Al-Wahidi (al-Basit)As‑Saffat · 37:17–47

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:17–47

37:17Page 446

أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ ١٧

And our forefathers [as well]?"

قوله تعالى: ﴿أَوَآبَاؤُنَا﴾ قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 110 أ.]]: أو يبعث آباؤنا. وهذه ألف الاستفهام دخلت على حرف العطف. وقرأ نافع هاهنا وفي سورة الواقعة [[آية 48 قوله تعالى: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾.]] ساكنة الواو. وذكرنا الكلام في هذا في سورة الأعراف عند قوله: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ [[آية 98. وقد ذكر المؤلف رحمه الله هناك كلاماً طويلاً منقولاً بنصه من الحجة كما قال د/ محمد الفايز، وانظر: "الحجة" 4/ 54.]].

37:18Page 446

قُلۡ نَعَمۡ وَأَنتُمۡ دَٰخِرُونَ ١٨

Say, "Yes, and you will be [rendered] contemptible."

قال مقاتل: فقال الله لنبيه -ﷺ- ﴿قُلْ﴾ لكفار مكة ﴿نَعَمْ﴾ تبعثون ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي صاغرون [["تفسير مقاتل" 110 أ.]]، وقال أبو عبيدة والمفضل [[لم أقف على قول المفضل.]]: الدخور أشد الصغار، يقال داخر صاغر، وأنشد أبو عبيدة قول ذي الرمة فقال:

فلم يبق إلا داخر في مخيّشٍ ... ومنحجِرٌ في غير أرضك في حُجْرِ [[البيت من الطويل وهو لذي الرمة في "ديوانه" ص 275، وانظره منسوبًا إليه في "مجاز القرآن" 2/ 168. والدخور هو التواضع، والمخيش: السجن، والمنحجر الداخل في الحجر. انظر: "الدر" بتحقيق الخراط 7/ 233.]] [["مجاز القرآن" 2/ 168.]] وذكرنا تفسير هذا عند قوله: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: 48] [[قال هناك: داخرون أي صاغرون هذا لفظ المفسرين، يقال دخر يدخر دخورًا أي صغر يصغر صغاراً، وهو الذي يفعل ما يؤمر به شاء أم أبى.]].

37:19Page 446

فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ فَإِذَا هُمۡ يَنظُرُونَ ١٩

It will be only one shout, and at once they will be observing.

ثم ذكر أن بعثهم يقع بزجرة واحدة، وذلك قوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ [وهي ضمير على أن شريطة التفسير] [[هذه الجملة يظهر لي والله أعلم أنها مدرجة وأنها خطأ ووهم من النساخ.]] وقد مضت هذه المسألة، والمعنى وإنها قصة البعث زجرة واحدة.

قال مقاتل: يعني صيحة واحدة من إسرافيل [["تفسير مقاتل" 110 أ.]].

وقال ابن عباس: يريد نفخة البعث [["تفسير ابن عباس" ص 374 بهامش المصحف.]]. ومعنى الزجر في اللغة الصيحة التي يزجر بها، كالزجرة بالغنم وبالإبل [[في (ب): (والإبل).]] عند الحث، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمعنى الصيحة وإن لم يكن فيها معنى الزجر عن الشيء كالتي في هذه الآية [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 602، "اللسان" 4/ 318 (زجر).]].

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ قال مقاتل: ينظرون إلى البعث الذي كذبوا به [["تفسير مقاتل" 110 أ.]].

وقال الكلبي: إذا سمعوا بالصيحة الآخرة زجروا من قبورهم فاستووا على ظهر الأرض قيامًا ينظرون [[لم أقف عليه عند الكلبي، وانظر: "القرطبي" 15/ 72.]] ما يؤمرون به.

قال أبو إسحاق: (أي يبعثون بصراء ينظرون)، فلما عاينوا البعث ذكروا قول الرسل في الدنيا أن البعث حق فدعوا بالويل.

37:20Page 446

وَقَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا هَٰذَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ ٢٠

They will say, "O woe to us! This is the Day of Recompense."

﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ قال [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 301.]]: من العذاب ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ يعني يوم الحساب والجزاء، قاله الكلبي ومقاتل وعطاء [["تفسير مقاتل" 110 أ، ولم أقف عليه عند الكلبي وعطاء، وانظر: "الماوردي" 5/ 42، "زاد المسير" 7/ 52.]].

وقال أبو إسحاق: يوم نجازى فيه بأعمالنا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 301.]].

37:21Page 446

هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢١

[They will be told], "This is the Day of Judgement which you used to deny."

قال مقاتل: (فردت عليهم الملائكة فقالوا: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ يعني يوم القضاء. ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ بأنه غير كائن) [["تفسير مقاتل" 110 أ.]]، ونحو هذا قال الكلبي [[لم أقف على قول الكلبي، وقد ذكره القرطبي 15/ 72 ولم ينسبه، وكذا ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 52.]]. فيقال لهم: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾.

وقال ابن عباس: يريد اليوم الذي يفصل بين العباد [["تفسير ابن عباس" ص 374 بهامش المصحف.]].

وقال أبو إسحاق: هذا يوم الفصل فيه بين المحسن والمسيء ويجازى كل بعمله [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 301.]].

37:22Page 446

۞ ٱحۡشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزۡوَٰجَهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٢٢

[The angels will be ordered], "Gather those who committed wrong, their kinds,1 and what they used to worship

قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا﴾ أي: يقال في ذلك اليوم ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس: الذين أشركوا من بني آدم [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 374 بهامش المصحف، وذكر القول ولم ينسبه البغوي 4/ 25، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 52.]].

وقوله: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بالأزواج هاهنا الأمثال والأشباه والضرباء وهو قول عمر بن الخطاب وابن عباس وابن زيد وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والشعبي، قالوا هؤلاء كلهم: أمثالهم وأشباههم وأشياعهم وأتباعهم وضرباؤهم [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 148، "الطبري" 23/ 46، الثعلبي 3/ 240/ ب، "الماوردي" 5/ 43، "زاد المسير" 7/ 52.]]. ونحو ذلك قال الكلبي [[لم أقف عليه عن الكلبي، وانظر: المصادر السابقة.]]. كل من عمل مثل عملهم وهو من قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ أي أشكالاً وأشباهًا، وهذا القول اختيار أبي إسحاق قال: (المعنى ونظراؤهم وضرباؤهم، تقول عندي من هذا أزواج أي أمثال، وكذلك زوجان من الجفاف، أي كل واحد نظير صاحبه، وكذلك الزوج المرأة والزوج الرجل، قد تناسبا بعقد النكاح وكذلك قوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: 58] انتهى كلامه) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 301.]]، وعلى هذا يجب أن يكون المراد بالذين ظلموا الرؤساء والقادة، لأنك إذا جعلت الذين ظلموا عامًا في كل من أشرك لم يكن للأزواج معنى.

وقال ابن عباس [["تفسير ابن عباس" ص 375 بهامش المصحف. وانظر: "الماوردي" 5/ 43.]] في رواية عطاء: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قرناؤهم من الشياطين، وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 110 أ.]]. قال: يعني الشياطين الذين أضلوهم، وكل كافر مع شيطان في سلسلة واحدة، وقال الحسن [[لم أقف عليه عن الحسن، ونسبه أكثر المفسرين للضحاك ومقاتل. وانظر: "البغوي" 4/ 25، "القرطبي" 15/ 73، "زاد المسير" 7/ 52.]]: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قال: يعني ضرباؤهم من الجن.

قوله - عز وجل -: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من الأوثان والطواغيت. وقال مقاتل: يعني إبليس وجنده [["تفسير مقاتل" 110 أ.]] واحتج بقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: 60].

37:23Page 446

مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡجَحِيمِ ٢٣

Other than Allāh, and guide them to the path of Hellfire

قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ قال ابن عباس: دلوهم [["تفسير ابن عباس" ص 374 بهامش المصحف. وانظر: "البغوي" 4/ 25.]]. وهو اختيار المفضل [[لم أقف على اختيار المفضل.]] قال: المعنى اذهبوا بهم.

قال أهل المعاني: وإنما استعملت الهداية هاهنا لأنه جعل الهداية إلى الجنة كما قال: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: 21، التوبة: 31، الانشقاق: 24]. فوقعت البشارة بالعذاب لهؤلاء بدل البشارة بالنعيم لأولئك [[لم أقف عليه عند أهل المعانى، وقد ذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 688.]]. وروي عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ فسوقوهم [[أورده السيوطي في "الدر" 7/ 84، وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس. قلت: ولم أقف عليه عند ابن جرير.]].

وقال مقاتل والكلبي والضحاك [["تفسير مقاتل" 110 أ، ولم أقف عليه عن الكلبي والضحاك، وأورده الماوردي 5/ 43، ونسبه للسدي.]]: فادعوهم، وهو معنى وليس بتفسير.

وقال ابن كيسان: قدموهم [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 240 ب، "البغوي" 4/ 25.]] وهودوهم؛ لأنه يقال هذا إذا تقدم، ومنه الهادية والهوادي وهاديات الوحش، ولا يقال هدى بمعنى قدم.

37:24Page 446

وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ ٢٤

And stop them; indeed, they are to be questioned."

قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ يقال: وقفت الدابة أقفها وقفاً فوقفت هي وقوفًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 333 (وقف)، "مقاييس اللغة" ص 1101 (وقف).]]. قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 302.]]: احبسوهم.

وقال الكلبي: وقفوا قبل ذلك وحوسبوا حين قدموا على الله [[انظر: "القرطبي" 15/ 74.]]. يعني أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، والأمر بوقفهم يكون قبل الأمر بسوقهم إلى صراط الجحيم، روي عن ابن عباس أنه قال: وقفوا قبل ذلك.

قال المفضل [[لم أقف على قول المفضل.]]: يجوز أن يكون التقديم والتأخير: قفوهم واهدوهم.

وقال مقاتل: فلما سيقوا إلى النار حبسوا [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]. وعلى هذا الحبس كان [[في (أ): (كانوا)، وهو خطأ.]] بعد السوق والكلام على وجهه ونظمه، كأنه قيل: واهدوهم إلى صراط الجحيم، فإذا انتهوا إلى الصراط قبل وقفوهم [[في (أ): (وقفوهم السؤال)، وهو خطأ.]] للسؤال على الصراط.

﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ قال ابن عباس: عن أعمالهم في الدنيا وأقاويلهم [[انظر: "البغوي" 4/ 25، "القرطبي" 15/ 74، "زاد المسير" 7/ 53.]].

وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]: سألتهم خزنة جهنم ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [[قوله: (ألم يأتكم رسل منكم) غير مثبت في (أ)، وعدم إثباته خطأ.]] [الزمر: 71]، ويجوز أن يكون هذا السؤال ما ذكر بعد وهو قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ أي: أنهم مسؤولون توبيخًا لهم فيقال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [[سقط من (أ) قوله: (لا).]] أي: لا تتناصرون.

قال ابن عباس: لا ينصر بعضكم بعضًا كما كنتم في الدنيا، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر، فقيل لهم ذلك اليوم: ما لكم غير متناصرين [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 240 ب، "البغوي" 4/ 25، "القرطبي" 15/ 74.]].

وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]: يقول للكفار ما لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب.

37:25Page 447

مَا لَكُمۡ لَا تَنَاصَرُونَ ٢٥

[They will be asked], "What is [wrong] with you? Why do you not help each other?"

No commentary for this ayah

37:26Page 447

بَلۡ هُمُ ٱلۡيَوۡمَ مُسۡتَسۡلِمُونَ ٢٦

But they, that Day, are in surrender.

قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ يقال: استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع. قال أبو عبيدة: والمستسلم الذي يعطى بيده [["مجاز القرآن" 12/ 68.]].

وقال الكسائي [[لم أقف على قول الكسائي. وأورده الشوكاني في "فتح القدير" 4/ 379 ونسبه للأخفش.]]: ملقون بأيديهم.

وقال المفضل [[لم أقف على قول المفضل. وأورده الشوكاني في "فتح القدير" 4/ 379 ولم ينسبه.]]: أذلاء منقادون لا حيلة لهم في أنفسهم، لا العابد ولا المعبود.

وقال ابن عباس: ألقوا بأيديهم وضلت حجتهم [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وأورده الطبرسي 8/ 689، ولم ينسبه.]].

وقال أبو صالح: استسلم العابد والمعبود عند ذلك وعرفوا أنه الحق [[لم أقف عليه عن أبي صالح.]]. ومعنى استسلم: طلب السلامة بترك المنازعة.

37:27Page 447

وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٧

And they will approach one another asking [i.e., blaming] each other.

قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريدهم والشياطين [["تفسير ابن عباس" ص 375 بهامش المصحف.]]، وقيل الرؤساء والأتباع [[ذكره الماوردي 5/ 45، ولم ينسبه، وكذا ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 54.]].

وقوله: ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي يسأل بعضهم بعضًا، قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 110 ب.]] والكلبي [[لم أقف عليه عن الكلبي، وقد ذكره الماوردي 5/ 45 عن ابن عباس، وذكره البغوي 4/ 26 غير منسوب لأحد.]]: يتكلمون فيما بينهم أي يختصمون، وهذا التساؤل عبارة عن التخاصم والتكلم، وهو سؤال التأنيب. يقولون: غررتمونا. وتقول أولئك لهم: قبلتم منا. وقال في موضع آخر: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾ [القلم: 30]، وهذا التساؤل متضمن لمعنى التلاوم وليس ذلك تساؤل المستفهمين، بل هو تساؤل التوبيخ فهو نفس التلاوم.

37:28Page 447

قَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَأۡتُونَنَا عَنِ ٱلۡيَمِينِ ٢٨

They will say, "Indeed, you used to come at us from the right."1

ثم ذكر ذلك التخاصم والتلاوم وهو قوله: ﴿قَالُوا﴾ أي الكفار للشياطين أو الأتباع للرؤساء: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾، قال ابن عباس [[انظر: "القرطبي" 15/ 75، وذكره الماوردي 5/ 46، ونسبه لمجاهد.]]: يريد من قبل الحق، وهو لفظ مقاتل [["تفسير مقاتل" 110 ب.]].

وقال الكلبي [[انظر: "الماوردي" 5/ 45.]]: يقول تأتوننا من قبل الدين فتزينون لنا ضلالتنا التي كنا عليها، ونحو ذلك قال الضحاك [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 241 أ، "البغوي" 4/ 26، "زاد المسير" 7/ 54.]].

وقال قتادة: كنتم تفتنوننا عن طاعة الله [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 148، "الطبري" 23/ 49، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 86، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.]].

قال الفراء: (يقول: كنتم تأتوننا من قبل الدين، أي تخدعوننا بأقوى الوجوه، واليمين القدرة والقوة، قال الشماخ:

تلقاها عرابة باليمين [[هذا عجز بيت من الوافر وصدره:

إذا ما راية رفعت لمجد

للشماخ في "ديوانه" ص 336، "معاني القرآن" للفراء 2/ 385، "تهذيب اللغة" 8/ 221 - 15/ 523، "اللسان" 13/ 461.]]

قال: يريد القدرة [[في (أ): (القوة والقدرة).]] والقوة) [["معاني القرآن" 2/ 384.]].

وقال أبو إسحاق: (أي كنتم تأتوننا من قبل الدين فتروننا أن الدين والحق ما تعلنوننا به) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 302.]].

فاليمين على ما ذكروا عبارة عن الحق والدين، غير أن قول أبي إسحاق غير قول الآخرين؛ لأن معنى قوله: كنتم تزينون لنا الدين الذي كنتم عليه وهو الكفر. ومعنى قول الآخرين: كنتم تمنعوننا بإضلالكم عن الدين الذي هو الحق.

وشرح ابن قتيبة قول المفسرين في هذه الآية فقال: (يقول المشركون لقرنائهم من الشياطين: إنكم كنتم تأتوننا عن أيماننا لأن إبليس قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] فشياطينه [[هكذا في النسخ وفي "تأويل المشكل" لابن قتيبة (فشياطينهم)، وهو الصواب.]] تأتيهم من كل جهة من هذه الجهات، يعني التأكيد والإضلال، قال المفسرون: فمن أتاه الشيطان من قبل الشمال أتاه من قبل الشهوات، ومن أتاه من بين يديه أتاه من قبل التكذيب بالقيامة وبالثواب والعقاب، ومن أتاه من خلفه خوفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف من بعده، فلم يصل رحمًا ولم يؤد زكاة. فقال [[في (ب): (قال) سقطت الفاء.]] المشركون لقرنائهم: إنكم كنتم تأتوننا في الدنيا من جهة الدين فتشبِّهون علينا فيه حتى أضللتمونا) [["تأويل مشكل القرآن" ص 348.]].

وقال أبو القاسم [[في (ب): (أبو الغنيم)، وهو خطأ.]] الزجاجي: أجود ما قيل في هذا أنه من قول العرب: فلان عندي باليمين، أي بالمنزلة الحسنة، وفلان عندي بالشمال أي بالمنزلة الخسيسة الدنية [[لم أقف عليه.]]. فقال هؤلاء الكفار [لأئمتهم] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] الذين أضلوهم وزينوا لهم الكفر: إنكم كنتم تخدعوننا وترونا [[في (ب): (وتروننا).]] أننا عندكم بمنزلة اليمين، أي بالمنزلة الحسنة، فوثقنا بكم وقبلنا عنكم، أي أتيتمونا من ذلك الجانب.

قال: وقال بعض أصحابنا وهو قول قوي: إن أئمة المشركين كانوا قد أخافوا [[هكذا في النسخ، ولعل الصواب: (قالوا).]] لهؤلاء المستضعفين أن ما يدعونهم إليه هو الحق، فوثقوا بأيمانهم وتمسكوا بعهودهم التي عهدوها. فمعنى قوله: {كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} أي من ناحية المواثيق والأيمان التي قدمتموها لنا، فقال لهم قرباؤهم: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لم تكونوا على حق فنشبهه عليكم ونزيلكم عنه إلى باطل، أي ما كنتم مؤمنين فرددناكم عن الإيمان، أي إنما الكفر من قبلكم.

37:29Page 447

قَالُواْ بَل لَّمۡ تَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٢٩

They [i.e., the oppressors] will say, "Rather, you [yourselves] were not believers,

No commentary for this ayah

37:30Page 447

وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭۖ بَلۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا طَٰغِينَ ٣٠

And we had over you no authority, but you were a transgressing people.

﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي من قدرة فنقهركم ونجبركم. وقال مقاتل: يعني من ملك فنكرهكم على مبايعتنا [["تفسير مقاتل" 110 ب.]]. ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ قال ابن عباس: ضالين [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "القرطبي" 15/ 75، "زاد المسير" 7/ 55، "مجمع البيان" 8/ 689.]].

37:31Page 447

فَحَقَّ عَلَيۡنَا قَوۡلُ رَبِّنَآۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ٣١

So the word [i.e., decree] of our Lord has come into effect upon us; indeed, we will taste [punishment].

وقال الكلبي: فوجب علينا جميعًا قول ربنا بالسخط [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر المصادر السابقة.]]. وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 110ب.]]: يعني قول الله لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 85]، وقال أبو إسحاق: أي حقت علينا كلمة العذاب [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 302.]].

قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو﴾ أي العذاب الأليم، قاله ابن عباس [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 375، ولم أقف على هذا القول منسوبًا لمقاتل والكلبي. انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 241 ب، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 23.]] ومقاتل والكلبي.

وقال أبو إسحاق: أي أن الجماعة المضل والضال [[في (ب): (الضال والمضل).]] في النار [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 302.]].

37:32Page 447

فَأَغۡوَيۡنَٰكُمۡ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ ٣٢

And we led you to deviation; indeed, we were deviators."

قوله تعالى: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: فأضللناكم عن الهدى [["تفسير مقاتل" 110 ب، "تفسير ابن عباس" ص 375، وانظر القول غير منسوب في: "بحر العلوم" 3/ 114،"البغوي" 4/ 26، "زاد المسير" 7/ 55.]].

وقال الكلبي: دعوناكم [[في (ب): (دعويناكم).]] إلى ما كنا عليه فأضللناكم [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "زاد المسير" 7/ 55. "مجمع البيان" 8/ 690.]].

وقال عبد الله بن مسلم: أي بالدعاء والوسوسة. ومثله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: 22] الآية) [["تأويل مشكل القرآن" ص 349.]].

37:33Page 447

فَإِنَّهُمۡ يَوۡمَئِذٖ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٣

So indeed they, that Day, will be sharing in the punishment.

يقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل [["تفسير مقاتل" 110 ب، ولم أقف عليه عن ابن عباس وذكره أكثر المفسرين. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114، "البغوي" 4/ 26، "القرطبي" 15/ 75.]]: يريد الشياطين والإنس.

وقال الكلبي: هم والذين أطاعوهم في الضلالة شركاء [[أورده الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 690 غير منسوب لأحد.]] في النار.

37:34–37Page 447

إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٤

Indeed, that is how We deal with the criminals.

إِنَّهُمۡ كَانُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسۡتَكۡبِرُونَ ٣٥

Indeed they, when it was said to them, "There is no deity but Allāh," were arrogant

وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓاْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٖ مَّجۡنُونِۭ ٣٦

And were saying, "Are we to leave our gods for a mad poet?"

بَلۡ جَآءَ بِٱلۡحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٧

Rather, he [i.e., the Prophet (ﷺ)] has come with the truth and confirmed the [previous] messengers.

﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين الذين جعلوا لله أنداداً وشركاء [[انظر: "البغوي" 4/ 26، "مجمع البيان" 8/ 690.]]، وهو قول الكلبي [[لم أقف عليه عن الكلبي.]] وعامة المفسرين، أن المراد بالمجرمين هاهنا المشركين [[في (أ): (المشركون)، وهو خطأ.]] خاصة، يدل عليه قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد لا يقولونها [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 23.]].

وقال مقاتل: يعني يتكبرون عن الهدى [["تفسير مقاتل" 110 ب.]].

وقال أبو إسحاق: يستكبرون عن توحيد الله -عز وجل- [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 302.]].

وفي الآية إضمار على تقدير: إذا قال لهم قولوا لا إله إلا الله.

قال مقاتل: وذلك أن الملأ من قريش اجتمعوا عند أبي طالب فقال لهم النبي -ﷺ- يومئذ: "قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم"، فأبوا وقالوا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا﴾، أي: نترك [["تفسير مقاتل" 110 ب.]] عبادتها لهذا الشاعر المجنون، يعنون محمدًا -ﷺ- فكذبهم الله ورد عليهم بقوله: ﴿بَلْ﴾ أي ليس الأمر كما قالوا ﴿جَاءَ﴾ محمد -ﷺ- ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال الكلبي: بالقرآن [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114، "القرطبي" 15/ 76، "زاد المسير" 7/ 55.]]. وقال مقاتل: بالتوحيد [["تفسير مقاتل" 110 ب.]].

﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين كانوا قبله [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 375. وانظر: المصادر السابقة.]]. والمعنى أنه أتى بما أتوا به من التوحيد فهو موافق لهم.

﴿إِنَّكُمْ﴾ قال الكلبي يعني العابد والمعبود [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 114.]].

﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا﴾ أي إلا بما ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بما تجزون في الآخرة إلا بما كنتم تعملون في الدنيا من الشرك.

37:38Page 447

إِنَّكُمۡ لَذَآئِقُواْ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَلِيمِ ٣٨

Indeed, you [disbelievers] will be tasters of the painful punishment,

No commentary for this ayah

37:39Page 447

وَمَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٩

And you will not be recompensed except for what you used to do -

No commentary for this ayah

37:40Page 447

إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠

But not the chosen servants of Allāh.

قال مقاتل: ثم [["تفسير مقاتل" 110/ ب.]] استثنى فقال: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، قال عطاء والكلبي عن ابن عباس: هم الموحدون [[لم أقف عليه عن ابن عباس. انظر: "بحر العلوم" 3/ 114، "البغوي" 4/ 27، "زاد المسير" 7/ 55.]]، أهل لا إله إلا الله، وهم الذين استخلصهم الله لنفسه.

37:41Page 447

أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ رِزۡقٞ مَّعۡلُومٞ ٤١

Those will have a provision determined -

﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ قال الكلبي: مقدار غدوة وعشية [[انظر: "القرطبي" 15/ 77، "زاد المسير" 7/ 56.]]، وليس ثم بكرة وعشية يدل على هذا قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 62]، وقال مقاتل: يعني بالمعلوم حين يشتهونه [["تفسير مقاتل" 110 ب.]].

وقال قتادة: الرزق المعلوم الجنة [[انظر: "الطبري" 23/ 52، "القرطبي" 15/ 77، "زاد المسير" 7/ 55.]].

وقال غيره: رزق معلوم أي بعلم الله.

37:42Page 447

فَوَٰكِهُ وَهُم مُّكۡرَمُونَ ٤٢

Fruits;1 and they will be honored

ثم بين الرزق فقال ﴿فَوَاكِهُ﴾ وهذا يوجب أن يكون الرزق المعلوم الفواكه؛ لأنه فسره بها، والفواكه جمع الفاكهة، وهي الثمار كلها رطبها ويابسها، وتفكه إذا أكل الفاكهة، وفكهت أي أطعمتهم الفاكهة [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 25 (فكه)، "اللسان" 13/ 523 (فكه).]]. وقال بعض أهل المعاني: الفاكهة طعام يؤكل للذة لا للقوت [[في (ب): (لا لقوت)، وهو خطأ.]]، والفاكه الذي كثرت فاكهه.

37:43Page 447

فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٤٣

In gardens of pleasure

No commentary for this ayah

37:44Page 447

عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٤٤

On thrones facing one another.

No commentary for this ayah

37:45Page 447

يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ ٤٥

There will be circulated among them a cup [of wine] from a flowing spring,

قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ قال أبو عبيدة: الكأس الإناء بما فيه [["مجاز القرآن" 2/ 169.]]. وقال أبو إسحاق: (الكأس الإناء إذا كان فيه خمر، ويقع الكأس لكل إناء مع شرابه) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 303.]]. والمفسرون فسروا الكأس بالخمر، وهو قول عطاء والكلبي ومقاتل [[لم أقف عليه عن عطاء والكلبي، وانظر: "تفسير مقاتل" 110 ب.]].

وقال الضحاك: كل كأس في القرآن إنما عني به الخمر [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 471، "القرطبي" 15/ 77، "زاد المسير" 7/ 56.]]. وهذا منهم توسع، وذلك أنهم لما كان المراد بإدارة الكأس إدارة ما فيه لا الإناء فسروه بما هو المراد.

وقوله: ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ مضى الكلام مستقصى في تفسير المعين عند قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50] [[قال: قال ابن عباس في رواية عكرمة يعني أنهار دمشق، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: المعين الماء، وروى جابر عنه أنه الماء الجاري وهو قول مقاتل.]].

قال الكلبي [[لم أقف على قول الكلبي.]]: يطوف عليهم خدمهم بخمر بيضاء من معين، والمعين الظاهر.

وقال مقاتل: من معين يعني الجاري [["تفسير مقاتل" 111 أ.]].

وفي المعين قولان: أحدهما [[في (أ): (أحدها).]]: أنه الظاهر الذي تراه العيون. والثاني: أنه الجاري السايح وقد ذكرناهما.

37:46Page 447

بَيۡضَآءَ لَذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ ٤٦

White and delicious to the drinkers;

وقوله: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 6/ 24، "البغوي" 4/ 27، "مجمع البيان" 8/ 692.]].

وقوله: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ يجوز أن يكون اللذة مصدراً سمي به. قال الليث: (اللذ واللذيذ يجريان مجرىً واحداً في النعت، يقال شراب لذ ولذيذ) [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 409 (لذَّ).]]. قال الله تعالى: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: 15]، وبذلك سمي النوم [[في (أ): زيادة (إلى)، وهو خطأ.]] الاستلذاذة، وعلى هذا لذة بمعنى اللذيذة. وقال أبو إسحاق: أي ذات لذة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 303]]. فعلى هذا حذف المضاف.

37:47Page 447

لَا فِيهَا غَوۡلٞ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا يُنزَفُونَ ٤٧

No bad effect is there in it, nor from it will they be intoxicated.

قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال الفراء: العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول [["معاني القرآن" 2/ 385.]] سواء.

وقال أبو عبيدة: (الغول أن تغتال عقولهم وأنشد قول مطيع بن إياس [[هو: مطيع بن إياس الكناني من بني ليث بن بكر وقيل من بني الديل بن بكر، يكنى أبا مسلم، شاعر ظريف حلو العشرة، مليح النادرة، وكان متهمًا بالزندقة، أدرك الدولتين الأموية والعباسية، ولاه المهدي العباسي الصدقات بالبصرة ومات فيها. انظر: "معجم الشعراء" ص 480، "خزانة الأدب" 10/ 223، "سمط اللآلئ" ص 600، "الأعلام" 11/ 509 (غول)، "الدر المصون" 5/ 552، "البحر المحيط" 7/ 350.]]:

وما زالت الكأس تغتالهم ... وتذهب بالأول الأول [["مجاز القرآن" 2/ 169.]] وقال ابن قتيبة: أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها، يقال الخمر غول للعلم، والحرب غول للنفوس [["تفسير غريب القرآن" ص370.]]، وغالني هؤلاء أي أذهبني.

وقال الليث: الغول الصداع يقال ليس فيها صداع [[لم أقف على القول منسوبًا لليث. وانظر: "تهذيب اللغة" 8/ 192،"اللسان" 11/ 509 (غول).]]، هذا كلام أهل اللغة في الغول، وحقيقة الإغلال [[في (أ): (الإهلاك)، وهو تصحيف، وهكذا أثبت في (ب)، ولعله تصحيف أيضًا والصواب (الغول).]]. يقال غاله غولاً أي أهلكه، والغول والغائلة المهلكة، ثم يسمى الوجع غولًا لأنه يؤدي إلى الهلاك [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 192 (غول).]].

وأكثر المفسرين قالوا في الغول: إنه الوجع في البطن والرأس، وهو قول مجاهد وقتادة قالوا: لا يوجع [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 541، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 148، "تفسير الطبري" 23/ 54.]].

وقال مقاتل: لا يوجع الرأس كفعل خمر [[في (ب): (كفعل الخمر في الدنيا).]] الدنيا [["تفسير مقاتل" 111 أ.]]. وهو قول الحسن قال: غول صداع [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 241 ب، "البغوي" 4/ 27، "القرطبي" 15/ 79.]].

وقال الشعبي: لا يغتال عقولهم فيذهب بها [[انظر: المصادر السابقة.]].

وذكر أبو إسحاق القولين جميعاً في الغول فقال: لا تغتال عقولهم ولا يصيبهم منها وجع [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 303.]].

قوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ وقرئ بكسر الزاي. قال الفراء: (من كسر الزاي فله معنيان، يقال أنزف الرجل إذا فنيت خمره، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر. ومن فتح الزاي فمعناه: لا تذهب عقولهم أي لا يسكرون، يقال نزف الرجل فهو منزوف [["معاني القرآن" 2/ 385.]] ونزيف).

ونحو هذا قال أبو إسحاق في من فتح، وقال في قراءة من كسر الزاي لا يُنفِدون شرابهم وهو دائم أبدًا لهم قال: ويجوز أن يكون يُنزفون يسكرون، وأنشد هو وأبو عبيدة وغيرهما فقال:

لعمري لئن أنزفتمُ أو صحوتمُ ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا [[في (ب): (آل بجرا).]] [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 303، "مجاز القرآن" 2/ 169.

والبيت من الطويل مختلف في نسبته فهو للأبيرد والرياحي في "مجاز القرآن" 2/ 269، "الصحاح" 4/ 1431 (نزف)، "اللسان" 9/ 327 (نزف)، "المحرر الوجيز" 4/ 472. وللحطيئة في "تفسير الثعلبي" 3/ 241 أ، والقرطبي 15/ 79. وللأسود في "الدر المصون" 5/ 501. وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 13/ 226، "علل القراءات" 2/ 318، "المحتسب" 2/ 308.]]

وحقق أبو علي الكلام في هذه الآية فقال: (أنزف الرجل على معنيين: أحدهما: أنه يراد به السكر، وأنشد البيت وقال: ومقابلته له بصحوتم يدل على أنه يراد به سكرتم، والآخر: أنزف إذا نفد شرابه والمعنى: صار ذا نفادٍ لشرابه، كما أن الأول معناه النفاد في عقله، فقول من كسر الزاي يجوز أن يراد به لا يسكرون عن شربها، ويجوز أن يراد به لا ينفد ذلك عنهم كما ينفد شراب أهل الدنيا، فإذا كان معنى لا ينفد شرابهم لأنك إن حملته على أنهم لا يسكرون صرت كأنك كررت لا يسكرون مرتين؛ وإن جعلت لا فيها غول على لا [[في (أ): (ألا)، وهو خطأ.]] تغتال صحتهم ولا يصيبهم عنها العلل التي تحدث عن شربها حملت ينزفون على أنهم لا يسكرون، وعلى أنهم لا ينفد شرابهم، ومن فتح الزاي أراد لا يسكرون من نزف فهو منزوف إذا سكر، وليس من أفعل، ألا ترى أن أنزف بالمعنيين جميعًا لا يتعدى إلى المفعول به، فإذا لم يتعد إلى المفعول به لم يجز أن يبنى له) [["الحجة" 6/ 54 - 55.]] انتهى كلامه.

وأصل النزف في اللغة الاستخراج، يقال نزفتُ البئر إذا استقيتُ ماءها، ونزف فلان دمه إذا استخرجه بحجامة أو فصد وهذا هو الأصل، ونزف الرجل إذا سكر معناه استخرج عقله، وأنزف إذا سكر أي صار إلى حالة نزف العقل عنه، وأنزف إذا نفد شرابه معناه أنه صار إلى حالة نفاد الشراب بنزفه وإنفاده [[انظر: "مقاليس اللغة" ص 1022 (نزف)، "تهذيب اللغة" 13/ 225 (نزف)، "اللسان" 9/ 325 (نزف).]]. واختار أبو عبيد كسر الزاي لاحتمال المعنيين [[لم أقف على اختيار أبي عبيد.]]. وأما المفسرون فإنهم فسروا لا ينزفون لا يسكرون ولا تذهب عقولهم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والكلبي ومقاتل [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 540، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 148، "الطبري" 23/ 55، "تفسير مقاتل" 111 أ، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 24، ولم أقف عليه عن الكلبي.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском