Al-Wahidi (al-Basit)An‑Nisa · 4:128–136

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:128–136

4:128Page 99

وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٢٨

And if a woman fears from her husband contempt or evasion, there is no sin upon them if they make terms of settlement between them - and settlement is best. And present in [human] souls is stinginess.1 But if you do good and fear Allāh - then indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

وقوله تعالى: ﴿خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أي علمت [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99، و"تفسير مقاتل" 1/ 412.]].

وقال الزجاج: خافت [[في "معاني الزجاج": "إن خافت".]] الإقامة من بعلها على الإعراض والنشوز، وليست تخاف ذلك إلا وقد بدا منه شيء [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 116.]]. وقد ذكرنا مثل هذين الوجهين في قوله: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: 34].

وأما البعل فقال الليث: البعل: الزوج، يقال: بعل يبعل بعولة، فهو باعل [[في "العين" 2/ 149: "فهو بعل" وهذا اللفظ عند المؤلف من "تهذيب اللغة" 1/ 363 (بعل).]] مستعلج [["العين" 2/ 149، وفيه: "مستبعل" بدل "مستعلج" وما ذكره المؤلف من "التهذيب"، و"مستعلج" غير واضح المعنى، فقد يكون ما في العين هو الصواب، لا غير.]].

قال الأزهري: وهذا من أغاليط الليث، إنما سُمي زوج المرأة بعلًا لأنه سيدها ومالكها، وليس من باب الاستعلاج في شيء [["تهذيب اللغة" 1/ 363 (بعل). ولم يرد في "العين" الاستعلاج كما تقدم، وإنما ورد الاستبعال، فليتنبه.]].

وروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية [[يحتمل أن هذا الكلام من ابن عباس أو من المصنف والثاني أقرب.]]: والبعل السيد في كلام العرب [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 363 (بعل).]].

ويقال للرجل: هو بعل المرأة، وللمرأة: بعله، وبعلته. ويجمع البعل: بعولة [[نظر: "الصحاح" 4/ 1635 (بعل).]]. وقد مر في سورة البقرة.

وقوله تعالى: ﴿نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ يقال: نشزت المرأة، تنشُزُ وتنشِزُ نشوزًا، إذا استعصت على زوجها، وأصله من قولهم: نشز الشيء، إذا ارتفع، وقد مر [[انظر فيما سبق عند تفسير الآية 34]].

قال أبو إسحاق: النشوز يكون من الزوجين، وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه، واشتقاقه من النشز وهو ما ارتفع من الأرض [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 47، وقد ذكر الزجاج ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:34].]].

قال المفسرون: ﴿نُشُوزًا﴾ ترفعًا لبغضها ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ عنها لموجدة وأثرة [[انظر: الطبري 5/ 305، و"بحر العلوم" 1/ 392، و"الكشف والبيان" 4/ 127 ب، و"النكت والعيون" 1/ 533.]].

قال الكلبي: يعني ترك مجامعتها، وإِعْرَاضًا بوجهه عنها [["الكشف والبيان" 4/ 127 ب، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.]].

وقال مقاتل: ﴿نُشُوزًا﴾ عصيانًا - يعني: الأثرة، وهو قول ابن عباس ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ عنها لما به من الميل إلى أخرى [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 412، ولم أقف عليه عن ابن عباس.]].

وقال الزجاج: النشوز من بعل المرأة أن يسيء عشرتها، وأن يمنعها نفسه ونفقته [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 115.]].

وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. جعل الله عز وجل الصلح (جائزًا) [[في المخطوط: جائز (بدون نصب).]] بين الرجل والمرأة، إذا رضيت منه بإيثار غيرها عليها.

قال جميع المفسرين: هذا الصلح في القسمة والنفقة، وهو أن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة، أو قد دخلت في السن وأريد أن أتزوج عليك شابة جميلة، وأوثرها عليك في القسمة بالليل والنهار، فإن رضيت بهذا فأقيمي، وإن كرهت خليت سبيلك. فإن رضيت بذلك (كانت الواجب) [[هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: "كان الواجب"، انظر: "الكشف والبيان" 4/ 127 ب.]] على الزوج أن يوفيها حقها من المقام عندها والنفقة، أو يسرحها بإحسان ولا يحبسها على [الحيف] [[ما بين المعقوفين في المخطوط: "الخسف"، والتصويب من "الكشف والبيان" 4/ 127 ب.]]، (وليس يُجبر) [[هكذا في المخطوط، والأولى: "ولا يجبر"، انظر: "الكشف والبيان" 4/ 127 ب.]] الزوج على الوطء إذا عدل في المقام والنفقة، وكل ما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز، وهو أن تترك له من مهرها، أو بعض أيامها [[من "الكشف والبيان" 4/ 127 ب بتصرف يسير، وانظر: "تفسير ابن عباس" ص 160، والطبري 5/ 306، و"معاني الزجاج" 2/ 116، و"بحر العلوم" 1/ 293، و"النكت والعيون" 1/ 533.]].

روى خالد بن عرعرة [[هو خالد بن عرعرة التيمي، سمع عليًّا وروى عنه سماك بن حرب والقاسم بن عوف الشيباني.

انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري 3/ 163، و"الجرح والتعديل" 3/ 343.]]، قال: سأل رجل عليًّا عن قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ الآية. قال: "تكون المرأة عند الرجل، فتنبو عينه عنها من دمامه أو كبر، فتفتدي منه بكره فرقته، فإن أعطته من مالها فهو له حل، وإن أعطته من أيامها فهو له حل" [[أخرجه بنحوه من طرق الطبري 5/ 306، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 411.]].

واختلف القراء في قوله: (يَصّالَحَا) فقرئ: (يُصْلِحَا) [[قراءة: "يصّالَحا" بتشديد الصاد المفتوحة بعدها مد لابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وأبي يعقوب، وقرأ الباقون "يُصْلحا" بضم الياء وسكون الصاد. انظر: "السبعة" ص 238، و"الحجة" 3/ 183، و"المبسوط" ص 158.]] أيضًا، فمن قرأ، (يَصّالحا) أراد: يتصالحا، فأدغم التاء في الصاد، وحجته أن الأشهر في الاستعمال في هذا النحو: تصالحا [[انظر: الطبري 5/ 310، و"الحجة" 3/ 183.]].

وفي حرف عبد الله: (فلا جناح عليهما أن أصَّالَحا) [["الحجة" 3/ 183، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 363.]].

وانتصب (صلحًا) في هذه القراءة على المصدر، ولكنه بحذف الزوائد كما قال:

وإن يَهلِكْ فذلكَ كان قَدْري [[عجز بيت ليزيد بن سنان، وصدره:

فإن يبرأ فلم أنفث عليه

"الحجة" 2/ 129، و"حاشيته" 3/ 184.]]

أي: تقديري. وقد يوضع الاسم موضع المصدر، كقول القطامي:

وبعد عطائِكَ المائة الرِّتاعا [[عجز بيت للقطامي، وصدره:

أكفرًا بعد رد الموت عني

والمئة الرتاع من الإبل. "الحجة" 1/ 182، 3/ 184، و"الخصائص" 1/ 221.]]

قال أبو حاتم [[هو سهل بن محمد بن عثمان بن القاسم النحوي السجستاني، تقدمت ترجمته.]]: كأن المصدر على القياس: يصالحا اصالحًا وتصالحًا ، ولكن هذا كقوله: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: 17]، ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 8]، مما يخالف المصدر المصدر [[لم أقف على قول أبي حاتم، وقد أشار إليه مكي في "الكشف" 1/ 399.]].

"ومن قرأ: ﴿يُصْلِحَا﴾ فإن الإصلاح عند التنازع والتشاجر أيضًا قد استعمل، كما استعمل: تصالحا، قال الله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} [البقرة: 182]، وقال: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114].

والصلح على هذه القراءة اسم تعدى الفعل إليه كتعدِّيه إلى الأسماء. فقوله: (يُصلحا صلحًا) كقولك: "أصلحت ثوبًا" [["الحجة" 3/ 183، 184، وانظر: "الكشف" 1/ 399.]].

وقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.

قال ابن عباس: "يريد أعظم لثوابه وثوابها" [[لم أقف عيه.]].

وقال الكلبي: والصلح خير من النشوز والإعراض والإقامة عليهما [[لم أقف عيه.]].

وقال الزجاج: الصلح خير من الفرقة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 116.]].

قال أهل المعاني: يقول: إن يصالحا على شيء خير من أن يتفرقا، أو يُقيما على النشوز والإعراض [[انظر: "النكت والعيون" 1/ 533، و"زاد المسير" 2/ 218.]].

وقوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾.

الشح: البُخل، والشحيح: البخيل، وجمعه: أشحة [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1835 (شح).]].

قال الفراء: يقال: شح يشِحُّ، بكسر الشين. قال: وكذلك كل فعيل من النعوت إذا كان مضاعفًا، مثل: خفيف وذفيف [[ذفيف بمعنى: خفيف سريع. انظر: "اللسان" 3/ 1505 (ذفف).]]، فهو على فَعَل يَفْعِل، ومثله: ضنين، وقد قالوا: ضنَّ يضنُّ، واللغة العالية: يَضنُّ [[في "تهذيب اللغة" 2/ 1836 (شح).]].

قال ابن عباس: "يريد والغالب على نفس المرأة الشح على نصيبها من زوجها ومالها" [[أخرجه بنحو الطبري 5/ 310، وابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 412.]]. وهو قول سعيد بن جبير [[أخرجه عنه من طرق الطبري 5/ 311، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 533.]].

وقال الفراء: ضن الرجل بنصيبه ميت الشابة، وضنت الكبيرة بنصيبها منه [["معاني القرآن" 1/ 291.]].

وهو قول جماعة من المفسرين، قالوا: شحت المرأة بنصيبها من زوجها، وشح الرجل بنصيبه من الأخرى [[من "الكشف والبيان" 4/ 128 ب، وانظر: الطبري 5/ 311 - 312، و"بحر العلوم" 1/ 393، و"النكت والعيون" 1/ 533، و"زاد المسير" 2/ 219.]].

وقال الحسن وابن سيرين: أُحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة والشح [[هكذا في المخطوط، ولعل الواو زائدة من الناسخ.]] بحقه قبل صاحبه، فالمرأة تشحّ على مكانها من زوجها، والرجل يشحّ على المرأة بنفسه، إذا كان غيرها أحب إليه منها [[ذكره عن الحسن الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 533، ولم أقف عليه عن ابن سيرين.]]. وهذا قول الزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 116.]].

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾.

قال ابن عباس: يريد حسن المعاشرة والصحبة، وتتقوا الله فإنها أمانة [[لم أقف عليه.]].

وقال الكلبي: "يعني تُصلحوا وتتقوا الجوز والميل" [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.]].

4:129Page 99

وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٢٩

And you will never be able to be equal [in feeling] between wives, even if you should strive [to do so]. So do not incline completely [toward one] and leave another hanging.1 And if you amend [your affairs] and fear Allāh - then indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾.

قال المفسرون: يقول: لن تقدروا على التسوية بينهن في المحبة التي هي ميل الطباع؛ لأنَّ ذلك مما لا تقدرون عليه ولو اجتهدتم [[انظر: الطبري 5/ 312 - 313، و"بحر العلوم" 1/ 393، و"الكشف والبيان" 4/ 218 ب.]].

قال الضحاك: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ يعني: في الحب والجماع [[أخرجه الطبري 5/ 313 - 314 ولفظه: "في الشهوة والجماع"، وفي لفظ آخر: "في الجماع".]].

وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾.

إلى التي تحبون في النفقة والقسمة [["الكشف والبيان" 4/ 128 ب]]. يقول: لا تقدرون على العدل في الحب، ولكن قربوا حالهن من العدل في القسم، وما تملكون من الأمر.

قال أبو عبيد: لا يقدر أحد على العدل بين الضرائر بقلبه، وليس يُؤاخذ به؛ لأنه لا يستطيعه ولا يملكه، ولكن عليه أن لا يميل بنفسه، وهو الذي وقع عليه النهي [[لم أقف عليه.]].

وقال مجاهد: ولن تستطيعوا العدل بينهن فلا تتعمدوا الإساءة [["تفسيره" 1/ 178، وأخرجه الطبري 5/ 315، وابن المنذر والبيهقي. انظر: "الدر المنثور" 2/ 413.]].

قال الشافعي - رضي الله عنه -: بلغنا أن رسول الله ﷺ كان يقسم فيقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، وأنت أعلم بما لا أملك" [[أخرجه أبو داود (2134) كتاب: النكاح، باب: القسمة بين النساء، وقال أبو داود يعني القلب، والنسائي (1140) كتاب عشرة النساء، باب: (2) ميل الرجل إلى بعض نسائه 7/ 63، والترمذي في كتاب: النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر 3/ 437، وحكم عليه النسائي والترمذي بالإرسال، لكن آخره: "فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".]].

يعني -والله أعلم- قلبه وفرط محبته لعائشة رضي الله عنها.

وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: اللهم أما قلبي فلا أملك، وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل [[من "الكشف والبيان" 4/ 129 أ، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 365.]].

وقوله تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد لا أيمًا، ولا ذات بعل [["تفسيره" ص 161، وأخرجه الطبري 5/ 316، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 413.]].

وهو قول جميع أهل التفسير [[انظر: الطبري 5/ 316 - 317، و"بحر العلوم" 1/ 393، و"الكشف والبيان" 4/ 129 أ، و"النكت والعيون" 1/ 511.]]، يقول: لا تميلوا إلى الثانية كل الميل، فتدعوا الأخرى كالمنوطة مثلًا، لا في الأرض ولا في السماء، كذلك هذه، لا تكون مخلية فتتزوج، ولا ذات بعل يُحسن عشرتها ونفقتها.

﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ بالعدل في القسم. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الجور.

﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لما ملت إلى التي تحبها بقلبك، بعد العدل في القسمة [["الكشف والبيان" 4/ 129 أ.]].

4:130Page 99

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمٗا ١٣٠

But if they separate [by divorce], Allāh will enrich each [of them] from His abundance. And ever is Allāh Encompassing and Wise.

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ ذكر الله جواز الصلح بين الزوجين إن أحبا أن يجتمعا ويتآلفا، فإن أبت الكبيرة الصلح، وأبت إلا التسوية بينها وبين الشابة، فتفرقا بالطلاق، فقد وعد الله تعالى لهما أن يغني كل واحد منهما عن صاحبه -بعد الطلاق- من فضله الواسع، كما أغنى كل واحد بصاحبه قبل الطلاق. وهذا تسلية لكل واحد منهما، وهذا معنى قول الكلبي وغيره [[انظر: "زاد المسير" 2/ 220، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.]].

وقال ابن عباس في قوله: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾: يريد يُعوض للرجل ما يحب، ويعوض المرأة ما تُحب، ويوسع عليهما [[انظرت "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.]].

وقال الكلبي: (يُغني الله من رزقه) المرأة بزوج، والزوج بامرأة [[انظر: "زاد المسير" 2/ 220، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.]].

﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ [النساء: 130].

قال ابن عباس: "يريد لجميع خلقه" [[لم أقف عليه.]].

وقال الكلبي: واسعًا لهما في النكاح [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.]] يعني: حيث أباح لهما الاستبدال.

وقال أصحاب المعاني: إنما جاز وصف الله بأنه واسع لما فيه من المبالغة في الصفة، وذكر أنه واسع الرزق، واسع الفضل، واسع الرحمة، وواسع القدرة. ولو ذكر على الأصل لاقتصر على واحد منها، وإذا أطلق ذهب الوهم إلى جميعها، فكان أبلغ في الصفة من هذه الجهة [[انظر: "البحر المحيط" 3/ 366]].

وقوله تعالى: ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: 130]. قال ابن عباس: يريد فيما حكم ووعظ [[لم أقف عليه.]].

وقال الكلبي: حكم على الزوج إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.]].

4:131Page 99

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدٗا ١٣١

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And We have instructed those who were given the Scripture before you and yourselves to fear Allāh. But if you disbelieve - then to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh Free of need and Praiseworthy.

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.

قال أصحاب المعاني: لما ذكر الله أنه يُغني من سعته، أشار إلى ما يوجب الرغبة إليه في طلب الخير منه، لأنه الذي يملك السموات والأرض، ولا تفنى خزائنه [[انظر: الطبري 5/ 318، و"زاد المسير" 2/ 220، و"البحر المحيط" 3/ 366.]].

ثم ذكر الوصية بتقوى الله مُجملة فقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد اليهود والنصارى [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.]].

﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ أوصى. ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾.

قال الأخفش: أي: بأن اتقوا الله [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 459، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 209، و"الدر المصون" 4/ 112.]]، كقوله:

أمرتك الخير ... البيت [[لعل البيت كما أشار إلى ذلك فضيلة المشرف كما يلي:

أمرتك الخير لكن ما أتمرت به ... وما استقمت فما قولي لك استقم

ولم أقف عليه.]]

قال الكسائي: يقال أوصيتك أن أفعل كذا، وأن تفعل كذا، كلٌّ عربي، ويقال: ألم آمرك أن ائت زيدًا، وأن تأتي زيدًا؟ قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ ثم قال ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 14] على النهي بعد قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ وهي قراءة أُبي: (ولا أكون من المشركين)، وقال: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي﴾ [النمل: 91] ولو كان على الأمر: أن أعبد -جزمًا-، لكان صوابًا [[لم أقف على كلام الكسائي.]].

ثم بيّن أن نفع التقوى عائد إلى العباد، بأنه جل وعز غني عنهم وعن جميع الأشياء فقال:

﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ أي: بما أوصيكم به.

قال المفسرون: يعني: أن له ملائكة في السموات والأرض هم أطوع له منكم [["الكشف والبيان" 4/ 130 ب.]].

﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾. معنى الغني: الذي لا حاجة له [[انظر: الطبري 5/ 318.]]، والله تعالى غني بذاته، لا بشيء، ولهذا قال أصحابنا: الغني هو القادر على ما يريد؛ لأنه إنما يستغني بقدرته على ما يريد [[من "الكشف والبيان" 4/ 130 ب. وهذا من تأويل الأشاعرة للصفات، حيث أول الغنى بالقدرة.]].

والحميد: المحمود على نعمه [[انتهى المؤلف من تفسير الآية (131)، وأتى بعدها بتفسير الآية (133) وترك ما بينهما.]].

4:132Page 99

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ١٣٢

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1

No commentary for this ayah

4:133Page 99

إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأۡتِ بِـَٔاخَرِينَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرٗا ١٣٣

If He wills, He can do away with you, O people, and bring others [in your place]. And ever is Allāh competent to do that.

قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾. قال أهل المعاني: في الآية محذوف، على تقدير: إن يشأ يذهبكم يُذهبكم [[انظر: الطبري 5/ 3195]]؛ لأنه ليس على معنى إن كانت له مشيئة ما أذهبكم، ولكن مشيئته الإذهاب.

قال ابن عباس: يريد المشركين والمنافقين [[انظر: "زاد المسير" 2/ 221، و"البحر المحيط" 3/ 367.]].

﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ قال: يريد قومًا من قريش، لم يكونوا هاجروا ثم أسلموا بعد الفتح [[لم أقف عليه.]].

وقال مقاتل: يخلق غيركم، أمثل وأطوع لله منكم [["تفسيره" 1/ 413.]].

وروى عن النبي ﷺ أنه لما نزلت هذه الآية ضرب بيده على ظهر سلمان [[هو أبو عبد الله سلمان الفارسي، ويعرف بسلمان الخير، صحابي جليل، مولى رسول الله ﷺ وقصة إسلامه مشهورة، وكان من المعمرين، توفي رضي الله عنه سنة 34 هـ. انظر: "الاستيعاب" 2/ 194، و"أسد الغابة" 2/ 417، و"الإصابة" 2/ 62 ، و"التقريب" ص 246 رقم (2477).]]، فقال: "قوم هذا" يعني: عجم الفرس [[أخرجه الطبري 5/ 319 وبين أحمد شاكر أن في إسناده ضعفًا. وانظر: "النكت والعيون" 1/ 533 - 534.]].

وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ عند أهل المعاني، أن المعنى: ولم يزل الله على ذلك قديرًا، ولا يزال كذلك، لأن كل صفة استحقها القديم فهي لازمة، لا يحدث ما يوجب تغيُّرها، فبهذا عرفنا أنَّ المعنى: كان ويكون قديرًا، إلا أنه وكل إلى الاستدلال لرياضة الأفهام، فذكر بلفظ: كان [[لم أقف عليه.]].

4:134Page 99

مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ١٣٤

Whoever desires the reward of this world - then with Allāh is the reward of this world and the Hereafter. And ever is Allāh Hearing and Seeing.

قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: يريد متاع الدنيا [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص99]].

﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال: يريد المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ لدعائكم، ﴿بَصِيرًا﴾ بكم، حيث جعل فيكم دينه، واستودعكم فرائضه [[لم أقف عليه]].

وقال مجاهد: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ فإن الله تعالى يُعطي على نية الآخرة ما شاء من الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا شيئًا من الآخرة [[لم أقف عليه.]].

وقال أبو إسحاق: كان مشركوا العرب لا يؤمنون بالبعث، وكانوا مقرين بأن الله خالقهم، فكان تقربهم إلى الله عز وجل إنما هو ليعطيهم من خير الدنيا، ويصرف عنهم شرها، فأعلم الله جل وعز أن خير الدنيا والآخرة عنده [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 117، وانظر: "زاد المسير" 2/ 221.]]. وهذا هو القول.

وقال غيره: ثواب الدنيا: الغنيمة والمنفعة التي ينالها المجاهد، وثواب الآخرة: النعيم الذي (يعطه) [[هكذا في المخطوط، والصواب: "يعطيه".]] الله في الآخرة [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 131 أ، و"النكت والعيون" 1/ 534.]].

وقوله تعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: فليطلب المجاهد الثوابين، فإنهما عند الله، لا يضيق ولا يمتنع بأحدهما إعطاء الآخر.

وتأويل قوله ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ فينبغي أن يطلب من عنده ثواب الدنيا والآخرة.

عند: جواب الشرط، لأن عنده ثواب الدنيا والآخرة، وقعت هذه الإرادة أو لم تقع.

4:135Page 100

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٣٥

O you who have believed, be persistently standing firm in justice, witnesses for Allāh, even if it be against yourselves or parents and relatives. Whether one is rich or poor, Allāh is more worthy of both.1 So follow not [personal] inclination, lest you not be just. And if you distort [your testimony] or refuse [to give it], then indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾

القسط: العدل [[انظر: الطبري 5/ 320، و"معاني الزجاج" 2/ 117، و"زاد المسير" 2/ 222.]]، ومضى الكلام فيه [[انظر تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: 3].]].

وقوّام مبالغة من قائم، كأنه قيل: كونوا قائمين بالقسط [[انظر: الطبري 5/ 321، و"زاد المسير" 2/ 222.]].

والقائم بالشيء معناه الكفيل به الذي يأتي به على وجهه.

قال ابن عباس: معناه: كونوا قوَّالين بالعدل في الشهادة، على من كانت، ولو على أنفسكم [[من "الكشف والبيان" 4/ 131، والأثر بمعناه في تفسير ابن عباس ص 161، وأخرجه الطبري 5/ 322، من طريق علي بن أبي طلحة أيضًا.]].

وانتصب قوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ على الحال من ﴿قَوَّامِينَ﴾، ويجوز أن يكون خبر ﴿كُونُوا﴾، على أن لها خبرين بمنزلة خبر واحد، ونحو هذا: حلو حامض، وجائز أن يكون صفة لقوامين [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 460، و"الدر المصون" 4/ 113، وقد رجح كل منهما القول الأول.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، قال عطاء: يريد وقولوا الحق، ولو على أنفسكم، وإن كان فيه مضرة عليكم [[لم أقف عليه.]].

وشهادة الإنسان على نفسه: هو إقراره بما عليه من الحق [["النكت والعيون" 1/ 534، وانظر: "زاد المسير" 2/ 222.]]، وذلك الإقرار شهادة منه على نفسه، فكأنه قيل: ولو كان لأحد عليكم حق فأقروا به على أنفسكم.

وقال أبو إسحاق: المعنى: قوموا بالعدل واشهدوا الله [[في "معاني الزجاج": لله ، وهو الأظهر.]] بالحق، وإن كان الحق على نفس الشاهد، أو على والديه، أو أقربيه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 118، وانظر: "زاد المسير" 2/ 222.]].

وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ اسم كان مضمر، على تقدير: إن يكن المشهود عليه ومن يخاصم غنيًا أو فقيرًا [[انظر: الطبري 5/ 323، و"معاني الزجاج" 2/ 118، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 460، و"زاد المسير" 2/ 222.]].

قال ابن عباس: يقول: لا تُحابوا غنيًا لغناه، ولا ترحموا فقيرًا لفقره [["الكشف والبيان" 4/ 131 ب.]].

قال عطاء: يريد يكونون عندكم سواء، لا تحيفوا على الفقير، ولا تُعظِّموا الغني، وتمسكوا عن القول فيه [[انظر: "زاد المسير" 2/ 222.]].

يريد: يكون شأنكم العدل والصدق في القريب والبعيد، والغني والفقير.

وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ ولم يقل به وكان الغنى والفقر صفة مشهود عليه واحد، لأن المعنى: فالله أولى بكل واحد منهما.

قال الزجاج: أي: إن يكن المشهود عليه غنيًّا فالله أولى به، وكذلك إن يكن المشهود عليه فقيرًا فالله أولى به [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 118، وانظر: "زاد المسير" 2/ 222.]]. فجمعهما في الكناية لهذا المعنى.

ومعنى: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أي: أعلم بهما منكم؛ لأنه يتولى علم أحوالهما من الغنى والفقر.

وهذا معنى قول الحسن: الله أعلم بغناهم وفقرهم [[انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 1/ 430، و"معالم التنزيل" 2/ 298.]].

وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾، أكثر المفسرين على أن هذا من العدول الذي هو الميل والجور، على معنى: واتقوا أن تعدلوا [[دعوى أن أكثر المفسرين على هذا القول فيها نظر، فلم أجد من ذهب إلى ذلك غير الطبري مع أنه أشار إليه إشارة في "تفسير الطبري" 5/ 323، وقد عزاه في "زاد المسير" 2/ 222، إلى مقاتل، وانظر: "الدر المصون" 4/ 117.]]، فحذف؛ لأن في النهي عن اتباع الهوى دليلًا على الأمر بالتقوى.

وهذا معنى قول مقاتل، لأنه قال: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ في الشهادة، واتقوا الله ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ عن الحق إلى الهوى [["تفسيره" 1/ 414، وانظر: و"زاد المسير" 2/ 222.]].

وقال ابن عباس: يريد أن تميلوا عن العدل، وهو قول الكلبي أيضًا [[لم أقف عليهما.]].

وعند الفراء والزجاج: يجوز أن يكون ﴿تَعْدِلُوا﴾ من العدل على معنى: ولا تتبعوا الهوى لتعدلوا، كما تقول: لا تتبعن هواك لترضي ربك، أي: أنهاك عن هذا كيما [[في المخطوط "كما"، وهو تصحيف ظاهر، انظر: "معاني الفراء" 1/ 291.]] ترضي ربك. قاله الفراء [["معاني القرآن" 1/ 291، وانظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 118.]].

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ يجوز أن يكون من لوي بمعنى المدافعة [[انظر: الطبري 5/ 325، و"معاني الزجاج" 2/ 118.]]، ويجوز أن يكون من لوى الشيء إذا قتله [[انظر: "اللسان" 7/ 4107 (لوى).]]، وكلاهما قريب.

قال مجاهد: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ تبدِّلوا الشهادة ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ تكتموها فلا تقيموها [["تفسيره" 1/ 178، وأخرجه الطبري 5/ 323 من طرق، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 414 إلى البيهقي.]].

وهذا من ليّ اللسان، كأنه لواها من الحق إلى الباطل. ونحو ذلك قال السدي: اللي: الدفع والإعراض: الجحود [[أخرجه بمعناه الطبري 5/ 424، وانظر: "زاد المسير" 2/ 223.]]. وهو من قولهم: [لوى] [[ما بين المعقوفين في المخطوط: "لوا" وهو خطأ في "الإملاء".]] حقه، إذا مطله ودفعه [[انظر: الطبري 5/ 425، و"معاني الزجاج" 2/ 118، و"الكشف والبيان" 4/ 131 ب، و"النكت والعيون" 1/ 534.]].

وقال مقاتل: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ يعني التحريف للشهادة، يلجلج بها لسانه فلا يقيمها ليبطل شهادته، ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ عنها فلا تشهدوا بها [["تفسيره" 1/ 414.]].

وقال عطية العوفي: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ "تلجلجوا في الشهادة فتفسدوها، ﴿تُعْرِضُوا﴾ بتركها" [[أخرجه الطبري 5/ 324.]].

وفي قوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ قراءتان: إحداهما - بواوين. والأخرى تلُوا اللام [[هكذا في المخطوط، ولعل في الكلام سقطًا، فإن استقامة الكلام: "بواو واحدة وضم اللام" انظر: "الحجة" 3/ 185، وهذِه القراءة لحمزة وابن عامر، والقراءة الأولى للباقين. انظر: "السبعة" ص 239، و"الحجة" 3/ 185، و"المبسوط" ص 159، و"تحبير التيسير في قراءات الأئمة العشرة" ص 106.]].

فمن قرأ بواوين فحجته: ما رُوي عن ابن عباس أنه فسر هذا بأنه القاضي، ليُّهُ وإعراضه لأحد الخصمين على الآخر [["الحجة" 3/ 185، والأثر عن ابن عباس أخرجه الطبري 5/ 323، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 132 أ، و"زاد المسير" 2/ 223]].

قال الزجاج: وجاء في التفسير أن لوى الحاكم في قضيته: أو أعرض [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 118 لكن فيه: "أنَّ" لوى الحاكم في قضيته: "أعرض". فلعل الصواب. أي أعرض.]].

﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 135] قال [[أي: الزجاج.]]: ويقال: لويت فلانًا حقه، إذا دافعته به ومطلته.

وكذلك جميع ما حكينا عن المفسرين في هذا الحرف يدل على صحة هذه القراءة.

قال الزجاج: وهذا هو الأشبه على ما جاء في التفسير [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 118.]].

وحجة من قرأ: ﴿تلوا﴾ بواو واحدة أن يقول: إن ﴿تلوا﴾ في هذا الموضع حسن، لأن ولاية الشيء إقبال عليه، وخلاف الإعراض عنه، فالمعنى: إن تقبلوا أو تعرضوا، فلا تلوا، فإن الله كان بما تعملون خبيرًا، فيجازي المحسن المقبل بإحسانه، والمسيء المعرض بإعراضه [["الحجة" 3/ 185، وانظر: "إعراب القراءات السبع" لابن خالويه 1/ 138.]].

وقال المبرد: إن للولاية ههنا وجهًا حسنًا، يقول: إن تلوا إقامتها أو تعرضوا عن إقامتها [[لم أقف عليه.]].

وقال قطرب: (إن تلوا) من الولاية، يريد: إن تلوا القيام بالحق وتتولوه، أو تعرضوا عنه فلا تقوموا به [[لم أقف عليه.]].

وذكر أبو إسحاق والفراء جميعًا لهذه القراءة وجهًا آخر: وهو أنه يجوز أن يكون (تلُوا) أصله: تَلْوُوا، فأبدل من الواو المضمومة همزة، ثم طرحت الهمزة، ونقلت حركتها إلى اللام، فصار تلوا، كما قيل في أدؤُرٍ: أدوُرٍ، ثم طرحت الهمزة فصار آدرُ [[من "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 118، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 291.]]. والوجه الأول أجمعا عليه أيضًا.

4:136Page 100

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٣٦

O you who have believed, believe1 in Allāh and His Messenger and the Book that He sent down upon His Messenger and the Scripture which He sent down before. And whoever disbelieves in Allāh, His angels, His books, His messengers, and the Last Day has certainly gone far astray.

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال ابن عباس: فيما روى الكلبي عن أبي صالح عنه: نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب، قالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل [[أخرجه الثعلبي 4/ 132 أ، وانظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص 186، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100، و"الدر المنثور" 2/ 414 - 415.]].

قال الضحاك: الخطاب لليهود والنصارى، يقول: يا أيها الذين آمنوا بموسى والتوراة، وعيسى والإنجيل، آمنوا بمحمد والقرآن [[أخرجه ابن المنذر بمعناه مطولاً كما في "الدر المنثور" 2/ 414 - 415، وانظر: "زاد المسير" 2/ 224.]].

وقال أبو العالية وجماعة من المفسرين: الآية خطاب للمؤمنين، وتأويل: ﴿آمَنُوا بِالله﴾ أي: أقيموا واثبتوا ودوموا عليه [["الكشف والبيان" 4/ 132 ب، وقد قال بهذا القول الحسن، انظر: "النكت والعيون" 1/ 535، و"زاد المسير" 2/ 224.]].

قال الزجاج: وهذا كما قال الله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: 29] المعنى: وعد الله من أقام على الإيمان من أصحاب محمد ﷺ [["معاني القرآن إعرابه" 2/ 119.]].

وقال مجاهد: الآية خطاب للمنافقين، وذلك أنهم أمنوا في الظاهر بألسنتهم، وكفروا في السر بقلوبهم، فقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} يعني: بالألسنة في العلانية ﴿آمَنُوا﴾ بقلوبكم في السر [[انظر: "زاد المسير" 2/ 224.]]. ويدلك على هذا أن الله تعالى أخبر عنهم فقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: 41].

وهذان القولان ذكرهما الزجاج، ثم قال: والأول أشبه، والله أعلم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 119.]].

وأبو بكر [[لم يتبين لي من هو، حيث إني وجدت اثنين يطلق عليهما (أبو بكر الوراق). انظر: "سير أعلام النبلاء" 13/ 179، 16/ 388.]] الوراق اختار أيضًا أن الآية في المؤمنين، وأن معني الأمر بالإيمان: الثبات عليه، واحتج بأن العرب تقول للقائم: قم، وللقارئ: اقرأ، يريدون الثبات على ذلك العمل، وقال الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]، أي: أثبت على عملك [[لم أقف عليه.]].

وقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ قال ابن عباس: "يريد القرآن وما فيه من الأحكام" [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 132 ب، و"تنوير المقباس"، بهامش المصحف ص 100.]].

﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: "يريد كل كتاب أنزله على النبيين" [[المرجع السابق.]]. وذلك أنه اسم الجنس، فصلح للعموم.

واختلفوا في قوله: (نزل) و (أنزل)، فقرئ بالضم والفتح [[أي بضم النون والألف وكسر الزاي فيهما، وبفتحهما مع فتح الزاي، وقرأ بالأولى ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، وبالثانية الباقون. انظر: "السبعة" ص 239، و"الحجة" 3/ 186، 187، و"المبسوط" ص 159، و"النشر" 2/ 253.]]، فمن ضم: فحجته قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر: 1]، فأضيف المصدر إلى المفعول به، فالكتاب على هذا منزل. وحجته في قوله: (أَنْزَل) قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: 114].

ومن قرأ بالفتح: فحجته قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: 9]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: 44] [["الحجة" 3/ 187 بتصرف يسير، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 320 - وقد قال الأزهري: "والمعنى واحد"، و"الكشف" 1/ 400.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском