Al-Wahidi (al-Basit)An‑Nisa · 4:85–88

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:85–88

4:85Page 91

مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا ٨٥

Whoever intercedes for a good cause will have a share [i.e., reward] therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a portion [i.e., burden] therefrom. And ever is Allāh, over all things, a Keeper.1

قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾. اختلفوا في هذه الشفاعة، ما هي، وما معناها، فقال ابن عباس في رواية عطاء: "يريد من يوحد الله مخلصًا يكن له نصيب منها، يريد الجنة" [[لم أقف عليه. وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]].

وتفسير هذا القول ما قال الضحاك: من آمن بالتوحيد، وقاتل أهل الكفر، فقد شفع شفاعة حسنة. وقال: نزلت في أبي جهل [[تقدمت ترجمته.]]، فإنه لم يزل يُعين المشركين على المسلمين، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ [[لم أقف عليه، وقد فسر ابن جرير الآية بنحو ذلك. انظر: "تفسير الطبري" 5/ 185، و"زاد المسير" 2/ 150.]].

قال ابن عباس: يريد الشرك بالله [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]].

قال الضحاك: يعني من آمن بالشرك، وكفر بالتوحيد، فقد شفع شفاعة سيئة [[لم أقف عليه.]].

فقول الضحاك تفسير لقول ابن عباس.

والأصل في الشفاعة الشفع الذي هو ضد الوتر، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة، فمعنى الشفاعة على ما ذكر الضحاك [[في المخطوط: (للضحاك)، والظاهر أن لا مكان لحرف الجر.]] أن يشفع إيمانه بالله تعالى بقتال أهل الكفر، وهو الشفاعة الحسنة. والشفاعة السيئة أن يشفع إيمانه بالشرك بكفره بالتوحيد. وابن عباس ذكر في تفسيره أحد الشفعين في كل واحد من الجانبين، حتى ذكر الضحاك الشفع الثاني.

ويؤكد هذا التفسير أيضًا ما رواه المنذري عن أبي الهيثم في قوله:

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾: أي يزيد عملًا إلى عمل. قال: والشفع الزيادة [[من "تهذيب اللغة" 2/ 1897 (شفع)، وانظر: "اللسان" 4/ 2290 (شفع).]]. وذهب مقاتل إلى أن معنى الشفاعة ههنا الشفاعة إلى الله تعالى بالدعاء [[انظر: "النكت والعيون" 1/ 512، و"زاد المسير" 2/ 150، وفي "تفسير مقاتل" 1/ 394 " ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: 85] لأخيه بخير" فليس فيه تخصيص الدعاء.]].

واعتمد في ذلك على ما رواه أبو الدرداء [[هو الصحابي الجليل عويمر بن عامر (وقيل: ابن مالك أو ثعلبة أو عبد الله أو زيد) ابن قيس بن أمية الأنصاري الخزرجي، شهد أحدًا وما بعدها، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمان الفارسي. توفي سنة 32 هـ أو 33 هـ انظر: "الاستيعاب" 3/ 298، و"أسد الغابة" 4/ 318، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 235، و"الإصابة" 3/ 45.]]، عن النبي ﷺ أنه قال: "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك" [[أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء رقم (2732)، باب: فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب.]] فذلك النصيب، ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ هي الدعوة عليه بضد ذلك.

ويؤكد هذا التفسير ما روي عن بعضهم أنه قال: كانت اليهود تدعو على المسلمين، فتوعدهم الله تعالى بهذه الآية [[انظر: "النكت والعيون" 1/ 510، و"زاد المسير" 2/ 150، و"التفسير الكبير" 10/ 207.]].

وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هذه الشفاعة بين الناس بعضهم لبعض [[أخرج الأثر عن الحسن، ومجاهد، وابن زيد، الطبري 5/ 186. وأخرجه أيضاً عن الحسن، ومجاهد، ابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 335، وهو في "تفسير مجاهد" 1/ 167.

أما الكلبي فيرى أن المراد بالشفاعة: الإصلاح بين اثنين. كما سيأتي عند المؤلف.]].

قال الكلبي: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ يصلح بين اثنين يكن له أجرٌ منها ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ يمشي بالنميمة وبالغيبة يكن له إثمٌ فيها [["بحر العلوم" 1/ 372، و"زاد المسير" 2/ 150، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]].

وقال مجاهد: (شفاعة حسنة) و (شفاعة سيئة): شفاعة الناس بعضهم لبعض [["تفسيره" 1/ 167، وأخرجه الطبري 5/ 186، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 335.]].

قال الحسن: ويجوز في الدين أن يشفع فيه، فهو شفاعة حسنة كان له فيها أجران، وإن لم يشفع، لأن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾ ولم يقل: (من يُشَفَّع) [[أخرجه الطبري 5/ 186، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 2/ 335.]].

يؤيد [[كأن هذِه الكلمة في المخطوط: "ويزيد" والصواب ما أثبته. انظر: "الوسيط" 2/ 640.]] هذا قوله ﷺ: "اشفعوا تؤجروا" [[الحديث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: قول الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ الآية 7/ 80، ومسلم في كتاب: (2627) البر والصلة، باب: استحباب الشفاعة ولفظه: "اشفعوا فلتؤجروا" الحديث.]].

وأما الكفل فقال أبو عبيدة والفراء وجميع أهل اللغة: الكفل الحظ، ومنه قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: 28]، معناه: حظَّين [["مجاز القرآن" 1/ 135، وفسر الكفل بالنصيب، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 280.]].

وقال الزجاج. الكفل في اللغة النصيب، أخذ من قولهم. أكفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساءً وركبتُ عليه، وإنما قيل له كفل، واكتفل البعير، لأنه لم يستعمل الظهر كله، إنما استعمل نصيبًا من الظهر [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 85، و"تهذيب اللغة" 4/ 3166 (كفل)، و"زاد المسير" 2/ 150.]].

وقال ابن المظفر: الكفل من الأجر والإثم الضِّعف، يقال: له كفلان من الأجر، ولا يقال: هذا كفل فلان، حتى تكون هيَّأت لغيره مثله، كالنصيب، فإذا أفردت فلا تقل: كفل ولا نصيب، ولكن: حظ [["العين" 5/ 373، و"تهذيب اللغة" 4/ 3166 (كفل).]].

فأما المفسرون فقال مجاهد: الكفل: النصيب [[لم أقف عليه.]]. وهو قول السدي والربيع وابن زيد [[أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 186، 187، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 512، و"زاد المسير" 2/ 150، و"الدر المنثور" 2/ 336.]].

وقال الحسن والكلبي وقتادة ومقاتل: الكفل الوزر والإثم [[أخرجه عن قتادة: الطبري 5/ 186، 187، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور"، وعن الحسن انظر: "تفسير الهواري" 1/ 404، و"النكت والعيون" 1/ 512، وعن الكلبي، انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91، وعن مقاتل انظر "تفسيره" 1/ 394.]].

فالقول الأول مثل قول أهل اللغة، والقول الثاني معناه: حظ من الإثم والوزر، والحظ من الإثم والوزر وزر وإثم، فلذلك قيل في تفسير الكفل: الإثم والوزر.

وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: 85].

اختلفوا في معنى المقيت، فقال الفراء: المقيت المقتدر، والمقدِّر أيضًا، كالذي يُعطي كل رجل قوته [["معاني القرآن" 1/ 280.]].

ونحو ذلك قال عبد الله بن مسلم: المقيت المقتدر، أقات على الشيء، إذا اقتدر عليه، وأنشد: وذي ضِغْنٍ كففتُ النفس عنهُ ... وكُنتُ على مساءتِه مُقِيتًا [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 129. ونسب البيت للزبير بن عبد المطلب كما في الطبري 5/ 188، و"النكت والعيون" 1/ 513، والقرطبي 5/ 296، وجاء في "زاد المسير" 2/ 150، و"الدر المنثور" 2/ 336 أنه لأحيحة الأنصاري، وفي "اللسان" 6/ 3769 (قوت) نسب لأبي قبيس بن رفاعة.

و"ضغن" من الضغن وهو الحقد. انظر: "اللسان" 5/ 2592 (ضغن).]]

قال أبو بكر: على هذا أهل اللغة، قال بعض فصحاء المعمرين:

ثم بعد الممات ينشر من ... على النشر يا بني مُقيتُ [[في "تهذيب اللغة" 3/ 3069 (قوت) وفي الشطر الأول: "ينشرني من" وفي الشطر الثاني: "هو على النشر ... "، وكذا في "اللسان" 6/ 3769 (فوت)، ولم أقف على قائله.]]

معناه: من هو مقتدر.

ويقوي هذا القول ما قاله ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾: "يريد قادرًا" [[انظر: "زاد المسير" 2/ 151، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91، و"الدر المنثور" 2/ 336.]]، وهو قول السدي وابن زيد: المقيت: المقتدر [[أخرج ذلك بنحوه: الطبري 8/ 584، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 512، و"زاد المسير" 2/ 151، و"الدر المنثور" 2/ 136.]]، واختيار الكسائي [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 147.]] والنضر بن شميل، وأنشد النضر:

تجلَّد ولا تجزع وكن ذا حفيظةٍ ... فإني على (...) لمقيت [[لم أقف عليه، وما بين القوسين غير واضح في المخطوط.]]

أي: قادر.

وقال آخرون: المُقيت الحفيظ. وهو قول ابن عباس [["تفسيره" ص 152، وأخرجه الطبري 5/ 187.]] وقتادة [[انظر: "زاد المسير" 2/ 151.]].

واختيار أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 85.]]، لأنه مشتق من القُوت، يقال: قُتُّ الرجل أقوتُه قَوْتًا، إذا حفظت نفسه بما تقوته. والقوت اسم للشيء الذي يحفظ نفسه ولا فضل فيه، على قدر الحفظ. فمعني المقيت -والله أعلم- الحفيظ الذي يُعطي للشيء قدر الحاجة من الحفظ [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 85، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 3069 (قوت)، و"زاد المسير" 2/ 151.]].

وقال الكلبي في قوله: ﴿مُقِيتًا﴾ مجازيًا بالحسنة والسيئة [[انظر: "النكت والعيون" 1/ 513، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]]. وهذا أيضًا راجع إلى معنى الحفظ؛ لأنه إنما يحفظ أعمال العباد ليجازي عليها.

وحُكي بعضهم أن هذا من القوت، ومعنى المقيت الذي عليه قوت كل دابة ورزقها [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 373.]].

قال الفراء: يقال: أقات الشيء إقاتة، وقات أهله يقوتهم قياتة وقوتًا، والقوت الاسم، وجاء في الحديث: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت" و"يقيت" [["معاني القرآن" 1/ 280.

والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" 2/ 160، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وكذا الحاكم في "مستدركه" 1/ 415، وصححه، ووافقه الذهبي.]].

قال أبو بكر: وعلى هذا القول قوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ علي زائدة للتوكيد، ومن شأنهم أن يزيدوا ﴿عَلَى﴾ للتوكيد، وأنشد لحميد [[هو أبو المثنى حميد بن ثور بن حزن الهلالي، تقدمت ترجمته.]]: أبى الله، إلاَّ أنَّ سَرْحَة مالكٍ ... على كُلِّ أفنانِ العِضَاهِ تَروقُ [[البيت في "أدب الكاتب" ص 418، و"المسائل الحلبيات" ص 270، و"أسد الغابة" 2/ 60.

و"سرحة مالك" امرأته. والسرحة في الأصل نوع من شجر العضاه، والأفنان: الأنواع، والعضاه: نوع من الشجر له شوك عظيم، وتروق: تفوق كل الأنواع.]]

قال: أراد كل أفنان العضاه تروق، وأكد الكلام بعلى. وقال: المقيت الشهيد وهذا عائد إلى معنى الحفيظ [[لم أقف على قول ابن الأنباري.]].

4:86Page 91

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا ٨٦

And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed Allāh is ever, over all things, an Accountant.

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ الآية. التحية تفعلةٌ من حيَّيتُ [["معاني الزجاج" 2/ 86، وانظر: "اللسان" 2/ 1078 (حيا).]]، وكان في الأصل تَحيية، مثل التوصية والتسمية. والعرب تؤثر التفعلة على التفعيل في ذوات الأربعة، نحو قوله: ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: 94]، ولا يكاد يأتي على: تفعيل، إلا أن ينطق بجوازه شعر [[انظر: "الدر المصون" 4/ 57.]]، كما قال [[حصل في المخطوط نسخة شستربتي هنا خلط بالتقديم والتأخير، فقد بتر الكلام هنا من تفسير الآية 86 وأتى بعده بتفسير الآية 82 وذلك في لوحة 14 ب، وقد وجدت تتمة تفسير الآية 86 في لوحة 16 أفأثبته هنا بعد قوله: "كما قال:".]]:

فهي تُنَزي دلوها تَنزيًّا [[هذا صدر بيت، وعجزه: "كما تنزي شهلةً صبيًّا".

ولم أهتد إلى قائله، وهو في "الخصائص" 2/ 302، و"الدر المصون" 4/ 57 وفيها: "باتت" بدل "فهي".]]

أي تنزية.

وكذلك التحية، كان: تحييه، فأدغموا الياء في الياء [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 86، و"تهذيب اللغة" 1/ 951، و"اللسان" 2/ 1078 (حيا)، و"الدر المصون" 4/ 57.]]، "كما استحبوا ادغام: حيّ وعيّ [[من عيي يعيا عن حجته، انظر: "اللسان" 6/ 3201 (عيا).]]، للحركة اللازمة في الياء الأخيرة، وإذا سكنت الياء الأخيرة لم يجز الإدغام بمثل: يحيي ويعيي، وقد جاء في بعض الشعر الإدغام، وليس بالوجه، وهو قوله:

تمشي بسدة بيتها فتعيّ [[عجز بيت صدره:

وكأنها بين النساء سبيكة

أورده الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 651 (حي) لكن بلفظ: "فتحي" بدل "فتعي" وهو أقرب للحرف هنا. وأورده كما عند المؤلف في "اللسان" 2/ 1076 (حيا).

قال الأزهري: لا يعرف قائله. وسدة البيت: بابه، انظر: "الصحاح" 2/ 486 (سدد).]]

وهذا الإدغام منكر عند البصريين" [[من "تهذيب اللغة" 1/ 951 (حي) بتصرف يسير، وانظر: "اللسان" 2/ 1076 (حيا)، 6/ 3201 (عيا)، و"الدر المصون" 4/ 57.]]. وسنذكر هذا مشروحًا عند قوله: ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: 42] إن شاء الله.

وأما معنى التحية في اللغة: فهو السلام [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 148، و"بحر العلوم" 1/ 373، و"اللسان" 2/ 1079 (حيا).]]، وأشعار العرب ناطقة بهذا المعنى. قال عنترة [[تقدمت ترجمته.]]:

حُييت من طلل تقادم عهده ... البيت [[صدر بيت، وعجزه:

أقوى وأقفر بعد أم الهيثم= ديوان عنترة ص 16. الطلل: ما شخص من آثار الديار، "اللسان" 5/ 2697 (طلل).]] وقال الآخر:

إنا محيوك يا سلمى فحيينا [[لم أقف عليه.]]

ومعنى قول المصلي: "التحيات لله" أي السلام من الآفات لله [["تهذيب اللغة" 1/ 955 (حي)، وانظر: "اللسان" 2/ 1079 (حيا)، والقرطبي 5/ 297.]]. ومن هذا قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: 44].

هذا هو (.. [[كلمة غير واضحة في المخطوط، وقد تكون: الكلام.]] ..) في التحية.

ويسمى الملك أيضًا تحية [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 255 (حي)، و"اللسان" 2/ 1079 (حيا).]]، لأن الملك يحيا بتحية الملك المعروفة للملوك التي يباينون فيها غيرهم، وهي قولهم في الجاهلية: أنعم صباحًا، وأبيت اللعن، وقول عمرو [[هو أبو ثور عمرو بن معدي كرب بن عبد الله الزبيدي، تقدمت ترجمته.]]:

[.............] حتى ... أُنيخَ على تحيَّته بجُندي [[عجز بيت، وصدره:

أسيرها إلى النعمان حتى

"غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 74، و"تهذيب اللغة" 1/ 255 (حي)، و"اللسان" 2/ 1079 (حيا).

وعند المؤلف في المخطوط القافية بدون ياء، وأثبتها لإجماع المصادر عليها.]]

معناه: على ملكه [["غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 75، و"تهذيب اللغة" 1/ 255 (حي).]].

وأما قول زهير بن جناب [[هو زهير بن جناب الكلبي الكناني، تقدمت ترجمته.]]:

من كل ما نال الفتى ... قد نلتُه إلا التحيهْ [[البيت في "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 75، و"الشعر والشعراء" ص 240، و"طبقات الشعراء" ص 37، و"تهذيب اللغة" 1/ 255 (حي)، و"اللسان" 2/ 1079 (حيا).]]

فقيل فيه أنه المُلك [["غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 75، و"تهذيب اللغة" 1/ 255.]]، وقيل البقاء [["تهذيب اللغة" 1/ 955 (حي)، و"اللسان" 2/ 1078 (حيا).]]، والبقاء له تحية، لأن من سلم من الآفات بقي. وقال أبو الهيثم: يريد إلا السلام من المنية والآفات، فإن أحدًا لا يسلم من الموت على طول البقاء [["تهذيب اللغة" 1/ 955 بتصرف، و"اللسان" 2/ 1078 (حيا).]].

قال الأزهري: (والعرب تسمي) [[ما بين القوسين ليس واضحًا في المخطوط، والتسديد من "تهذيب اللغة" 1/ 956 (حى).]] الشيء باسم غيره إذا كان منه أو من سببه.

فالتحية بمعنى المُلك، وبمعنى البقاء صحيح. وقولهم: "حياك الله" أي أبقاك الله صحيح، من الحياة وهو البقاء [["تهذيب اللغة" 1/ 955 (حي) بتصرف، وانظر: "اللسان" 2/ 1078 (حيا)]].

نجد من هذا أن معنى التحية في الأصل الدعاء بالحياة، ثم صار بمعنى السلام، ثم صار أيضًا اسمًا للملك والبقاء، على ما بينا. هذا كلام أهل اللغة في معنى التحية.

فأما التفسير: فقال ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء:86]: "يريد السلام" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]].

﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾

اختلفوا في هذا: فمنهم من ذهب إلى أن هذا التخيير في أهل الإسلام خاصة، وليس لأهل الكفر مدخل في رد التحية عليهم [[تفرد بهذا القول عطاء، أخرج قوله الطبري 5/ 189، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 513، والقرطبي 5/ 303، و"الدر المنثور" 2/ 337.]].

والأكثرون والجمهور على أن قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ المراد بها المسلمون، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ إذا كان المسلم من غير أهل الإسلام [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 280، والطبري 5/ 189، و"بحر العلوم" 1/ 373، و"الكشف والبيان" 4/ 94، و"النكت والعيون" 1/ 513.]].

قال الكلبي: أمر الله المسلمين برد السلام على من سلم عليهم بأحسن مما سلم عليهم، وهو الزيادة على التحية إن كان المسلم من أهل دينهم، أو بمثل الذي سلم إن كان من غير أهل دينهم، وهو أن يقول: عليكم. ولا يزيد على ذلك [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]].

وقال أبو روق: أما (أحسن منها) فعلى أهل دينك، وأما ﴿رُدُّوهَا﴾ فعلى أهل الكتاب [[لم أقف عليه، وورد نحوه عن قتادة والحسن، انظر: الطبري 5/ 189 - 190، و"الدر المنثور" 2/ 337.]].

وقال الزجاج: عن عطاء: (أحسن منها) في أهل الإسلام ﴿رُدُّوهَا﴾ على أهل الشرك [[ليس في "معاني القرآن وإعرابه"، وهو خلاف المعروف عن عطاء كما مر قريباً حيث تفرد بأن هذه الآية في أهل الإسلام خاصة.]].

وقال ابن عباس: و (أحسن منها) أن يرد: ورحمة الله وبركاته، يرد على المؤمنين خاصة [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]].

وقال: (الضحاك) [[غير واضح تماما في المخطوط.]]: إذا قال: السلام عليكم، فقلت: عليكم السلام ورحمة الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله، فقلت: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقد حييته بأحسن منها. وهذا منتهى السلام [[في "الوسيط" 2/ 643، وانظر: "زاد المسير" 2/ 152.]].

قال الحسن: دخل رجل على النبي ﷺ فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال النبي ﷺ: وعليك. ودخل آخر فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله ﷺ وعليكم السلام ورحمة الله، ودخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال رسول الله ﷺ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقام الأول فقال: يا رسول الله: سلمت عليك فلم تزدني على: "وعليك" وقال هذا: السلام عليكم. فزدته، وقال هذا: السلام عليكم ورحمة الله، فزدته. فقال رسول الله ﷺ: إنك لم تترك من السلام فرددت عليك، وهذان تركا شيئًا منه فزدتهما [[لم أجد هذا الحديث عن الحسن إلا في "النكت والعيون" 1/ 513، وقد أخرج نحوه من حديث سلمان الفارسي -رضي الله عنه- الطبري 5/ 190، وأحمد في "الزهد" وابن المنذر والطبراني وابن مردويه، وسنده حسن. انظر: ابن كثير 1/ 583، و"الدر المنثور" 2/ 336.]].

فدل هذا الحديث على أن السلام انتهى إلى البركات [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 86، والبغوي 2/ 257، وابن كثير 1/ 583.]].

ثم أعلم أن السلام في الأصل سنة، والرد فريضة [[قال ابن كثير 1/ 584: "هو قول العلماء قاطبة، أن الرد واجب" وانظر: الطبري 5/ 191.]] على الكفاية، فإذا سلم رجل على جماعة فالأحسن أن يرد جميعهم جوابه، فإن رد واحد منهم أسقط القرض عن الآخرين كسائر فروض الكفايات [[هذا مذهب مالك والشافعي، أن الرد من فروض الكفاية، وذهب آخرون إلى أن الرد من الفروض المتعينة.

انظر: "التفسير الكبير" 10/ 214، والقرطبي 5/ 298.]].

والسنة أن يستتبع شيئًا من كلمات السلام. والسنة في الجواب الزيادة [[كما دل عليه الحديث المتقدم.]]، ولو رد كالابتداء سقط عنه القرض، لقوله تعالى: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾.

والسنة أن يسلِّم الراكب على الماشي والقائم على القاعد، كذا قال رسول الله ﷺ [[عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير". أخرجه مسلم (2160) كتاب: السلام، باب: يسلم الراكب ... (4/ 1703) ح 1.]].

والسنة في السلام الجهر والإفشاء، وكذلك في الجواب [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 213، والقرطبي 5/ 303.]]، والاقتصار على الإشارة ليس من السنة [[هذا مذهب الشافعية، وعند بعض العلماء تكفي الإشارة إذا كان على بعد. انظر: القرطبي 5/ 303.]]. والمصافحة عادة رسول الله ﷺ وإذا تصافح المسلمان عند السلام تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر، كذا في الخبر عن رسول الله ﷺ [[المأثور أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقما". أخرجه أبو داود من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه (5212) كتاب: الأدب، باب: في المصافحة، والترمذي (2727) كتاب الاستئذان، باب: ما جاء في المصافحة وقال: "هذا حديث حسن غريب" وابن ماجه (2703) كتاب: الأدب، باب. المصافحة وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" 5/ 182.]].

ومن ورد عليه سلام في كتاب فجوابه فرض عليه في الجواب [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 215. وورد عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يؤيد هذا. انظر: "الدر المنثور" 2/ 339.]].

ولو قال المبتدئ: عليكم السلام فقد سلم وتحتم الجواب وإن قلت العادة في اللفظ [[انظر: القرطبي 5/ 300، 301، و"المجموع شرح المهذب" 4/ 461.]].

وإن قال المبتدئ: السلام عليكم، فقال المجيب: السلام عليكم، فقد أجاب. وأنت في اللفظ بالخيار، وكذلك في تعريف السلام وتنكيره، وعند التحلل من الصلاة لابد من الألف واللام.

وإذا استقبلك رجلٌ واحد فقل: سلام عليكم، واقصد الرجل والملكين، فيردان عليك [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 213.]].

وإذا دخلت بيتًا خاليًا فسلِّم على نفسك من الله تعالى (¬3).

وليس للمسلم أن يسلِّم على الكافر، فإن سلَّم الكافر فليقل: وعليكم، ولا يزيد على هذا [[انظر: الطبري 5/ 190، و"بحر العلوم" 1/ 373، و"النكت والعيون" 1/ 513، و"التفسير الكبير" 10/ 214.]]، وقد روي أن جماعة من اليهود دخلوا على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم -يعنون الموت-، فقال رسول الله ﷺ: وعليكم، ففطنت عائشة فقالت: وعليكم السام والذام [[الذام: أي الذم والعيب. انظر: "الفائق" 2/ 124، و"اللسان" 3/ 1516 (ذمم).]] والداء واللعنة، فقال رسول الله ﷺ: "يا عائشة قد رددت عليهم، وإني استجاب فيهم ولا يُستجابون" [[أخرجه بنحوه البخاري (¬6024) كتاب: الأدب، باب: الرفق، في الأمر كله == 7/ 80، ومسلم (2165) كتاب السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم.]].

ومن وضع السلام غير موضعه لم يستحق جوابًا، مر رجل برسول الله ﷺ وهو يقضي حاجته، فسلم عليه، فقام رسول الله إلى جدارٍ فتيمم ورد الجواب ثم قال: لولا أني خشيت أن تقول: سلمت عليه فلم يرد علي، لما رددتُ عليك، إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تُسلِّم علي، فإنك إن سلمت علي لم أرد عليك [[هذا الحديث ذكره الرازي في "التفسير الكبير" 10/ 214، والقرطبي 5/ 304، دون عزوٍ لأحد، ولم أجد من خرجه.

وقد جاء في كراهة السلام على من يقضي الحاجة: ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً سلم على النبي ﷺ وهو يبول، فلم يرد عليه "يعني السلام". أخرجه الترمذي (2720) كتاب: الاستئذان، باب ما جاء في كراهية التسليم على من يبول 5/ 71، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".]].

وفي هذا دليل على أن الطهارة مستحبة لجواب السلام والابتداء بالسلام وفي جميع الأحوال، ولهذا قال رسول الله ﷺ: "ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" [[أخرجه ابن ماجه (277) كتاب: الطهارة، باب المحافظة على الوضوء وغيره، وقال الألباني في "صحيح الجامع" 1/ 322: "صحيح".]].

وإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب، فلا ينبغي أن يُسلِّم لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلَّم فرد بعضهم عليه فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 214.]]. لما روي أن رسول الله ﷺ كان يصلي في مسجد الخيف والناس يدخلون ويسلِّمون عليه فيرد عليهم، فقيل: كيف كان يرد عليهم؟ فقال: إشارة [[لم أقف عليه.]].

وقال بعض السلف. من دخل الحمام فرأى الناس متَّزرين سلَّم عليهم، وإن لم يكونوا متزرين لم يُسلِّم عليهم [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 214.]].

والأولى ترك السلام على القارئ لاشتغاله بالتلاوة، فإن سلَّم عليه إنسان كفاه الإشارة، وإن أراد أن يرد الجواب رده ثم استأنف الاستعاذة وعاود التلاوة [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 214. وقال النووي: "وهذا الذي قاله ضعيف، والمختار أن يُسلم عليه ويجب الرد باللفظ". "المجموع" 4/ 470.]].

ولا ينبغي أن يسلم على المؤذن عند اشتغاله بالأذان.

ورد السلام يكون على الفور، فإن أخر انقضى الوقت وأثم بترك القرض، فإذا أجاب بعد فوت الوقت كان ذلك ابتداء سلام لا جوابًا [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 215، و"الأذكار" للنووي ص 279.]].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: 86] قال ابن عباس: "يريد مجازيًا" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.]] ومثله قال الحسن في الحسيب [[لم أقف عليه.]].

وقال مجاهد وقتادة وأبو العالية حفيظًا [[عن مجاهد في "تفسيره" 1/ 168 وأخرجه عنه الطبري 5/ 191، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 512، و"الدر المنثور" 6/ 339. وأما عن قتادة، وأبي العالية، فلم أقف عليه.]]. وذلك أنه يحصى العمل إحصاء الحافظ له الذي لا يشذ [[في المخطوط: "يشد" بالدال المهملة.]] عنه شيء.

ويكون الحسيب بمعنى المُحاسب، وقد ذكرنا هذا في أول السورة.

وقال الزجاج: أي يعطي كل شيء من العلم والحفظ والجزاء مقدار مما يحسبه، أي يكفيه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 86.]].

وهذا الذي قاله جامع للأقوال، لأنه بمعنى يعلم كل شيء ويحفظ كل شيء ويجازى على كل شيء، علمًا كافيًا، وحفظًا كافيًا، وجزاء كافيًا.

4:87Page 92

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧

Allāh - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allāh in statement.

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ هذه لام القسم، كأنه قيل: والله ليجمعنكم [["معاني الزجاج" 2/ 87، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 373، و"زاد المسير" 2/ 152.]]، ومعنى ليجمعنكم: أي: في الموت، أو في النشور إلى يوم القيامة، أي: ليضمنكم إلى ذلك اليوم ويجمعن بينكم وبينه بأن يجمعكم فيه [[انظر: الطبري 5/ 191، و"معاني الزجاج" 2/ 87، و"بحر العلوم" 1/ 373.]].

قال أبو إسحاق: جائز أن تكون سميت القيامة؛ لأن الناس يقومون من قبورهم، وجائز أن تكون سميت القيامة؛ لأنَّ الناس يقومون للحساب، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 6] [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 87 بتصرف، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 514، و"زاد المسير" 2/ 152.]].

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.

قال ابن عباس: "يريد موعدًا" [[أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 645، ولم أقف عليه.]]. أي: لا يخلف لوعده.

وقال مقاتل: لا أحد أصدق من الله في أمر البعث [["تفسيره" 1/ 394، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 312.]].

وإنما جاء النفي ههنا بأداة الاستفهام؛ لأن جوابه يكون على معنى النفي فيما تقتضيه حجة العقل، فجاء هذا على المظاهرة برد الإنسان فيه إلى حجة عقله، وكان ذلك أبلغ من إخباره به، وهذا كما يقول القائل: ومن أفضل منِّي؟ فيقول من يصدقه ويعرف صدقه في ذلك: لا أحد أفضل منك. فكان هذا أبلغ من أن يقول: أنا أفضل الناس. ومضى مثل هذا فيما تقدم.

والحديث ما يُحَدِّث به المحدث، والحديث الجديد من الأشياء [["تهذيب اللغة" 1/ 756، وانظر: "الصحاح" 1/ 278 (حدث).]] الذي لم يكن فحدث، وبه سمي حديثًا لأنه ذكرٌ لم يكن ثم حدث، وما يخبر الله تعالى به يجوز أن يسمى حديثًا على معنى حدوثه بالإخبار عنه، فقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ كقولك: ومن أصدق من الله إخبارًا أو خبرًا وقلًا وقيلًا، كلها متقارب.

ومن هذا المعنى سمي القرآن حديثًا في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: 23] لحدوث تلاوته فيما بيننا، فأما نفس كلام الله تعالى فقديم، لم يزل الباري تعالى ذكره متكلمًا.

4:88Page 92

۞ فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ٨٨

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites,1 while Allāh has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned.2 Do you wish to guide those whom Allāh has sent astray? And he whom Allāh sends astray - never will you find for him a way [of guidance].3

قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.

قال ابن عباس وأكثر المفسرين: نزلت في قوم قدموا على النبي ﷺ مسلمين، فأقاموا بالمدينة ما شاء الله، ثم قالوا: يا رسول الله إنا اجتوينا المدينة، فأذن لنا حتى نتبدا [[أي: نلحق بالبادية، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 87.]]. فإذن لهم رسول الله ﷺ، فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة، حتى لحقوا بالمشركين، فتكلم المؤمنون فيهم، فقال بعضهم: لو كانوا مسلمين مثلنا لأقاموا معنا وصبروا كما نصبر، وقال قوم: هم مسلمون حتى نعلم أنهم بدَّلوا. فبين الله تعالى نفاقهم في هذه الآية. وهذا معنى قول الحسن ومجاهد [[عن مجاهد بمعناه في "تفسيره" 1/ 168، وأخرجه الطبري 6/ 193. == وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 585، و"الدر المنثور" 2/ 340 - 341. وقد نسب هذا القول لكل من الحسن، ومجاهد: الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 515، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 154.]].

وإنما وصفوا بالنِّفاق وقد أظهروا الارتداد عن الإسلام واللحوق بالمشركين؛ لأنهم نُسبوا إلى ما كان عليه قبل من إضمار الكفر.

وانتصاب فئتين على الحال عند البصريين [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 451، و"معاني الزجاج" 2/ 88، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 442.]]. قال سيبويه: إذا قلت: ما لك قائمًا، فإنما معناه لم قمت، ونصبته على تأويل: أي شيء يستقر لك في هذه الحال [["معاني الزجاج" 2/ 88.]].

وقال الفراء: نصبه على معنى خبر كان، إذا قلت: مالك قائمًا، كأنك قلت: لم كنت قائمًا. قال: ولا تبال أكان المنصوب معرفةً أو نكرة، يجوز في الكلام أن تقول: مالك الناظر في أمرنا. وعنده يجوز: مالك القائم [["معاني القرآن" 2/ 281 بتصرف، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 88.]].

قال الزجاج: مالك القائم. خطأ؛ لأن القائم معرفة، لا يجوز أن تقع حالًا، و"ما" حرف من حروف الاستفهام لا يعمل عمل كان. قال: ولو جاز: مالك القائم، لوجب أن يجوز: ما عندك القائم، وما بك لقائم، وبإجماع لا يجوز: ما بك القائم، فما لك القائم مثله لا فرق في ذلك [["معاني الزجاج" 2/ 88.]].

ومعنى الآية: ما لكم مختلفين في هؤلاء المنافقين.

قال الزجاج: أمر الله جل وعز أن يتَّفق المسلمون على تكفير من احتال على رسول الله ﷺ وخالفه فقال: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء:88] أي: أيّ شيء لكم في الاختلاف في أمرهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 87، 88.]].

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾.

قال الفراء: يقول ردهم إلى الكفر [["معاني القرآن" 1/ 281، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 153.]]، قال: وركسهم لغة [[في "معاني القرآن" 1/ 281: "وهي في قراءة عبد الله وأبي ﴿وَاللَّهُ رَكَسَهم﴾ وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 153.]].

قال أبو عبيد [[في المخطوط: "أبو عبيدة" وهو خطأ.]]: يقال: ركست الشيء وأركستُه لغتان، إذا رددته [["غريب الحديث" 1/ 166، و"تهذيب اللغة" 2/ 1460 (ركس).]].

والرَّكس قلب الشيء على رأسه، (أَوْرَدُّ) [[في المخطوط: "أورده" والصواب ما أثبته لاستقامة الكلام، وكما في المصادر التالية.]] أوله إلى آخره، والارتكاس الارتداد [["العين" 5/ 310، و"تهذيب اللغة" 2/ 1460 - 1461 (ركس)، وانظر: "الصحاح" 3/ 936 (ركس)، و"التفسير الكبير" 10/ 219.]]، وقال أمية [[تقدمت ترجمته.]]:

فاركسوا في حميم النار إنهم ... كانوا عصاةً وقالوا الإفك والزورا [["ديوانه" ص 408، والطبري 5/ 192، و"الدر المنثور" 2/ 342.]]

ومن هذا يقال للرَّوث الركس، لأنه رد إلى حال النجاسة، ولهذا المعنى سمي رجيعًا [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 219.]].

وإجماع أهل اللغة أن الركس والإركاس بمعنى، وأن تأويله النَّكس والرد، والمنكوس والمركوس واحد [[انظر: "العين" 5/ 310، و"تهذيب اللغة" 2/ 1460 - 1461، و"الكشف والبيان" 4/ 95 ب و"التفسير الكبير" 10/ 219.]].

قال الزجاج: تأويل ركسهم في اللغة [[تكررت في (ش): (في اللغة) وهو سهو من الناسخ.]]: نكسهم وردهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 88.]]، والمعنى: أنه ردهم إلى حكم الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق، وذلك أن المنافق ما دام متمسكًا في الظاهر بالشهادتين لم يكن لنا سبيل إلى دمائهم، وكذلك فعل رسول الله ﷺ، وكان قد أعلم بنفاق المنافقين، وذكر عددهم لحذيفة [[تقدمت ترجمته.]]، وعاش خلق بعد رسول الله ﷺ، فإذا أظهروا الارتداد عادوا إلى حكم الكفار، وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾.

وقوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾.

قال ابن عباس: "يريد تُرشدوا من لم يرشده الله" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 92.]].

ومعنى هذا أنه ليس إليكم هداية من أضل الله، وهؤلاء ممن ضلهم الله فلا يرشدهم أحد.

وقال الزجاج: [أي أتقولون] [[طمس هذا الموضع في (ش)، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 88.]] إنَّ هؤلاء مهتدون والله جل وعز قد أضلهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 88.]].

فمعنى ﴿تَهْدُوا﴾ على هذا تسموا [[هكذا في المخطوط ولعل الصواب: "تسموهم".]] مهتدين وتجعلوهم مهتدين (.. [[في المخطوط طمس يمثل كلمة أو كلمتين.]] ..) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: 88] قال ابن عباس: "يريد دينا" [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 92.]]. وقال الزجاج والسدي: أي (....) [[بياض في (ش) وعند الزجاج في "معانيه" 2/ 88: "أي طريقًا إلى الحجة".]].

والمعنى أنه لا ينفعه هداية هاد له.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском