Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:22–39
36:22–25Page 441
وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٢
And why should I not worship He who created me and to whom you will be returned?
ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ ٢٣
Should I take other than Him [false] deities [while], if the Most Merciful intends for me some adversity, their intercession will not avail me at all, nor can they save me?
إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٤
Indeed, I would then be in manifest error.
إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ ٢٥
Indeed, I have believed in your Lord, so listen to me."
فقال ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [[انظر: "الطبري" 22/ 160.]].
قال محمد بن إسحاق: إني آمنت بربكم الذي كفرتم به، فاسمعوا قولي [[انظر: "الطبري" 22/ 160، "ابن كثير" 3/ 568.]].
وقال كعب: إنه قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ثم أقبل على الرسل فقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ ليشهدهم على إيمانه [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 451، "القرطبي" 15/ 19، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 51، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر.]]. فعلى هذا الخطاب للرسل، وعلى ما قال محمد بن إسحاق الخطاب لقومه.
وقال الكلبي: ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ يريد: فاشهدوا لي [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "زاد المسير" 7/ 13.]].
ومعنى فاسمعوا: اسمعوني، أي: اسمعوا مني. قال ذلك أبوعبيد [[انظر: "زاد المسير" 7/ 13.]].
وقال المبرد: فاسمعون أي: اسمعوا مني [[لم أقف عليه]]. وهذا مثل قولك: سمعت فلانًا يقول، وإنما المسموع قوله، ولكنه من المختصر المحذوف، وهو أكثر الكلام يجري على الألسنة، وحق الكلام أن تقول: سمعت من فلان ما قال. قال ابن عباس: فوثب عليه أهل مملكته حتى قتلوه [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "ابن كثير" 3/ 568.]].
وقال مقاتل: وطئ حبيب حتى خرج أمعاؤه من دبره، ثم ألقي في البئر وهو الرس، فهم أصحاب الرس، وقتلوا الرسل الثلاثة [["تفسير مقاتل" 106 ب.]].
وقال محمد بن إسحاق: وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه واستضعفوه لضعفه وسقمه، وكان رجلاً قد أسرع فيه الجذام ولم [[هكذا في النسخ، ويبدو أن هناك كلمة ساقطة وهي: يكن.]] له أحد يدفع عنه [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "ابن كثير" 3/ 568.]].
وقال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "المحرر الوجيز" 4/ 451، "زاد المسير" 7/ 13.]].
قال كعب: أخذ فقذف في النار [[أورده السيوطي في "الدر" 7/ 51، ونسبه لابن أبي شيبة وابن المنذر.]].
وقال قتادة: هذا رجل دعا قومه إلى الله -عز وجل- ومحضهم النصيحة فقتلوه على ذلك وأقبلوه يرجمونه، وهو يقول: اللهم اهد قومي، فأدخله الله الجنة وهو حي فيها يرزق [[انظر: "الطبري" 22/ 160، وقد ذكر القول إلى قوله: اللهم اهد قومي. وأورد هذا القول بتمامه: القرطبي 15/ 19 ونسبه للحسن. الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 283 عن قتادة.]]. وهو قوله:
36:26Page 441
قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ ٢٦
It was said, "Enter Paradise."1 He said, "I wish my people could know
﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾. قال أبو إسحاق: المعنى فلما عذبوه [[هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: عذبه.]] قومه، قيل: ادخل الجنة، فلما شاهدها قال: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 283.]].
وقال مقاتل: لما ذهب بروح حبيب إلى الجنة ودخلها وعاين ما فيها من النعيم، تمنى فقال [["تفسير مقاتل" 106 ب.]]:
36:27Page 441
بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٧
Of how my Lord has forgiven me and placed me among the honored."
﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ اختلفوا فيها؛ فقال الكسائي: بالذي غفر لي ربى أي: بمعرفته، فعلى هذا هو ما المصدر؛ لأنه مع الفعل بمنزلة المصدر [[انظر "الدر المصون" 5/ 479، "القرطبي" 15/ 19، "البحر المحيط" 7/ 316.]]. قال الفراء: ولو جعلت ﴿وَمَا﴾ في موضع أي كان صوابا، ويكون المعنى: ليتهم يعلمون بأي شيء غفر لي ربي [["معاني القرآن" 2/ 374، وانظر: "المصادر السابقة".]]. فقال الكسائي: لو كانت كذلك لكانت ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ بنقصان الألف كما تقول: سل عم شئت [[انظر: "المصادر السابقة".]]، وكقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال الفراء: (يجوز أن يكون تمامًا وهو استفهام، وأنشد:
إنا قتلنا بقتلانا سراتكم ... أهل اللواء ففيم يكثر القتل) [[البيت من البسيط، وهو لكعب بن مالك في "ديوانه" ص 255، "خزانة الأدب" 6/ 106.
والشاهد فيه: قوله: ففيما، حيث أثبت ألف ما الاستفهامية المتصلة بحرف الجر، وسراة القوم: خيارهم. والقول والقيل واحد. "الخزانة" 6/ 107.
وكلام الفراء في "معاني القرآن" 2/ 275.]]
وذكر أبو إسحاق الوجهين فقال: (أي بمغفرة ربي قال: وقيل: أي ليتهم يعلمون بالعمل والإيمان الذي غفر لي به ربي. قال: وحذف الاَّلف في هذا المعنى أجود) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 283.]]. وهذا قول مقاتل قال: يعني بأي شيء غفر لي ربي، أي: إنما غفر لي باتباعي المرسلين، فلو علموا لآمنوا بالرسل، فنصح لهم في حياته وبعد موته [["تفسير مقاتل" 106/ ب.]]. وروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: قال محمد -ﷺ-: "نصح لقومه حيًّا وميتًا" [[انظر: "ابن كثير" 3/ 568، وقد أورد السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 98، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 4/ 451 غير منسوب لأحد.]]. وقال قتادة: تمنى الرجل -والله أعلم- أن يعلم قومه ما عاين من كرامة الله، وذلك قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ أي: من المدخلين الجنة [[انظر: "الطبري" 22/ 161، "القرطبي" 15/ 20.]]. قاله الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 283.]]. وحبيب هذا الذي يقال له: صاحب يس، قال رسول الله -ﷺ-: "سباق الأمم ثلاثة: صاحب يس حبيب النجار [مؤمن] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] آل يس، وحزقيل مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم" [[هذا الأثر أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 3/ 235 أ، بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه. وأورده الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 659، ونسبه للثعلبي، وأورده الزمخشري في "الكشاف" 3/ 283. وقال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" 3/ 162: رواه الطبراني بنقص في "معجمه" من حديث حسين بن حسن الأشقر، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، ورواه كذلك ابن مردويه في "تفسيره"، والعقيلي في "الضعفاء" وأعله بحسين الأشقر وقال: إنه شيعي متروك، ولا يعرف هذا إلا من جهته، وهو حديث منكر، ورواه بلفظ المصنف الثعلبي من حديث عمرو بن جميع، عن محمد بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه. قال: وفيه عمرو بن جميع، وهو متروك ا. هـ.]].
وروي عن علي بن زيد بن جدعان أن عروة بن مسعود الثقفي صعد سور الطائف، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فرماه رجل من قومه بسهم فقتله، فقال النبي -ﷺ-: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل صاحب يس" [[هذا الأثر أورده ابن كثير 3/ 568، ونسبه لابن أبي حاتم، وذكره ابن حجر في "الإصابة" 2/ 47 عن ابن إسحاق، وكذا ابن عبد البر في "الاستيعاب" 3/ 112، وابن الأثير في "أسد الغابة" 3/ 406]].
قال ابن مسعود: فلما قتلوا حبيبًا، غضب الله لاستضعافهم إياه غضبًا لم يبق من القوم شيئًا، وعجل الله لهم [[في (ب): (عليهم).]] النقمة بما استحلوا منه فقال قومه:
36:28Page 442
۞ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ٢٨
And We did not send down upon his people after him any soldiers from the heaven, nor would We have done so.
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني: الملائكة [[انظر: "الطبري" 23/ 1.]]. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 106/ ب.]].
وقال ابن مسعود: أي ما كابدناهم بالجوع، أي: الأمر أيسر علينا من ذلك [[انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 10/ 3192، "القرطبي" 15/ 30.]].
وقال الكلبي: لم يبعث إليهم الملائكة [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "البغوي" 4/ 11، "زاد المسير" 7/ 14، "القرطبي" 15/ 20.]].
وقال الضحاك: ما استغثنا بأهل السماء عليهم [[لم أقف عليه عن الضحاك، وقد ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 10/ 3193 عن ابن مسعود.]].
وقال أبو إسحاق: لم ننتصر للذين [[هكذا في النسخ، والصواب: للذي.]] قتلوه بجند [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 283.]].
هذا الذي ذكرنا قول جميع أهل العلم والتفسير.
وقال مجاهد: أي لم نبعث إليهم رسالة بعده من السماء ولا أتاهم نبي [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 534.]]. والقول ما عليه الناس. وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ على قوله: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ}، والباقون: جعلوا هذا توكيدًا لأول الكلام [[في (ب): (للكلام)، وهو خطأ.]].
وأنكر صاحب النظم القولين جميعًا فقال: لا يجوز أن يكون المعنى لم ينزل على أحد جندا؛ لأنه أنزل الجند على أهل بدر وحنين، ولا يجوز أن يكون مكررًا على ما قبله؛ لأنه لا يكون نظمًا حسيا، وفيه أيضًا حمل الكلام على التكرير ولكن (ما) هاهنا اسم، والمعنى: لم ينزل عليهم حتى أهلكناهم جندًا من السماء ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ ولا ما كنا ننزله على من قبلهم من الأمم، إذ أهلكناهم بمثل الماء للغرق والصاعقة والريح، وهذا في النظم كقوله: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ ولا [[(لا) ساقطة من (ب).]] على الذي فطرنا. وعلى ما ذكر صاحب النظم ما يكون معطوفًا على قوله: من جندٍ، أي: لم ينزل عليهم [جندًا] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] ولا ريحًا ولا صاعقة ولا ماء، ثم بين أيش [[يعني: أي شيء.]] كانت عقوبتهم فقال:
36:29Page 442
إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ ٢٩
It was not but one shout,1 and immediately they were extinguished.
﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: كانت صيحة من جبريل، أخذ بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة فإذا هم ميتون لا يسمع لهم صوت، مثل النار إذا أطفأت [[ذكر هذا القول البغوي 4/ 11، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 14، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 569، والشوكاني في "فتح القدير" 4/ 367، ونسبوه لأكثر المفسرين.]].
قال ابن مسعود: أهلك الله ذلك الملك وأهل أنطاكية، فبادوا عن وجه الأرض ولم يبق منهم باقية [[انظر: "ابن كثير" 3/ 569.]]. وقال قتادة: ما نوظروا بعد قتلهم إياه حتى أخذتهم الصيحة [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 452، "ابن كثير" 3/ 569.]].
قال الزجاج: (ما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة فإذا خامدون: أي ساكتون، قد ماتوا وصاروا بمنزلة الرماد الخامد) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 283.]].
36:30Page 442
يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٠
How regretful for the servants. There did not come to them any messenger except that they used to ridicule him.
وقوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ معنى الحسرة في اللغة: أشد الندامة، وذكرنا اشتقاقها فيما تقدم [[عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة مريم: 39]. قال المؤلف رحمه الله هناك: والحسرة هي الندامة، يتحسر المسيء هلَّا أحسن العمل، ولم يذكر اشقاق الحسرة فعله وهم رحم الله حينما أحال على ذلك الموضع.]]، وهذه نكرة موصوفة، قال الفراء: (والعرب إذا نادت نكرة موصولة بشيء آثرت النصب، يقولون: يا رجلاً كريمًا أقبل، ويا راكبًا على البعير أقبل) [["معاني القرآن" 2/ 375.]].
وقال المبرد: نصبه كنصب نداء النكرة، كقولك: يا رجلاً أقبل، ومثله قول الصلتان:
فيا شاعرًا لا شاعرَ اليومَ مثلُه [[هكذا في النسخ، والصواب: (أيا شاعرًا لا شاعر اليوم مثله).]] ... جريرٌ [[في (ب) زيادة في أول الشطر الثاني: (ومعنى)، وهو خطأ.]] ولكن في كليبٍ تواضعُ [[البيت الطويل. وهو للصلتان العبدي في "الكامل" 3/ 1111، "المقتضب" == 4/ 215، "الشعر والشعراء" ص 314، "الكتاب" 2/ 237، "معاهد التنصيص" 1/ 75.
والشاهد فيه قوله: أيا شاعرًا، حيث نصب المنادى من قبيل الشبيه بالمضاف؛ لأنه موصوف بجملة.]] ومعنى نداء الحسرة تنبيه لأن يتمكن علم المخاطب بالحسرة، كما يقال: يا عجبًا أتفعل كذا، والمعنى: يا عجيب أقبل، فإنه من أمامك، ونداء العجب أبلغ في الفائدة كذلك نداء الحسرة، وهو معنى قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 284. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 391، "الفريد في إعراب القرآن" 4/ 106، "الكشاف" 3/ 285.]].
قال ابن عباس: يا حسرة على العباد في الآخرة باستهزائهم بالرسل في الرسل [[هكذا في جميع النسخ، وهو تصحيف، ولعل الصواب: الدنيا.]] [[لم أقف على من نسب القول لابن عباس. وقد أورد المؤلف في "الوسيط" 3/ 513، ونسبه لمجاهد ومقاتل، وهو في "تفسير مقاتل" 106 ب، "تفسير مجاهد" ص 534.]]. ثم بين سبب الحسرة فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ أي: في الدنيا، ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ثم خوف كفار مكة مثل عذاب الأمم الخالية في الدنيا ليعتبروا [فقال] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، وهذه الكلمة لا يحتاجها السياق.]].
36:31Page 442
أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٣١
Have they not considered how many generations We destroyed before them - that they to them1 will not return?
وقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ قال أبو إسحاق: (موضع كم نصب بأهلكنا؛ لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها، خبرًا كانت أو استخبارًا. وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أنهم بدل من معنى ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ والمعنى: ألم يروا أن القرون التي أهلكنا أنهم لا يرجعون) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 285.]].
والتفسير: لم يعتبروا بمن أهلكنا من قبلهم من القرون فيخافوا أن يعجل لهم في الدنيا مثل الذي عجل لغيرهم ممن أهلك، وأنهم مع ذلك لا يعودون إلى الدنيا أبدًا.
36:32Page 442
وَإِن كُلّٞ لَّمَّا جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٣٢
And indeed, all of them will yet be brought present before Us.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ قرئ: لما بالتخفيف والتشديد، فمن خفف فما زائدة [[ما نقله المؤلف رحمه الله هنا عن الزجاج من القول بأن (ما) زائدة، قال به أيضًا الزمخشري في "الكشاف" 2/ 295، وذكره أيضًا السمين في "الدر" 6/ 401، ولكن هذا القول لا ينبغي أن يقال؛ لأنه ينافي الأدب مع القرآن، فالقول بأن هذا الحرف زائد يوحي بأنه لا فائدة له، وهذا ليس صحيحًا في حق كلام الله جل وعلا. يقول ابن هشام في كتابه "الإعراب عن قواعد الإعراب" ص 108 - 109: وينبغي أن يتجنب المعرب أن يقول في حرف من كتاب الله: إنه زائدة لأنه يسبق إلى الأذهان أن الزائد هو الذي لا معنى له، وكلام الله سبحانه منزه عن ذلك. والزائد عند النحويين معناه الذي لم يؤت به إلا لمجرد التقوية والتوكيد لا المهمل، وكثير من المتقدمين يسمون الزائد صلة، وبعضهم يسميه لغوًا، لكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب ا. هـ.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" 16/ 537 بعد أن تكلم عن التكرار والزيادة في كلام العرب: (فليس في القرآن من هذا شيء ولا يذكر فيه لفظًا زائدًا إلا لمعنى زائد، وإن كان في ضمن ذلك التوكيد، وما يجيء به من زيادة اللفظ في مثل قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة آل عمران: 159] وقوله: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: 40] وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿الأعراف: 3﴾ فالمعنى مع هذا أزيد من المعنى بدونه، فزيادة اللفظ لزيادة المعنى، وقوة اللفظ لقوة المعنى) ا. هـ.
وانظر: "التأويل النحوي في القرآن الكريم" 2/ 1277 وما بعدها. "البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن" ص 302، "البرهان" للزركشي 2/ 177.]] مؤكدة، والمعنى: وإن كل لجميع لدينا محضرون، ومن شدد جعل لما بمعنى إلا تقول: سألتك لما فعلته، وإلا فعلت، هذا قول الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 286.]].
وقال الفراء: (الوجه التخفيف؛ لأنها ما أدخلت عليها لام يكون جوابًا لأن كأنك قلت: وإن كل لجميع. وأما من ثقل فإنه يجعل لما بمنزلة إلا مع أن خاصة، كأنها ضمت إليها ما [[(ما) ساقطة من (ب).]] فصار جميعًا استثناء وخرجتا من حد الجحد إذا جمعتا فصارتا حرفًا واحدًا) [["معاني القرآن" 2/ 377.]] هذا كلامه. ومعنى قوله: بمنزلة إلا مع أن خاصة، يعني أن إلا كلمتان أولاهما التي هي جحد بمنزلة ما ولا أيضًا جحد جمع بينهما فصارتا استثناء، وكذلك لما جحد إن اجتمعتا لم وما فتشابهتا في هذا المعنى، وهذا كلام صاحب النظم في شرح ما ذكره الفراء قال: وكان الكسائي ينفي هذا القول، ويقول: لا أعرف جهة لما بالتشديد في القراءة [[انظر: "الدر المصون" 4/ 140، "البحر المحيط" 7/ 319، "القرطبي" 15/ 24.]]. وقد ذكرنا استقصاء هذه المسألة في سورة هود عند قوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: 111] وتفسير مقاتل موافق لمذهب من شدد لما؛ لأنه يقول: وما إلا جميع لدينا محضرون [[لم أقف على هذا التفسير عن مقاتل.]]. ومن خفف لما كان أن في قوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ بمنزلة المشددة، ولكنها إذا خففت لم تنصب، وهذه الجملة قد أشبعنا الكلام فيها في سورة هود.
قال أبو إسحاق: (تفسير الآية: أنهم يحضرون يوم القيامة فيقفون على ما عملوا) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 286.]].
36:33Page 442
وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ أَحۡيَيۡنَٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ ٣٣
And a sign for them is the dead earth. We have brought it to life and brought forth from it grain, and from it they eat.
ثم وعظ كفار مكة أن يتفكروا في صنعه ليعرفوا توحيده، فقال: [[في (ب) زيادة: (وقوله تعالى)، وهي زيادة لا يحتاجها السياق.]] ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾. واختلفوا في الكناية في قوله: ﴿ثَمَرِهِ﴾. فقال أبو عبيدة: (العرب تذكر الإثنين ثم تقتصر على الخبر عن أحدهما، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾.
وقال الأزرق بن طرفة بن العَمرَّد [[لم أقف له على ترجمة.
والبيت من الطويل، مختلف في نسبته، فالأكثر ينسبه لعمر بن أحمر وهو في "ديوانه" ص 187، "الدرر" 2/ 62، "الكتاب" 1/ 75، ونسبه أبو عبيدة لطرفة بن العمرَّد كما في "مجاز القرآن" 2/ 161، وله أو لابن أحمر كما في "اللسان" 11/ 132 (حول). وهو غير منسوب في "المصون من الأدب" ص 84.
والشاهد فيه: حذف خبر كان، والتقدير: كنت منه بريئًا، وعليه فبريئًا الموجود خبر لكان المحذوفة مع اسمها.
ومعنى رماني: أي قذفني بأمر أكرهه، والطوي: هي البئر المطوية بالحجارة. "الكتاب" 1/ 75.]]:
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بري ومن أجل الطوي رماني
فاقتصر على خبر واحد، وقد أدخل الآخر معه) [["مجاز القرآن" 2/ 161.]]. فعلى قول الكناية تعود إلى مضمر مراد في اللفظ وهو الماء؛ لأن قوله:
36:34Page 442
وَجَعَلۡنَا فِيهَا جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ وَفَجَّرۡنَا فِيهَا مِنَ ٱلۡعُيُونِ ٣٤
And We placed therein gardens of palm trees and grapevines and caused to burst forth therefrom some springs -
﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ تقديره: وفجرنا فيها ماء من العيون.
36:35Page 442
لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٣٥
That they may eat of His fruit.1 And their hands have not produced it,2 so will they not be grateful?
﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ لأن الثمار لا تكون إلا من الماء وبالماء.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ يجوز أن تكون [[في (أ): (يكون).]] ما موصولة بمعنى الذي، ويكون في موضع خفض [[في (أ): (خفين)، وهو تصحيف.]] عطفًا على التمر: ليأكلوا من ثمره ومما عملت أيديهم. وهذا معنى قول ابن عباس؛ لأنه قال: يريد من الغروس، يعني أن الغروس من عمل أيدينا [[انظر:: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 492، "القرطبى" 15/ 25، "ابن كثير" 3/ 570.]].
قال صاحب النظم: المعنى ويأكلوا بما عملت أيديهم بالمقاساة بالحراثة كما قال -عز وجل-: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: 63] فأضاف الحراثة إليهم. وعلى هذا العائد من الصلة إلى الموصول محذوف على قول [[في (أ): (قوله)، وهو خطأ.]] من قرأ: عملت بغير هاء، وأكثر ما جاء في التنزيل من هذا على حذف كقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ و ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ و ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ و ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾. وكل هذا على إرادة الهاء وحذفها، وقد جاء الإثبات في قوله: ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ويكون هذا كقول [[في (أ): (كقوله)، وهو خطأ.]] من قرأ: عملته بالهاء، في أنه ردَّ الكناية من الصلة إلى الموصول. ويجوز أن يكون في قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ نفيًا على معنى: ليأكلوا من ثمره ولم تعمله أيديهم ولكن من فعلنا.
وقال الضحاك: أي وجدوها معمولة ولا صنع لهم فيها [[انظر: "الماوردي" 5/ 16، "البغوي" 4/ 12،"مجمع البيان" 8/ 661.]].
قال الفراء: (إذا جعلت (ما) جحدًا لم تجعل لها موضعًا، ويكون المعنى: إنا جعلنا لهم الجنات والنخيل والأعناب، ولم تعملها أيديهم) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 377.]] ويقوي هذا الوجه قوله: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾. ومن قدر هذا التقدير لم يكن ﴿عَمِلَتْهُ﴾ صلة، وإذا لم يكن صلة لم يقتض الهاء الراجعة إلى الموصول، ويجوز أيضًا أن تكون (ما) نافية على قراءة من أثبت الهاء في عملته، وتكون الهاء كناية عن لفظ الثمر والتمر لم تعمله أيدي الناس، إنما ظهر بقدرة الله وإيجاده. وهذا الذي ذكرنا معنى قول الفراء [[المصدر السابق.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 286.]]، وأبي علي [["الحجة" 45/ 6.]] رحمهم الله.
وقوله: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ قال ابن عباس: أفلا يطيعون [[لم أقف عليه عن ابن عباس.]].
قال مقاتل: أفلا يشكرون رب هذه النعم ويوحدونه [["تفسير مقاتل" 107 أ.]].
36:36Page 442
سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦
Exalted is He who created all pairs1 - from what the earth grows and from themselves and from that which they do not know.
ثم نزه نفسه وعجب خلقه فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ قال ابن عباس: والحبوب.
﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال قتادة ومقاتل: يعني الذكر والأنثى، والأزواج من النبات أجناسه، ومن الأنفس الذكر والأنثى [["تفسير مقاتل" 107 أ، ولم أقف عليه عن قتادف]].
وقوله: ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال الكلبي: من سائر الخلق [[لم أقف عليه عن الكلبي، وذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 17 نحوه ولم ينسبه.]].
وقال مقاتل: [ومما لا يعلمون من الخلق] [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ) منسوبًا للزجاج، وهو خطأ.]] [["تفسير مقاتل" 107 أ.]].
وقال الزجاج: (ومما لا يعلمون مما خلق الله من جميع الأنواع والأشباه) [["معاني القرآن وإعرابه"" 4/ 287.]]، والمعنى: أن الله خالق الأنواع مما يعلمون، وهو ما ذكر من النبات والأنفس، ومما لا يعلمون بما لا يقف عليها من دواب البر والبحر وغيرها من الأشياء التي لا نعلمها [[في (أ): (يعلمها)، وهو تصحيف.]].
36:37Page 442
وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ ٣٧
And a sign for them is the night. We remove1 from it the [light of] day, so they are [left] in darkness.
وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ أي: علامة تدل على قدرتنا. ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ قال الكلبي ومقاتل: [..] [[قدر كلمة في جميع النسخ غير واضحة، والظاهر والله أعلم أنها: ينزعه.]] ويذهب به [[انظر: "تفسير التعلبي" 3/ 235 ب]]. قال أبو عبيدة: (نخرج ونميز منه فيجيء الظلمة، يقال للرجل: سلخه الله من دينه) [["مجاز القرآن" 2/ 161.]]. وقال الفراء: (معناه نسلخ عنه النهار فرمي بالنهار عنه فيأتي بالظلمة) [["معاني القرآن" 2/ 378.]]. وقال الزجاج: (نخرج منه النهار إخراجًا لا يبقى معه شيء في ضوء النهار [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 287.]]. هذا كلامه.
ومعنى السلخ في اللغة: كشطك الإهاب، ثم تستعمل فيه أشياء كثيرة تكون بمعنى الإخراج، والإنسلاخ: الخروج، كقوله: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: 175] وانسلخت الشمس أي استكملت أيامه [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 170، "اللسان": 3/ 54 (سلخ)، "عمدة الحفاظ" 2/ 241.]]. وقد مر الكلام في هذا [[عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: 5].]].
وتحقيق معنى نسلخ [[في (ب): (لنسلخ)، وهو خطأ.]] من النهار: أن الظلمة هي الأصل والنهار داخل عليها يسترها بضوئه، فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل، أي كشط وأزيل كما يكشط [[في (أ): (يكشف)، وهو تصحيف.]] الشيء الطارئ على الشيء، فجعل ذهاب الضوء ظهور الظلمة كالسلخ من الشيء فيظهر المسلوخ بعد سلخ إهابه [[في (ب): (منه).]].
قال أبو علي: (وآية ترتفع بالإبتداء، ولهم صفة للنكرة، والخير مضمر تقديره: وآية لهم في المشاهدة أو في الوجود) [["الحجة" 6/ 40.]].
وقوله تعالى: ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ الآية كما أن قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ تفسير للوصية) [النساء: 11]
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ أي: داخلون في الظلمة. يقال: أظلمنا، أي: دخلنا في ظلام الليل، وجاء فلان مظلمًا أي بليل.
36:38Page 442
وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٣٨
And the sun runs [on course] toward its stopping point. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.
قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ قال أبو إسحاق: المعنى وآية لهم الشمس تجري لمستقر لها [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 287.]].
قال المبرد وابن قتيبة: أي إلى مستقر لها، كما تقول: هو [[في (أ): (هم)، وهو تصحيف.]] يجري لغايته وإلى غايته [["تفسير غريب القرآن" ص 365، "تأويل المشكل" ص 316، ولم أقف على قول المبرد.]].
واختلفوا في مستقر الشمس، فروى أبو ذر أن النبي -ﷺ- قال في هذه الآية: "مستقرها تحت العرش" [[الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب التوحيد" باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ وقوله جل ذكره: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ 6/ 2703 رقم 6996، والإمام مسلم في "صحيحه" كتاب: الإيمان، باب: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان 1/ 139 رقم 251.]] وهو قول ابن عباس قال: يريد تحت عرش الرحمن [[لم أقف عليه.]].
وعلى هذا هي إذا غربت كل نهار استقرت تحت عرش الرحمن إلى أن تطلع، يدل عليه ما روى أبو ذر أنه قال: كنت مع رسول الله -ﷺ- في المسجد عند غروب الشمس فقال: "أتدري أين تغرب؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: "يذهب بها حتى ينتهي تحت العرش ثم تستأذن فيؤذن بها، ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها" [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 5/ 125 - 177، والترمذي في "سننه" "كتات التفسير"، تفسير سورة يس 5/ 42 رقم 3280. وقال هذا حديث حسن صحيح.]].
وقال قتادة: إلى وقت وأجل لها لا تعدوه [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 235 ب، "الطبري" 23/ 6، "الماوردي" 5/ 11.]]. ونحو هذا قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 107 أ.]] وعلى هذا مستقرها انتهاء سيرها عند إنقضاء الدنيا، وهو اختيار أبي إسحاق فقال: (لمستقرها أي: لأجل قد أجل لها) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 287.]].
وقال الكلبي: تسير في منازلها حتى تنتهي إلى آخر مستقرها الذي لا تجاوزه، ثم ترجع إلى منازلها حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع، فذلك مستقرها؛ لأنها لا تجاوزه [[انظر: "الماوردي" 5/ 17، "زاد المسير" 7/ 19، وأورد هذا القول ولم ينسبه: ابن عطية في "المحرر الوجيز" 4/ 454، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 663.]]. وعلى هذا (لمستقرها) أي: لمستقر لسيرها لا يزيد إذا انتهى إليه انصرف ورجع.
وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ قال مقاتل: ذلك الذي ذكره من أمر الليل والنهار والشمس. ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ في ملكه ﴿الْعَلِيمِ﴾ بما قدر من أمرها.
36:39Page 442
وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ ٣٩
And the moon - We have determined for it phases, until it returns [appearing] like the old date stalk.
قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ قرئ: والقمر بالرفع والنصب، فالرفع بتقدير: وآية لهم القمر، كما ذكرنا في قوله: ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ﴾ و ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾. ويجوز أن يكون ابتداء وقدرناه الخبر، والنصب على: وقدرنا القمر قدرناه، وقد حمله سيبويه على: زيدًا أضربته، قال: وهو عربي. هذا كلام أبي إسحاق وأبي علي [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 287، "الحجة" 6/ 39 - 40.]].
وقال الفراء: في القمر [[هكذا في جميع النسخ، وهو خطأ، والصواب كما في "معاني القرآن" للفراء: الرفع في القمر ..]] أعجب إلى؛ لأنه قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ ثم جعل الشمس والقمر متبعين الليل، وهما آيتان مثله [["معاني القرآن" 2/ 378.]].
وقال أبو عبيدة: النصب أحب إلي؛ للفعل المتقدم قبله والمتأخر بعده، فالمتقدم قوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾، والمتأخر قوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾ والتقدير في الآية: قدرناه ذا منازل، كما ذكرنا في قوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [[في (أ): (وقدرناه) بزيادة الواو، وهو خطأ.]] ثم حذف المضاف [[لم أقف على قول أبي عبيد. وانظر في توجيه هذه القراءة: القراءات وعلل النحويين فيها 2/ 564، "الحجة في القراءات السبع" ص 298، "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها"، "حججها" ص 216.]]. ومنازل القمر معروفة، وهي: ثمانية وعشرون منزلة، من أول الشهر إلى ثمان وعشرين ليلة منه تم فإذا صار في آخر منازله دق وذلك [[في (ب): (فذلك).]]
قوله: [[في (أ) زيادة بعد قوله: (وقوله)، وهو خطأ.]] ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾. قال أبو إسحاق: (العرجون عود العذق الذي تركبه الشماريخ من العذق، وهو فعلول من الانعراج، وإذا جف وقدم دق وصغر، يشبه [[في (أ): (يشبهه).]] به الهلال في آخر الشهر وفي أول مطلعه) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 288.]]. واستقوس [[هكذا جاء الكلام في جميع النسخ، والذي يظهر أن هناك عدم ترابط بين كلام أبي إسحاق وكلام المؤلف بسبب سقط كلمة أو نحوها.]] فشبه القمر ليلة ثماني وعشرين، والآية مختصرة؛ لأن التقدير: فسار في منازله حتى عاد كالعرجون، ودل قوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [[في (ب): (وقدرناه) زيادة الواو، وهو خطأ.]] على هذا المحذوف وهو السير؛ لأن كونه ذا منازل يقتضي سيره فيها. وقال الكلبي: كالعرجون اليابس قد حال عليه الحول فتوش [[هكذا في النسخ، ولعل الصواب: (فتقوس).]] [[لم أقف عليه.]]. ونحو هذا قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 107 أ.]].
والعرجون على ما ذكر أبو إسحاق من الثلاثي؛ لأنه [[في (ب): (لا أنه)، وهو خطأ.]] جعل النون زائدة، وذكره الليث في باب الرباعي فقال: العرجون أصل العذق، وهو أصفر عريض يشبه به الهلال إذا انمحق. قال: والعرجنة تصوير عراجين النخل [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 320 (عرجن).]].
وقال رؤبة:
في خدر مياس الدجى معرجن [[عجز بيت من الرجز، وصدره:
أوذكر ذات الرَّبد المعهن.
وهو لرؤبة في "ديوانه" ص 161، "تهذيب اللغة" 3/ 320، "اللسان" 13/ 284 (عوجن).]]
أي: مصور فيه صورة النخل [[في (ب): (القتل)، وهو خطأ.]] والدمى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences