Al-Wahidi (al-Basit)An‑Nisa · 4:114–122

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:114–122

4:114Page 97

۞ لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١١٤

No good is there in much of their private conversation, except for those who enjoin charity or that which is right or conciliation between people. And whoever does that seeking means to the approval of Allāh - then We are going to give him a great reward.

قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ الآية.

النجوى في اللغة سر بين اثنين [[قال الجوهري: "النجو: السر بين اثنين، يقال: نجوته نجوًا، إذا ساررته، وكذلك: ناجيته" "الصحاح" 6/ 2503 (نجا)، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 104.]].

قال الفراء: يقال: ناجيت الرجل مناجاةً ونجاءً، والقوم ينتجون ويتناجون، ويقال: نجوت الرجل نجوًا نجوًا، بمعنى ناجيته، وأنشد:

فقال فريق القوم لا إذ نجوتُهم ... وقال فريق أيمن الله ما ندري [[هذا المستفاد من الفراء لم أجده في "معاني القرآن" عند تفسيره هذه الآية فقد يكون في كتابه المفقود: "المصادر".

والبيت لنصيب بن رباح وهو من شواهد سيبويه في الكتاب 3/ 503، 4/ 148، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 106، 115، و"الإنصاف" ص 344.

وفي أكثرها "لما نشدتهم" بدل: "إذ نجوتهم" وفي جميعها: "ليمن" بدل: "أيمن".]]

ومن هذا قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: 7] أي سرهم.

وقد يكون النجوى مصدرًا بمنزلة المناجاة [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3509 (نجو).]]، والنجوى أيضاً القوم المنتجون اسم لهم، قال الله تعالى ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: 47] [[انظر: الطبري 5/ 276، و"الصحاح" 6/ 2503 (نجا).]].

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ ذكر النحويون في محل ﴿مَنْ﴾ وجوها، تلك الوجوه مبنية على معنى النجوى في هذه الآية، فإن جعلنا معنى النجوى ههنا السر فيجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ في موضع النصب، لأنه استثناء الشيء من خلافه، فيكون نصبًا كقوله: إلا أواري [[من بيت للنابغة الذبياني يقول فيه:

"وقفت فيها أصيلًا لا أسائلها ... عيت جوابًا وما بالربع من أحد

إلا الأواريَّ لأيًا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد"

"الكتاب" 2/ 321، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 288، والطبري 5/ 276 - 277، و"أشعار الستة الجاهلين" 1/ 188.

والأواري جمع: آري، وهو محبس الدابة ومعلفها.]].

ويجوز أن يكون رفعًا في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 288، والطبري 5/ 277، و"معاني الزجاج" 2/ 106.]] كقوله:

إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ [[عجز بيت لجران العود النميري، وصدره: "وبلدة ليس بها أنيس".

"الكتاب" 2/ 322، و "معاني الفراء" 1/ 288، والطبري 5/ 277.

واليعافير: جمع يعفور وهو ولد الظبية، والعيس: بقر الوحش.]]

وأبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف، فقال: التقدير: إلا في نجوى من أمر بصدقة، ثم حذف المضاف [[لعل المقصود أن هذا رأي الزجاج، حيث وجدت نحوه في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 106، ولم أجد "مجاز القرآن" لأبي عبيدة شيئًا من ذلك.]].

وعلى هذا التقدير يكون من في محل النجوى، لأنه أقيم مقامه، ويجوز فيه وجهان: أحدهما: أن الخفض بدلًا من نجواهم، كما تقول: ما مررت بأحد إلا زيد، والثاني: النصب على الاستثناء، كما تقول: ما جاءني أحدًا [[هكذا في المخطوط بالنصب، والظاهر أنه بالرفع على الفاعلية.]] إلا زيدًا، فهذا استثناء الجنس من الجنس [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 452.]].

وإن جعلت النجوى اسمًا للقوم المنتجين كان منصوبًا على الاستثناء، لأنه استثناء الجنس من الجنس.

ويجوز أن يكون في محل الخفض من وجهين: أحدهما: أن تجعله تبعًا لكثير، على معنى: لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة، كقولك: لا خير في القوم إلا نفر منهم. والثاني: أن تجعله تبعًا للنجوى، كما تقول: لا خير في جماعة من القوم إلا زيدًا، إن شئت أتبعت زيدًا لجماعة، وإن شئت أتبعته القوم.

وهذا الذي ذكرنا معنى قول الفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 288.]] والزجاج [[في "معاني القرآن" 2/ 106.]] وغيرهما من النحويين [[انظر: الطبري 9/ 202، 203، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 452، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 208، و"الدر المصون" 4/ 89.]].

فأما التفسير: فقال ابن عباس فيما روى عنه أبو صالح: المراد بالنجوى: نجوى قوم طعمة [["الكشف والبيان" 4/ 119 ب، و"زاد المسير" 2/ 198، و"تنوير المقباس" ص 97.]].

قال مقاتل: تناجوا في شأن طعمة، فأنزل الله هذه الآية [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 406، و"زاد المسير" 2/ 198.]].

ومعنى الآية: أن الله تعالى لم يجعل فيما يتسارون بينهم خيرًا إلا فيما استثنى من الأمر بالصدقة والحث عليها [["الكشف والبيان" 4/ 119 ب، وانظر: "زاد المسير" 2/ 199.]].

﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد صلة رحم وبطاعة الله [[لم أقف عليه.]]. وقال فيما روى الكلبي عن أبي صالح عنه: يقول: أقرض إنساناً [["الكشف والبيان" 4/ 119 ب، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.]].

ونحو ذلك قال مقاتل، يعني بالمعروف القرض [[انظر: "زاد المسير" 2/ 200، و"الدر المنثور" 2/ 388، وقد عزاه السيوطي إلى كل من ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].

ويقال لأعمال البر كلها معروف؛ لأن العقول تعرفها، وأهل الصلاح والدين يعرفونها لملاِبستهم لها، وعملهم بها [[انظر: البغوي 2/ 286، و"زاد المسير" 2/ 200.]].

وقوله تعالى: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ هذا مما حث عليه رسول الله ﷺ فقال لأبي أيوب الأنصاري [[هو الصحابي الجليل خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، وقد اشتهر بكنيته، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، ونزل النبي ﷺ عليه حين قدم المدينة مهاجرًا، وقد مات رضي الله عنه غازيًا الروم سنة 50 هـ وقيل بعدها.

انظر: "أسد الغابة" 2/ 94 - 96، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 402، و"الإصابة" 1/ 405 (2163)، و"التقريب" ص 188 رقم (1633).]]: "ألا أدلك على صدقة هي خير لك من حمر النعم؟ " قال: نعم يا رسول الله. قال: "تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا" ذكره ابن عباس في تفسير هذه الآية [[ذكره الهيثمى في "مجمع الزوائد" 8/ 79، 80 بنحوه، وعزاه لكل من الطبراني والبزار، وذكر أن في كل من سنديهما متروكًا، وانظر: ابن كثير 1/ 610، و"الدر المنثور" 2/ 392.]].

قال مجاهد: "هذه الآية عامة للناس" [[انظر: البغوي 2/ 286، و"زاد المسير" 2/ 198.]]. يريد أنه لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير.

يدل على هذا ما روت أم حبيبة [[هي أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشية، تزوجها رسول الله ﷺ بعدما تنصر زوجها عبد الله بن جحش وهما في الحبشة، ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عامًا، وماتت سنة 44 هـ.

انظر: "الاستيعاب" 4/ 401، و"أسد الغابة" 7/ 115، و"الإصابة" 4/ 305.]] أن النبي ﷺ قال: "كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ما كان من أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله" [[أخرجه ابن ماجه (3974) كتاب: الفتن، باب: كف اللسان في الفتنة، وابن مردويه. انظر: ابن كثير 2/ 392.]].

وروي أن رجلاً قال لسفيان: ما أشد هذا الحديث؟ فقال سفيان: ألم تسمع الله يقول: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ فهو هذا بعينه؟ أو ما سمعت الله يقول: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:1 - 2] فهو هذا بعينه [[انظر: "الوسيط" 2/ 707، و"التفسير الكبير" 11/ 42.]].

ثم أعلم الله أن ذلك إنما ينفع من ابتغى به ما عند الله فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ﴾؛ لئلا يُتوهم أن من يفعله للناس (...... [[طمس في المخطوط بقدر ما بين أو أربع كلمات. ويمكن أن يقدر: (مراءاةً لهم وتمويهًا) عليهم ...]]) عليهم داخل في هذا الوعد.

قال الزجاج: ونصب ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. قال: وهو راجع إلى تأويل المصدر [كأنه قال: ومن يبتغ ابتغاء مرضات الله] [[طمس في (ش) بمقدار ما بين المعقوفين، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 106.]].

4:115Page 97

وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥

And whoever opposes the Messenger after guidance has become clear to him and follows other than the way of the believers - We will give him what he has taken1 and drive him into Hell, and evil it is as a destination.

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ الآية. ذكرنا معنى الشقاق والمشاقة في سورة البقرة.

قال ابن عباس: "ثم حكم رسول الله ﷺ على طعمة بالقطع، فخاف على نفسه الفضيحة، فهرب إلى مكة ولحق بالمشركين، ونزل قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي: يخالفه" [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 120 أ، و"الوسيط" 2/ 707، والبغوي 2/ 287، و"زاد المسير" 2/ 200.]].

وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ قال ابن عباس: "يريد الإيمان بالله ورسوله" [[انظر. "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.]].

وقال الزجاج: لأن طعمة هذا كان قد تبين له بما أوحى الله عز وجل في أمره، وأظهر من سرقته، من الآية ما فيه بلاغ، فعادى النبي ﷺ، وصار إلى مكة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 106، وانظر: الطبري 5/ 277، و"الكشف والبيان" 4/ 120 أ، والبغوي 2/ 287.]].

وقال غيره: قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ تفحيش لحال طعمة، وبيان أنه معاند للرسول ومخالف بعد ثبوت الحجة وقيام الدليل [[لم أقف بعد البحث على قائله.]].

وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: "يريد غير دين الموحدين". وذلك أن طعمة ترك دين الإسلام، وخالف المسلمين، واتبع دين أهل مكة، عبادة الأوثان [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.]].

قال العلماء: هذه الآية من أقوى الحجج على صحة الإجماع [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 387، و"الكشف والبيان" 4/ 121 أ، و"الأحكام" للآمدي 1/ 200، والقرطبي 5/ 386، وابن كثير 1/ 611.]]، واحتج به [[هكذا في المخطوط، فلعل الصواب: "بها".]] الشافعي رحمه الله، وكان قد سئل عن دليل من كتاب الله على صحة الإجماع، فتلا هذه الآية [[ورد في "الرسالة" ص 471 - 476، سؤال للشافعي عن حجية الإجماع، وأجاب الشافعي رحمه الله عن ذلك محتجًا بالسنة والنظر، لكن لم يرد ذكر لهذِه الآية. وقد ذكر احتجاج الشافعي بهذِه الآية على الإجماع: الآمدي في الأحكام 1/ 200، وأبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 350، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 611.]].

ووجه الاحتجاج هو أن الله تعالى أوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين (كما أوعد على مشاقة الرسول عليه السلام، فسوى بين مخالفة سبيل المؤمنين) [[ما بين القوسين تكرر في المخطوط، ولعله سهو من الناسخ.]] وبين مشاقة الرسول بعد تبين الهدى [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 387، 388، و"الأحكام" للآمدي 1/ 200، وابن كثير 1/ 611.]]. والآية وإن نزلت في خائن الدرع فهي عامة لكل من لزمه هذا الوصف.

وقوله تعالى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ قال الزجاج: ندعه وما اختار لنفسه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 107.]].

وقال غيره: نكله إلى ما انتصر به واتكل عليه [[انظر: الطبري 5/ 277، و"بحر العلوم" 1/ 388، و"الكشف والبيان" 4/ 120 أ.]].

وقال بعض المفسرين: هذا منسوخ بآية السيف، لأنه لا يقرُّ الآن عابد لوثن على ما هو عليه، ولا يولى ما تولَّى [[لم أجد هذا القول في كتب التفسير ولا "الناسخ والمنسوخ".]].

وقوله تعالى: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ تأويله: نلزمه جهنم [[قال الطبري 5/ 277: ("ونصله جهنم" يقول: ونجعله صلاء نار جهنم، يعني: نحرقه بها).]]، وأصله الصِّلا، وهو لزوم النار للاستدفاء [[وقال الفراء: الصِّلاء اسم للوقود، وهو الصلا.]]. ذكرنا هذا فيما تقدم [[عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10].]].

وقوله تعالى: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ انتصب (مصيرًا) على التمييز [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 453، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 208.]]، كقولك: هند طابت نفسًا، وكذلك ساءت جهنم موضعًا يصار إليه [[انظر: الطبري 5/ 278.]].

4:116Page 97

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١١٦

Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly gone far astray.

قال المفسرون: ثم إن طعمة نقب منزل الحجاج بن عُلاط [[هو أبو كلاب الحجاج بن علاط بن خالد بن ثويرة السلمي، قدم على النبي ﷺ وهو بخيبر، فأسلم وسكن المدينة واختط بها دارًا ومسجدًا، وقد توفي رضي الله عنه في خلافة عمر، وقيل بعدها.

انظر: "الاستيعاب بحاشية الإصابة" 1/ 385، و"أسد الغابة" 1/ 456، و"الإصابة" 1/ 313.]] بمكة ليسرق مالاً له مدفونًا، قد عرف موضعه، فأخذ ليُقتل، ثم قيل: دعوه فإنه قد لجأ إليكم، فتركوه، وأخرجوه من مكة، فنزل في حرة بني سليم، وكان يعبد صنمًا لهم إلى أن مات، وأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 116] [[من "الكشف والبيان" 4/ 120 أ، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 388، والبغوي 2/ 287، و"زاد المسير" 2/ 200 ونسب هذا القول لمقاتل.]].

قال ابن عباس: "يريد طعمة بن أبيرق، حيث أشرك بالله" [[انظر: "زاد المسير" 2/ 202، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.]].

وهذه الآية نص صريح في أن الله تعالى لا يغفر الشرك ما أقام المشرك عليه.

فإن قيل: أليس يغفرها بالتوبة؟ فلم أطلق القول بأنه لا يغفر أن يُشرك به؟ قيل: إنه بمعنى أنَّ الله لا يغفر للمشرك به، وإذا تاب المشرك زال عنه هذا الوصف، وُيسمى مشركًا ما أقام على الشرك، ويقول [[هكذا هذِه الكلمة في المخطوط، ولعل الصواب: "ويكون" وتكون كلمة "مقيد" بعد ذلك منصوبة خبر يكون.]] هذا الإطلاق مقيد بالآيات الدالة على قبول التوبة، كقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ [الأنفال: 38]، وقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: 3]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ إلى قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 62].

قال أهل العلم: وكل كافر فهو مشرك، وإن لم يعبد مع الله غيره، وكل من حكمنا بكفره جاز أن نسميه مشركًا، لأنه قد بلغ بعظم جرمه مبلغ جرم المشرك في عبادة الله عز وجل، كما أن من تكبر على النبي ﷺ ولم يخضع لنبوته كافر، وإن لم يجحد نبوته.

قال الزجاج: إنَّ كل كافر مشرك بالله، لأن الكافر إذا كفر بنبي فقد زعم أن الآيات التي أتى بها ليست من عند الله، فيجعل ما لا يكون إلا لله عز وجل لغير الله، فيصير مشركًا [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 107.]].

وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.

قال ابن عباس: "يغفر ما دون الشرك لأهل التوحيد" [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97]].

قال العلماء من أهل التفسير: لما أخبر الله تعالى أنه يغفر الشرك بالتوبة، علمنا يقينًا أنه يغفر أيضًا ما دون الشرك بالتوبة، فهذه المشيئة في ذنوب لم يتب منها صاحبها [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 60.]]. وإنما أبهم الله فيما دون الشرك، وقيد بالمشيئة، لئلا يأمن صاحب الكبيرة.

ثم أنزل الله في أهل مكة:

4:117Page 97

إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثٗا وَإِن يَدۡعُونَ إِلَّا شَيۡطَٰنٗا مَّرِيدٗا ١١٧

They call upon instead of Him none but female [deities], and they [actually] call upon none but a rebellious Satan,

قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [[انظر: الطبري 5/ 278، و"بحر العلوم" 1/ 389، و"زاد المسير" 2/ 203.]].

(إن) ههنا معناه النفي [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 191، و"بحر العلوم" 1/ 389.]]، وهو كثير في القرآن بمعنى النفي، كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: 159] وأشباه هذا كثير.

ويدعون ههنا معناه: يعبدون.

(.........) [[ما بين القوسين غير واضح بقدر كلمتين، ويحتمل: "وقد قال" أو "وروي عن".]] ابن عباس في تفسيره: "يريد: إن يعبدون" [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.]].

قال الزجاج: وكذلك قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] أي اعبدوني، يدل على ذلك قوله في عقبه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: 60] [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 108، وانظر: البغوي 2/ 188.]].

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال ابن عباس: يعني: عبادتهم الأوثان، اللات والعزى ومناة وأشباهها من الآلهة التي كانوا يعبدونها [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.

والثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما كما في "تفسيره" ص 158 قال: "وقوله (إناثًا) يقول: ميتًا، وأخرجه الطبري 5/ 279 من طريق ابن أبي طلحة أيضًا وكذا ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 394.]].

وهذا قول السدي [[أخرجه الطبري 5/ 279، وانظر: "زاد المسير" 2/ 203.]] ومجاهد [[سر مجاهد الإناث بالأوثان كما في "تفسيره" 1/ 174، وأخرجه الطبري 5/ 280، وانظر: "زاد المسير" 2/ 203.]] والكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.]] والفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 288.]] وعبد الله بن مسلم [[ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص130.]]، وكثير من أهل التأويل [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 121 ب.]].

قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه، يسمونه: أنثى بني فلان، فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ [[أخرجه الطبري 5/ 279، وانظر: "زاد المسير" 2/ 203، و"الدر المنثور" 2/ 394.]].

يدل على هذا التأويل قراءة ابن عباس: (إلا أُثُنًا) جمع وثن [["معاني القرآن" للفراء 1/ 288، والطبري 5/ 280.]]، مثل: أسدَ وأسدْ، ثم أبدل من الواو المضمومة همزة، نحو: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: 11] [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 288، والطبري 5/ 280، و"معاني الزجاج" 2/ 108، و"زاد المسير" 2/ 202، 203.]].

قال الزجاج: وجائز أن يكون: أُثُن، وأصلها: أُثْن، فأتبعت الضمة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 108 وفيه: "فأتبعت الضمة الضمة"، وانظر: "زاد المسير" 2/ 203.]].

وقيل في معنى قوله: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾: إلا أمواتًا. وهو قول مقاتل [["تفسيره" 1/ 407.]] وقتادة [[أخرجه الطبري 5/ 279، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 121 ب، و"زاد المسير" 2/ 203، و"الدر المنثور" 2/ 394.]] والضحاك [[ما وقفت عليه عن الضحاك هو أن المراد "الملائكة". أخرجه الطبري 5/ 279، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 394.]].

واختلفوا لم سمي الموات إناثًا؟ فقال أبو عبيدة: الموات لا روح فيه كالخشبة والحجر والمدر ونحوها [["مجاز القرآن" 1/ 140 بنحوه، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 121 ب.]].

"وكانت آلهتهم مواتًا، والموات كلها يُخبر عنها كما يخبر عن المؤنث، تقول: من ذلك الأحجار تعجبني، كما تقول: المرأة تعجبني ولا تقول: تعجبونني، فلهذا أطلق اسم الإناث على آلهتهم إذ كانت مواتًا" [[من "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 110 بتصرف يسير، وانظر. "الكشف والبيان" 4/ 121 ب، و"زاد المسير" 2/ 203.]].

وقال غيره [[الضمير يعود إلى أبي عبيدة أو الزجاج، وهو وإن لم يذكر الزجاج إلا أن النص الأخير منه. ولعل هذا القائل هو الطبري. انظر: "تفسير الطبري" 5/ 280.]]: لأنها لا تضر ولا تنفع، فهي في القناع المنزلة تسمى إناثًا، لأن الإناث من كل شيء أرذله [[انظر: الطبري 5/ 280.]].

وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾: "زعموا أن الملائكة بنات الله، وهم شفعاؤنا عنده" [[لم أقف عليه.]].

وقال ابن زيد: " ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ بزعمهم، وذلك أنهم زعموا أن الملائكهَ بنات الله، وأن الأصنام بنات الله، فزعموا أنها إناث" [[ما وقفت عليه عن ابن زيد كالقول الأول أن المراد الأصنام خاصة، فقد أخرج الطبري عنه قال: قوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء: 117] قال:== آلهتهم، اللات والعزى ويساف ونائلة، إناث يدعونهم من دون الله". "تفسير الطبري" 5/ 279.]].

نظيره: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: 19] وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ [النحل: 57].

وقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ قال المفسرون: كان في كل واحدة من آلهتهم شيطان يترايا [[هكذا في المخطوط يترايا ، ولعل الصواب: "يتراءى".]] للسدنة والكهنة يكلمهم [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 389، و"الكشف والبيان" 4/ 121 ب، و"زاد المسير" 2/ 203، و"الدر المنثور" 2/ 394.]].

والمعنى: ما يعبدون بعبادتهم لها إلا شيطانا مريدًا، لطاعتهم له في عبادتها، فتلك العبادة ليست للأوثان، بل هي للشيطان.

وقال الزجاج: يعني بالشيطان ههنا إبليس، لأنهم إذا أطاعوه بما سول لهم فقد عبدوه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 108.]].

وهذا هو القول، لأن ما بعد هذه الآية يدل على أن المراد بالشيطان في هذه الآية إبليس، ويحتمل أن ما قاله المفسرون من ترائي الشيطان للسدنة أرادوا به إبليس.

وقوله تعالى: ﴿مَّرِيدًا﴾. قال ابن عباس: "يريد يتمرد على الله بالعصيان مرة بعد مرة" [[لم أقف عليه، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97. وقد قال بنحو هذا القول قتادة. انظر: الطبري 5/ 280، و"الدر المنثور" 2/ 394.]].

قال ابن الأعرابي: التمرد [[في "تهذيب اللغة" 4/ 3373 (مرد): المرد.]] التطاول بالكبر والمعاصي [[في "تهذيب اللغة" 4/ 3373 (مرد).]].

وقال الليث: المرادة مصدر المارد، والمريد من شياطين الإنس والجن، وقد تمرد علينا أي عتا ومرد على الشر [[في "العين" 8/ 37: الشيء.]]، وتمرد أي عتا وطغى [["العين" 8/ 37، و"تهذيب اللغة" 4/ 3373 (مرد).]].

والمريد الخبيث، المتمرد الشرِّير، وشيطان مارد ومريد، واحد [["تهذيب اللغة" 4/ 3373، وانظر: "اللسان" 7/ 4172 (مرد).]].

وقال أبو إسحاق: معنى مريد خارج عن الطاعة متملص منها، يقال: حائط ممرَّد، أي مملس، ويقال شجرة مرداء، إذا تناثر ورقها ، ولذلك سُمى من لم تنبت له لحية أمرد، أي أملس موضع اللحية، ومرد الرجل يمرد مرودًا ومرادة، إذا عتا وخرج عن الطاعة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 108، وانظر: "زاد المسير" 2/ 203.]].

4:118Page 97

لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ١١٨

Whom Allāh has cursed. For he had said, "I will surely take from among Your servants a specific portion.

قوله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: يريد [دحره] [[في المخطوط: "دحر الله" وهو خطأ ظاهر. وقد جاءت العبارة كما أثبتها في "الوسيط" 2/ 710.]] الله وأخرجه من الجنة [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 122 أ، دون نسبة لابن عباس، إلا أن ابن الجوزي نسبه إليه في "زاد المسير" 2/ 204.]].

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ﴾ يعني: إبليس: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قد ذكرنا معنى الفرض عند قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: 197].

وقال ابن السري [[هو الزجاج، انظر: "معانيه" 2/ 109.]] في هذه الآية: أصل الفرض في اللغة القطع، والفُرْضة الثُّلمةُ تكون في النهر، تقول: سقاها بالفِراض والفُرض، والفرضُ: الحز الذي يكون في (المسواك) [[غير واضحة في المخطوط، والاعتماد على "معاني الزجاج".]]، والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر، والفريضة ما افترض الله عز وجل فجعله أمرًا حتمًا عليهم قاطعًا، وكذلك قوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 237] أي جعلتم لهن قطعة من المال. قال: ومعنى مفروض في هذه الآية: أي أفترضه على نفسي [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 109، وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 132، و"معاني القرآن" للنحاس 2/ 193، و"الكشف والبيان" 4/ 122 أ، و"زاد المسير" 2/ 204.]].

وقال الفراء: ما جعل له عليه السبيل فهو كالمفروض [["معاني القرآن" 1/ 289، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 122 أ.]].

وقال ابن عباس: يريد من اتبعه وأطاعه [[في "تنوير المقباس" ص 97: "فما أطيع فيه فهو مفروضه مأموره". وقد أورد المؤلف قول ابن عباس هذا في "الوسيط" 2/ 710.]].

وقال الكلبي والضحاك: [نصيبًا مفروضًا] [[ما بين المعقوفين قد طمس في المخطوط، والتسديد من "الوسيط" 2/ 710.]] أي معلومًا [[قول الكلبي في "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97. أما عن الضحاك فأخرجه الطبري 5/ 281 من طريق جويبر وهو ضعيف جدًّا.]].

قال أهل العلم: إنما اتخذ الشيطان من العباد النصيب المفروض بإغوائهم [[هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: بإغوائه. انظر: الطبري 5/ 281.]] إياهم، وتزيينه لهم الفواحش حتى يرتكبوها، فيكونوا بذلك من نصيبه المفروض وحظه المقسوم، فعلى هذا كل من أطاع إبليس فهو من مفروضه [[انظر: الطبري 5/ 281، و"الكشف والبيان" 4/ 122 أ.]].

4:119Page 97

وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا ١١٩

And I will mislead them, and I will arouse in them [sinful] desires, and I will command them so they will slit the ears of cattle, and I will command them so they will change the creation of Allāh." And whoever takes Satan as an ally instead of Allāh has certainly sustained a clear loss.

قوله تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾. قال ابن عباس: "يريد من [[هكذا في المخطوط: "من" بالميم، وفي "الوسيط" 2/ 710: "عن" بالعين وهو أصوب.]] سبيل الهدى" [[انظر: "زاد المسير" 2/ 204، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.]]. وقال الكلبي: لأضلنهم عن الحق [[لم أقف عليه، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 22 ب.]].

﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد تسويف التوبة وتأخيرها [[انظر: "زاد المسير" 2/ 205.]].

وقال الكلبي: أمنينهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث [[انظر: "تنوير المقباس" ص 97، ونسب هذا القول لابن عباس. انظر: "زاد المسير" 2/ 205.]].

الزجاج: أي أجمع لهم مع الإضلال أن أوهمهم أنهم ينالون من الآخرة حظا [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 109، وانظر: "زاد المسير" 2/ 205.]].

وقال غيره: ولأمنينهم ركوب الأهواء الداعية لهم إلى العصيان [[انظر: الطبري 5/ 281.]].

وقيل: ولأمنينهم طول البقاء في نعيم الدنيا؛ ليؤثروها على الآخرة [[هذا قول الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 530.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾.

البتك: القطع [[الطبري 5/ 281، و"تهذيب اللغة" 1/ 271 (بتك).]]، وسيف باتك: قاطع، وسيوف بواتك: قواطع، والتبتيك: التقطيع [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 271، و"مقاييس اللغة" 1/ 195، و"اللسان" 1/ 206 (بتك).]].

وهو في هذا الموضعِ: قطع آذان البحيرة عند جميع أهل التفسير [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 173، والطبري 5/ 281، و"معاني الزجاج" 2/ 109، و"بحر العلوم" 1/ 389، و"الكشف والبيان" 4/ 122 ب، و"النكت والعيون" 1/ 530، و"زاد المسير" 2/ 205، و"الدر المنثور" 2/ 396.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: يريد دين الله [["تفسيره" ص 158، وأخرجه الطبري 5/ 283 من طريق ابن أبي طلحة أيضًا.]].

وهو قول إبراهيم ومجاهد والحسن والضحاك وقتادة والسدي وسعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير [[أخرج الأقوال عنهم الطبري 5/ 283 - 285، إلا الحسن وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، أما الحسن فإنه فسره بالوشم كما سيأتي.

وانظر: الطبري 5/ 285، وأما سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير فقد ذكره عنهما ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 205، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 389، و"الكشف والبيان" 4/ 122 ب، والبغوي 2/ 289.]].

ومعنى تغيير دين الله على ما ذكره أهل العلم: هو أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر، وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم، وآمنوا، فمن كفر فقد غيّر فطرة الله التي فطر الناس عليها [[انظر: الطبري 5/ 285، و"الكشف والبيان" 4/ 122 ب.]].

وهذا معنى قوله ﷺ: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، ويُنصرانه، ويمجسانه" [[أخرجه البخاري (1358) كتاب: الجنائز، باب: إذا اسم الصبي فمات هل يصلي عليه؟، وفيه: "أو ينصرانه أو يمجسانه".]].

وقال بعضهم: معنى تغيير دين الله هو تبديل الحرام حلالًا، والحلال حرامًا [[انظر: "زاد المسير" 2/ 205.]].

وروي عن أنس وشهر بن حوشب [[تقدمت ترجمته.]] وعكرمة وأبي صالح، أن معنى تغيير خلق ههنا: هو الخصاء، وقطع الآذان، وفقء العيون، لهذا كان أنس يكره خصاء الغنم [[أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 282 - 283، لكن فيها الاقتصار على الإخصاء، دون قطع الآذان وفقء العيون، وانظر: "زاد المسير" 2/ 205. ولعل المؤلف زاد قطع الآذان وفقء العيون من "الكشف والبيان" 4/ 122 ب.]].

وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفًا، عوروا عين فحلها.

وروى يونس [[هو أبو عبد الله يونس بن عبيد بن دينار العبدي البصري، من صغار التابعين وفضلائهم، كان إماما قدوة ثبتًا فاضلًا، توفي رحمه الله سنة 139هـ.

انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 150، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 288، و"التقريب" ص 613 رقم (7909).]] عن الحسن قال: هو الوشم [[أخرجه الطبري 5/ 285، وانظر: "زاد المسير" 2/ 205، و"الدر المنثور" 2/ 396. والوشم هو: "أن يغرز الجلد بإبرة، ثم يحشى بكحل أو نيل، فيزرق أثره أو يخضر" "النهاية في غريب الحديث" 5/ 189.]]. يعني ما لعن رسول الله ﷺ من الواشمة والمستوشمة [[أخرج البخاري (5947) كتاب: العباس، باب: المستوشمة عن ابن عمر رضي الله عنها قال: "لعن النبي ﷺ الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة". وأخرجه مسلم (2124) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة. والواشمة التي تقوم بفعل الوشم بغيرها. والمستوشمة التي تطلب ذلك.]].

وقال أبو زيد: هو التحنت [[انظر: "البحر المحيط" 3/ 353. وهكذا هذِه الكلمة جاءت في المخطوط، وعند أبي حيان، ولم أجد لها معنى، وقد يكون الصواب: "التخنث".]].

وقال أبو إسحاق: معناه أن الله عز وجل خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها، فحرموها على أنفسهم، كالبحائر والسوائب والوصائب، وخلق الشمس والقمر سخرةً للناس ينتفعون بها، فعبدها المشركون، فغيروا خلق الله [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 110، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 122 ب.]].

والأظهر هو القول الأول، لأنه يدخل فيه كل ما نهى الله عنه، وكل من ارتكب محظورًا، أو أتى منهيًّا، فقد غير دين الله [[وهذا ما اختاره الطبري 5/ 285، والزجاج في "معانيه" 2/ 110.]].

قال العلماء من أهل التأويل: إن إضلال إبليس تمنية وتزيين ووسواس، ليس له من الضلالة شيء [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 123 أ، و"زاد المسير" 2/ 204.]]، كما قال رسول الله ﷺ: "خلق إبليس مزينًا، وليس إليه من الضلالة شيء" [[لم أقف عليه.]].

ولما علم أن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق النار وخلق لها أهلًا قال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: 118] يريد أهل النار [[انظر. "الكشف البيان" 4/ 123 أ، و"زاد المسير" 2/ 207.]]، وقال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ الآية، ولو كان شيء من الضلالة إليه سوى الدعاء إليها لأضل جميع الخلق عن الهدى [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 123 أ.]].

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يريد من يُطعه فيما يدعو إليه من الضلال، فكل من أطاعه فهو ولي له وإن لم يقصد أن يتولاه، كما يكون مطيعًا له وإن لم يقصد أن يطيعه، بموافقته لإرادته، وإجابته إلى ما دعاه إليه، فهو يعمل عملًا يُعينه عليه الشيطان، وكان الشيطان له وليًا ناصرًا معينًا.

4:120Page 97

يَعِدُهُمۡ وَيُمَنِّيهِمۡۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ١٢٠

He [i.e., Satan] promises them and arouses desire in them. But Satan does not promise them except delusion.

قوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ﴾ قال أهل المعاني: معنى وعد الشيطان ما يصل مفهومه إلى قلب الإنسان، من نحو ما يجده من أنه سيطول عمرك، وتنال من الدنيا لذتك، وستعتلي على أعدائك، فإنما الدنيا دول، فستدور لك كما دارت لغيرك [[انظر: "معالم التنزيل" 2/ 289، و"زاد المسير" 2/ 207، والقرطبي 5/ 395.]]. وكل هذا غرور وتمنية وتطويل للأمل، وسيهجم عن قريب علي [[هكذا في المخطوط بالياء، ولعلها: "على" بدون ياء، وانظر: "الوسيط" 2/ 713.]] الأجل، وقد أبطل أيام عمره في رجاء ما لم يدرك منه شيئًا، فالعاقل من لم يعرج على هذا، وجدًّ في الطاعة ما أمكنه، وعلم أنه سينقطع عن الدنيا قريبًا، وعدّ نفسه من الموتى [وصدق] [[بياض في المخطوط، والتسديد من "الوسيط" 2/ 713.]] الله في قوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ أي: إلا ما يغرهم بإيهام النفع فيما فيه الضر [[انظر: "الوسيط" 2/ 713.]].

وذكر في عدة من كتب التفسير ﴿يَعِدُهُمْ﴾ ألا يلقون خيرًا، ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ الفقر، فلا ينفقون في خير [["الكشف والبيان" 4/ 122 ب، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 389، و"معالم التنزيل" 2/ 289، والقرطبي 5/ 395.]].

وهذا صحيح في المعنى، من حيث إن الشيطان قد يخوف الإنسان بالفقر، فيمسك عن الإنفاق في الطاعة، ولكنه باطل من حيث اللغة؛ لأن الوعد إنما يستعمل في الخير، وما يكون في الشر قيل فيه: يوعد، هذا هو الصحيح، وإن كان يستعمل الوعد في الشر نادرًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3915، و"الصحاح" 2/ 551 (وعد).]].

والتمنية معناه: تسويل المنية، وهي ما يتمناه الإنسان، ولا يتمنى الفقر، إنما يتمنى الغنى وكثرة المال في غالب العادة.

4:121Page 97

أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنۡهَا مَحِيصٗا ١٢١

The refuge of those will be Hell, and they will not find from it an escape.

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾. يعني: الذين اتخذوا الشيطان وليًا من دون الله [[انظر: الطبري 5/ 286.]].

﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. مرجعهم ومصيرهم [[انظر: الطبري 5/ 287.]].

﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾. يحتمل وجهين: أحدهما: لا بد لهم من ورودها.

والثاني: التخليد الذي أوعد به الكفار، فلا يخرجون عنها، ولا يجدون منها ملجأ [[الوجه الأول هو قول عامة المفسرين، وأن المعنى لا معدل لهم عنها، أما الوجه الثاني بأن المعنى التخليد في النار فهو حسب اطلاعي من تفرد المؤلف به، وإن كان يدخل في الوجه. انظر: الطبري 5/ 287، و"معاني الزجاج" 2/ 111، و"معاني النحاس" 2/ 197.]].

والمحيص: المعدل، حاص عن الأمر إذا عدل عنه [[انظر: الطبري 5/ 287، و"معاني النحاس" 2/ 197.]].

قال الفراء: يحيى حيوصًا ومحاصًا وحيصًا وحيصانًا [[ليس في "معاني القرآن"، وانظر: الطبري 5/ 287]].

4:122Page 98

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا ١٢٢

But the ones who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. [It is] the promise of Allāh, [which is] truth, and who is more truthful than Allāh in statement.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском