Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:104–113
4:104Page 95
وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ١٠٤
And do not weaken in pursuit of the enemy. If you should be suffering - so are they suffering as you are suffering, but you expect from Allāh that which they expect not. And Allāh is ever Knowing and Wise.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾. الخطاب للمؤمنين، وذكرنا معنى الوهن [["الوهن: الضعف"؛ "الصحاح" 6/ 2215، و"اللسان" 8/ 4934 (وهن).]] في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: 139].
والمراد بالقوم ههنا: أبو سفيان وأصحابه، لما انصرفوا عن أحد منهزمين، وقد قذف الله في قلوبهم الرعب، أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيام، فندب النبي ﷺ الناس لذلك، فاشتكوا ما بهم من الجراحات، فأنزل الله هذه الآية [[ذكره الطبري 5/ 263 عن عكرمة، كما ذكره دون عزو السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 384، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 115 ب، والبغوي في "معالم التنزيل" 2/ 282.]]. وقد مضت هذه القصة في سورة آل عمران [[ذكر جميع ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].]]. قال ابن عباس: "يريد لا تضعفوا في طلب العدو" [[أخرجه ابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 381.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾. الألم الوجع، وقد ألم يألم، فهو آلم [["تهذيب اللغة" 1/ 188 (ألم) وفيه: "فهو ألم" بدون مد. وانظر: "الصحاح" 5/ 1863، و"اللسان" 1/ 113 (ألم).]]. قال ابن عباس: "يريد يوجعون كما توجعون الجراح" [[بنحوه في "تفسير ابن عباس" ص (157)، وأخرجه أيضًا من طريق علي بن أبي طلحة: الطبري 5/ 263، وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 381.]].
ونحو هذا قال غيره من المفسرين [[كمجاهد وقتادة والسدي وابن زيد. انظر: الطبري 5/ 262، 263.]]، وهذا يحتمل تأويلين:
أحدهما: أن المؤمنين كانت بهم جراحات، يجدون لها ألمًا يوهنهم عن المسير في آثار المشركين، والمشركون أيضًا بهم جراحات، كما بالمسلمين، فقيل للمسلمين: إنَّ ألمتم جراحكم، فهم أيضًا في مثل حالتكم من أثر الجراح. وعلى هذا دل كلام المفسرين أن المراد بالألم ههنا ألم جراح واقعة بالفريقين [[انظر: الطبري 5/ 262، 263، و"بحر العلوم" 1/ 384، و"الكشف والبيان" 4/ 115 ب، و"النكت والعيون" 1/ 527.]].
والآخر: أن هذا استدعاء إلى الجهاد مما يوجب الصبر عليه والجد فيه لرجحان حالهم على حال أعدائهم، بأنهم يرجون من الله ما لا يرجونه، فقد ساووهم في الصارف عن القتال، وهؤلاء انفردوا بداعٍ ليس لهم من ثواب الله على ذلك وكرامته التي هي (أوكد وكد داع) [[هكذا ما بين القوسين في المخطوط، وقد يكون فيه تكرار، فتكون العبارة: "أوكد داع".]] إلى إتباع مرضاته، فالمراد بالألم ههنا ألم جرح يقع ويحصل في أحد الفريقين، يقول: إن ألمتم جرحًا يوقعونه فيكم فهم أيضًا يألمون بما توقعونه فيهم، فلا تضعفوا ولا تجنبوا [[هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: ولا تجبنوا، بباء ثم نون بعد الجيم.]] عنهم، فقد تساويتم في وجود الآلام.
وعلى هذا الثاني دل كلام أبي إسحاق، فإنه قال: أي أن تكونوا توجعون فأنهم يجدون من الوجع فيما ينالهم من الجراح والتعب كما تجدون [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 100، وانظر: الطبري 5/ 262، و"زاد المسير" 2/ 189.]].
وهذا المعنى أراد الشداخ بن يعمر الكناني [[هو يعمر بن عوف بن كعب بن عامر الليثي الكناني و"الشداخ" لقبه، سمي بذلك لشدخه الدماء بين قريش وخزاعة، أي وضعها تحت قدميه وإصلاحه بينهم فهو من حكام العرب، ويبدو أنه شاعر جاهلي.
انظر: "المحبر" ص 33، و"الاشتقاق" ص 171، و"جمهرة أنساب العرب" ص 180، و"الأعلام" 8/ 205.]] في قوله يحض قومه على الحرب:
القوم أمثالكم لهم شعر ... في الرأس لا ينشرون إن قتلوا [[البيت في "الحماسة الكبرى" لأبي تمام 1/ 113.]].
يقول: هم مثلكم إن قتلتم منهم لم يجيء قتيلهم، كما لا يجيء منكم من قتل.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.
قال الحسن وقتادة وابن جريج وأكثر أهل العلم: وتؤملون من ثواب الله ما لا يؤملون [[أخرجه بمعناه عن قتادة وابن جريج: الطبري 5/ 262 - 263، أما عن الحسن فذكره الهواري في "تفسيره" 1/ 420.
وقد قال بهذا القول أيضاً الضحاك. انظر: "معاني القرآن" للنحاس 3/ 184، واختاره الطبري 5/ 262، 264، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 384، و"الكشف والبيان" 4/ 115 ب.]].
وقال الزجاج: أي أنتم ترجون النصر الذي وعدكم الله جل وعز وإظهار دينكم على [سائر] [[طمست ما بين المعقوفين هذه الكلمة في المخطوط حيث لم يبق من كلماتها إلا السين، والتسديد من الزجاج في "معانيه" 2/ 100.]] أديان الملل المخالفة [لأهل الإسلام] [[طمس ما بين المعقوفين في المخطوط والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 100.]] وترجون مع ذلك الجنة، وهم لا يرجون؛ لأنهم كانوا غير مقرين [بالبعث، فأنتم ترجون من الله ما لا يرجون] [[طمس ما بين المعقوفين في المخطوط، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 100.]].
وذهب بعض المفسرين إلى أن (...) [[طمس ما بين القوسين في المخطوط، والظاهر أنه: "الرجاء هنا بمعنى الخوف" أو قريب من ذلك. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 286، والطبري 5/ 264.]].
وأنكر الفراء والزجاج ذلك، فقال: [وأجمع أهل اللغة الموثوق بعلمهم على أن الرجاء] [[طمس ما بين المعقوفين في المخطوط، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 100.]] ههنا على معنى الأمل [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 100.]].
وقال الفراء: "لا يعرف الرجاء بمعنى الخوف إلا مع (...) [[طمس، وفي "معاني الفراء" 1/ 286: "ولم نجد معنى الخوف يكون رجاء إلا ومعه جحد".]]. كقوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13] أي لا تخافون له عظمة. كقول أبي ذؤيب [[تقدمت ترجمته.]]:
إذا لسعَتْه النَّحلُ لم يَرْجُ لسعَها ... وحالفَها في بيتِ نوبٍ عواملِ [["معاني القرآن" 1/ 286، والبيت في ديوان الهذليين 1/ 143 وقافيته "عواسل" بالسين، و"تهذيب اللغة" 4/ 3476، و"الصحاح" 1/ 229، و"اللسان" 8/ 4570 (نوب). والشاهد منه: أن الرجاء بمعنى الخوف لما اقترن بنفي.]]
وإنما كان كذلك لأن الرجاء لما أخرج عن أصله لم يتصرف في جميع الوجوه بمعنى الخوف، إلا في النفي خاصة.
قال الزجاج: وإنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف؛ لأن الرجاء أمل قد يخاف أن لا يتم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 100.]]. يريد: إنما يُرجى كونه يخاف فوته.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه [[انظر: الطبري 5/ 264.]].
﴿حَكِيمًا﴾ فيما حكم لأوليائه من الثواب، ولأعدائه من العقاب.
4:105Page 95
إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا ١٠٥
Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book in truth so you may judge between the people by that which Allāh has shown you. And do not be for the deceitful an advocate.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ الآية.
أجمعوا على أن هذه الآية وما بعدها من أي كثير نزلت في قصة طعمة ابن أُبيرق [[هو طعمة بن أبيرق بن عمرو بن حارثة بن ظفر الخزرجي الأنصاري، ذكر في الصحابة وأنه شهد المشاهد كلها إلا بدرًا، وقد تكلم في إيمانه.
انظر: "أسد الغابة" 3/ 75، و"الإصابة" 2/ 224.]]، سرق درعًا ثم رمى بها يهوديًّا فلما طلبت عنده الدرع أحال على اليهودي، فرماه بالسرقة، فاجتمع قوم طعمة وقوم اليهودي، وأتوا رسول الله ﷺ، فسأل قوم طعمة النبي عليه السلام أن يُجادل عن صاحبهم، وأن يبرأه، وقالوا: إنك إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح، وبرئ اليهودي، فهمّ النبي ﷺ أن يفعل وأن يعاقب اليهودي.
وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي عن أبي صالح عنه [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 95، وقد أخرجه بمعناه عن ابن عباس من طريق العوفي: الطبري 5/ 267، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 384.]]، والضحاك والسدي والحسن وابن زيد أن طعمة سرق الدرع [[أخرج الآثار عنهم: الطبري 5/ 267 - 270 إلا الحسن فأخرجه عنه ابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" 2/ 385.
وقد أخرج القصة مطولة الترمذي في كتاب: التفسير، باب: (5) ومن سورة النساء 5/ 244 عن قتادة بن النعمان. وقال: حديث غريب، وكذا الطبري 5/ 265 وذكرها المؤلف في "أسباب النزول" ص 183، والسيوطي في "لباب النقول" ص 82.]].
وقال مجاهد ومقاتل: إن طعمة استُودع درعًا، ولم تكن عليه بينة، فجحدها، وكانت الدرع ليهودي. وهذا قول مقاتل وقول مجاهد، وأنه استودع درعًا، فرمى بسرقتها يهوديًا، [فنزلت] [[ما بين المعقوفين لم تتضح بعض حروفه في المخطوط.]] الآية في هذه الخصومة [[قول مجاهد كالقول السابق أن طعمة سرق الدرع ورمى بذلك غيره. انظر: قول مجاهد في "تفسيره" 1/ 173، والطبري 5/ 265، وقول مقاتل في "تفسيره" 1/ 404، و"الكشف والبيان" 4/ 116 ب.]].
قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ المعنى: على وجه الحق دون الباطل، لأنه لو (......... ـعدى) [[طمس ما بين القوسين في المخطوط، وهو بقدر كلمتين لم يتبين منهما إلا هذان الحرفان اللذان أثبتهما، والظاهر أن العبارة: "لو كان التعدي" أو "لو قصد التعدي". انظر: "الوسيط" 2/ 697.]] في الحكم لم يكن قد أنزل بالحق، فالحق ههنا إنما هو ما كان لأجله الكتاب حقًا، وقد يوصف بالحق على معنى: ذو الحق، كما يوصف بعدل، كما قال عز وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: 62].
وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، قال ابن عباس: "بما علمك الله" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 95.]].
ونحو ذلك قال غيره [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 499.]]، ومثله قوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [سبأ: 6] [[تمام الآية: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ وسقتها كاملة ليتضح تفسير المؤلف لها.]] أي: ويعلم.
وهذا يدل أن رأيه ﷺ كله وحيًا [[هكذا ولعل "كله" مصحفة عن "كان أو أنه" سقط (كان) من الكلام.]].
وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: "لا يقولن أحدكم: [قضيت] [[ما بين المعقوفين غير واضح وضوحًا تامًّا، وما أثبته قريب.]] بما أراني الله، فإن الله تعالى لم يفعل ذلك إلا لنبيه". وكان يقول: "إنَّ رأي النبي ﷺ كان مصيبًا، لأن الله تعالى كان يريه إياه، وهو منّا ظن وتكلف" [[قال السيوطي: "أخرج ابن المنذر عن عمرو بن دينار أن رجلاً قال لعمر: (بما أراك الله) قال: مه، إنما هذِه للنبي ﷺ خاصة "الدر المنثور" 2/ 386. هذا ما وقفت عليه عن عمر رضي الله عنه.]].
وقال الحسن: "رأي الأنبياء عليهم السلام وحي" ثم تلا هذه الآية [[لم أقف عليه.]].
قال أبو علي: لا يخلو (أراك) من أن يكون منقولًا بالهمزة من رأيت، التي يراد بها رؤية البصر، أو رأيت، التي تتعدى إلى مفعولين، ورأيت الذي بمعنى الرأي الذي هو الاعتقاد، فلا يجوز أن يكون من الرؤية التي معناه: أبصرت بعيني؛ لأن الحكم في الحوادث بين الناس ليس مما يدرك بالبصر، ولا يجوز أن يكون من: رأيت، التي يتعدى إلى مفعولين؛ لأنه كان يلزم بالنقل أن يتعدى إلى ثلاثة، مفعولين [[لعل هذِه الكلمة زائدة، أو مصحفة عن "مفاعيل".]]، وفي تعديه إلى مفعولين، أحدهما الكاف التي للخطاب، والآخر: المفعول المقدر حذفه من الصلة، تقديره: بما أراكه الله، ولا مفعول ثالثًا في الكلام، وذلك في دلالة على أنه من رأيت، التي معناها الاعتقاد والرأي، وهو يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا نقل بالهمزة تعدى إلى مفعولين، كما ذكرنا في التقدير [[من "المسائل الحلبيات" لأبي علي ص 70، 71 بتصرف.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ قال الزجاج: أي لا تكن مخاصمًا ولا دافعًا عن خائن [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 101، وانظر: "زاد المسير" 2/ 192.]].
وخصيمك الذي يُخاصمك، وجمعه خصماء، وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه، والخصم طرف الراوية [[في المخطوط: "الرواية" وهو تصحيف، انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 1042، و"اللسان" 2/ 1177 (خصم).
والراوية هي المرادة. انظر:"الصحاح" 6/ 2364 (روي).]]، وطرف الفراش، وقيل للخصمين خصمان؛ لأخذ كل واحد منهما في ناحية من الحجج والدعوى وخصوم السحابة جوانبها [[من "تهذيب اللغة" 1/ 1042 (خصم) بتصرف، وانظر: "اللسان" 2/ 1177 (خصم).]]، قال الأخطل [[هو أبو مالك غياث بن غوث شاعر مسيحي من شعراء الدولة العباسية، توفي سنة 90 تقريبًا. انظر: "طبقات الشعراء" ص 147، و"الشعر والشعراء" ص 319، و"الأعلام" 5/ 123.]]:
إذا طعنتْ فيها الجنوبُ تحاملتْ ... باعجازِ جرّارٍ تداعى خُصومُها [[ديوان الأخطل ص 319، و"تهذيب اللغة" 1/ 1042، و"اللسان" 2/ 1177 (خصم)، والجنوب: ريح الجنوب.]]
أي: تجاوب جوانبها بالرعد، وطعن الجنوب فيها سوقها إياه. والجرّار الثقيل ذو الماء، تحاملت باعجازه: دفعت أواخره [["تهذيب اللغة" 1/ 1042 (خصم).]].
4:106Page 96
وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٦
And seek forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾. قال مقاتل: من جدالك عن طعمة [["تفسير مقاتل" 1/ 405، و"الكشف والبيان" 4/ 117 أ.]].
وقال السدي: (مما أردت من جدالك عنه) [[ما بين القوسين لم يتضح جيدًا في المخطوط، وانظر: "الوسيط" 2/ 698، ولم أقف على من خرجه.]].
وقال [....] [[لم يتضح اسم القائل، وكأنه مجاهد.]]: ("من همك بقطع اليهودي" [[لم أقف عليه.]] ونحوه روي عن ابن عباس) [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 117 أ.]].
وقال الكلبي: من همك باليهودي أن (....) [[ما بين القوسين كلمة غير واضحة في المخطوط، وأظنها: "تقطعه". انظر: "الكشف والبيان" 4/ 117 أ، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 96.]].
فإن قيل: فهل كان للنبي ﷺ في هذه القصة ذنب حتى أمر بالاستغفار؟
قيل: الأصل في هذا أن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون عن الكبائر، وذلك بإجماع العلماء [[انظر: "الفقه الأكبر" لأبي حنيفة مع شرحه ص 88، 89، و"أصول الدين" للبغدادي ص 167، 168.]]. فأما الصغائر: فمن العلماء من قال: كانوا معصومين عنها [[انظر: "الفقه الأكبر مع شرحه" ص 88، 89.]]، ومنهم من قال: ما كانوا معصومين عنها [[انظر: "أصول الدين" ص 168، والقرطبي 5/ 377.]].
وكذلك الخلاف في جواز السهو والنسيان عليهم [[انظر: "أصول الدين" ص 168.]]، مع إجماعهم على أن السهو غير جائز عليهم في تبليغ الوحي، وأن السهو إن وقع فهو في غير الوحي، فإنَّ الله لا يقررهم على السهو، بل ينبهم، والصحيح أن السهو والنسيان جائز عليهم، وعلى هذا دلت الأخبار [[قال البغدادي: "وأما السهو والخطأ فليسا من الذنوب، فلذلك ساغا عليهم. وقد سهى نبينا ﷺ في صلاته، حتى سلم من الركعتين، ثم بني عليها وسجد سجدتي السهو". "أصول الدين" ص (168)، وانظر: "شرح الفقه الأكبر" ص 92، 93.]].
فأما ذنب النبي ﷺ في هذه القصة فقد قيل: إنه همّ بقطع اليهودي [[تقدم هذا القول عن ابن عباس وغيره.]].
وقيل: إنَّه جادل عن طعمة، حتى قال للمدعي: عمدت إلى رجل مسلم ورميته بالسرقة من غير بينة [[أخرجه الطبري في الأثر الطويل عن قتادة بن النعمان 5/ 266. وتقدم قريبًا نحوه عن السدي ومقاتل. انظر ص 401.]].
وهذا مما يؤمر بالاستغفار عنه.
والذين قالوا: لا تجوز الصغائر عليهم قالوا: إنه أمر بالاستغفار على طريق التسبيح، كما يقول القائل: "اسْتَغْفِرِ اللهِ" مكررًا له مرات كثيرة، على جهة التسبيح من غير أن يقصد بذلك إلى التوبة من ذنبٍ كره [[هكذا هذه الكلمة في المخطوط ولعل الصواب: ذكره، فسقطت الذال من الناسخ.]].
وقال بعض أهل العلم: استغفار الرسل إما أن يكون للأمة، واما أن يكون لذنب قبل النبوة، وإما أن يكون لزيادة الدرجة [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 117 ب.]]. وقد رُوي عن رسول الله أنه قال: " إن الله تعالى ليغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة" [[لم أقف عليه.]] معناه زيادة الدرجات.
قال أبو إسحاق: عرّف الله تعالى نبيه ﷺ قصة طعمة، وأعلمه أنه خائن، ونهاه أن يحتج له، وأمره بالاستغفار مما هم به، وأن حكم بما أنزل الله في كتابه فقال: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ﴾ يعني طعمة ومن عاونه من قومه، وهم يعلمون أنه سارق [["معاني الزجاج" 2/ 101.]]. والاختيان كالخيانة، يقال: خانه واختانه. وذكر ذلك عند قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 187] ومعنى (يختانون أنفسهم): يخونوها [[هكذا في المخطوط، والصواب: "يخونونها" بالرفع.]] بالمعصية، والعاصي خائن لأنه مؤتمن على دينه.
ويجوز أن يكون المعنى: أن وبال خيانتهم راجع إليهم بالفضيحة في الدنيا والعقوبة في الآخرة، فكأنهم خانوا أنفسهم وإن خانوا غيرهم في الظاهر (بالسرقة كما يقال لمن ظلم غيره: إنه قد ظلم نفسه.
وقد صرحت الآية بالنهي) [[ما بين القوسين متكرر في المخطوط، ولعله سهو من الناسخ.]] عن المجادلة عن الظالمين في القليل والكثير، ألا ترى أن رسول الله ﷺ جادل عن طعمة على غير بصيرة، (.. [[ما بِين القوسين كلمة غير واضحة في المخطوط، والظاهر أنها: فعاتبه.]] ..) الله تعالى بهذا، وأمره بالاستغفار، ونهاه عن المعاودة إلى مثله، فما ظنك بمن يعلم ظلم الظالم، ثم يستجيز معاونته؟!
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ قال ابن عباس: "يريد خوانًا فاجرًا" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 96، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 385.]].
قال المفسرون: إن طعمة خان في الدرع، وأثم في رميه اليهودي، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [[من الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 117 ب بتصرف.]].
4:107Page 96
وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا ١٠٧
And do not argue on behalf of those who deceive themselves. Indeed, Allāh loves not one who is a habitually sinful deceiver.
No commentary for this ayah
4:108Page 96
يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا ١٠٨
They conceal [their evil intentions and deeds] from the people, but they cannot conceal [them] from Allāh, and He is with them [in His knowledge] when they spend the night in such as He does not accept of speech. And ever is Allāh, of what they do, encompassing.
قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ الاستخفاء في اللغة معناه: الاستتار، يقال: استخفيت عن فلان، أي: تواريت عنه واستترت [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 1070، و"الصحاح" 6/ 2330 (خفي)، و"الكشف والبيان" 4/ 117 ب، و"زاد المسير" 2/ 193.]]، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ [الرعد: 10] قال الفراء: أي مستتر [[لم أجده في "معاني القرآن" بل في "تهذيب اللغة" 1/ 1070 (خفي).]].
ونحو هذا قال أبو العالية في تفسير: ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يستترون [[لم أقف عليه.]].
وقال ابن عباس: يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 96.]].
وهذا معنى وليس بتفسير، وذلك أن الاستحياء من الناس كان سبب الاستخفاء منهم، ففسر الاستخفاء بما أوجبه الله من سببه.
قال مجاهد: ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يعني: قوم طعمة [[لم أقف عليه عن مجاهد. وانظر: "بحر العلوم" 1/ 385، و"زاد المسير" 2/ 193.]].
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يقول علمه معهم" [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 96.]]. قال عطاء عنه: يريد عالم بما يُخفون وما يُعلنون [[لم أقف عليه.]].
قال أهل المعاني: معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ مشاهدته إياهم كمشاهدة من يكون معهم في الظاهر [[انظر: الطبري 5/ 271.]].
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾. قال مجاهد: يُهيئون [[لم أقف عليه.]]. وقال عطاء: يُضمرون [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو عبيدة: يُقدرون [[فسر أبو عبيدة قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: 81]. بقوله: "أي قدروا ذلك ليلاً "مجاز القرآن" 1/ 132. هذا ما وجدت عند أبي عبيدة.]].
وذكرنا معنى التبييت مشروحًا في قوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ [النساء:81].
والذي لا يرضاه الله تعالى من القول الذي بيتوه هو أنَّ طعمة قال: أرمي اليهودي بأنه سارق الدرع [وأحلف أنني لم أسرقها فتقبل يميني، لأني] [[طمس ما بين المعقوفين في (ش)، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 102.]] على دينهم، ولا تقبل يمين اليهودي. قاله الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 102.]].
وهو قول الحسن [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 422.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [[طمس آخر الآية في المخطوط ولم يبق إلا آخر كلمة فاهتديت بها إلى ما قبلها.]]
(.. [[ما بين القوسين غير واضح في المخطوط، ويحتمل أنه: "قال عطاء عن" لأنه كثيرًا ما يورد عن ابن عباس من طريقه.]] ..) ابن عباس: "أحاط بسرائر العباد وما (...) [[طمس في المخطوط، ولم أقف على الأثر عن ابن عباس.]].
(محيطٌ) ههنا عليم بأعمالهم على إحاطة، لأنها ظاهرة له، لا تخفي عليه من وجه من الوجوه. وذكرنا هذا فيما تقدم [[انظر: "البسيط" [البقرة: 19].]].
4:109Page 96
هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ١٠٩
Here you are - those who argue on their behalf in [this] worldly life - but who will argue with Allāh for them on the Day of Resurrection, or who will [then] be their representative?
قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال الكلبي: ثم أقبل على قوم طعمة فقال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 96.]].
قال الزجاج: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ ههنا بمعنى الذين، المعنى: ها أنتم الذين جادلتم، لأن هؤلاء وهذا يكونان في الإشارة للمخاطبين إلى أنفسهم بمنزلة الذين، وقد يكون لغير المخاطبين بمنزلة الذين، نحو قول الشاعر:
عدس: ما لعبَّاد عليك إمارةٌ ... أمنت وهذا تحملين طليق [[البيت ليزيد بن مفرغ الحميري. وهو في "الشعر والشعراء" ص 229، و"تهذيب اللغة" 3/ 2357 (عدس)، و"المحتسب" 2/ 94، و"اللسان" 5/ 2837 (عدس). وعدس كلمة زجر للبغل.]]
أي الذي تحملين طليق [["معاني الزجاج" 2/ 102، بتصرف، وانظر: القرطبي 5/ 379.]].
وقال غيره: هؤلاء إشارة إلى نفس المخاطبين على جهة البيان والتأكيد، كما تقول: فعلت أنت، وفعل هو [[نحو قول الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 454.]]:
وذكرنا في هذا بيانًا شافيًا في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: 119].
ومعنى الجدل في اللغة: شدّة المخاصمة، والجدْلُ: شدة الفتل، ورجل مجدول، كأنه قد فتل [[في "معاني الزجاج" 2/ 102: "قتل" بالقاف.]]. والأجدَلُ: الصقر؛ لأنه من أشد الطيور قوة. هذا قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 102، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 118 أ، و"زاد المسير" 2/ 193.]].
وقال غيره: سمى المخاصمة جدالًا، لأن كل واحد من الخصمين يريد فتل صاحبه عما هو عليه وصرفه عن رأيه [[لم أقف على قائله.]].
قال ابن عباس في قوله: ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يريد الذين جادلوا من الأنصار، من قرابته [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 96.]]. وفي حرف عبد الله (عنه)، يعني السارق وحده [[انظر: "البحر المحيط" 3/ 345، ونسب الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 118 أ، هذِه القراءة إلى أبي.]]، وفي قراءتنا: (عنهم) [[هذه هي القراءة المتواترة الموافقة لرسم المصحف.]] يعني السارق وذويه.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ خرج الكلام ههنا مخرج الاستفهام والمراد النفي، وجاز ذلك لأن جوابه لا يصح إلا بالنفي [[انظر: الطبري 5/ 272، و"البحر المحيط" 3/ 345.]]. ومضت نظائر كثيرة لهذا.
والمراد بهذا الاستفهام التقريع والتوبيخ لمن جادل عن الخائنين.
قال أبو إسحاق: كأنه قيل لهم: إن يقع [[في "معاني الزجاج" 2/ 102: "إن يقم" بالميم.]] الجدال في الدنيا عن أمر هذا السارق فيوم القيامة لا ينفع فيه جدال ولا شهادة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 102.]]؛ لأنه اليوم الذي يؤخذ [فيه] [[ما بين المعقوفين غير واضح في المخطوط، وما أثبته قريب.]] بالحقائق.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ معنى الوكيل في اللغة هو الذي جُعل له القيام بالأمر، ووكل إليه الأمر [[انظر: الطبري 5/ 272، و"مقاييس اللغة" 6/ 136، و"أساس البلاغة" 2/ 525 - 526، و"اللسان" 8/ 4909 - 4910 (وكل).]].
وقوله: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ﴾ عطف على استفهام معناه النفي، فهذا أيضًا يكون بمعنى النفي، أي لا يكون يوم القيامة عليهم وكيل يقوم بأمرهم ويخاصم عنهم [[انظر: "البحر المحيط" 3/ 345.]].
4:110Page 96
وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١١٠
And whoever does a wrong or wrongs himself but then seeks forgiveness of Allāh will find Allāh Forgiving and Merciful.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَه﴾ قال ابن عباس: "عرض التوبة على طعمة بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ الآية [[روي من طريق أبي صالح عن ابن عباس. انظر: "زاد المسير" 2/ 194.
وقد ثبت عن ابن عباس ما يفيد عموم الآية لكل من تاب من ذنبه واستغفر منه، كما في الأثر عنه من طريق علي بن أبي طلحة قال: "أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا، ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال. "تفسير ابن عباس" ص 158، وأخرجه الطبري 5/ 273.]].
قال الزجاج: أعلم الله أن التوبة مبذولة في كل ذنب [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 102.]].
وقال المفسرون: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ بالسرقة [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 386، و"الكشف والبيان" 4/ 118 ب، و"زاد المسير" 2/ 194.]] ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بالشرك [[لم أجد من فسر الظلم هنا بالشرك إلا الزمخشري في "الكشاف" 1/ 297، وقد قال غير واحد إنه ما دون الشرك، انظر: "الكشف والبيان" 4/ 118 أ، و"زاد المسير" 2/ 194.]].
والأولى أن يقال: هذا عام في كل معصية. وذكر ظلم النفس مع عمل السيئة -وكلاهما بمعنى واحد- توكيدًا وزيادةً للبيان.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾.
هذا ورد مطلقًا كما ترى من غير ذكر التوبة، وهو عند أهل العلم مقيد بالتوبة [[انظر: الطبري 5/ 172، و"معاني الزجاج" 2/ 103، و"بحر العلوم" 1/ 386، و"الكشف والبيان" 4/ 118 أ، والبغوي 2/ 285، و"الكشاف" 1/ 297.]]؛ لأنه لا ينفع الاستغفار مع الإصرار [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 103]].
وقوله تعالى: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110].
معناه: غفورًا رحيمًا له [[انظر: الطبري 5/ 173، و"الكشف والبيان" 4/ 118 أ.]]، لأن الله غفور رحيم، استغفر هذا الظالم أو لم يستغفر، فحذف له لدلالة الكلام عليه، وتلك الدلالة أنه لا معنى للترغيب في الاستغفار إلا أن يكون على هذا الوجه.
وقال عطاء عن ابن عباس: يريد بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ الآية الذين جادلوا عن طعمة [[لم أقف عليه.]].
4:111Page 96
وَمَن يَكۡسِبۡ إِثۡمٗا فَإِنَّمَا يَكۡسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١١
And whoever earns [i.e., commits] a sin only earns it against himself. And Allāh is ever Knowing and Wise.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾.
معنى الكسب: هو الفعل الذي يجتر به إلى النفس نفع، ويدفع به عنها ضر، ولذلك لم يجز في وصف الباري عز وجل.
والإثم: هو القبيح الذي يوجب تبعة، والذنب: هو القبيح من الفعل، وقد يكون من غير تبعة، ولذلك يقال للصبي أذنب، ولا يقال: أثم.
ومعناه: الرذل في الفعل، كالذنب الذي هو [إهلاك] [[ما بين المعقوفين غير واضح، وما أثبته قريب.]] صاحبه.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ قال المفسرون: بين الله تعالى لما رغب العاصي في الاستغفار أن ضرر المعصية يلحقه، ولا يلحق الله تعالى من معصية العاصي ضرر، وأن ترغيبه إياه في الاستغفار (....) [[ما بين القوسين غير واضح في المخطوط بسبب تآكل أو نحوه، ويمكن أن يقدر == بـ (استدعاء لما فيه مصلحته أو خبره) أو نحو ذلك، والله أعلم.]].
قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ يريد [طعمة] [[هذِه الكلمة ما بين المعقوفين غير واضحة في المخطوط، وما أثبته قريب.]] خاصة، لأن هؤلاء القوم الذين جادلوا عنه كانوا يظنون به خيرًا" [[لم أقف عليه.]].
ومعنى هذا: أن الآثم إنما ضر بما فعل نفسه، لأنه لا يؤخذ غير الآثم بإثم الإثم [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 118 ب.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ أي: بالسارق [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 118 ب.]].
﴿حَكِيمًا﴾ بالقطع على طُعمة بالسرقة. قاله المفسرون [[يقصد شيخه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 118 ب.]].
4:112Page 96
وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ١١٢
But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ قال الكلبي: لما نزلت هذه الآيات التي تقدمت عرف قوم طعمة الظالم، فأقبلوا عليه وقالوا: بؤ بالذنب واتق الله، فقال: لا والذي يُحلف به ما سرقها إلا اليهودي، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ يقول يمينه الكاذبة، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ سرقته الدرع، ورميه بها اليهودي، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾ برميه البريء ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ يعني: يمينه الكاذبة [[انظر: "زاد المسير" 2/ 195، و"البحر المحيط" 3/ 346، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 96.]].
وعلى هذا التفسير عادت الكناية في (به) إلى الإثم الذي هو رمي البريء لا إلى الخطيئة؛ لأنه رمى البريء بالسرقة لا بإثم اليمين الفاجرة.
وأما البهتان: فهو من البَهْت، وهو استقبالك أخاك بأمر تصفه به، وهو منه بريء. والاسم: البهتان [["العين" 4/ 35، و"تهذيب اللغة" 1/ 400 (بهت).]]، قال:
أإن رأيتَ هامتي كالطَّستِ ... ظَلِلْتَ ترمين بقولٍ بُهتِ [[مر هذا الرجز في بداية السورة.]]
وذكرنا ما في هذا الحرف عند قوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا﴾ [النساء: 20].
قال أبو علي الفارسي: "الخطيئة: تقع على الصغيرة والكبيرة، فالصغيرة: قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: 82]، والكبيرة: قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: 81] " [["الحجة" 2/ 116.]].
فإن قلت: فكيف تقدير قوله: (خطيئةً أو إثمًا)، والخطيئة قد وقعت على الصغيرة والكبيرة، والإثم كذلك، فكأنه بمنزلة: ومن يكسب صغيرًا أو صغيرًا، أو: من يكسب كبيرًا، أو كبيرًا؟
قيل: الإثم قد وقع في التنزيل على ما يقتطعه الإنسان من مال لا يجوز له أن يقتطع من ماله [[قد يكون في الكلام سقط، وتمامه: "ما يقتطعه الإنسان من مال أحد لا يجوز له أن يقتطع من ماله".]]، كقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة: 107] أي اقتطعوا بشهادتهما إثما، وإنما وقع اسم الإثم على ما يقتطعه الإنسان من غيره لوجهين: إما أن يكون أريد وذا إثم، أي ما اقتطعه مما أثم فيه من مال صاحبه أثم فيه، أو يكون سمي المقتطع إثمًا لما كان يؤدي آخذه إلى الإثم، كما سمي مظلمة لأنه يؤدي إلى الظلم.
فوقع الإثم في هذه الآية على المسروق، كما وقع عليه في قوله: ﴿اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة: 107]، فإذا كان كذلك جاز أن يكون التقدير: ومن يكسب ذنبًا فيما بينه وبين الله سبحانه، أو ذنبًا هو من مظالم العباد. فهما جنسان، فجاز دخول (أو) في الكلام.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾: فلان، المعنى: ثم يرم بأحد هذين، أو يكون عاد الذكر إلى الإثم وحده، كما عاد إلى التجارة في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11].
وهذا الذي ذكره أبو علي موافق لما ذكرنا من تفسير الآية.
وقال ابن الأنباري: يجوز أن يعود الذكر إلى الكسب، أي: يرم بكسبه بريئًا. فدل يكسب على الكسب فكنىَّ عنه.
قال: ويجوز أن تكون الهاء راجعة إلى معنى الخطيئة والإثم، فكأنه قال: ومن يكسب ذنبًا ثم يرم به بريئًا [[لم أقف على قول ابن الأنباري.]].
وذكرنا معنى الخطيئة في قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: 81].
4:113Page 96
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا ١١٣
And if it was not for the favor of Allāh upon you, [O Muḥammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allāh has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allāh upon you been great.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: بالنبوة والعصمة [[انظر: "زاد المسير" 2/ 196.]].
وقال الكلبي: بالنبوة، وبنصرك بالوحي، لهمَّت [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 96.]].
وقال الفراء والزجاج: المعنى: لقد همَّت فأضمرت [[هذا نص قول الفراء في "معاني القرآن" 1/ 287، أما الزجاج فهذا معنى كلامه في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 104، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 118 ب.]].
وقوله تعالى: ﴿طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ يعني قوم طعمة، هذا السارق، لأن بعضهم قد كان وقف على أنه سارق، ثم سألوا النبي ﷺ أن يجادل عنه، ويرمي بسرقته اليهودي [[انظر: الطبري 5/ 275، "معاني الزجاج" 2/ 103، " الكشف والبيان" 4/ 118 ب.]].
ومعنى: ﴿يُضِلُّوكَ﴾ يخطئوك في الحكم. قاله الزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 104.]] وغيره [[كالفراء في "معاني القرآن" 1/ 287، والنحاس في "معاني القرآن" 2/ 188، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 119 أ.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. بتعاونهم على الإثم والعدوان، وشهادتهم بالزور والبهتان.
وقال الزجاج: لأنهم يعملون عمل الضالين [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 154، وانظر: "زاد المسير" 2/ 197.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾. لأن الضر على من شهد بغير حق [["الكشف والبيان" 4/ 119 أ.]].
وقال الزجاج: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ مع عصمة الله إياك، ونصرة [[في المخطوط (ويضره)، وهو تصحيف ظاهر، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 104.]] دين الحق [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 104.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يجوز أن يكون قوله: ﴿وَأَنْزَلَ﴾ ابتداءً في ذكر المنة، ويجوز أن تكون الواو للحال، مع إضمار قد، كما ذكرنا في قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: 90].
والمراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة القضاء بالوحي [["الكشف والبيان" 4/ 119 أ.]].
وقال أبو إسحاق: أي بيّن لك في كتابه ما فيه من الحكمة [التي لا يقع لك معها ضلال] [[ما بين القوسين طمس في (ش)، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 104.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences