Al-Wahidi (al-Basit)An‑Nisa · 4:95–103

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:95–103

4:95Page 94

لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujāhideen, [who strive and fight] in the cause of Allāh with their wealth and their lives. Allāh has preferred the mujāhideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to all [i.e., both] Allāh has promised the best [reward]. But Allāh has preferred the mujāhideen over those who remain [behind] with a great reward -

قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الضرر النقصان، وهو كل ما يضرك وينقصك من عمى ومرض وعلة. تقول: دخل عليه ضرر في ماله، أي نقصان.

فمعنى قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ أي: غير من به علة تضره وتقطعه عن الجهاد. كذا قال أهل اللغة [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 130، و"تهذيب اللغة" 3/ 2108.]]، وهو موافق لما قاله المفسرون؛ فإن ابن عباس قال في رواية عطاء، في قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾: يريد ابن أم مكتومٍ الأعمى [[هو عمرو وقيل عبد الله بن زائدة - وقيل: ابن قيس بن زائدة بن الأصم القرشي الأعمى، اشتهر بكنيته (ابن أم مكتوم)، من المهاجرين الأولين، وخليفة رسول الله ﷺ على المدينة في كثير من غزواته. انظر: "أسد الغابة" 4/ 223، و"سير أعلام النبلاء" 1/ 360، و"الإصابة" 2/ 351.]]، وقومًا من الأنصار، كان فيهم ضر من عرج ومرض، فعذرهم الله تعالى، وجعل لهم ثوابًا وافيًا [[أخرجه من طريق العوفي بمعناه الطبري 5/ 229.]].

وقال الزجاج: الضرر: أن يكون ضريرًا، أي أعمى وزمنًا ومريضًا [[عند الزجاج في "معانيه" 2/ 93: "والضرر أن يكون ضريرًا أو أعمى أو زمنًا أو مريضًا".]].

وقرئ ﴿غَيْرُ﴾ رفعًا ونصبًا [[قراءة الرفع لابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة ويعقوب، وقرأ الباقون بالنصب. انظر: "الحجة" 3/ 178، و"المبسوط" ص 158، و"النشر" 2/ 251.]]، فمن رفع الراء فهو صفة للقاعدين، والمعنى على هذا: لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر، أي: لا يستوي القاعدون الأصحاء والمجاهدون، وإن كانوا كلهم مؤمنين [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 92.]].

وهذا مذهب سيبويه [[من "الحجة" لأبي علي 3/ 179.]] وقول الفراء [["معاني القرآن" 1/ 283.]] وأبي إسحاق [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 92.]] في رفع ﴿غَيْرُ﴾ وأنشد أبو علي على كون (غير) صفة، قول لبيد:

وإذا جوزيتَ قرضًا فاجزِه ... إنما يَجزي الفتى غيرُ الجَملْ [[شعر لبيد ص 97، و"الحجة" 3/ 180، و"البحر المحيط" 3/ 330.

وجاء في شرح شعره: "الجمل: لعل الكلمة جاءت متممة للقافية، وإنما أراد جنس البهيمة. والمعنى: فإذا عاملك أحد بالخير أو الشر فرد له مثل عمله سواء كان حسنًا أو قبيحًا، إنما يجزى العمل بمثله الإنسان العاقل، لا البهيمة.]]

فـ (غيرٌ) صفة للفتى [["الحجة" 3/ 180.]]. واحتج الفراء أيضًا على هذا بقوله: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: 31] [["معاني القرآن" 1/ 283.]]. وذكرنا جواز كون ﴿غَيْرُ﴾ صفة للمعرفة في قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] مستقصى مشروحًا [[انظر: تفسير الفاتحة (7) في "البسيط" بتحقيق الفوزان.]].

قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون (غير) رفعًا على جهة الاستثناء، المعنى: لا يستوي [القاعدون والمجاهدون] [[بياض في المخطوط والتسديد من "معاني الزجاج".]] إلا أولو الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين، لأن الذي أقعدهم عن الجهاد الضر [["معاني الزجاج" 2/ 92، 93.]].

والكلام في رفع المستثنى بعد (.. [[بياض ويحتمل أن يكون الساقط: "المستثنى منه"، أو بعد "إلا".]] ..) قد مضى في قوله: {مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [النساء: 66] [[انظر: 6/ 525 فيما سبق.]].

ومن نصب (غيرَ) جعله استثناء من القاعدين، لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر، على أصل الاستثناء [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 93، و"الحجة" 3/ 180، و"معاني القرآن" 1/ 316.]].

وهذا الوجه اختيار الأخفش، وهو أن ينتصب (غيرَ) في القراءة على الاستثناء. قال: لأنه لا يُستثنى بها قومٌ لم يقدروا على الخروج [["معاني القرآن" 1/ 453.]].

كما رُوي في التفسير: أنه لما ذكر الله فضيلة المجاهدين على القاعدين، جاء قوم من أولي الضرر، وقالوا للنبي ﷺ: حالنا على ما ترى، ونحن نشتهي الجهاد، فهل لنا من رخصة؟، فنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] واستثنوا من جملة القاعدين [[أخرج البخاري (4592) في كتاب: التفسير (سورة النساء)، باب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:95]، ومسلم (1898) كتاب: الإمارة، باب: حرمة نساء المجاهدين عن البراء رضي الله عنه قال: "لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ زيدًا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته فأنزل الله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. وانظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص 179 - 180، و"لباب النقول" ص 78.]].

وقال الفراء: الوجه فيه الاستثناء والنصب، إلا أن اقتران غير بالقاعدين يكاد يوجب الرفع، لأن الاستثناء ينبغي له أن يكون بعد التمام، فيقول في الكلام: لا يستوي المحسنون والمسيئون إلا فلانًا وفلانًا [["معاني القرآن" 1/ 283، 284.]].

وقال بعض النحويين من المتأخرين: الاختيار الرفع، لأن الصفة أغلب على (غير) من الاستثناء، وليس قول من ذهب إلى اختيار النصب بسبب نزوله للاستثناء بشيء، لأن غيرًا وإن كانت صفةً فهي تدل على معنى الاستثناء، لأنها في كلا [[في (ش): كلي، وهو خطأ، لأن هذا الحرف لا يعرب إلا إذا أضيف إلى ضمير.]] الحالين قد خصصت القاعدين عن الجهاد بانتفاء الضرر، ففي الوجهين جميعًا الرفع والنصب إنما وقع التفضيل بين القاعدين الأصحاء والمجاهدين [[لم أعرف من قال بذلك، وكأن الفراء قد مال إلى الرفع. انظر: "معاني القرآن" 1/ 283.]].

قال الزجاج: ويجوز أن تكون (غير) منصوبة على الحال، المعنى لا يستوي القاعدون في حال صحتهم والمجاهدون، كما تقول: جاءني زيد غير مريض، أي جاءني زيد صحيحًا [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 93.]].

ونحو ذلك قال الفراء، قال: وهو كقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: 1] [["معاني القرآن" 1/ 284.]].

هذا هو الكلام في وجه القراءتين.

فأما حكم الزَّمنى ففرض الجهاد موضوع عنهم، كما ذكر الله في سورة الفتح، وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية [الفتح: 17].

(.....) [[غير واضح في المخطوط.]].

وقوله تعالى: ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء:95]، عطف على قوله: ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، لأن (.............. المؤمنون) [[نصف سطر في المخطوط غير واضح بسبب بعض التآكل، ويمكن أن يقدر بـ: ... لأن (الآية توجه إلى أنه لا ينبغي أن يكون) المؤمنون القاعدون ... أو: لأن (ما يفهم من الآية ويراد التنبيه إليه أنه لا ينبغي أن يكون المؤمنون .. والله أعلم.]] القاعدون عن الجهاد من غير عذر والمؤمنون المجاهدون سواء [إلا أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين لأن الضرر] [[ما بين المعقوفين غير واضح في المخطوط بسبب التآكل، والتسديد من "الوسيط" 2/ 678.]] أقعدهم عنه، فهم والمجاهدون سواء، إذا أتوا بشرط شرطه الله تعالى في سورة التوبة، وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 91].

ويدل على هذا حديث النبي ﷺ: "لقد خلفتم بالمدينة أقوامًا، ما سرتم من مسير، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، أولئك أقوام حبسهم العذر" [[أخرجه البخاري (4423) بنحوه من حديث أنس بن مالك في كتاب: المغازي، باب: (81)، ومسلم (1911) حديث جابر في كتاب: الإمارة، باب: ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر.]].

صاحبه استوى بالعامل، إذا صدقت نيَّته، وصحت نصيحته لله ولرسوله.

وقال بعض أهل المعاني: الآية لا تُحمل على مساواة أولي الضرر للمجاهدين في سبيل الله [[انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 186.]]، لأن هذه الآية حض لغير [[في المخطوط: لغيره.]] أولي الضرر على الجهاد، ولم يدخل في الحض (....) [[كلمة غير واضحة في المخطوط ويبدو أنها: "عليه".]] أولوا الضرر.

وقوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾. قال الكلبي: يقول: فضيلة في الآخرة [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 280، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 94.]].

وقال مقاتل: فضل الله المجاهدين على القاعدين من أهل العذر درجة يعني فضيلة [["تفسير مقاتل" 1/ 401، و"الوسيط" 2/ 678، و"معالم التنزيل" 2/ 271.]]. ونحو ذلك قال ابن جريج، قال: التفضيل الأول بدرجة واحدة على أولي الضرر، والتفضيل الثاني بدرجات على غير أولي الضرر [[قول ابن جريج جاء في أثرين عنه أخرجهما الطبري 5/ 231.

وأخرج الجزء الأول منه - إضافة إلى ابن جرير: ابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 362.]].

وهذا يُقوي ما حكينا عن بعض أصحاب المعاني، عن أن الآية لا تدل على مساواة أولي الضرر للمجاهدين، وذلك أن المعذورين بالقعود وإن كانوا في النية والهمة على قصد الجهاد، فالمجاهدون مباشرون، ومباشرة الطاعة فوق قصد الطاعة، وأما القاعدون غير المعذورين فالمجاهدون مفضلون عليهم درجات؛ لأنهم قعدوا من غير عذر.

وتفسير الدرجة مضى عند قوله: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 163].

وانتصاب الدرجة ههنا [بحذف الجار] [[غير واضح بسبب الرطوبة والخرم بمقدار كلمتين، والظاهر ما أثبته.]]، لأن التقدير: بدرجة، فلما حذف الجار وصل الفعل فعمل، وهو كثير [[انظر: "الدر المصون" 4/ 77.]].

وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾.

قال مقاتل: يعني: المجاهد والقاعد المعذور [["تفسير مقاتل" 1/ 401، و"الوسيط" 2/ 678، و"معالم التنزيل" 2/ 271.]].

والحسنى: الجنة في قول ابن عباس [[لم أقف عليه.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 401.]]، وغيرهما [[كقتادة والسدي، انظر: الطبري 6/ 231، و"زاد المسير" 2/ 174.]].

وقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، يريد: القاعدين غير المعذورين، وقد سبق ذكر المعذورين.

قاله ابن جريج [[أخرجه الطبري 5/ 231 بمعناه]].

4:96Page 94

دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٩٦

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.

قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَة﴾ قال أبو إسحاق: درجات نُصب [[في "معاني الزجاج": "في محل نصب".]] بدلا من قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾: وهو مفسر للأجر، المعنى: فضل الله المجاهدين درجات، ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ قال: وجائز أن يكون منصوبًا على التوكيد لقوله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، لأن الأجر العظيم هو رفع الدرجات من الله والمغفرة والرحمة [["معاني القرآن" وإعرابه 2/ 93، 94.]].

وتفسير الدرجات ههنا: منازل بعضها أعلى من بعض من منازل الكرامة.

روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ببن الدرجتين كما بين السماء والأرض" [[أخرجه البخاري (2790) حديث أبي هريرة مطولًا في كتاب: الجهاد، باب: درجات المجاهدين في سبيل الله.]].

قال السدي: فضلوا سبعمائة درجة [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 680، ولم أقف عليه.]].

وقال ابن مُحيريز [[هو أبو محيريز عبد الله بن محيريز بالتصغير، ابن جنادة القرشي، المكي نشأ يتيمًا في حجر أبي محذورة، كان ثقة من فضلاء التابعين، وشبه بابن عمر في العبادة والفضل، توفي رحمه الله سنة 99هـ، وقيل قبلها.

انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 117، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 494، و"التقريب" ص 322 رقم (3604).]]: هي سبعون درجة، ما بين كل درجتين عدو الفرس الجواد المُضَمَّر سبعين خريفًا [[أخرجه الطبري 5/ 234، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 107 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 175 وغيرهما.]]

وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يريد للفريقين جميعًا، للمجاهدين والقاعدين.

4:97Page 94

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ٩٧

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves1 - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." They [the angels] will say, "Was not the earth of Allāh spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.

قال الفراء: إن شئت جعلت ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ ماضيًا ، ولم تضمر تاء مع التاء فيكون مثل قوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: 70]، وإن شئت كان على الاستقبال، تريد: إن الذين تتوفاهم، وكل موضع اجتمع فيه تاءان جاز فيه إضمار إحداهما [["معانى القرآن" 1/ 284.]]. ونحو هذا قال الكسائي والزجاج [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 94.]].

وقوله تعالى: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في محل نصب على الحال، المعنى تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم أنفسهم، وهو نكرة وإن أضيف إلى معرفة؛ لأن المعنى على الانفصال، كأنه قيل: ظالمين أنفسهم، إلا أن النون حُذفت استخفافًا، والمعنى معنى ثبوتها، هذا قول الزجاج [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 94.]].

(.... قال أبو الفتح [[ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 457.]]: الإضافة في [كثير من كلامهم] [[ما بين المعقوفين غير واضح في المخطوط، والتسديد من "سر صناعة الإعراب" 2/ 457.]] في تقدير الانفصال والانفكاك، كما تقول [باب الحسن الوجه، والكريم الأب، كله منوى في الانفصال، وإنما تقديره: الحسن وجهه، والكريم أبوه. وكذلك اسم الفاعل إذا أريد به الحال أو الاستقبال، فهو وإن أضيف في اللفظ مفصول في المعنى، وذلك نحو قوله تعالى ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: 24]، و ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]، و ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: 1]، و ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: 9]، و ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ [القمر: 27]، و ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: 47].

وعلى هذا قول جرير:] [[ما بين المعقوفين طمس في المخطوط، والتسديد من "سر صناعة الإعراب" 2/ 457.]].

يا [[الكلام لا يزال منقولًا من "سر صناعة الإعراب".]] رُبَّ سائلنا لو كان يطلُبكم ... لاقى مباعدةً منكم وحِرْمانا [[البيت لجرير في "ديوانه" ص 492، وأوله: "يا رب غابطنا" وكذا في "سر صناعة الإعراب" 2/ 457.]]

إنما هو ممطر لنا، وبالغًا الكعبة، وثانيًا عطفه، ورب سائل لنا، لولا ذلك لم تدخل رب عليه، ولا أجري ممطرنا وصفًا على النكرة، ولا نصب ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ على الحال. وعلى هذا: ناقةٌ عبر الهواجر، وفرس قيد الأوابد، فالإضافة في هذا كله لفظية غير معنوية [["سر صناعة الإعراب" 2/ 457، 458 (بتصرف).]].

فأما التفسير: فقال ابن عباس وغيره من المفسرين: نزلت في قوم كانوا قد أسلموا ، ولم يُهاجروا حتى خرج المشركون إلى بدر، فخرجوا معهم، فقتلوا يوم بدر، فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وقالوا لهم ما ذكر الله سبحانه [[أخرجه بنحوه: الطبري 5/ 233 - 234، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 380، و"الكشف والبيان" 4/ 107 أ، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 180، و"لباب النقول" ص (79).]].

وقوله تعالى: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي الملائكة قالت لهؤلاء: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي كنتم في المشركين أم في أصحاب محمد ﷺ؟. وهذا سؤال توبيخ، وإنما توجه السؤال إلى التوبيخ لأنه مما لا يصلح لصاحبه جواب عليه، ولذلك لما اعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك في دارهم حاجتهم الملائكة بالهجرة إلى غير دارهم [[انظر: الطبري 5/ 233، و "معاني الزجاج" 2/ 95، و"بحر العلوم" 1/ 381، و"الكشف والبيان" 4/ 107 ب.]].

وخبر إن في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ قوله تعالى ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ والتقدير: قالوا لهم، بحذف (لهم)، لدلالة الكلام عليها [[انظر: "الدر الصون" 4/ 78. وذهب النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 448، إلى أن الخبر جملة ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 97].]].

وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: "يريد مصيرهم إلى النار" [[لم أقف عليه.]] وذلك أن الله تعالى لم يرض بإسلام أهل مكة حتى يهاجروا، فقال في سورة الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72] فنهاهم الله عن موالاتهم ومناكحتهم وكل ما يكون بين المسلمين. وإذا أسلم الأخوان (.. [[بياض في المخطوط بقدر كلمتين، ويمكن أن يقدر (ثم هاجر).]] ..) أحدهما، وبقي الآخر، لم يكن يرث واحد منهما حتى فتحت مكة، فرد الله المواريث إلى الأرحام فقال [[حصل هنا سقط حيث جاء الكلام أثناء تفسير الآية (102) قوله: (وإذا كنت فيهم).]] [... الآيات 98 - 102 ...] خفيفة [[هذا الكلام جاء مباشرة بعد السقط في تفسير الآية (97) ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وهو بيان لصفة صلاة الخوف المذكورة في الآية (102) ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية.]] والتحقت بالإمام في تشهده الطويل فتشهدوا وخففوا وسلم بهم.

وهذا الذي ذكرنا من صفة صلاة الخوف هو مذهب ابن عباس في رواية الوالبي، ذكره في تفسير هذه الآية [[سياق الأثر تامًا عن ابن عباس قال: "قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ فهذا عند صلاة الخوف، يقوم الإِمام وتقوم معه طائفة منهم، وطائفة يأخذون أسلحتهم ويقفون بإزاء العدو، فيصلي الإِمام بمن معه ركعة، ثم يجلس على هيئة، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية والإمام جالس، ثم ينصرفون حتى يأتوا أصحابهم فيقفون موقفهم، ثم يُقبل الآخرون فيصلي بهم الإِمام الركعة الثانية، ثم يسلم، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية. فهكذا صلى رسول الله ﷺ يوم بطن نخلة". تفسير ابن عباس ص 156، وأخرجه الطبري 5/ 253 من نفس الطريق، لكن في هذِه الرواية لم ينتظر الآخرين بالسلام.]].

وبمثله ورد حديث ابن أبي حَثْمَة [[هو سهل بن أبي حثمة (عبد الله أو عامر) بن ساعدة بن عامر الأنصاري الأوسي من صغار الصحابة حيث كان عمره عند وفاة النبي ﷺ سبع أو ثمان سنين، وقد روى أحاديث، هذا أحدها. توفي رضي الله عنه في أول خلافة معاوية.

انظر: "الاستيعاب" 2/ 221، و"أسد الغابة" 2/ 468، و"الإصابة" 2/ 86.]] في صلاة الخوف [[أخرجه البخاري (4131) كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، و"مسلم" (841) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف.]].

وما سوى هذا المذهب من المذاهب في صلاة الخوف لا يُوافق الآية. واختاره [[لعل الصواب: "واختار".]] الزجاج أيضًا هذا الذي وصفنا، وزعم أنه مذهب أبي حنيفة في صلاة الخوف [[الكلام هنا فيه اضطراب، لأن الذي اختاره الزجاج ووصفه المؤلف خلاف مذهب أبي حنيفة -كما سيأتي عند المؤلف؛ ولأن الزجاج إنما ذكر رأي الإمام مالك.

انظر: "معاني الزجاج" 2/ 97، 98.]]، فإن ذهب إلى حديث ابن عمر، أنه صلاها مع النبي ﷺ، قال: "فصف وراءه طائفةٌ منا، وأقبلت طائفة على العدو، فركع رسول الله ﷺ ركعة وسجدتين مثل نصف صلاة الصبح، ثم انصرفوا فأقبلوا على العدو، فجاءت الطائفة الأخرى فصلَّوا مع النبي ﷺ ففعل مثل ذلك، ثم سلم النبي ﷺ، فقام كل رجل من الطائفتين فصلى لنفسه ركعة وسجدتين" [[أخرجه بهذِه اللفظ الإِمام أحمد في "مسنده" 2/ 150.

وأخرجه بمعناه البخاري (4132، 4133) في كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، و"مسلم" (839) في كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف، والثعلبي بلفظه في "الكشف والبيان" 4/ 113 أ.]].

فعنده الطائفة الأولى إذا انصرفت عن الإمام إلى القتال لا تقطع الصلاة، ويكونون في حكم المصلين إلى أن يفرغ الإمام مع الطائفة الثانية، ثم يقضون بأجمعهم ركعة واحدة، واحتج على هذا من الآية بقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: 102] قال: وهذا دليل على أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة، ولكنهم يصلون ركعة، ثم تكون من وراء الطائفة الثانية للحراسة [[هذا اختيار أبي حنيفة وأصحابه في صفة صلاة الخوف. انظر: "بحر العلوم" 1/ 383، و"الكشف والبيان" 4/ 113 أ، و"النكت والعيون" 1/ 524 ، 525، والبغوي 2/ 278، و"زاد المسير" 2/ 186، و"المغني" لابن قدامة 3/ 301.]].

والتفسير بخلاف هذا؛ لأن قوله: ﴿سَجَدُوا﴾ يراد به الطائفة الأولى، ومعنى السجود: ههنا الصلاة، أي: إذا صلوا هم ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ أي الطائفة الثانية الذين لا يصلون [[هذا ما يدل عليه حديث ابن عباس المتقدم، وكذلك سهل بن أبي حَثْمَة، وإليه ذهب الشافعي، وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق، واختاره الطبري. انظر: "الأم" 1/ 210، 211، والطبري 5/ 258، و"الكشف والبيان" 4/ ل 110، 111، و"النكت والعيون" 1/ 524، 525، والبغوي 2/ 277، و"المغني" لابن قدامة 3/ 299 - 301، والقرطبي 5/ 365، 366، و"شرح صحيح مسلم" للنووي 6/ 125.

قال البغوي: "وكلتا الروايتين صحيحة، فذهب قوم إلى أن هذا من الاختلاف المباح". وقال ابن قدامة: "وإن صلى بهم كمذهب أبي حنيفة جاز. نص عليه أحمد، ولكن يكون تاركًا للأولى والأحسن. وبهذا قال ابن جرير، وبعض أصحاب الشافعي".]]، فجعل أبو حنيفة السجود والكون من ورائكم لطائفة أخرى ....) [[طمس في المخطوط بقدر أربعة أسطر.]].

بأنهم لم يصلوا فائدة، وأيضاً فإن قوله: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ ظاهره يدل على أن يكون جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام؛ لأن مطلق قولك: صليت مع الإِمام، أنك أدركت جميع الصلاة معه، وعنده ليس كذلك.

فأما حمل السلاح في الصلاة فهو فرض عند بعض العلماء [[عند عدم المرض الذي يشق معه حمل السلاح أو التأذي بالمطر، وهذا أحد قولي الشافعي. انظر: "الأم" 1/ 219، و"أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 494، و"المغني" 3/ 311، وابن كثير 1/ 604.]]، وسنة مؤكدة عند بعضهم [[هذا قول أكثر أهل العلم. انظر: "المغني" لابن قدامة 3/ 311، والقرطبي 5/ 371 "شرح صحيح مسلم" للنووي 6/ 125.]]، والشرط أن لا يحمل سلاحًا نجسًا إن أمكنه [[انظر: الأم 1/ 219، و"المغني" 3/ 311.]]، ولا يحمل الرمح إلا في طرف الصف أو في الصف الأول لئلا يؤذي به من أمامه [[انظر: "الأم" 1/ 219، و"المغني" 3/ 311.]]، ولا حرج على المريض، وفي حالة المطر إن وضعوا أسلحتهم طلبًا للتخفيف، وفي المطر إنما يتعذر حمل السلاح؛ لأنه يصيبه بلل المطر فيسود بالطبع، وأيضاً فإن من الأسلحة ما يكون مبطنًا فيثقل على لابسه إذا ابتل بالماء [[انظر: "الأم" 1/ 219، والبغوي 2/ 280، والقرطبي 5/ 372.]].

قال الشافعي: "وإن كانت صلاة المغرب فصلى ركعتين بالطائفة الأولى، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، فحسن، وإن ثبت جالسًا في التشهد الأول، وأتموا لأنفسهم، فجائز" [["الأم" 1/ 212، و"الكشف والبيان" 4/ 111 ب بتصرف يسير، وهذا مذهب أحمد ومالك أيضًا. انظر:"المغني" لابن قدامة 3/ 309.]]. قال: "وإن كانت صلاة حضر فلينتظر جالسًا في الثانية أو قائمًا في الثالثة" [[من "الكشف والبيان" 4/ 111 ب، وانظر: "الأم" 1/ 213.

وتمام الكلام عند الثعلبي: "حتى تتم الطائفة التي معه، ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بها كما وصفت في الأخرى".]].

وقوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ قال أبو علي الجرجاني: في قوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ إطلاق، له أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذرًا، غير مغفلٍ للحذر؛ بحسب ما يكون حالهم مع العدو. والذي نزل به الكتاب كان وجه الحذر؛ لأن العدو يومئذ (....) [[غير واضح، وأظنه: "بذات الرقاع".

وسميت هذه الغزوة بذلك لما كانوا يعصبون من الخرق على أرجلهم من الجراح وكانت هذه الغزوة سنة خمس من الهجرة. انظر: "صحيح البخاري" (4129 - 4230) و"شرح صحيح مسلم" للنووى (842، 843).]] كان مستقبل القبلة والمسلمون مستدبروها، وفي استقبالهم القبلة يومئذ استدبار منهم لعدوهم، فأمروا بأن يصيروا طائفتين، طائفة تجاه العدو، وطائفة مع النبي ﷺ مستقبل القبلة [[جاءت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع في عدة أحاديث أخرجها البخاري (4129، 4130) في كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، ومسلم (842، 843) في كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف.]].

والحال الثانية والثالثة بعُسْفان [[قرية بين مكة والمدينة على بعد مرحلتين من مكة. انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" الجزء الثالث، القسم الثاني ص 56.]] وبذي قَرَد [[بفتح القاف والراء اسم لماء على بعد ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر، وسمي به غزوة ذي قرد، وهي الغزوة التي أغار فيها قوم من غطفان على لقاح النبي ﷺ فاستردها، وهي قبل خيبر بثلاث. انظر: "صحيح البخاري" (4194)، و"معجم البلدان" 4/ 322، و"اللسان" 6/ 3577.]]، كانوا بخلاف هذه الحال، لأن العدو كان مستدبرًا للقبلة والمسلمون مستقبلوها، وكان المسلمون على (.. [[كلمة غير واضحة، وأظنها: (مستقبل).]] ..) القبلة والعدو في وجوههم فأتى بالصلاة كما أطلق له من أخذ الحذر [[الأثر في صلاة الخوف بعسفان أخرجه النسائي 3/ 74 في كتاب: صلاة الخوف حديث رقم (16) عن أبي هريرة، والطبري 5/ 257 - 258 عن ابن عباس ومجاهد وهو في "تفسير مجاهد" 1/ 172، وذكره الثعلبي 4/ 112 أوصفتها بنحو ما في حديث جابر الآتي.

أما بذي قرد فقد قال ابن عباس: "صلى النبي ﷺ يعني صلاة الخوف بذي قرد". أخرجه البخاري (4125) (سبق تخريجه)، وأخرجه مطولًا عنه النسائي حيث == وصف ابن عباس الصلاة بقوله: "إن رسول الله ﷺ صلى بذي قرد، وصف الناس خلفه صفين، صفا خلفه، وصفا موازي العدو، فصلي بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا". "سنن النسائي" 3/ 169 كتاب: صلاة الخوف حديث رقم (5) وأخرجه بنحوه الثعلبي 4/ 113 ب.]]، ولو أتى بها في هاتين الحالتين كما أمر به يوم ذات الرقاع من تصييرهم طائفتين كان تاركًا للحذر ومغررًا بنفسه وأصحابه. هذا كلامه.

وفيما ذكره تسوية من جميع الروايات الواردة في صلاة الخوف، لأنه يقول: العلة في اختلافها اختلاف الحال. وليس هذا الذي ذكره بعيدًا عن الصواب، فإن النبي ﷺ بعُسْفان وببطن النخل [[قرية في الحجاز من أرض غطفان. انظر: "تهذيب الأسماء واللغات"، الجزء الثالث، القسم الأول ص 38.]] لم يفرق أصحابه طائفتين، لأنهم كانوا في الصلاة متوجهين للعدو مستقبلي القبلة، فكانوا يرون العدو وهم في الصلاة، فلم يحتاجوا إلى الاحتراس إلا عند السجود، وفي السجود سجد الصف الأول، والثاني يحرسونهم، فلما فرغوا من السجود انحدر الصف المؤخر بالسجود [[تقدم قريبًا تخريج الأثر الوارد في الصلاة بعسفان، أما ببطن النخل فإنه سيأتي في الأثر عن جابر.]]. وكذا روى جابر بن عبد الله [[قال جابر رضي الله عنه: "غزونا مع رسول الله ﷺ قومًا من جهينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم. فأخبر جبريل رسول الله ﷺ ذلك. فذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ قال: وقالوا: أنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد. فلما حضرت العصر، قال: صفينا صفين، والمشركون بيننا وبين القبلة. قال فكبَّر رسول الله ﷺ وكبَّرنا، وركع وركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني. ثم تأخر الصف الأول وتقدم الصف الثاني، فقاموا مقام الأول. فكبَّر رسول الله ﷺ وكبَّرنا، وركع فركعنا. ثم سجد وسجد معه الصف الأول وقام الثاني، فلما سجد الصف الثاني، ثم جلسوا جميعا، سلم عليهم رسول الله ﷺ".

أخرجه "مسلم"، وقد سبق تخريجه.= وهذِه الغزوة كانت بنخل كما أشار إليه المؤلف، وجاء ذلك في حديث جابر هذا عند الطبري 5/ 257.]].

4:98Page 94

إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا ٩٨

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way1 -

No commentary for this ayah

4:99Page 94

فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا ٩٩

For those it is expected that Allāh will pardon them, and Allāh is ever Pardoning1 and Forgiving.

No commentary for this ayah

4:100Page 94

۞ وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٠

And whoever emigrates for the cause of Allāh will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allāh and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allāh. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.

No commentary for this ayah

4:101Page 94

وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ١٠١

And when you travel throughout the land, there is no blame upon you for shortening the prayer,1 [especially] if you fear that those who disbelieve may disrupt [or attack] you.2 Indeed, the disbelievers are ever to you a clear enemy.

No commentary for this ayah

4:102Page 95

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٠٢

And when you [i.e., the commander of an army] are among them and lead them in prayer,1 let a group of them stand [in prayer] with you and let them carry their arms. And when they have prostrated, let them be [in position] behind you and have the other group come forward which has not [yet] prayed and let them pray with you, taking precaution and carrying their arms. Those who disbelieve wish that you would neglect your weapons and your baggage so they could come down upon you in one [single] attack. But there is no blame upon you, if you are troubled by rain or are ill, for putting down your arms, but take precaution. Indeed, Allāh has prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

No commentary for this ayah

4:103Page 95

فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا ١٠٣

And when you have completed the prayer, remember Allāh standing, sitting, or [lying] on your sides. But when you become secure, re-establish [regular] prayer. Indeed, prayer has been decreed upon the believers a decree of specified times.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي فرضا موقوتًا [[انظر: الطبري 5/ 261، و "معاني الزجاج" 2/ 99، و"بحر العلوم" 1/ 384.]].

قال ابن عباس: "فريضة بأوقاتها" [["تفسير ابن عباس" ص 157، بلفظ: "موقوتًا: مفروضًا" وأخرجه كذا الطبري 5/ 261، لكن من طريق العوفي، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 526، و"زاد المسير" 2/ 188، و"الدر المنثور" 2/ 380.]].

والمراد بالكتاب ههنا: المكتوب، كأنه قيل: مكتوبة موقوتة، ثم حذفت الهاء من الموقوتة، لما [[كأنها: كما.]] جعل المصدر موضع المفعول، والمصدر مذكر، ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات مؤقتة، يقال: وقَّته، ووقَته، مخففًا [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 130، والطبري 5/ 262، و"الكشف والبيان" 4/ 115 ب.]]. وقرئ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [[قراءة أبي جعفر وحده بواو مضمومة وكسر القاف مخففة. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3928 (وقت)، و"المبسوط" ص 391، و"النشر" 2/ 397.

وفي مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "وقت" بواو مضمومة وتشديد القاف. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3928 (وقت).]] [المرسلات: 11]. قال أبو عبيدة: وإن شئت قلت: أوقته [[ليس في "مجاز القرآن".]].

وقال الزجاج في قوله: ﴿موقوتا﴾: أي مفروضًا موقتًا فرضه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 99.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском