Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:25–29
4:25Page 82
وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٥
And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allāh is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation [i.e., mahr] according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears affliction [i.e., sin], but to be patient is better for you. And Allāh is Forgiving and Merciful.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية. قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد: الطَّول: الغنى والسعة [[أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 15. والأثر عن ابن عباس في "تفسيره" من طريق علي بن أبي طلحة ص 142، وعن مجاهد في "تفسيره" 1/ 152، وانظر: "زاد المسير" 2/ 55، "الدر المنثور" 2/ 253 - 254.]].
وقال الفراء: الطّول: الفضل، يقال: طال عليه يطول طَولًا في الإفضال. ولفلان على فلان طَول، أي: فضل [[لم أجده في "معاني القرآن" للفراء، فلعله في كتابه "المصادر" وهو مفقود، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2156.]].
وقال ابن المظفر والزجاج: الطول: القُدرة [["العين" 7/ 450 (طول)، "معاني الزجاج" 2/ 40، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2156.]]. يقال: فلان ذو طول، أي: ذو قدرة في ماله [[في "العين" 7/ 450 دون لفظ: ماله.]]، وقيل في تفسير قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: 3] ذي القدرة. وهذه الأقوال كلها في المعنى واحد.
وُيراد بالقدرة ههنا القدرة على المهر [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 40، و"تهذيب اللغة" 3/ 2156.]]، وأصل الطَّول من الطُّول خِلاف القِصَر [[انظر: "العين" 7/ 450 (طول)، والطبري 5/ 15 - 16.]]، وذلك أن الغني يُنال به معاني الأمور، كالطول في أنه يُنال به ما لا ينال بالقِصَر. واشتقاق الطائل من الطول، يقال للشيء إذا لم يكن ذا مَنٍّ يُرغب فيه: هذا شيء غير طائل [[انظر: "العين" 7/ 450، و"تهذيب اللغة" 3/ 2156.]].
ومنه: لقد زادني حبًّا لنفسيَ أَنَّني ... بغيضٌ إلى كُلِّ امرئ غيرِ طائلِ [[البيت للطرماح في "ديوانه" ص 100، و"الأغاني" 12/ 50، و"الحيوان" 3/ 112، و"الشعر والشعراء" ص 585، و"ديوان الحماسة" 1/ 76، و"عيون الأخبار" 3/ 112، و"الوساطة" ص 247، و"المثل السائر" 2/ 353، و"الكشاف" 1/ 531، و"البحر" 3/ 204.]]
وقوله تعالى:. ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ قال ابن عباس وغيره: يريد الحرائر [["تفسير ابن عباس" ص 143، وأخرجه الطبري 5/ 17.]].
فمن فتح الصاد [[أي من: المحصنات، وهذه قراءة الجمهور.]] أراد أنهن أُحصِنّ لحريتهن، ولم تُبتذل كالأَمَة، فهن محصَنات، ومن كسر الصاد [[قراءة الكسائي.]] أراد أنهن أحصن أنفسهن لحريتهن، ولم يبرُزن بروزَ الأمة، فهن مُحصِنات [[في توجيه القراءتين ينظر الطبري 5/ 17 - 18.]].
وتقييد المحصنات ههنا بالمؤمنات، ووصفهن بالإيمان يفيد عند من يقول بالمفهوم أن من وجد طول حرة كتابية لم يكن ممنوعًا عن نكاح الأمَة [[أي: المؤمنة.]]، وإنما يُمنع إذا وجد طَول حرة مؤمنة كما ذكر الله تعالى. هذا مذهب أكثر أصحابنا [[انظر "المجموع شرح المهذب" 17/ 344، وقد رجح هذا القول ابن العربي من المالكية في تفسيره "أحكام القرآن" 1/ 393، وانظر: القرطبي 5/ 138.]].
ومنهم من يقول: إذا قدر على طَول حرّة كتابية منع من نكاح الأَمَة، كما لو قدر على طول حرة مؤمنة [[هذا ما رجحه الشيرازي، انظر: "المجموع" 17/ 344، والقرطبي 5/ 138.]].
ويُحتمل هذا التقييد على غالب الحال؛ لأنّ الغالب من نكاح المسلمين مناكحة المسلمات، والخطاب ربما يأتي مقيدًا بغالب الحال، فلا يكون له مفهوم يُخالف المنظوم، كقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: 101]، ثم لم يكن الخوف مشروطًا في جواز القصر، ولكنه نزل على الغالب، وكان الغالب من أسفارهم الخوف، ولهذا نظائر [[هذا الاحتمال يرجح القول الأول.]].
وقوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. أي: فليتزوج مما ملكت أيمانكم. قال ابن عباس: يريد جارية أخيك في الإسلام [[بمعناه في "تفسير ابن عباس" ص143، وأخرجه الطبري 5/ 19 - 20، وانظر "الدر المنثور" 2/ 253.]].
ولا يجوز للإنسان أن يتزوج جاريةَ نفسِه بالإجماع [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 139.]]، ومعنى قوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ هو أن يتزوج الرجل ما يملك غيره ممّن يكون على مثل حاله من الإسلام. فأباح أن ينكح بعضنا فتاة بعض، كما فسره ابن عباس.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. الفتيات: المملوكات والإماء. جمع فتاة، تقول العرب للأَمَة: فتاة، وللعبد: فتى [["معاني الزجاج" 2/ 40.]].
ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقولن أحُدكم: عبدي، ولكن لِيَقُل: فتاي وفتاتي" [[أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (2249) كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب، حكم إطلاق لفظة العبد.]].
وقال ابن السكيت: يقال: (تفتّت) [[في النسختين: لفتت، والتصويب من "تهذيب اللغة" 3/ 2730 ("فتح الوهاب" للأنصاري).]] الجارية، إذا راهقت فخُدِرت [[أي: ألزمت الخِدر وسُتِرت في البيت. حاشية 2 من "تهذيب اللغة" 3/ 2730 (فتا).]] ومُنِعت من اللعب مع الصبيان. وقد فتيت تفتيةً.
ويقال للجارية الحَدثة: فتاة، وللغلام: فتى [["تهذيب اللغة" 3/ 2730 (فتا).]].
أبو عبيد: الفتاء ممدود مصدر الفِتيّ في السن. وأنشد:
إذا عاش الفتى مائتين عامًا ... فقد ذهب اللذاذة والفَتَاء [["غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 333، "تهذيب اللغة" 3/ 2730 (فتا)، والبيت للربيع بن ضبع الفزاري كما عند سيبويه 1/ 208، "اللسان" 6/ 3347 (فتا)؛ ونسبه سيبويه مرة أخرى إلى يزيد بن ضبة. انظر: "الكتاب" 2/ 162.]]
فالفتاة الشابة، والفتاة الأمَة، عجوزًا كانت أو شابة [[انظر: الطبري 5/ 18.]]؛ لأنها كالشابة في أنه لا تُوقر توقير الكبير.
وقوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أفاد هذا التقييد أنه لا يجوز التزوّج بالأَمَة الكِتابية، سواءٌ كان الزوج حرًا أو عبدًا. وهذا قول مجاهد [["تفسيره" 1/ 152، والطبري 5/ 18.]]، وسعيد [[لم أقف عليه.]]، والحسن [[أورد الأثر عنه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 254، وعزاه لابن أبي شيبة.]]، ومذهب مالك [[خرج قوله الطبري 5/ 18، وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 195، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 140.]]، والشافعي [["الأم" 5/ 6، وانظر: "أحكام القرآن" للهراسي 2/ 289، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 140.]].
ومذهب أهل العراق أنه يجوز التزّوج بالأمَة الكِتابية [[انظر: الطبري 5/ 18، والقرطبي 5/ 140.]]. والآية حجة عليهم [[انظر: الطبري 5/ 18 - 19.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾. قال الزجاج: أي: اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم متعبدون بما ظهر، (والله يتولى السرائر والحقائق) [["معاني الزجاج" 2/ 40، وما بين القوسين زيادة على ما فيه.]].
وقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. ذكر أهل المعاني الزجاج وابن الأنباري وغيرهما، فيه وجهين:
أحدهما: كلكم بنو آدم وولده، فلا يتداخلنكم شموخ وأنفَة من تزّوج الإماء عند الضرورة، فإنكم تتساوون في أنكم بنو آدم. فعلى هذا قوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: في النسَب [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 41، "زاد المسير" 2/ 75.]].
والثاني: أن المعنى: بعضكم يوالي بعضًا، ويُلابس بعضًا في ظاهر الحكم، من حيث شملكم الإسلام، فاجتمعتم فيه، وصرتم متكافئين متماثلين بجمع الإسلام لكم، واستوائكم في حكمه. قال الراعي:
فقُلت ما أنا مِمَّن لا يواصِلُني ... ولا ثَوائِي إلا ريثَ أَحْتَمِلَ [["ديوانه" ص 197، "أساس البلاغة" ص 186 (ريث)، وقافيته في الأساس: أرتحل. ومعنى يواصلني: يوافقنى.]]
أي: لا ألابس من لا يواصلني ولا أواليه. والمعنى: دينكم واحد فأنتم متساوون في هذه الجهة، فمتى وقع لأحدكم الضرورة جاز له تزّوج الأمَة [[انظر: "معانى الزجاج" 2/ 41]].
قال الزجاج: ويُقَوِّي هذا الوجه أنه ذكر ههنا المؤمنات من العبيد [["معاني الزجاج" 2/ 41، دون لفظ: ويقوي هذا الوجه.]]
والى هذا أشار ابن عباس في تفسير هذه الآية، فقال: يريد: المؤمنون بعضهم أكفاء لبعض [[لم أقف عليه.]].
قالوا: وإنما قيل لهم ذلك؛ لأن العرب كانت تطعن في الأنساب، وتفتخر بالأحساب، وتُعَيِّر بالهُجنة، وتُسمي ابن الأَمَة الهَجِين، فأعلمَ الله أن أمر العبيد وغيرهم مستوي [[هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مستوٍ بحذف الياء.]] في باب الإيمان.
وإنما حرم التزّوج بالأمة إذا وُجد إلى الحرة سبيل لمعنيين:
أحدهما: أن ولد الحُرّ من المملوك [[هكذا في (أ)، ولعل الصواب: المملوكة.]] مملوك لسيدها، فلا يجوز له إرقاق ولده ما دام مستغنيًا.
والثاني: أنّ الأَمَة مُستَخدمةٌ في الحاجات، مُمتهنة بكثَرة عِشرة الرجال وذلك شاق على الزوج [[من قوله: (قالوا: ..) من "معاني الزجاج" 2/ 41 بتصرف يسير.]].
وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: أي: مهورهن [[الطبري 5/ 19، "الكشف والبيان" 4/ 40 أ.]].
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: من غير مَطْل وضِرَار [["الكشف والبيان" 4/ 40 أ.]]. والإجماع على أن المهر إنما يدفع إلى مولاها؛ لأنه ملكه، وإنما أضيف الإيتاء إليهن؛ لأنه ثمن بُضعهن، وإذا آتى المولى فقد آتاها؛ لأنه وإن آتاها كان لمولاها انتزاعه منها.
وقوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ قال ابن عباس وغيره: يريد عفائف [[من أثر في "تفسير ابن عباس" ص 143، وأخرجه الطبري 5/ 20.]].
وهو الحال من قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ [[أي: من الهاء والنون هن. انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 195.]]. وظاهر هذا يوجب أن نكاح الزواني من الإماء حرام.
واختلف الناس في نكاح الزواني من الحرائر، وسنذكر ذلك عند قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: 3] والأكثرون على أنه يجوز نكاح الزانية، وأن قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: 3]، منسوخ بقوله. ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] [[ممن قال بالنسخ سعيد بن المسيب من التابعين. انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 100.]]. والذي في هذه الآية محمول على الندب والاستحباب.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَات﴾ أي: غير زواني [[انظر: الطبري 5/ 19، "الكشف والبيان" 4/ 40 أ.]].
﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ جمع خِدْن، والخِدنْ والخَدِين الذي يُخادنك يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن، وخِدْن الجارية مُخَدَّنها [["العين" 4/ 232، "تهذيب اللغة" 1/ 996 (خدن)، وآخر كلمة جاءت فيهما: مُحدثها، ولعله هو الصواب.]].
قال قتادة والضحاك وأهل التفسير: المُسافِحة التي تؤاجر نفسها مُعلِنَةً بالزنا. يزنين بمن لقيهن من غير ميعاد، ويَسفحن [[في (د): (يسفح).]] مياههن. والتي تتخذ الخِدْن هي التي تزني سرًّا [[هذا نحو قول قتادة والضحاك، وقد أخرج الأثرين عنهما الطبري 5/ 20، وانظر: ابن كثير: 1/ 518 - 99.]].
وكانت العرب في الجاهلية يعيبون الزنا العلانية، ولا يكادون يعيبون اتخاذ الأخدان فجاء الله بالإسلام فهدم ذلك، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [[هذا معنى قول لابن عباس أخرجه الطبري 5/ 19 - 20، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 254.]] [الأعراف: 33]، وقال: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.
وقال الشعبي: الزنا على نحوين خبيثين، أحدهما أخبث من الآخر، فأما الذي هو أخبثهما فالسفاح، وهو الفجور بمن أتاها، والثاني: اتخاذ الخدن، وهو الزنا في السر [[أخرجه الطبري بنحوه 5/ 20، وانظر: ابن كثير 1/ 518.]].
قال قتادة: ونهى الله عن نكاح المُسَافِحة وذات الخِدْن [[بمعناه عن قتادة، وهو جزء من الأثر المتقدم عنه، وقد أخرجه الطبري 5/ 20.]].
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. قرئ بالوجهين؛ فمن ضم الألف [[هذه القراءة لابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم، وأبي جعفر ويعقوب. انظر "السبعة" ص 231، "الحجة" 3/ 151، "المبسوط" ص 156.]] فمعناه: أُحصنّ بالأزواج، على معنى: تَزوجْن [[انظر: الطبري 5/ 21، "الحجة" 3/ 148، 151.]]. قاله ابن عباس، وسعيد ابن جبير والحسن ومجاهد وقتادة [[أخرج أقوالهم الطبري 5/ 23 - 24، وابن كثير 1/ 519، وقد رجح ابن كثير هذا المعنى.]].
ومن فتح الألف [[هذه القراءة لحمزة والكسائي وخلف. انظر: "السبعة" / 231، "الحجة" 3/ 151، "المبسوط" ص 156.]] فمعناه: أَسلَمْن [[انظر: الطبري 5/ 21، "الحجة" 3/ 148.]].
كذلك قال عمر، وابن مسعود، والشعبي وإبراهيم والسدي [[أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 22 - 23.]].
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ يريد: زنا [[الطبري 5/ 24، "الكشف والبيان" 4/ 40 أ.]].
﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: عليهن نصف الحدّ [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 123، والطبري 5/ 24.]].
والمحصنات ههنا الأبكار اللاتي أحصنهن العفاف [[لعل قصد المؤلف: الأبكار الحرائر. انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 124، والطبري 5/ 24، "معاني الزجاج" 2/ 41، والثعلبي 4/ 40 أ.]]، وحَدُّهن مائة، ويتنصف ذلك في حق الأمَة إذا زنَت [[انظر: الطبري 5/ 24، والثعلبي 4/ 40 أ.]]. وإن حملنا المحصنات على فوات الزوج لم يَسْهُل؛ لأن حدّهن الرجم، ولا يتنصف الرجم، ولا مدخل له في هذا العبيد [[انظر "معاني الزجاج" 2/ 41]]. ويقال لم شرط الإحصان في حد الإماء، والإحصان في قوله: ﴿أُحْصِنَّ﴾، و ﴿أَحصنَّ﴾ على اختلاف القراءتين فُسر بالتزوج والإسلام وليس واحد منهما شرطًا في وجوب الحد على الأَمَة إذا زنت؛ فإن الكافرة إذا زنت كان حدها خمسين جلدة، وكذلك الخالية عن الزوج؟
والجواب: أن من فسر الإحصان ههنا بالإسلام قال: إنها إذا كانت كافرة لم يكن عليها سبيل، إلا بأن ترضى بحكمنا. وإذا كانت مسلمة أقمنا عليها الحد، ففائدة ذكر الإسلام راجعة إلى أصل إقامة الحد مع بيان قَدرِه.
ومن فسر الإحصان بالتزوّج قال: فائدة ذكره ههنا أن الحرة المحصنة بالزوج حدها الرجم، فقيد الله تعالى حكم الأَمَة عند ذكر الحد بالإحصان، إذ لو نص على غير حالة الإحصان بالنكاح لم يبعد أن يَتوهّم مُتوهِّم وجوب الرجم عليها إذا زنت وهي متزوجة، من حيث لم يكن للرجم نصف، كما استوت الحُرّة والأَمَة في قطع السرقة لَمّا لم يكن للقطع نصف [[انظر: "زاد المسير" 2/ 58.]].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. الإشارة تعود إلى نكاح الأمَة عند عدم الطول [[انظر: الطبري 5/ 24، "معاني الزجاج" 2/ 42، والثعلبي 4/ 40 ب.]].
وذكرنا معنى العنت والإعنات في اللغة عند قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: 220] وقوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118]. وفسر العنت ههنا: الزنا في قول ابن عباس وسعيد بن جبير وعطية والضحاك وابن زيد [[الأثر عن ابن عباس في "تفسيره" ص 143، وأخرجه عنه وعن الباقين إلا ابن زيد الطبري 5/ 24 - 25، وانظر: "زاد المسير" 2/ 58، وقد ذكر أن هذا قول ابن زيد.]]. وبيان هذا ما ذكره المُبرَّد: ذلك لمن خاف أن يحمله شدة الشبَق، والغُلمة على الزنا، فيلقى العذاب العظيم في الآخرة، والحد في الدنيا [[الظاهر أن هذا الكلام ليس للمبرد، فقد قال الزجاج في "معانيه" 2/ 42: قال أبو العباس -وهو المبرد-: (العنت) ههنا الهلاك، وقال غيره: معناه: ذلك لمن خشى أن تحمله الشهوة .. إلخ نحو ما ذكره المؤلف هنا. والله أعلم. انظر. "تهذيب اللغة" 3/ 2585 (عنت).]]. وإنما سمي الزنا العَنَت من المشقة في الدنيا والآخرة.
وقال عطاء: العَنَت المشقة في شدة الغُربة [[هكذا هذه الكلمة في (أ)، (د) بالغين المعجمة والراء، وقد تكون: العُزبة، بالعين المهملة والزاي. انظر "تهذيب اللغة" 3/ 2585 (عنت).]]. وهذا اختيار الزجاج، قال: العنت في اللغة المشقة الشديدة، يقال: أَكَمةٌ عنوت، إذا كانت شاقّة المَصعد [["معاني الزجاج" 2/ 42، إلا أنه ليس فيه كلمة (المصعد)، وقد أثبتها الأزهري في "التهذيب" 3/ 2585 (عنت)، فقد يكون الواحدي أخذ عن الأزهري، ويؤيده ما بعده.]].
قال الأزهري: وهذا الذي قاله أبو إسحاق صحيح، فإذا شقّ على الرجل الغربة [[هكذا هذه الكلمة في (أ)، (د) بالغين المعجمة والراء، وقد تكون: العُزبة، بالحين المهملة والزاي. انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2585 (عنت).]] وغلبته الغُلمة، ولم يجد ما يتزوج به حرة، فله أن ينكح أَمَة؛ لأن غلبة الشهوة واجتماع الماء في صُلب الرجل ربما آذى [[في (د) أدى. لعل في الكلام سقطًا أو حذفًا، فالظاهر أنه لم يتم الكلام، وفي "تهذيب اللغة" 3/ 2585 (عنت) -والكلام للأزهرى- ربما أدى إلى العلة الصعبة.]].
وحكى أبو إسحاق، عن بعضهم: قال: معناه أن يعشق الأمَة. قال [[أي: أبو إسحاق الزجاج.]]: وليس في الآية ذكر العشق، ولكن ذا العشق يلقى عنتًا [["معاني الزجاج" 2/ 42.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. أباح الله تعالى نكاح الأمَة بشرطين: أحدهما: في أول الآية، وهو عدم الطَّول.
والثاني: في آخرها، وهو خوف العنت. ثم قال مع ذلك: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ يريد: عن تزوج الإماء. قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة [[أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 25 - 26، وانظر: "زاد المسير" 2/ 59، "الدر المنثور" 2/ 256.]].
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ألا يصير الولد عبدًا [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 42.]].
4:26Page 82
يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٦
Allāh wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allāh is Knowing and Wise.
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآية. اختلفت النحوية [[هكذا في (أ)، (د). ومراده النُّحاة.]] في وجه اللام في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾.
فقال الفراء: العرب تجعل اللام التي بمعنى (كي) في موضع (أن) في: أردت وأمرت، فتقول: أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم. قال الله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 71]، وقال في موضع آخر: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام: 14]، وقال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ [الصف: 8]، و ﴿أَنْ يُطْفِئُوا﴾ [التوبة: 32].
وإنما صلحت اللام في موضع أن في: أمرت وأردت؛ لأنهما يطلبان المستقبل، ولا يصلحان مع الماضي، ألا ترى أنك تقول: أمرتك أن تقوم، ولا يصلح: أمرتك أن قمت. (وكذلك: أردت أن تقوم، ولا يصلح: أردت أن قمت) [[ما بين القوسين ليس في "معاني القرآن" المطبوع لديّ، فقد يكون ساقطًا منه، وهذا يدل على أهمية "البسيط" في تكميل لبعض الناقص من المصادر المتقدمة.]]. فلما رأوا (أن) في غير هذين تكون للماضي وللمستقبل استوثقوا لمعنى الاستقبال بكَي وباللام التي على [[في "معاني الفراء" 1/ 262 بدل على: في.]] معنى كي، (وربما جمعوا بين اللام وكي) [[ما بين القوسين ليس في "معاني الفراء" المطبوع لديّ.]] وربما جمعوا بين ثلاثتهن، وأنشد [[عند الفراء: وأنشدني أبو ثروان.]]: أردت لكيما لَا ترى لي عَثرة ... ومن ذا [[في (أ)، (د): (ذى).]] الذي يُعطى الكَمال فيكمُلُ [[ينظر: "همع الهوامع" 2/ 371، و"خزانة الأدب" 8/ 486، و"اللسان" (أثل)، و"الأمالي" 2/ 46.]]
فجمع بين اللام و (بين) [[ليس في (د).]] كي.
وقال الله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: 23].
وقال الآخر [[في (أ)، (د) الآ، فقد يكون سقط آخر الكلمة سهوًا من الناسخ.]] في الجمع بينهن:
أردتَ لِكَيمَا أنْ تَطِير بِقِربتي ... فتتركُها شنًّا ببَيْداءَ بَلْقَعِ [[البيت غير منسوب في الطبري 5/ 27، "الإنصاف" للأنباري ص 466. وجاء في حاشيته: .. وشنًا: أي يابسة متخرقة، والبيداء: الصحراء التي يبيد سالكها. أي يهلك، والبلقع الخالية. والشاهد منه أن الشاعر أظهر أن بعد: كي.]]
وإنما جمعوا بينهما [[في "معاني الفراء" (بينهن) بالجمع، وكذلك بقية الضمائر.]] لاتفاقهما في المعنى، واختلاف لفظهما [["معاني الفراء" 1/ 261، 262، وانظر: "تفسير الطبري" 5/ 26 - 28، "معاني الزجاج" 2/ 32، 43،، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 409، "الكشف والبيان" 4/ 40 ب.]].
وأنكر الزجاج أن تقع اللام في معنى (أن)، واستشهد على ذلك بقول الشاعر: أردت لِكَيما يعلمُ الناس أنها ... سراويل سعدٍ [[في "معاني الزجاج" 2/ 43: قيس بدل: سعد، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 409. وهو الصواب كما سيأتي في الكلام على البيت.]] والوُفود شْهوُد [[البيت لقيس بن سعد بن عُبادة في قصةٍ أوردها المُبَرِّد في "الكامل" 2/ 152. خلاصتها: أن ملك الروم بعث رجلًا طويلا إلى معاوية - رضي الله عنه - يتحداه أن يجد أطول منه، وكان قيس بن سعد آيةً في الطول، فبعث إليه معاوية، فلما حضر وعلم الخبر خلع سراويله وأمر الرومي بلبسها فبلغت ثندوته، فخجل الرومي وضحك القوم،
لكن قيسًا ليم على ذلك، فقال أبياتًا هذا مطلعها.]]
فلو كانت بمعنى أن لم تدخل على كي، كما لا يدخل عليها أن.
(ومذهب سيبويه وأصحابه أن اللام فى خلت في هذا وأشباهه على تقدير المصدر، أي: الإرادة للبيان) [[ما بين القوسين ليس في "معاني الزجاج".]]، كما قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43]، أي: إن كانت عبارتكم للرؤيا، وكذلك قوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154] أي: الذين هم رهبتهم لربهم [[انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 43 بتصرف.]].
وأنشدوا لكُثَيّر:
أُريد لأنّسى ذِكرَها فكأنما ... تَخَيَّل لي ليلى بكل سبيلِ [["ديوانه" ص 108، "المحتسب" 2/ 32، والبيت غير منسوب في "الكشف والبيان" 4/ 41 أ.]]
أي: إرادتي لهذا.
فأما التفسير، فقال ابن عباس: يريد الله ليبين لكم ما يبعدكم منه ويقربكم إلى طاعته [[لم أقف عليه، وقد ذكر الثعلبي معناه عن عطاء. انظر: "الكشف والبيان" 4/ 41 أ، "معالم التنزيل" 2/ 198.]].
وقال الكلبي: يريد الله ليبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير لكم [[من "الكشف والبيان"4/ 41 أ، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 348، "معالم التنزيل" 2/ 198، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 82]].
وقال غيره: يريد الله أن يبين لكم شرائع دينكم ومصالح أمركم [[قال ذلك الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 41 أ، لكن فيه: أموركم بدل: أمركم.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد دين إبراهيم وإسماعيل، دين الحنيفية [[لم أقف عليه]].
وقال الزجاج: أي: يدلكم على طاعته، كما دل الأنبياء والذين اتبعوهم من قبلكم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 43.]].
وقال مقاتل [[هو مقاتل بن حيان كما في "الدر المنثور" 2/ 256.]]: ويهديكم سنن الذين من قبلكم من تحريم الأمهات والبنات وكذلك كانت سنّة الذين من قبلكم [[ذكره بمعناه السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 348، وأورده السيوطي بلفظه في "الدر المنثور" 2/ 256، وعزاه لابن أبي حاتم في تفسيره، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 41 أ.]].
وقال الكلبي: يقول: هكذا حرمت على مَن كان قبلكم من أهل التوراة، والإنجيل، و (الزبور) [[في (أ) كأنها: (الربيون).]]، وسائر الكتب [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص82.]]. فالبيان على قول هذين خاص في المحرمات وإن عم اللفظ؛ لأن الشرائع مختلفة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عباس: حتى لا تعرفوا غيره ولا تدعوا معه إلهًا آخر [[لم أقف عليه. وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 82]].
وبيان هذا المعنى ما قاله محمد بن جرير: يعني: يرجع بكم من معصيته التي كنتم عليها [[في (أ): (عليه).]] قبل هذا إلى طاعته التي أمركم بها. وإذا فعل بهم ذلك لم يعرفوا غيره إلهًا [[انتهى من "تفسير الطبري" 5/ 27 بمعناه.]].
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يُصلحكم في تدبيره فيكم [[انظر: الطبري 5/ 27، "الكشف والبيان" 4/ 41 ب.]].
4:27Page 83
وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا ٢٧
Allāh wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد أن يخُرجكم من كل ما يكره إلى ما يُحِب ويرضى [[لم أقف عليه، وقد أورد المؤلف هذا التفسير دون نسبة لابن عباس في كتابه "الوسيط" 2/ 508.]].
وقال ابن كيسان: والله يأمركم بما فيه المغفرة لذنوبكم. وقال الزجاج: أي: يدلكم على ما يكون سببًا لتوبتكم التي يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 43.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾. قال ابن عباس: يريد الزنا وما لم يحلّ لكم [[أخرجه ابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 257.]]. وكذلك قال مجاهد: هم الزناة، يريدون أن يزني أهل الإسلام، وهو قوله: ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [[الأثر في "تفسير مجاهد" 1/ 153 مختصرًا، وأخرجه الطبري بنحوه من طرق. "جامع البيان" 5/ 28، وانظر: "زاد المسير" 2/ 60 ، "الدر المنثور" 2/ 257.]].
وقال السدي: هم اليهود؛ تقول: نكاح الأخت من الأب حلال [[أخرجه الطبري 5/ 29 بلفظ: هم اليهود والنصارى. وكذلك ابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 257.]]. وهو قول مقاتل [[مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 1/ 368، وانظر "زاد المسير" 2/ 60.]].
وقال ابن زيد: هم جميع أهل الباطل في دينهم [[أخرجه الطبري 5/ 29، وانظر: "زاد المسير" 2/ 60.]]. وهذا هو الأظهر من هذه الأقاويل؛ لأنه على معنى العموم الموافق لظاهر اللفظ [[هذا هو اختيار ابن جرير. انظر: "تفسيره" 5/ 29.]].
وفي هذا دلالة على أن من اتبع شهوته فيما يحل لا يوصف باتباع الشهوة، ولا يُطلق عليه هذا الوصف؛ لأن الله تعالى أطلق على المُبطِلين ممن يتبعون شهواتهم (فيما) [[في (أ): (فيها) بالهاء.]] لا يحل.
والشهوات جمع شهوة، والشهوة في الأصل مصدر شهَيت الشيء أشهى شهوةً فهو شهيّ. ورجل شهوات [[هكذا في (أ)، (د): بالتاء، ولعل الصواب بالنون (شهوان)، انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 355، "اللسان" 4/ 2354 (شها).]]، ورجال شَهاوى [[في (د): (شهاون)، والصواب ما أثبته. انظر المصادر السابقة.]].
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27]. أي: عن الحق وقصد السبيل بالمعصية مخصوصة [[يبدو أن في الكلام سقطًا. والله أعلم.]]، بشّرهم الله بأن إرادته فيهم التوبة. وليس فيها دليل على أنه لا يريد كفر الكافر [[الله سبحانه يريد كفر الكافر قدرًا ولا يريده شرعًا. انظر "مجموع الفتاوى" 8/ 159.]].
4:28Page 83
يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا ٢٨
And Allāh wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾. خص بعضهم التخفيف في هذه الآية، فقال: المراد به نكاح الأمَة عند الضرورة. وهو قول مجاهد [["تفسيره" 1/ 153، وأخرج الأثر عنه الطبري 5/ 30، وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر "الدر المنثور" 2/ 257.]] ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" 1/ 368.]].
والباقون قالوا: هذا عام في كل أحكام الشرع، وفي جميع ما يَسّره لنا وسهّله علينا إحسانًا منه إلينا، ولم يُثَقِّل التكليف علينا كما ثَقّل على بني إسرائيل بفضله ولُطفه. وعلى العموم دل كلام ابن عباس في تفسيره هذا التخفيف فقال: يريد شدة المئونة يخففها عنكم [[لم أقف عليه، وأنظر "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 83.]].
وقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]. قال ابن عباس. يَضعُف عن الصبر عن الجِماع [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف 83.]]. وبهذا قال أكثرهم.
قال الكلبي وطاوس: لا يصبر عن النساء [[ذكر قول الكلبي الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 41 ب. وأخرج الأثر عن طاوس عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 154، والطبري 5/ 30، وابن المنذر وابن أبي حاتم؛ انظر: "الدر المنثور" 2/ 257.]]. وقال ابن كيسان والزجاج: أي: يستميله هواه وشهوته فهو ضعيف في ذلك [[انظر "معاني الزجاج" 2/ 44، "الكشف والبيان" 4/ 41 ب، 42 أ، "زاد المسير" 2/ 60.]].
وقال الحسن: هو أنه خلق من ماء مهين [[من "الكشف والبيان" 4/ 41 ب، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 60؛ وانظر: "تفسير الحسن" 1/ 271.]].
4:29Page 83
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩
O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly1 but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allāh is to you ever Merciful.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. قال أهل المعاني: خص الله تعالى الأكل بالنهي عنه تنبيهًا على غيره؛ لأنه أيضًا لا يجوز جمع المال من الباطل، ولا هِبتُه، ولا التصرف فيه. ولكن المعظم والمقصود من المال الأكل والإنفاق، فنص عليه تنبيهًا على غيره، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ الآية [النساء: 10]، وكما يحرم أكل مال اليتيم بالظلم يحرم إنفاقه في غير الأكل.
وقوله تعالى: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ قال ابن عباس: يريد بما لم يحله لكم [[لم أقف عليه، وقد ذكر المؤلف نحوه في "الوسيط" 2/ 510 دون نسبة لأحد.]].
وقال الكلبي: يقول: لا تأكلوها إلا بحقها [[لم أقف عليه.]].
قال أصحاب المعاني: الباطل اسم جامع لكل ما لا يَحلّ في الشرع كالربا والغصب والسرقة والخيانة وكل محرم محظور.
نهى بهذه الآية عن جميع المكاسب الباطلة بالشرع.
قال الزجاج: حرم الله عز وجل المال، إلا أن يُؤخذ [[في "معاني الزجاج" (يوجد) ولعل المثبت هنا أصوب.]] على السبيل [[في "معاني الزجاج" (السبل) بالجمع.]] الذي ذكر من الفرائض في المواريث والمهور والتسري [[في (أ)، (د) والشرى، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 44.]] والبيع والصدقات التي ذُكرت وجوهها [[انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 44]].
ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وأجمعوا على أن هذا استثناء منقطع؛ لأن التجارة عن تراض ليست من أكل المال بالباطل [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 510، "الحجة" 3/ 152، "الكشف والبيان" 4/ 41 أ.]].
واختلف القراء في التجارة فرفعها بعضهم [[هذه القراءة لأبي جعفر ونافع وابن كثير وأبي عمرو ابن عامر ويعقوب، انظر: "الحجة" 3/ 152، "المبسوط" ص 156.]]، على معنى إلا أن يقع تجارة [[انظر: "الطبري" 5/ 31.]].
ومن نصب [[قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف، انظر "الحجة" 3/ 152، "المبسوط" ص 156.]] فعلى تقدير: إلا أن تكون التجارةُ تجارة [["الحجة" 3/ 152، والطبري 5/ 31.]]، كما قال:
أعينَيّ هَلّا تبكيان عِفاقًا [[في (د): (عباقا).]] ... إذا كان طَعنًا بينهم وعناقًا [[انظر: "جامع البيان" 3/ 132.]]
أو يكون على حذف المضاف بتقدير: إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، ثم تحذف المضاف وتُقيم المضاف إليه مقامه [["الحجة" 3/ 152.]].
والاختيار الرفع لمعنيين: أحدهما: أن الرفع أدل على انقطاع الاستثناء، وأن الأول محرّم على الاطلاق، والثاني: أن من نصب أضمر التجارة، فقال: معناه: إلا أن تكون التجارة تجارة. والإضمار قبل الذكر ليس بقوي، وإن كان جائزًا [[هكذا في (أ).]]، ومعنى قوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ هو أن يكون عليه، فذلك باطل لم يدخل فيما أباحه الله من البيع [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 510. وابن جرير الطبري اختار خلاف رأي المؤلف ومال إلى قراءة النصب، هذا وإن كان كل من القراءتين صوابًا جائزًا القراءة بهما. انظر: الطبري 5/ 31 - 32.]].
وقال عطاء في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ يعني: ليس فيها شيء من الربا [[لم أقف عليه.]]
وذلك أن البيع إذا قُصد به الربا قلّ ما يقع التراضي به، وإذا لم يوجد التراضي لم يحلّ.
وذهب كثير من أهل التأويل إلى أن التراضي في التجارة أن يكون خيار المتبايعين باقيًا إلى أن يتفرقا عن المجلس [[انظر الطبري 5/ 32، "الكشف والبيان" 4/ 42 ب.]].
وهذا قول شريح [[هو أبو أمية شُرَيح بن الحارث بن قيس الكوفي القاضي الشهير، يقال إنه حكم سبعين سنة وهو ثقة، وقيل إن له صحبة، وكان قائفًا شاعرًا، مات سنة 78 هـ وقيل بعدها. انظر "مشاهير علماء الأمصار" ص 99، "سير أعلام النبلاء" 4/ 100، "التقريب" ص 265 رقم (2774).]]
وابن سيرين والشعبي [[أخرج قول شريح والشعبي الطبري 5/ 32 - 33، أما ابن سيرين فهو الراوي عن شريح كما في الطبري.]]، ومذهب الشافعي [[انظر: "الأم" 3/ 4، "سنن الترمذي" 3/ 539.]]، ويدل على هذا ما روي أن النبي ﷺ قال: "ألا لا يتفرقَنّ بيعان إلا عن رضى" [[أخرجه الطبري من حديث أبي قلابة 5/ 34 وهو مرسل؛ لأن أبا قلابة تابعي كما نبه على ذلك أحمد شاكر -رحمه الله- وعزاه أيضا للبيهقي في "السنن الكبرى" وقد أخرج أبو داود (3458) كتاب البيوع، باب: في خيار المتبايعين حديث أبي هريرة ولفظه: لا يفترقن اثنان إلا عن تراض 3/ 737، وأخرج الترمذي (1248) كتاب البيوع، باب: 27؛ وقال: حيث غريب، والطبري 5/ 34.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، أي: لا يقتل بعضكم بعضًا.
وهذا قول عطاء [[هو عطاء بن أبي رباح وقد أخرج الأثر عنه الطبري 5/ 35.]]، والحسن [[من "الكشف والبيان" 4/ 42 ب، وانظر "زاد المسير" 2/ 61، "تفسير الحسن" 1/ 272.]]، والكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 83]]، والزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 44.]]، والأكثرين [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 119، والطبري 5/ 35، و"بحر العلوم" 1/ 249، والثعلبي 4/ 42 ب، و"زاد المسير" 2/ 61.]]
وإنما قال: (أنفسكم) لأنهم أهل دين واحد، فهم كالنفس الواحدة، فجرى على قول العرب: قتلنا وربّ الكعبة. إذا قتل بعضهم؛ لأن قتل بعضهم كالقتل لهم [[انظر: "الطبري" 5/ 35، "بحر العلوم" 1/ 349.]].
وذهب قوم إلى أن هذا نهي للإنسان عن قتل نفسه، فقال أبو عبيدة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لا تهلكوها [["مجاز القرآن" 1/ 124، وانظر: "زاد المسير" 2/ 61.]].
ويؤيد هذا حديث عمرو بن العاص [[هو أبو عبد الله عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، تقدمت ترجمتة]]، وهو أنه احتلم في بعض أسفاره، وخاف الهلاك على نفسه من الاغتسال، فتيمم وصلى بأصحابه، فلما رجع ذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: أشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممت وصليت، فضحك رسول الله ﷺ، ولم يقل شيئًا [[أخرجه الإمام أحمد 4/ 203، والبخاري تعليقًا بصيغة التمريض 1/ 454 كتاب التيمم، باب: 7 إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت ..... ، وأبو داود == (434) كتاب الطهارة، باب: إذا خاف الجنب البرد، أيتيمم؟ والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 42/ ب، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 513.]].
والقول الأول أظهر، وهذا الثاني يدخل تحت دلالة الأول؛ لأنه إذا حرم عليه قتل غيره من أهل دينه؛ لأنه بمنزلة نفسه، فقد حرم عليه قتل نفسه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences