Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:81–82
4:81Page 91
وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ٨١
And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allāh records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يعني المنافقين، في قول الحسن [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 402.]] والسدي [[أخرجه الطبري 5/ 178، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 332 أيضًا إلى ابن أبي حاتم.]]، والضحاك [[أخرجه الطبري 5/ 179، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 139.]]، وأكثر المفسرين [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 402، "النكت والعيون" 1/ 509، "الكشف والبيان" (4/ 90 ب، "معالم التنزيل" 2/ 254، "زاد المسير" 2/ 142.]].
قال ابن عباس: كانوا يقولون للنبي ﷺ: طاعة، يريدون أطعناك [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]].
وقال الكلبي: كانوا يقولون للنبي ﷺ: طاعة، يريدون: أطعناك.
وقال الكلبي: كانوا يقولون طاعة لأمرك [[هذان القولان للكلبي متقاربان، ويحتمل أنه تكرار في النسخ، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 370، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]].
وقال مقاتل: كانوا يقولون طاعةً لأمرك [[ليس في "تفسير مقاتل"، وإنما فيه قوله التالي، ويحتمل أن هذا تكرار لقول الكلبي السابق.]].
وقال مقاتل: كانوا إذا دخلوا على النبي ﷺ قالوا: مرنا بما شئت، فأمرك طاعة [["تفسيره" 1/ 392، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 370، "زاد المسير" 2/ 142.]].
وقال النحويون: معناه: أمرُنا طاعة [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 451، "معاني الزجاج" 2/ 81، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 437.]]، أي أمرنا وشأننا أن نُطيعك.
وقال بعضهم: منا طاعة [["معاني القرآن" للفراء 1/ 278، الطبري 5/ 177، "معاني الزجاج" 2/ 81، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 437.]]. وقال أبو إسحاق: والمعنى أنَّ إضمار أمرنا أجمع في القصة وأحسن [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81.]].
وقال الفراء: الرفع على قولك: منا طاعة، وأمرك طاعة [["معاني القرآن" للفراء 1/ 278.]]. قال: والطاعة اسم من أطاع، يقال: أطعته إطاعة وطاعة، كقولك: أطقته إطاقه وطاقة، وأجبته إجابة وجابة. ذكر ذلك في المصادر [[أي الكلام على اشتقاق "طاعة" ووزنه، وقد أشار إلى أنه من ذوات الواو في "معاني القرآن" 1/ 279.]].
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾. قال الكلبي: خرجوا من عندك [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]].
وقوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾. قال الزجاج: كل أمر فكر فيه (أو خيض) [[في المخطوط: "وأخيض" والتصويب من "معاني الزجاج" 2/ 101.]] فيه بليل فقد بيت، يقال: هذا أمر قد بيت بليل، ودبر بليل، بمعنى واحد. قاله في قوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: 108]، [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 101، "تهذيب اللغة" 1/ 250 (بيت)، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 195.]].
وقال في هذه الآية: كل أمر قضي بليل قيل: بيت [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81.]]، وهو قول أبي عبيدة [[في "مجاز القرآن" 1/ 133.]] وأبي العباس [[أي المبرد في "الكامل" 3/ 30.]] وجميع أهل اللغة، وأنشدوا: أتوني فلم أرض ما بيتوا ... وكانوا أتوني لأمر نكر [[البيت لعبيدة بن همام العدوي في "مجاز القرآن" 1/ 133، "الكشف والبيان" 4/ 90 ب، وغير منسوب في "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 127، "الكامل" 3/ 30، "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81.]]
وحُكي عن الأخفش أنه قال: العرب تقول للشيء إذا قدّر: قد بيت، يشبهونه بتقدير بيوت الشعر [["الكشف والبيان" 4/ 91 أ، "معالم التنزيل" 2/ 254، "التفسير الكبير" 10/ 195. وينسب نحو هذا الكلام لأبي عبيدة، انظر: "مقاييس اللغة" 1/ 325 (بيت) وقد تكون آخر كلمة: "الشعر" بكسر الشين وسكون العين.]].
وقال أهل اللغة: إنما قيل للتدبير بالليل تبييت لأنه تدبير في البيوت وقت البيتوتة [[انظر: "معجم مقاييس اللغة" 1/ 325 (بيت).]]، وذلك الوقت أخلى للأفكار. هذا كلام أهل اللغة في هذا الحرف.
فأما كلام المفسرين، فقال عطاء عن ابن عباس في قوله: بيت طائفة منهم غير الذي تقول: "يريد أضمروا في قلوبهم غير الذي تقول" [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 91 أ، "الوسيط" 2/ 633، "معالم التنزيل" 2/ 254، "زاد المسير" 2/ 143، "البحر المحيط" 3/ 304.]].
وقوله راجع إلى معنى التقدير؛ لأن إضمارهم الشيء تقدير منهم مع أنفسهم.
قال عبد الله بن مسلم [[أي: ابن قتيبة.]]: (ويقولون طاعة) بحضرتك، (فإذا خرجوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول) أي قالوا وقدروا ليلًا غير ما أعطوك نهارًا [["غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 127، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 254، "زاد المسير" 2/ 142.]].
وقال الكلبي: (بيت) غير طائفة منهم [["الكشف والبيان" 4/ 91 ب، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 402.]].
وقال قتادة: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يغيرون ما عاهدوا عليه النبي ﷺ [[أخرجه الطبري 5/ 178، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 80 ب، وقد عزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 332 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.]]. وكذلك قال الفراء في معنى التبييت، أنه بمعنى التغيير [[انظر: "معاني القرآن" 1/ 279.]].
وهذا التفسير راجع أيضًا إلى معنى التقدير؛ لأن: من قدّر شيئًا غير الأول فقد غير وبدل، وإنما يكون التبييت بمعنى التغيير إذا استعمل مع غير، يقال: بيت فلان غير ما قال إذا غيره ورجع عنه بتدبير وتقدير في نفسه.
وبعضهم يقول: إن التبييت في لغة طيّ يكون بمعنى التغيير [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 90 ب.]]، وينشدون:
وبيت قولي عبد المليك ... قاتلك الله عبدًا كفورًا [[البيت للأسود بن عامر الطائي كما في "تفسير الطبري" 5/ 271 وهو غير منسوب في "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 128، "الكشف والبيان" 4/ 90 ب، "زاد المسير" 2/ 143، القرطبي 5/ 289.]]
معنى بدلت وغيرت. وهذا لا يستقيم في معنى الآية؛ لأنك لو حملت الآية عليه كان المعنى غير طائفة أو النبي، على ما تذكر في تفسير: ﴿تَقُولُ﴾، وليس كذلك معنى الآية، لأنهم غيروا ما قالوه أو قاله النبي ﷺ لا غير ذلك، فقد بان لك أن التبييت إنما يستعمل بمعنى التغيير إذا كان مع غير.
وهذا ظاهر بحمد الله. والمفسرون فسروا ﴿بَيَّتَ﴾ بمعنى: غير، ذهابًا إلى المعنى، كما بينا.
وأما قوله: ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ فيدل كلام بعض المفسرين على أن ﴿تَقُولُ﴾ من فعل الطائفة، ويدل كلام بعضهم على أنه مخاطبة للنبي ﷺ وأنه القول له.
قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أضمروا في قلوبهم غير الذي تقول [[تقدم الأثر وعزوه، وانظر: "زاد المسير" 2/ 143.]].
وهذا التفسير محتمل لوجهين: أضمروا غير ما قلت لهم يا محمد. وأضمروا غير ما قالوا هم، على معنى أنهم أسروا غير ما أظهروا وأضمروا الخلاف عليك.
وقال الكلبي في قوله: ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾: غير ما أتيتهم به [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]].
وهذا يدل على أن القول للنبي ﷺ.
وقال الحسن في معنى قوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُول﴾: على وجه التكذيب [["النكت والعيون" 1/ 510.]]. وهذا أيضًا يدل على أن القول للنبي ﷺ؛ لأن المعنى أنهم كذبوا ما يقول لهم.
وقال قتادة في هذه الآية: يغيرون ما عاهدوا عليه النبي ﷺ [[تقدم تخريجه.]] وهذا يدل على أن القول للطائفة.
وقال الفراء: غير ما قالوا وخالفوا [["معانى القرآن" 1/ 279.]].
وقال عبد الله بن مسلم [[ابن قتيبة.]]: قدروا ليلًا غير ما أعطوك نهارًا [["غريب القرآن" ص 127، وانظر: "زاد المسير" 2/ 142.]].
وهذه الآية تقوي الطريقة الثانية في الآية الأولى، وهي أن معنى التولي في قوله: ﴿وَمَن تَوَلَّى﴾ إضمار العداوة والخلاف للنبي ﷺ.
وقال أبو إسحاق: هذا ونظائره في كتاب الله جل وعز من أبين آيات النبي ﷺ؛ لأنهم ما كانوا يخفون عنه أمرًا إلا أظهره الله عز وجل [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81.]].
وأكثر القراء قرأوا ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ بفتح التاء والإظهار [[هذه قراءة السبعة غير أبي عمرو وحمزة. انظر: "السبعة" ص 235، "الحجة" 3/ 173.]]، لانفصال الحرفين واختلاف المخرجين [["الحجة" 3/ 173، وانظر: "الكشف" 1/ 393، "زاد المسير" 2/ 142.]].
وقرأ حمزة (بيت طائفة) جزمًا مُدغمًا [[وقراءة أبي عمرو أيضاً. انظر: "السبعة" ص 235، "الحجة" 3/ 173.]]. قال الفراء: جزمها لكثرة الحركات، فلما سكنت التاء اندغمت في الطاء [["معاني القرآن" 1/ 279.]].
وقال غيره [[أبو علي في "الحجة" 3/ 173.]]: إن الطاء والتاء والدال من حيز واحد، فالتقارب الذي بينها يُجريها مجرى الأمثال [[في الحجة: "المثلين".]] في الإدغام [[ذهب هنا كلام من الحجة حذفًا أو سقطًا، وهو: "ومما يحسن الإدغام أن الطاء تزيد على التاء بالإطباق، فحسن إدغام الأنقص .. " إلخ.]] الأنقص صوتًا من الحروف في الأزيد بحسب قبح [[في المخطوط: "فتح" وما أثبته من الحجة، وهو أولى لمقابلته الحسن في إدغام الأنقص في الأزيد.]] إدغام الأزيد في الأنقص، ألا ترى أن الضاد لا تُدغم في مقاربها، ويدغم مقاربها فيها؟ وكذلك الصاد والسين والزاي لا يُدغمن في مقاربها، ويدغم مقاربها فيها، ويدغم بعضها في بعض [["الحجة" 3/ 173، وانظر: "الكشف" 1/ 393، "زاد المسير" 2/ 142.]].
وذُكر في تخصيص طائفة من جملة المنافقين بالتبييت وجهان: أحدهما: أنه ذكر من علم أنه يبقى على كفره ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فإنه لم يذكرهم.
والثاني: أن هذه الطائفة كانوا قد أسهروا ليلهم في التبييت وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا، فلم يذكروا [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 91 أ، "زاد المسير" 2/ 143، "التفسير الكبير" 10/ 195.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾. ذكر أبو إسحاق فيه وجهين: أحدهما أن معناه ويُنزله إليك في كتابه.
والثاني يحفظ عليهم ليُجازوا به [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81، وانظر: "زاد المسير" 2/ 143.]].
وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد فاصفح عنهم [[انظر: "زاد المسير" 2/ 143، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]] وذلك أن الله تعالى نهى عن قتل المنافقين [[وذلك في أول الإسلام ثم نسخ بالأمر بقتالهم وذكر ذلك عن ابن عباس. انظر "زاد المسير" 2/ 143.]].
وقال أبو إسحاق: أي لا تسم هؤلاء بأعيانهم، لما أحب الله من ستر أمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر الإسلام [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81.]].
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ قال عطاء: يريد: واصبر على خلافهم [[لم أقف عليه.]].
وقال ابن كيسان: اعتمد بأمرك عليه [[لم أقف عليه.]].
وقال أهل اللغة: معنى (توكل على الله) أي علم أن الله كافل أمره فركن إليه وحده [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3947 (وكل).]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ الوكيل في اللغة معناه الموكول إليه، وهو فعيل بمعنى مفعول [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3947، "اللسان" 8/ 4910 (وكل).]].
وقال ابن كيسان: وكفى باللهِ معتمدًا وملجأ.
وقال عطاء: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ يريد لمن توكل عليه [[لم أقف عليه.]].
وقال بعضهم: الوكيل القائم بما يُفوض إليه من التدبير.
قال المفسرون: كان الأمر والمعاني [...] [[حصل سقط وخلط في المخطوط فقد بتر الكلام وأتي مباشرة بتفسير وسط الآية 83 - 86 من هذه السورة، وقد وجدت بعد ذلك بلوحة كثيراً من تفسير الآية 82 أو أكثره أو كله، فقدمت تفسير الآية 82 في الصفحة هنا وأخرت ما قدم في المخطوط من تفسير الآية 83 وما بعده.]].
4:82Page 91
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢
Then do they not reflect upon the Qur’ān?1 If it had been from [any] other than Allāh, they would have found within it much contradiction.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ معنى التدبير والتدبر في اللغة النظر في العواقب [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 82، "تهذيب اللغة" 2/ 1143، "مقاييس اللغة" 2/ 324، "الصحاح" 2/ 655 (دبر).]]، ومنه قول الأكثم [[في المخطوط: "الأكثر" والتصويب من "تهذيب اللغة" 2/ 1143 (دبر) وأكثم هو بن صيفي بن رباح بن الحارث التميمي الحكيم المشهور، أحد المعمرين، أدرك الإسلام وقصد المدينة ليسلم فمات في الطريق في نحو سنة 9 هـ. انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص (210)، "أسد الغابة" 1/ 134، "الإصابة" 1/ 110، "الأعلام" 2/ 6.]] ألا [[في "تهذيب اللغة" 2/ 1143، "اللسان" 3/ 1321 (دبر): "لا"، ولعله هو الصواب كما سيأتي من بيان لقول أكثم.]] تتدبروا أعجز [[في "التهذيب": "أعجاز".]] الأمور قد ولت صدورها [["تهذيب اللغة" 2/ 1143، "اللسان" 3/ 1321 (دبر)، "التفسير الكبير" 10/ 196، وقال الأزهري مبينًا قول أكثم: "يقول: إذا فاتكم الأمر لم ينفعكم الرأي، وإن كان محكمًا".]].
ويقال لمن نظر في أمر قد أدبر: استدبر فلان أمره، ويقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، أي: لو عرفت في صدره ما عرفت في عاقبته [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1143 (دبر)، "التفسير الكبير" 10/ 196، "اللسان" 3/ 1321 (دبر).]].
وقال الزجاج: معنى تدبرت الشيء: نظرت في عاقبته، وسمي النحل دبرًا لأنه يعقب ما ينتفع به. والمال الكثير دبر، لأنه يبقى للأعقاب والأدبار [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 82، وانظر: "زاد المسير" 2/ 144.]].
ومعنى الآية: أفلا يتأملون القرآن ويتفكرون فيه.
قال ابن عباس: وما فيه من المواعظ والذكر والأمر والنهي [[انظر: "زاد المسير" 2/ 144، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]].
وقال الزجاج: يعني به المنافقون [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 82.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد لو كان من عند مخلوق لكان فيه كذب واختلاف وباطل [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 91 ب، "زاد المسير" 2/ 144، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]].
وقد بين الزجاج وكشف عن هذا المعنى فقال: لو كان ما يُخبرون به مما بينوا وما يسرون فيوحى إلى النبي ﷺ لولا أنه من عند الله لكان الإخبار به مختلفًا؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 82.]]. فالاختلاف على هذا التفسير معناه الكذب.
وقال قتادة وابن زيد في قوله: ﴿اخْتِلَافًا﴾: أي تناقضًا من جهة حق وباطل [[هذا معنى قولهما، وقد أخرجه ابن جرير 5/ 179 - 180، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 140، "النكت والعيون" 1/ 510، "الدر المنثور" 2/ 332.]]. وهذا القول معناه كالأول؛ لأنَّ تأويله: أنه لو كان من عند غير الله لكان ما فيه من الإخبار عن الغيب بعضه حقًا وبعضها باطلًا.
وقال بعض أهل المعانى: قوله: ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا﴾ أي من جهة بليغ ومرذول [["النكت والعيون" 1/ 510، ونسبه الماوردي لبعض البصريين، وانظر: "زاد المسير" 2/ 145.]]. يعني أنه لو كان من عند مخلوق لكان على قياس كلام العباد، بعضه بليغ حسن وبعضه مرذول فاسد، فلما كان جميع القرآن بليغًا عرف أنه من عند الله.
ومعنى الاختلاف في اللغة: أن يذهب أحد الشيئيين خلاف ما ذهب إليه الآخر، والأقوال المختلفة أن يذهب بعضها إلى الخطأ وبعضها إلى الصواب، أو بعضها إلى الحسن البليغ وبعضها إلى المرذول القبيح.
وليس بحمد الله في القرآن اختلاف تناقض، ولا اختلاف تفاوت، بأن يكون بعضها حسنًا وبعضه قبيحًا.
فأما اختلاف القراءات، واختلاف مقادير الآيات والسور، واختلاف الأحكام في الناسخ والمنسوخ فكلٌّ صواب وكله حق، وليس ذلك اختلافًا يؤدي إلى فساد وتناقض، بل هو اختلاف يوافق بعضه بعضًا في الحسن [[ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام جيد يوضح هذا المعنى ويؤكده، فمما قال حول ذلك: "الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان: أحدهما: أن يُعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبة تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمَّى ... كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله ﷺ وأسماء القرآن.
الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه ....
ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملًا للأمرين، إما لكونه مشتركًا في اللفظ كلفظ (قسورة) الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد. ولفظ (عسعس) الذي يراد به إقبال الليل وإدباره ... " "مجموع الفتاوى" 13/ 333 - 340، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 305.]].
وقال ابن عباس في رواية الكلبي عنه في هذه الآية: أفلا يتفكرون في القرآن فيرون بعضه يُشبه بعضًا، ويصدق بعضه بعضًا، وأن أحدًا من الخلائق لم يكن يقدر عليه، فيسلمون بذلك أنه من عند الله، إذ لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا أي تفاوتًا وتناقضًا كثيراً [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]].
فجعل الاختلاف في هذا القول اختلاف التناقض.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences