتيبة الآية على هذا المعنى شرحًا شافيًا فقال: (تأويله أن المشركين قالوا: إن محمدًا مجنون وساحر وأشباه هذا، فقال الله لنبيه -ﷺ-: قل لهم: اعتبروا أمري بواحدة، وهي أن تنصحوا لأنفسكم ولا يميل بكم هوى عن الحق، فتقوموا لله وفي ذاته مقامًا يخلو فيه الرجل بصاحبه فيقول له: هلم فلنتصادق هل بهذا الرجل جنة قط أو جربنا عليه كذبًا؟ وهذا موضع قيامهم مثنى، ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه فيتفكر وينظر ويعتبر (فهذا موضع فرادى، [فإن] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] في ذلك ما دلهم على أنه نذير، وكل من يخبر في أمر قد) [[ما بين القوسين مكرر في (أ).]] اشتبه عليه [واستبهم] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] أخرجه من الحيرة فيه: أن يسأل ويناظر، ثم يتفكر ويعتبر انتهى كلامه) [["تأويل مشكل القرآن" ص 312 - 313.]]. ومعنى القيام [هاهنا] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] التجرد والانكماش لطلب الحق، كما يقال: قام فلان بهذا الأمر، إذا تجرد [لكفايته] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]]. ونظير هذه الآية في اللفظ والمعنى قوله في سورة الأعراف: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [[آية 184.]] وقد مر الكلام فيه.
والقراء أيضًا مختلفون في الوقف على قوله: ﴿وَاحِدَةٍ﴾، وكان نافع يرى الوقف عندها، وغيره لا يرى ذلك. وكذلك قوله ثم تتفكروا، كان أبو حاتم يقول: هو تمام، وهو على المذهب [[في (أ): (مذهب)، وهو تصحيف.]] الأول في تفسير الآية [[انظر: "القطع والإئتناف" ص 345، "منار الهدى في الوقف والابتداء" ص 227.]].
قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قال ابن عباس: يريد بين يدي القيامة [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 433.]]. وقال مقاتل: بين يدي عذاب شديد في الآخرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 ب.]].
34:47Page 433
قُلۡ مَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٖ فَهُوَ لَكُمۡۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ ٤٧
Say, "Whatever payment I might have asked of you - it is yours. My payment is only from Allāh, and He is, over all things, Witness."
وقوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾، قال أبو إسحاق: (معناه ما سألتكم من أجر على الرسالة التي أؤديها إليكم ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ وتأويله أي: لست أجر إلى نفسي عرضًا من أعراض الدنيا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ أي: أني إنما أطلب ثواب الله بتأدية الرسالة) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 257.]].
[أجرًا فتتهموني بذلك] [[ما بين المعقوفين يظهر أنه كلام زائد.]]. ومعنى ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ أي: لم أسألكم شيئًا، كما يقول القائل: مالي في هذا فقد وهبت لك، يريد ليس فيه شيء.
وذكر الكلبي ومقاتل ما دل على أنه كان قد سألهم شيئاً ثم تركه لهم كما يقتضي ظاهر اللفظ، وهو أنهما قالا: إنه سألهم أن لا يؤذوا قرابته فانتهوا عن ذلك، ثم سمعوه يعيب آلهتهم فقالوا: نهانا أن لا نؤذي [[في (أ): (يؤدي)، وهو تصحيف.]] قرابته ففعلنا، وهو يذكر آلهتنا ويعيبها، فأكثروا في ذلك فنزل [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 ب، ولم أقف عليه عن الكلبي، وقد ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 77، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 620 بدون نسبة.]] ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ أي: إن شئتم فآذوهم وإن شئتم فلا توْذوهم. وعلى هذا الأجر الذي سألهم هو الكف عن أقاربه، ثم تركه لهم؛ لقوله: ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾. والقول الأول أصح؛ لأنه وإن سألهم الكف عن أقاربه، فليس ذلك بأجر على تبليغ الرسالة.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ قال ابن عباس: يريد لم يغب عنه شيء [[انظر: "الوسيط" 3/ 499.]]. وقال مقاتل: شهيد باني نذير وما بي جنون [[انظر: "تفسير مقاتل" 101 أ.]].
34:48Page 433
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٤٨
Say, "Indeed, my Lord projects the truth, Knower of the unseen."
وقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ قال الليث: القذف: الرمي بالسهم [[في (أ): (بألسنتهم).]] والحصى والكلام وكل شيء، حتى يقال: قذفت الناقة باللحم، أي: رميت به فأكثرت منه [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 74 (قذف)، وفيه: فاكتنزت منه.]]. وقول النابعة:
مقذوفة بدخص النحض بازلها [[صدر بيت، هكذا أثبت في النسخ، وهو تصحيف، والبيت هو:
مقذوفة بدخيس النحض بأزلها ... له حريف صريف القعو بالمسد
وهو من البسيط، للنابغة الذبياني في "ديوانه" ص 16، "تهذيب اللغة" 9/ 74، "للسان" 9/ 277 (قذف)، 11/ 52 (بزل)، 15/ 191 (قعا)، "الكامل" 3/ 844، "الكتاب" 1/ 355.
ومعنى البيت: يصف ناقة بالقوة والنشاط، فيقول: كأنما قذفت باللحم لتراكمه عليها، والنحض هو اللحم، ودخيسة ما تداخل منه وتراكب، والبازل: السن تخرج عند بزول الناقة وذلك في التاسع من عمرها، والصريف: صوت أنيابها إذا حكت بعضها ببعض نشاطا، والقعو: ما تدور عليه البكرة إذا كان من خشب. "الكتاب" 1/ 355.]]
ومن القذف الذي هو الرمي بالكلام قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ [[سورة الأنبياء: الآية 18.]] وقد مر. قال ابن عباس: يقذف بالحق يريد: يدفع الباطل بالحق [[انظر: القرطبي 14/ 312.]]. وعلى هذا التقدير: يقذف الباطل بالحق. وقال مقاتل: نتكلم بالوحي [[انظر: "تفسير مقاتل" 101 أ.]].
وقال الكلبي: يرمي [[في (ب): (نرمي)، وهو تصحيف.]] بالحق ننزل الوحي من السماء [[انظر: "الوسيط" 3/ 499، وبعض المفسرين ذكروا هذا القول عن قتادة. انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 457، "مجمع البيان" 8/ 620، "القرطبي" 14/ 312.]]. وهو اختيار ابن قتيبة قال: يلقيه إلى أنبيائه [["تفسير غريب القرآن" ص 358.]].
وقوله: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، قال الفراء: (الوجه الرفع؛ لأن النعت إذا جاء بعد الخبر رفعته العرب في أن يقول [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: كما هو عند الفراء: يقولون.]]: إن أخاك قائم الظريف، ومثله قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: 64]) [["معاني القرآن" 2/ 364.]]. وقال أبو إسحاق: (ورفعه على وجهين: أحدهما: أن يكون صفة على موضع: إن ربي يقذف هو بالحق علام الغيوب) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 257.]]. قال ابن عباس: علم ما غاب عن خلقه في السموات والأرض [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 433.]].
34:49Page 434
قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩
Say, "The truth has come, and falsehood can neither begin [anything] nor repeat [it]."1
وقوله: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ قال ابن عباس: يريد الدين والإيمان [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: يعني الإسلام [[انظر: "تفسير مقاتل" 101 أ.]]. وقيل: القرآن [[ونسب هذا القول لقتادة. انظر: "تفسير الطبري" 22/ 106، "تفسير الماوردي" 4/ 457.]].
وقال أبو إسحاق: جاء أمر الله الذي هو الحق [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 258.]]. ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ أي: ذهب ذهابًا كليًا وزهق فلم يبق له بقية، ويقال: لكل ذاهب ما يبدي وما يعيد، ومنه قول عبيد: فاليوم لا يبدئ ولا يعيد [[عجز بيت، وصدره:
أقفر من أهله عبيد
وهو من البسيط لعبيد بن الأبرص في "ديوانه" ص 45 "الشعر والشعراء" ص 144، "شعراء النصرانية" 4/ 601، "اللسان" 5/ 110، كتاب "العين" 5/ 151.]]
وهذا معنى قول ابن عباس: يريد إقبال الباطل وإدباره [[لم أقف عليه.]].
وقال قتادة: الباطل: السلطان [[هكذا في النسخ! وهو تصحيف، والصواب: الشيطان.]]، ما يبدئ [[(يبدي) مكررة في (ب).]] وما يعيد، أي [[(أي) ساقطة من (ب).]]: ما خلق ابتداء ويبعث [[انظر: "الوسيط" (3/ 499)، "القرطبي" 14/ 313، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 425.]]. وهو قول مقاتل والكلبي [[انظر "تفسير مقاتل" 101/ أ، "الوسيط" 3/ 499.]].
وقال الحسن: الباطل كل معبود من دون الله، بقول ما يبدي لأهله خيرًا في الدنيا وما يعيده في الآخرة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 222 ب]].
34:50Page 434
قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ ٥٠
Say, "If I should err, I would only err against myself. But if I am guided, it is by what my Lord reveals to me. Indeed, He is Hearing and near."
وقوله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي -ﷺ-: لقد ضللت حين تركت دين آبائك، فقال الله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ كما تزعمون فإنما أضل على نفسي، أي: إثم ضلالتي على نفسي [[انظر: "تفسير مقاتل" 101 أ.]]. ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ من الحكمة والبيان. ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ الدعاء ﴿قَرِيبٌ﴾ مني. قاله ابن عباس [[لم أقف عليه عن ابن عباس. انظر: "القرطبي" 14/ 314.]].
34:51Page 434
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٥١
And if you could see1 when they are terrified but there is no escape, and they will be seized from a place nearby.
وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ قال ابن عباس: يريد حتى بهتوا [[انظر: "القرطبي" 14/ 314، "زاد المسير" 6/ 467.]].
﴿فَلَا فَوْتَ﴾ يقول: لا يفوتني أحد ولا ينجو مني ظالم. ومذهب أكثر أهل التفسير أن هذا الفزع لهم عند البعث، وهو اختيار أبي إسحاق قال: هذا في وقت بعثهم [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 258.]]. وهو قوله: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ يعني: القبور. وذهب آخرون إلى أن هذا الفزع لهم في القيامة. وهو مذهب الحسن وابن معقل [[انظر: قول ابن معقل والحسن في كل من: "الطبري" 22/ 108، "الدر المنثور" 6/ 712. وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 467، ونسبه للأكثرين.]] وبلال بن سعد [[هو: أبو عمرو، وقيل: أبو زرعة بلال بن سعد بن تميم الأشعري، وقيل: الكندي الدمشقي، شيخ أهل دمشق في زمانه، تابعي جليل، وكانت لأبيه سعد صحبة، روى عن أبيه سعد وعن جابر بن عبد الله وأبي الدرداء وغيرهم. وروى عنه خلق كثير، وكان واعظًا بليغًا عابدًا مجتهدًا، توفي رحمه الله سنة نيف وعشرة ومائة. انظر: "تهذيب تاريخ دمشق" 3/ 318، "تهذيب الكمال" 4/ 290، "سير أعلام النبلاء" 90/ 5.]]، قال بلال: إن الناس يوم القيامة حوله، وهو قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ قال ابن معقل [[هو: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن محمد بن محفوظ بن معقل النيسابوري، شيخ محتشم، وكان أحد المجتهدين في العبادة، سمع أبا بكر بن خزيمة وأبا العباس بن السراج، وروى عنه الحاكم، توفي رحمه الله في ربيع الأول سنة 381 هـ.
انظر: "تهذيب تاريخ دمشق" 3/ 318، "تهذيب الكمال" 4/ 290، "سير أعلام النبلاء" 5/ 90.]]: أفزعهم يوم القيامة فلم يفرقوا.
وقوله تعالى: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال ابن عباس وأكتر المفسرين: يريد من تحت أقدامهم [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 458 ونسبه لمجاهد، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 469 ونسبه لمقاتل.]].
وقال آخرون: من حيث كانوا؛ لأنهم حيث كانوا فهم من الله قريب، لا يبعدون عنه ولا يفوتونه [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 109، "تفسير الماوردي" 4/ 458، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 426.]].
وقال أبو إسحاق: وجواب لو محذوف، المعنى: لو ترى ذلك لرأيت ما تعتبر به عبرة عظيمة [[لم أقف على قول الزجاج، وليس هو في "معاني القرآن" له.]].
وقال صاحب النظم: قوله: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ منظوم بما بعده، وهو قوله: ﴿وَأُخِذُوا﴾ والتقدير: ولو ترى إذ فزعوا وأخذوا من مكان قريب فلا فوت، أي: فلا يفوتون.
وقال الزجاج: أي فلا فوت لهم، لا يمكنهم أن يفوتوا [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 258]].
34:52Page 434
وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٢
And they will [then] say, "We believe in it!" But how for them will be the taking1 [of faith] from a place far away?2
﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ أي: بمحمد. ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ أي: التناول، أي: كيف لهم بنيل ما طلبوا من الإيمان في هذا الوقت الذي يقال فيه كافر ولا يقبل فيه توبة.
وقوله: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ زيد بعد ما بين مكانهم يوم القيامة، وبين المكان الذي تقبل فيه الأعمال.
34:53Page 434
وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٣
And they had already disbelieved in it before and would assault1 the unseen from a place far away.2
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: بمحمد، يقول: كيف ينفعهم الإيمان [[هكذا في الأصل ولعل الصواب في الآخرة.]] وقد كفروا به في الدنيا. ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: بالظن أن التوبة تنفعهم ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: بعيد من موضع يقبل فيه التوبة. ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ الأمم الخالية) [["تأويل مشكل القرآن" ص 330 - 331.]].
وهذا الذي ذكره ابن قتيبة في قوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ غير ما قدمناه، قال: (وكان بعض المفسرين يحمل الفزع عند نزول بأس الله من الموت أو غيره، وتعبيره بقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر: 84] إلى آخر السورة) [["تأويل مشكل القرآن" ص 331.]]. وهذا مذهب مقاتل، قال: هذا عند نزول العذاب بهم في الدنيا [[انظر: "تفسير مقاتل" 101/ ب]].
وقال الضحاك وزيد بن أسلم: هذا الفزع وما ذكر كله هو يوم بدر، إذ نزل بهم العذاب وشدة الموت قالوا: آمنا به، ولم ينفعهم ذلك [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 107، "القرطبي" 14/ 314، "زاد المسير" 6/ 467.]].
34:54Page 434
وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ ٥٤
And prevention will be placed between them and what they desire,1 as was done with their kind before. Indeed, they were in disquieting doubt [i.e., denial].
وقوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ قال ابن عباس: يعني الرجعة إلى الدنيا [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 434، "الوسيط" 3/ 499، "زاد المسير" 6/ 470.]].
وقال الحسن: يعني الإيمان. وهو قول سفيان [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 112، "تفسير الماوردي" 4/ 460، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 431.]].
وقال مجاهد: ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من مال وولد [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 112، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 431، "زاد المسير" 6/ 470.]].
وقال مقاتل: يعني من أن تقبل التوبة منهم [[ليس هو في تفسيره، ولم أقف على هذا القول منسوبًا إليه.]].
وقوله: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾، قال ابن عباس: بنظرائهم [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 471 نحو هذا القول عن الزجاج.]]. قال مجاهد: الكفار من قبلهم [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 529.]].
وقال الزجاج: أي بمن كان مذهبه مذهبهم [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 259.]]
قال أبو عبيدة: شيعة وشيع وأشياع [["مجاز القرآن" 2/ 151.]]. وهذا مما تقدم القول فيه [[عند تفسير قوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: الآية 65].]]. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قال مقاتل: من قبل هؤلاء [[ليس في تفسيره، ولم أقف على هذا القول منسوبًا له، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 471، ونسبه للمفسرين.]].
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ قال: من العذاب أنه نازل بهم.
قال الكلبي: في شك مما نزل بهم [[لم أقف عليه عد الكلبي. وانظر: "تفسير هود" 3/ 407 "زاد المسير" 6/ 471.]]. والكناية في ﴿إِنَّهُمْ﴾ تعود إلى الكفار الذين أخبر عنهم في قوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ لا إلى الأشياع. ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع لهم الريبة والتهمة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences