Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:2–5, continued
وهذا القول وإن صح، فالاختيار القول الأول [[هذا الأسلوب من الترجيح حسن من المؤلف، لما فيه من التأديب مع أئمة علم الشريعة والعربية، كالشافعي والكسائي، عكس ما نهج الزجاج -رحمه الله- في هذا، حيث رد هذا القول بشدهَ، بل وتجاهل القائلين به فلم يصرح بأسمائهم. انظر "معاني القرآن" وإعرابه 2/ 11.]]، لقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فأطلق الآية من ملك اليمين، والأقل والأكثر منها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 11.]]، وهن كلهن عيال تتصل بهن المؤونة، وسواء كثر العيال من الحرائر أو الإماء، فلا معنى إذًا أن يقول: ذلك أدنى أن لا يكثر عليكم [[هكذا ولعل الصواب: عيالكم.]] بعد إباحة الكثير من السراري.
ودليل آخر، وهو أنه قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ولم يقل: أن تفتقروا، فكان الجواب معطوفًا على هذا الشرط، ولا يكون جوابه إلا بضد العدل وهو الجور، لا لكثرة العيال. ذكر هذا صاحب النظم [[أي "نظم القرآن" وهو الجرجاني، تقدمت ترجمته.]].
ورُوي عن مجاهد أنه قال: معنى قوله: ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ألا تضلوا [[رواه الثوري في "تفسيره" ص 87 بسنده عن مجاهد، وأورده الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 7 ب. انظر: "تفسير البغوي" 2/ 162، "زاد المسير" 2/ 10.]]. وهذا راجع إلى الأول [[أي: تميلوا وتجوروا، قال الهواري لما ذكر القولين: وهو واحد، "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري 1/ 347.]]، لأن الميل عن الحق ضلال.
قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن هذا خطاب لأولياء النساء، وذلك أنّ العرب كانت في الجاهلية لا تُعطي النساء من مهورها شيئًا، ولذلك كانوا يقولون لمن وُلدت له ابنة: هنيئًا لك النافجة. ومعناه أنك تأخذ مهرها إبلًا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك، أي تعظمه [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 115، 120، "تهذيب اللغة" (نفج) 4/ 3624، "الكشف والبيان" 4/ 8 أ.]].
وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل إذا زَوّج ابنته من الحُلوان فنهى الله عز وجل عن ذلك، وأمر بدفع الحق إلى أهله [[لم أقف عليه.]].
وهذا قول الكلبي [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 8 أ، "معالم التنزيل" 2/ 162.]]، وأبي صالح [[أخرج قوله ابن جرير 4/ 241.]]، واختيار الفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 256.]]، وابن قتيبة [[في "غريب القرآن" ص 115.]].
القول الثاني: أن الخطاب للأزواج، أُمِروا بإيفاء النساء مهورهن.
وهذا قول إبراهيم [[لم أقف على قول إبراهيم وهو النخعي.]]، وعلقمة، وقتادة [[انظر: "الدر المنثور" 2/ 213.]]، وابن زيد [[أخرج ابن جرير في "تفسيره" 4/ 241، عن قتادة في معنى (نخلة): يقول فريضة، يعني على الزواج.]]، واختيار الزجاج؛ قال: لأنه لا ذكر للأولياء ههنا، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج [[أخرجه ابن جرير 4/ 241 بنحو قول قتادة.]].
والصدقات والمهور، واحدتها صَدُقَة، وفيها لغات هذه أعلاها وهي لغة أهل الحجاز [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 12. وهذا ما اختاره ابن جرير -رحمه الله- كما في "تفسيره" 4/ 242، والبغوي 2/ 163، وهناك قول ثالث: وهو أن المراد النهي عن نكاح الشَّغار وهو رأي الحضرمي. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 242، "الكشف والبيان" 4/ 8 أ، "معالم التنزيل" 2/ 163.]].
وذكرنا أن موضوع (ص د ق) على هذا الترتيب، للإكمال والصحة في قوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج، 2/ 12، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 494، "الكشف والبيان" 4/ 8 ب.]] [البقرة: 264]، وعلى هذا الأصل سُمي المهر: صداقًا وصَدُقة؛ لأن عقد النكاح يتم ويكمل.
وقوله تعالى: ﴿نِحْلَةً﴾. قال ابن عباس [[أخرجه ابن جرير بسنده من طريق ابن أبي طلحة 4/ 241. وانظر: "الدر المنثور" 2/ 212.]]، وقتادة، وابن جريج، (وأبي زيد) [[هكذا في (أ)، (د) وقد يكون تصحيفًا كما هو ظاهر، والصواب: وابن زيد.]]: فريضة [[أخرج أقوالهم الطبري 4/ 241، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 8 ب، والبغوي 2/ 163، و"الدر المنثور" 2/ 212.]]. وإنما فسروا النحلة بالفريضة؛ لأن النحلة معناها في اللغة: الديانة والمِلّة والشِرعة والمَذهب.
قال الزجاج، عن بعضهم في قوله: ﴿نِحْلَةً﴾ أي: ديانة [["معاني القرآن" 2/ 12.]]، ومثله رُوي [[الراوي الأزهري، عن ثعلب، عن ابن الأعرابي. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3532 (نحل).]] عن ابن الأعرابي: نحلة: أي: دينًا وتدينًا [["تهذيب اللغة" 5/ 65 (نحل).]]. يقال: فلان ينتحل كذا، إذا كان يتدين به، ونِحْلَتُه كذا أي: دينه ومذهبه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 12، "تهذيب اللغة" 5/ 64 (نحل).]].
فقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ أي آتوهن مهورهن، فإنها نِحلة، أي دين وشريعة ومذهب في الدين، وما هو ديانة فهو فريضة.
قال ابن الأنباري: يقال: فلان (مُنْتَحِلٌ [[في (د): (ينتحل).]]) كذا، إذا كان يتدين به ويجعله فَرضًا على نفسه [[انظر: "الزاهر" 2/ 254.]].
وقال الكلبي: أي: عطية وهبة [["الكشف والبيان" 4/ 8 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 163، "البحر المحيط" 3/ 166، "تنوير المقباس" بهامش المصحف الشريف ص 77.]]، يقال نحلت فلانًا شيئًا أنحله نِحلة ونُحلاً. قال الفراء، والنحلة العطية [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 256.]].
ومعنى هذا القول: أن الله تعالى جعل الصداق نِحلةً للنساء، بأن جعل على الرجال الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئًا من الغُرم، فتلك نحلة من الله -عز وجل- للنساء. وهذا القول اختيار الفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 256، وقد حكى الفراء هذا القول ولم يذكر غيره.]].
وقال أبو عبيدة: معنى قوله: ﴿نِحْلَةً﴾ أي: عن طيب نفس [["مجاز القرآن" 1/ 117، وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 115.]]، وذلك أن النحلة في اللغة العطية من غير أخذ عوض، كما يَنحَل الرجلُ ولدَه شيئًا من ماله، وما أعطي من غير طلب عوض لا يكون إلا عن النفس، فأمر الله تعالى بإعطاء مهور النساء من غير مُطالبة منهن ولا مُخاصمة فيه؛ لأن ما يؤخذ بالمحاكمة لا يقال له نِحلة [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 115 "الزاهر" 2/ 254.]].
قال ابن الأنباري: وهذا القول هو المختارة لأن النَّحلة بالهبة أشهر منها بالفريضة، وحمل الشيء على الأشهر والأعرف فيه أولى [[هذا الترجيح من ابن الأنباري لم أقف عليه، بل وقفت على خلافه حيث قال -بعد أن أشار إلى القولين-: والقولان متقاربان، "الزاهر" 2/ 254.]].
وانتصابها على المصدر في قوله [[هكذا ولعل الصواب: (قول).]] من جعلها مصدرًا بمعنى: الهبة [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 188، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 242، "البحر المحيط" 3/ 166، "الدر المصون" 3/ 571.]]، وفي قول الآخرين على أنه مفعول له [[انظر: "البحر المحيط" 3/ 166، "الدر المصون" 3/ 571.]]، كما تقول: افعل هذا أجرًا واحتسابًا.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. قال الفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 256.]] والزجاج: المعنى فإن طابت أنفُسهن لكم عن شيء من الصداق [[من الصدقات زيادة على الفراء.]]، فنقل الفعل من الأنفس إليهن، فخرجت النفس مُفسّرة كما قالوا: أنت حسنٌ وجهًا، والفعل في الأصل للوجه، فلما حُوّل إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسّرًا لموقع الفعل. (ومثله: قررتُ به عينًا، وضقتُ به ذرعًا) [[ما بين القوسين زيادة على ما عند الفراء.]]
ووحد النفس [[عبارة الفراء: ووحد النفس، ولو جمعتَ لكان صوابًا، وقد جاء بقية العبارة عند المؤلف في آخر كلامه كما سيأتي.]]؛ (لأن المراد به بيان موقع الفعل وتفسير له، وذلك يعرف بالواحد دون الجميع. ومثله: عشرون درهما) [[ما بين القوسين زيادة على ما عند الفراء.]].
قال الفراء: ولو جمعت كان صوابًا [[انتهى من "معاني الفراء" 1/ 256، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 12، والشاهد بعد ذلك إضافة من المؤلف، والله أعلم. وانظر "الكف والبيان" 4/ 29.]]، كقوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: 103]، وقوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾ (مِن) ليست ههنا للتبعيض، بل هي للتجنيس، والتقدير: عن شيء من هذا الجنس الذي هو مهر، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30]، وذلك أن المرأة لو طابت نفسُها عن جميع المهر حل للزوج أخذه كله.
والخطاب في: ﴿لَكُمْ﴾ يجوز أن يكون للأولياء، ويجوز أن يكون للأزواج، على ما ذكرنا من القولين في قوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ [[من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 13 بمعناه.]].
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. قال الفراء [[ليس في "معاني القرآن".]]: يقال هَنَأني الطعام، ومَرأَني (يهيئني [[هكذا ويبدو أن الصواب: يهنئني.]]) ويمرئني هَنأً وَمرءًا. ومنهم من يقول: هنئني ومرئني -بالكسر- وهي قليلة، يَهْنَأني وَيْمَرأني فإذا أفردوا قالوا: أمرأني هذا الطعام [[انظر: "تفسير الطبري" للطبري 4/ 244، "معاني القرآن" للزجاج 2/ 12، "تهذيب اللغة" 4/ 3803 (هنا)، "الكشف والبيان" 4/ 9 أ.]]، ولا يقولون: أهنأني. وقد مَرُؤ هذا الطعام مَرْأاة، وهنؤ هُنْأة. الليث [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3803 (هنأ).]]: ما كان مريئًا، ولقد مرؤ، واستمرأته، وهذا يُمرئ الطعام.
وقيل: إن أصل الهنيء من الهناء وهو معالجة الجَرَب بالقَطران [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 244، "تهذيب اللغة" 4/ 3803 (هنأ)، "مقاييس اللغة" 6/ 68 (هنأ)، "الكشف والبيان" 4/ 9 أ.]]، فالهنيء شفاء من المرض كالهناء شفاء من الجرب [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 244، "النكت والعيون" للماوردي 1/ 451.]].
قال المفسرون: معنى الهنيء: الطيب المَساغ الذي لا يُنغِّصه شيء، والمريء: المحمود العاقبة التامّ الهضم الذي لا يضر ولا يُؤذي. يقول: لا تخافون في الدنيا به مطالبة، ولا في الآخرة تبعة [[ما نسبه للمفسرين هو ما حكاه شيخه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 9أ، ب.]].
ورُوي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: أنه سئل عن هذه الآية، فقال: "إذا جادت لزوجها بالمهر طائعة، غير مُكرَهة لا يَقْضي به عليه سلطان، ولا يؤاخذه الله به في الآخرة" [[من "الكشف والبيان" 4/ 9 ب، وقد أورده الثعلبي بسنده، ولم أقف عليه عند غيره.]].
قال الحضرمي [[لعله أبو بحر عبد الله بن زيد الحضرمي، انظر التعليق الآتي ص 347.]]: إن ناسًا كانوا يتأثَّمون أَنْ يرجع أحدهم في شىِء مما ساق إلى امرأته، فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [[أخرجه ابن جرير 4/ 243، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 9 أ.]].
4:3Page 77
وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ ٣
And if you fear that you will not deal justly with the orphan girls, then marry those that please you of [other] women, two or three or four. But if you fear that you will not be just, then [marry only] one or those your right hands possess [i.e., slaves]. That is more suitable that you may not incline [to injustice].
No commentary for this ayah
4:4Page 77
وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا ٤
And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts1 graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.2
No commentary for this ayah
4:5Page 77
وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٥
And do not give the weak-minded your property,1 which Allāh has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ الآية قال ابن عباس في هذه الآية: لا تَعمَد إلى مالك الذي خَوَّلك الله وجعله لك معيشةً؛ فتعطيه امرأتك وبنيك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أَمْسِك مالك وأَصْلِحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في كِسوتهم ورِزقهم ومؤنتهم [[هذا الأثر ثابت، عن ابن عباس فهو من طريق ابن أبي طلحة كما في تفسير ابن عباس ص 134.
وقد أخرجه منها ابن جرير في "تفسيره" 4/ 249 انظر: "معالم التنزيل" 2/ 164، "تفسير ابن كثير" 2/ 491، "الدر المنثور" 2/ 213.]].
والسفهاء: هم النساء والصبيان في قول ابن عباس [[يدل عليه الأثر المتقدم عنه، وأثر آخر أخرجه ابن جرير 4/ 246.]]، والحسن وقتادة، وسعيد بن جبير، والسدي [[أخرج أقوال هؤلاء ابن جرير في "تفسيره" 4/ 245، وانظر: "ابن كثير" 2/ 491، "الدر المنثور" 2/ 213 - 214.]]، واختيار الفراء [["معاني القرآن" 1/ 256.]]، وابن قتيبة [["غريب القرآن" ص 120.]].
وقال الكلبي: إذا علم الرجل أنّ امرأته سفيهةٌ مُفْسِدةٌ، وأن ولدَه سفيهٌ مُفسِد فلا ينبغي له أن يُسلِّط واحدًا منهما على ماله فيفسد [[من "الكشف والبيان" 4/ 10 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 164.]].
وقال مجاهد، وجويبر، عن الضحاك: أراد بالسفهاء ههنا النساء فقط [[أخرج الأثر، عن مجاهد بن جبير من عدة طرق، وأخرجه عن الضحاك من طريق جويبر. "تفسير الطبري" 4/ 247.]].
وقال مجاهد: من سفهاء من كُنّ، أزواجًا أو بناتٍ أو أمهاتٍ [["تفسير مجاهد" 1/ 144، وأخرجه ابن جرير 4/ 247، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 9 ب.]]. وهذا مذهب ابن عمر [[أخرج ابن جرير، عن مُوَرَّق قال: مرت امرأة بعبد الله بن عمر لها شارة وهيئة، فقال لها ابن عمر: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. "تفسير الطبري" 4/ 247، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 10 ب، "الدر المنثور" 2/ 214.]].
ويدل على هذا ما رَوى أبو أمامة [[هو صُدَيّ بن عَجْلان بن الحارث الباهلي -مشهور بكنيته- صحابي جليل يُروى أنه شهد أحدًا، وصفين مع علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- سكن الشام ومات بها سنة 86 هـ. انظر: "الاستيعاب" 2/ 298، "أسد الغابة" 3/ 16، "الإصابة" 2/ 182، "التقريب" ص 276 رقم (2923).]] أن النبي ﷺ قال: "ألا إنّما خُلِقت النار للسفهاء، -يقولها ثلاثًا- ألا وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيّمها" [[من "الكشف والبيان" 4/ 210، وقد أورده الثعلبي بسنده، وأخرج آخره ابن أبي حاتم كما ذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 491، والسيوطي في "الدر" 2/ 213.]]. فإن قيل: لو كان المراد بالسفهاء النساء لقال: السفائه أو السفيهات في جميع السفيه [[هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: جمع السفيهة.]]، نحو غرائب وغريبات في جمع: الغريبة. فالجواب ما قال الزجاج، وهو أن السفهاء يجوز في جمع السفيهة نحو: فقيرة وفقراء [["معاني الزجاج" 2/ 13.]].
وقال الزُّهري، وأبو مالك، وابن زيد: عَنى بالسفهاء ههنا السفهاء من الأولاد، يقول: لا تُعط مالك الذي هو قيامك ولدَك السفيه فيفسده [[هذا القول عن أبي مالك وابن زيد خاصة أخرجه بنحوه ابن جرير 4/ 247، وأورده الثعلبي عن الثلاثة في "الكشف والبيان" 4/ 10 ب، وعن الزهري البغوي في "معالم التنزيل" 2/ 164.]]
وفي الآية قول رابع، وهو أن السفهاء: الأيتام وكل من يستحق صفة سفيه من محجور عليه في المال. وهو مذهب الشافعي [[مذهب الشافعي في جواز الحجر على الرجل البالغ إذا كان مُبَذَّرًا مفسدًا لماله، كما سيأتي عند المؤلف في الصفحة التالية، وانظر: "الأم" 3/ 194 - 195.]]، وعكرمة [[سيورد المؤلف أثرًا عنه، وهذا القول ورد عن سعيد بن جبير، انظر: "الكشف والبيان" 4/ 10 ب، "الدر المنثور" 2/ 213 - 214.]] ، واختيار الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 13، وهذا القول اختيار ابن جرير أيضًا، انظر: "تفسير الطبري" 4/ 247.]].
قال عكرمة: هو مال اليتيم يكون عندك، يقول: لا تُؤتِه إيّاه وأنفِق عليه حتى يبلُغ [["الكشف والبيان" 4/ 10 ب، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 213.]].
فإن قيل على هذا القول: كيف أضاف الأموال إلى الأولياء وهي للسفهاء؟ قلنا: إنما أضاف إليهم؛ لأنها الجنس الذي جعله الله أموالًا للناس، فصار كقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128]، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54]، ردها إلى الجنس [[ما بين علامات التنصيص من قول: فإن قيل، إلى هنا: نقله المؤلف من الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 10 ب، 11 أ، مع أنه لم يعزُه إليه!.]].
قال أبو إسحاق [[هو الزجاج في "معانيه" 2/ 13.]]: إنما قيل أموالكم؛ لأن معناها الشيء الذي به قِوام أمركم، كما قال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 85]، ولم يكن الرجل منهم يقتل نفسه، ولكن كان بعضهم يقتل بعضًا، أي: تقتلون الجنس الذي هو جنسكم [[انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 13، 14.]].
وقال بعض النحويين: إذا اختلط المخاطب مع الغائب غُلِّب المخاطب، لذلك أضاف الأموال إليهم وهي للسفهاء، وهذا التفسير دليل على ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله من جواز الحجر على الرجل البالغ إذا كان مُبذِّرًا مُفسدًا لماله [[انظر: "الأم" 3/ 194 - 195، "تفسير ابن كثير" 2/ 491.]].
وقوله تعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. قال ابن عباس: يريد قيامًا لمعايشكم وصلاح دنياكم [[ثابت عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص 134، "تفسير الطبري" 4/ 249.
وتحقيق المروي عن ابن عباس لسور النساء والمائدة والأنعام 1/ 153، 154، لكن بلفظ بمعنى قوامكم في معايشكم.]].
قال أبو عبيدة [[في "مجاز القرآن" 1/ 117.]]: (قِيام) مصدر، ويجيء في معناه (قِوام)، وهو الذي يقيمك، وانما أذهبوا الواو لكسرة القاف كما قالوا: صِوار وصِيار [[انتهى من "مجاز القرآن" 1/ 117، ولعل فيه تصحيفًا في آخره، لأن آخر العبارة في "المجاز": كما قالوا: ضيًاء للناس وضوءًا للناس.]].
وبنو ضبة [[ضبة: حي من العرب يشمل عدة قبائل كصُرَيم وعائذة وبجالة وغيرها، وهذا الاسم مشتق من الضبة أي الأنثى، أو من الضبة الحديث. انظر: "الاشتقاق" لابن دريد ص 189، "اللسان" 4/ 2545 (ضبب).]] تقول في جمع طويل: طِيال، والعامّة على: طِوال [[من "الحجة" لأبي علي 3/ 130.
وقال الأزهري: وجمع الطويل: طِوال وطِيال، وهما لغتان، "تهذيب اللغة" 3/ 2156 (طال). وانظر: "مقاييس اللغة" 3/ 434 (طول)، "لسان العرب" 5/ 2725 (طول).]].
وإنما أعل القيام؛ لأنه مصدر قد اعتل فعله، فاتّبع الفعل في الإعلال، ومثله من المصادر الصِّيام والعِياذ والحِياكة، ونحو ذلك فيما [[في (د): (معًا).]] قلبت الواو فيه ياء؛ لأنها مصادر جارية على الفعل في الإعلال [[انظر: "الحجة" 3/ 133، "المُمتِع في التصريف" 1/ 64.]].
قال أبو علي: وأما القِوام الذي حكاه أبو عبيدة فإنه ينبغي أن يكون اسمًا غير مصدر، كالقَوام فيمن فَتح، ويجوز أن يكون مصدر قَاوم، كما أن (الغِوار مصدر غاور) [[كأنها في (أ) بالعين المهملة.]] [["الحجة" 3/ 133.]].
وقرأ نافع، وابن عامر: (قِيَمًا) [["السبعة" ص 226، "الحجة" لأبي علي 2/ 129، "الكشف" 1/ 76، "النشر" 2/ 247.]].
قال الأخفش: قِيامًا وقِوامًا وقِيمًا وقِومًا واحِد [[لم أجدء في "معاني القرآن"، ولعله أخذه من "الحجة" لأبي علي 3/ 130، 132، 133.]].
فالقِيَم عنده مصدر في معنى القِيام، وفِعَل يجيء في المصادر كالشِّبَع والرِّضَا [[انظر "الحجة" 3/ 130، 132، 133.]].
فإن قيل [[إيراد هذا الاستشكال والجواب عليه من "الحجة" لأبي علي 3/ 132، 133 بتصرف.]]: كيف اعتلّ وهو على وزنٍ ينبغي أن يصح معه ولا يعتلّ، كما لم يعتلّ العِوض والحِول، ونحو ذلك؟
والجواب: أن هذا الوزن لما جاء في الجمع مُتَّبعًا واحدَه في الإعلال، نحو: دِيمَةٍ ودِيَم، وحِيلَةٍ وحيَل، جاء أيضًا في المصدر متّبعًا للفعل فأعِلّ كما يعل الفعل؛ لأن (المصادر [[في (د): مصادر بدون (أل).]]) أشد اتّباعًا لأفعالها في الإعلال [[في "الحجة": الاعتلال.]] من الجمع للواحد. ولا يلزم على هذا (الوعد) و (الوزن) وبابه، فإنه لم يعل الواو فيه كما أعل في (بعد)؛ لأنه على بناء فِعَل، ولا طريق للإعلال عليه، وليس كذلك فِعَل؛ لأن الكسرة توجب الإعلال في الواو، ولا سيما إذا انضم إليها الإعلال [[في "الحجة": الاعتلال.]] في الفعل. ويمكن أن يحمل القِيَم على الشذوذ كما قُلبت الواو في (ثِيَرَة [[الأصل (نيره) والتصحيح من "الحجة".]])، وكما قالوا: طويل وطيال. في لغة بني ضبة، وكما قالوا: جِياد في جمع جواد، وكان حكمه أن تصح عينُه في الجمع، فكما شذّت هذه الأشياء عما عليه الاستعمال كذلك شذ قولهم: قِيَما [[انتهى جواب الإشكال من "الحجة" 3/ 132، 133 بتصرف.]].
وقول من قال إن (القِيَم) ههنا جمع (قِيمَة) لا وجه له [[انظر: "الحجة" 3/ 133.]].
والدليل على أن قِيَما ههنا مصدر بمعنى القِيام وليس بجمع قوله: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: 161]، ولا وجه لجمع القِيمة في وصف الدين به [[انظر: "الحجة" 3/ 131.]]، ونبين ذلك إذا انتهينا إليه إن شاء الله [[انظر: "البسيط" نسخة شستربتي 2/ ل، 138/ أ.]].
وذهب الكسائي إلى أن القيام ههنا اسم بمعنى القِوام، وهو ما يقوم به الشيء، وجعلهما لغتين بمعنى [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 11 ب.]].
واختاره ابن قتيبة، وقال: يقال: هذا (قِوام [[في النسختين: (أقوام)، وهو تحريف ظاهر.]]) أمرك وقيام أمرك: أي ما يقوم به أمرك [["غريب القرآن" ص 120.]].
ويقارب قول الزجاج هذا؛ فإنه قال: المعنى في هذه الآية: التي جعلها الله تقيمكم فتقومون بها قيامًا [["معاني الزجاج" 2/ 14.]].
ومن قرأ (قِيَما) فهو راجع إلى هذا، والمعنى: جعلها الله قيمةً للأشياء، فيها (تقوم أموركم [[في "معاني الزجاج": يقوم أمركم.]]) [[انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 14 بتصرف.]]. ولم يرتض أبو علي هذا القول في القيم كما ذكرنا.
وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد أنفقوا عليهم منها [[أخرجه ابن جرير 4/ 250، من طريق ابن جريج واسناده ضعيف. انظر "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 154.]].
ومعنى الرزق من العباد هو الإجراء الموظف لوقت معلوم، يقال: رَزَق فلانٌ عيالَه كذا وكذا، أي: أجرى عليهم. وإنما قال: (فيها) ولم يقل: منها؛ لأنه أراد (جعلوا [[هكذا في النسختين ولعله تصحيف، والصواب: اجعلوا كما في "الكشف والبيان" 4/ 11 ب.]]) لهم فيها رزقًا، كأنه أوجب ذلك لهم [["الكشف والبيان" 4/ 11 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 164.]].
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: 5]. قال ابن جريج ومجاهد: أي: عِدةً جميلةً من البر والصلة [[هذا معنى ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد وابن جريج، انظر: "تفسير الطبري" 4/ 251، "الدر المنثور" 2/ 214.]].
وقال ابن عباس: يِريد عدة حسنة، يقول: إذا رَبحتُ في سفري هذه فعلت [[في الأصل: (فقلت) وهو تصحيف ظاهر.]] بك ما أنت أهله، وإن غنمتُ في غزاتي أعطيتُك [[لم أجده عن ابن عباس، لكن رُوي نحوه عن عطاء. انظر: "الكشف والبيان" 4/ 11 ب، "معالم التزيل" 2/ 1645.]].
قال ابن زيد: هو الدعاء. يقول: عافانا الله وإياك، بَارك الله فيك [[طرف أثر عن ابن زيد أخرجه ابن جرير 4/ 251، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 11 ب، "الدر المنثور" 2/ 214.]].
وكل ما سكنت إليه النفوس وأحبته من دول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر [[كأنّ هذا من المؤلف -رحمه الله- جمع بين الأقوال وتفسير للآية بعمومها فإن العبرة بعموم اللفظ، وقد تَبع في ذلك شيخه الثعلبي كما في "الكشف والبيان" 4/ 12أ.]].
وقال الزجاج: أي علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 14.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences