Al-Wahidi (al-Basit)Az‑Zukhruf · 43:71–89

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:71–89

43:71Page 494

يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٧١

Circulated among them will be plates and vessels of gold. And therein is whatever the souls desire and [what] delights the eyes, and you will abide therein eternally.

قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ دليل على القول الآخر على تأويل الذين آمنوا يقال لهم: ادخلوا الجنة، ويطاف عليهم.

وقوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾ قال: تكرمون وتنعمون.

قال الكلبي: تكرمون إكرامًا يبالغ فيه [[انظر: "تنوير المقباس" ص 494.]]. والحبرة المبالغة فيما وصف بجميل [[قال في "تهذيب اللغة" (حبر) 5/ 32 روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "يخرج رجل من النار قد ذهب حِبْرُه وسِبْرُه". قال أبو عبيد قال الأصمعي: حِبْرُه وسِبْرُه: هو الجمالُ والبهاءُ. يقال فلان حَسَن الحبرِ والسِّبْرِ.]]، وهذا مما سبق تفسيره في سورة الروم [آية: 15] ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾، قال مقاتل: بأيدي غلمان [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 802.]].

﴿بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ قال الكلبي: بقصاع [[انظر: "تنوير المقباس" ص 494.]]، قال الليث: الصحيفة شبه قصعة مُسْلَنْطِحَة عريضة، والجمع الصحاف [[قال ابن سيده: (الصحفة: شبه قصعة مُسْلَنْطِحَةَ عريضة وهي تشبع الخمسة ونحوهم). انظر: "اللسان" (صحف) 9/ 187، وانظر: قول الليث في "كتاب العين" (صحف) 3/ 120، "تهذيب اللغة" (صحف) 4/ 254.]].

قال الأعشى:

والمَكَاكِيكُ والصحَافُ من الفضـ ... ـضةِ والضامِراتُ تحت الرِّحالِ [[انظر: "ديوان" الأعشى ص 41، "تهذيب اللغة" (صحف) 4/ 254، "اللسان" (صحف) 9/ 187.]]

قوله تعالى: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾، قال الفراء: الكوب المستدير الرأس الذي لا أذن له، وأنشد لعدي [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 37، والبيت لعدي بن زيد بن حماد بن أيوب من زيد مناة بن تميم. انظر: "معاني الفراء" 3/ 37، "تهذيب اللغة" (كوب) 10/ 400، "الدر المصون" 6/ 106، "اللسان" (صفق) 10/ 203، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 114.]]:

مُتَّكِئًا تُصْفَقُ أبوابُهُ ... يَسْعَى عَلَيْه العَبْدُ بالكُوبِ

وقال أبو عبيدة: الأكواب الأباريق التي لا خراطم لها [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 206.]].

وقال أبو إسحاق: واحدها كوب وهو إناء مستدير لا عروة له [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 419.]].

قال ابن عباس: هي الأباريق التي ليس لها آذان [[لم أقف عليه.]]، وقال مقاتل: يعني الأكواب التي ليست لها عرا مدورة الرأس [[انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 238، "تفسير مقاتل" 3/ 802.]].

وقوله تعالى: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ وقرئت: ﴿تَشْتَهِيهِ﴾ بإثبات الهاء، قال المبرد: الأصل إثبات الهاء والحذف استخفاف، وهو حسن كثير، كما تقول: الذي ضربت زيد، والأصل ضربته، وإنما استخفوا في هذا الموضع حذف المفعول لأن (الذي) اسم، وضربت اسم الفاعل، والهاء المفعول، فلما اجتمع ذلك استخفوا الحذف، وكان المجيء بالهاء مع (ما) أحسن منه مع (الذي)؛ لأن (الذي) أطول من (ما)، ولأن (ما) مبهمة تقع للمؤنث والمذكر، والمجيء بالهاء يفصل بينهما، والذي والتي تنبيان عن أنفسهما فيستغنى عن الهاء، وفي هذا دليل على حسن قراءة من قرأ (تشتهيه) [[انظر: "الحجة" لابن خالويه ص 323، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 262، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 654، وهي قراءة: نافع وابن عامر وحفص عن عاصم. "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 120، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: ﴿تَشْتَهِي﴾ بغير هاء.]].

وقال أبو علي الفارسي: حذف هذه الهاء من الصلة في الحسن كإثباتها، إلا أن الحذف يرجح على الإثبات بأن ما كان من هذا النحو في التنزيل جاء على الحذف، من ذلك قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: 41] ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: 59] {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} [هود: 43] و ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: 69]. ويقوي الحذف من جهة القياس أنه اسم قد طال، والأسماء إذا طالت فقد يحذف منها كما حذفوا من اشهيباب، واحميرار، الياء لطول الاسم، وقد جاءت مثبتة في قوله: ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 158.]].

قوله تعالى: ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ قال الكسائي: يقال للشيء: يلذ بالكسر لَذَاذًا ولذاذة بفتح اللام فيهما، فإذا كنت أنت الفاعل كان فعلت منه مكسورًا، ويفعل مفتوحًا، تقول: لَذِذْتُ الشيء أَلَذُّه، مثل استلْذَذته [[انظر: "الصحاح" للجوهري (لذذ) 2/ 575، "اللسان" (لذذ) 3/ 506.]].

قال مقاتل [[قول مقاتل هذا غير موجود في "تفسيره" لهذه الآية 3/ 802.]]: وفيها ما تشتهي الأنفس من شيء وتلذ الأعين، أنه ما من شيء تشتهيه نفس أو استلذته عين إلا وهو في الجنة، وقد عبر الله بهذين اللفظين عن جميع نعيم أهل الجنة، فإنه ما من نعمة إلا وهي تصيب النفس أو العين يستحسن بالعين أو يستطاب بالنفس، ثم تمم هذه النعم بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لأنها لو انقطعت لم تطب، فإن الشيء إذا طاب بعضه [بناه] [[كذا رسمها وهي غير منقوطة.]]، فإذا دام كان أطيب له.

43:72Page 494

وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧٢

And that is Paradise which you are made to inherit for what you used to do.

وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ يعني الجنة التي ذكرها في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ [[كذا في الأصل وهو تصحيف ونص الآية ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الأعراف: 43].]] وقد ذكرنا في رواية الجنة قولين في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ وابن عباس قال في هذه الآية: خلق الله لكل نفس جنة ونارًا، والكافر يرث نار المؤمن، والمؤمن يرث جنة الكافر.

43:73Page 494

لَكُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ كَثِيرَةٞ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٣

For you therein is much fruit1 from which you will eat.

No commentary for this ayah

43:74Page 495

إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ٧٤

Indeed, the criminals will be in the punishment of Hell, abiding eternally.

No commentary for this ayah

43:75Page 495

لَا يُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ وَهُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٥

It will not be allowed to subside for them, and they, therein, are in despair.

No commentary for this ayah

43:76Page 495

وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٦

And We did not wrong them, but it was they who were the wrongdoers.

قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾، وقال الكلبي ومقاتل: وما ظلمناهم بتعذيبهم، وما عذبناهم على غير ذنب [[انظر: "تنوير المقباس" ص 495، "تفسير مقاتل" 3/ 802.]].

﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم لما جنوا عليها من الشرك والكفر، قال أصحابنا: ولا يتصور الظلم من الله تعالى لأنه متصرف في ملكه على الإطلاق، كيف ما تصرف، وإنما الظلم أن يفعل الفاعل ما ليس له فعله و ﴿هُمُ﴾ في قوله: ﴿هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ عماد وفصل [[﴿هُمْ﴾ هاهنا فصل كذا يسميها البصريون، وهي تأتي دليلاً على أن ما بعدها ليس بصفة لما قبلها، وأن المتكلم يأتي بخبر الأول، ويسميها الكوفيون العِماد، وهي عند البصريين لا موضع لها في رفع ولا نصب ولا جر. انظر: "معاني الزجاج" 4/ 419.]].

43:77Page 495

وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ ٧٧

And they will call, "O Mālik,1 let your Lord put an end to us!" He will say, "Indeed, you will remain."

﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ قال ابن عباس: يريد خازن جهنم [[أخرج ذلك الطبري عن السدي. انظر: "تفسيره" 13/ 99، ونسبه ابن الجوزي 7/ 329 للمفسرين، وذكره السمرقندي في "تفسيره" 3/ 213 ولم ينسبه، وذكره القرطبي 16/ 116 ولم ينسبه.]].

﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ قال الكلبي: ليقض علينا الموت.

وقال مقاتل: لينزل علينا ربك الموت، والمعنى أنهم توسلوا بمالك إلى الله تعالى ليسأل الله تعالى ليميتهم حتى يستريحوا من شدة العذاب، فيسكت عنهم مالك ولا يجيبهم أربعين سنة في قول الكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" ص 495، "تفسير مقاتل" 3/ 802.]]، وألف سنة فيما روي عن ابن عباس [[أخرج ذلك الطبري 13/ 99 عن ابن عباس ، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 448، وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح، وذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 222، والقرطبي في "الجامع" 16/ 117.]].

قال القرظي: لا يجيبهم ثمانين سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون، ثم يلحظ إليهم بعد الثمانين فيقول [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 117.]]: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، قال مقاتل: يقول مقيمون في العذاب [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 803.]].

43:78Page 495

لَقَدۡ جِئۡنَٰكُم بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَكُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٨

We had certainly brought you the truth, but most of you, to the truth, were averse.

قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ وهو من قول مالك لهم فيها فيما ذكر مقاتل، و [[كأن في الكلام سقطًا هاهنا ولفظه (قال).]] غيره من المفسرين هو من كلام الله تعالى في مخاطبة الكفار يقول [[كأن في الكلام سقطًا هاهنا ولفظه (لقد أرسلنا) هذا لفظها عند الطبري. انظر: "تفسيره" 13/ 99.]]: إليكم يا معشر قريش محمدًا -ﷺ- [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 99، "تفسير البغوي" 7/ 223.]]. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد كلكم كارهون لما جاء به محمد -ﷺ- [[ذكر ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 330، والقرطبي في "الجامع" 16/ 118، وذكره المؤلف في "الوسيط" 4/ 82 عن ابن عباس.]].

43:79Page 495

أَمۡ أَبۡرَمُوٓاْ أَمۡرٗا فَإِنَّا مُبۡرِمُونَ ٧٩

Or have they devised [some] affair?1 But indeed, We are devising [a plan].

قوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا﴾ الإبرام معناه في اللغة الأحكام. يقال: أبرمت الأمر، أي أحكمته [[انظر: اللسان (برم) 12/ 43.]]، قال مجاهد ومقاتل: أم أجمعوا أمرًا فإنا مجمعون [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة بهذا اللفض، وأخرجه عن مجاهد بلفظ: (مجمعون) إن كادوا شرًّا كدنا مثله. انظر: 13/ 100، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 595.]]، والمعنى بل أحكموا أمرًا في كيد محمد والمكر به، فإنا محكمون أمرًا في مجازاتهم.

قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم في المكر به في دار الندوة [[هي دار بمكة أحدثها قصي بن كلاب بن مرة لما تملك مكة وهي دار كانوا يجتمعون فيها للمشاورة، وجعلها بعد وفاته لابنه عبد الدار بن قصي، ولفظه: مأخوذ من الندى والنادي والمنتدى، وهو مجلس القوم الذين يندون حوله، أي: يذهبون قريبًا منه ثم يرجعون، وقد أصبحت دار الإمارة في زمن معاوية بن أبي سفيان. انظر: "معجم البلدان" 2/ 423.]] [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 803.]].

وهو ما ذكر الله في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: 30]. وقد ذكرنا القصة [[في سورة الأنفال: آية 30.]]. قال أبو إسحاق: أم أحكموا عند أنفسهم أمرًا من كيد أو شر فإنا محكمون مجازاتهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 420.]].

43:80Page 495

أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ ٨٠

Or do they think that We hear not their secrets and their private conversations? Yes, [We do], and Our messengers [i.e., angels] are with them recording.

﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ ما [يسرونهم] [[كذا لفظها في الأصل، ولعل الصواب (يسرونه).]] من غيرهم مما يتناجون به بينهم. ﴿بَلَى﴾ نسمع ذلك، ﴿وَرُسُلُنَا﴾ من الملائكة، يعني الحفظة، ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾.

43:81Page 495

قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٞ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَٰبِدِينَ ٨١

Say, [O Muḥammad], "If the Most Merciful had a son, then I would be the first of [his] worshippers."1

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ كثرت الوجوه في هذا التفسير، فالأصح منها، والذي عليه أكثر أهل العلم قول مجاهد، قال: يقول إن كان لله ولد في قولكم، فأنا أول من عبد الله ووحده [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 595، "تفسير الطبري" 13/ 101، "الماوردي" 5/ 240 "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 119.]]، واختاره الزجاج فقال: إن كان للرحمن ولد في قولكم كما قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ [النحل: 27] أي في قولكم، والله -عز وجل- لا شريك له [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 420.]]. والمعنى إن كنتم تزعمون أن للرحمن ولدًا جل وعز فأنا أول الموحدين؛ لأن من عبد الله واعترف أنه إلهه فقد دفع أن يكون له ولد، واختاره ابن قتيبة فقال: لما قال المشركون لله ولد ولم يرجعوا عن مقالتهم بما أنزل الله على رسوله من التبرؤ من ذلك، قال الله لرسوله: قل لهم إن كان للرحمن ولد أي عندكم وفي ادعائكم فأنا أول العابدين؛ أي: أول الموحدين، ومن وحد الله فقد عبده، ومن جعل له ولدًا وندًا فليس من العابدين، وإن اجتهد، ومنه قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] أي ليوحدون [[انظر: "مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة 2/ 124.]]، واختاره الأزهري أيضًا فقال: المعنى إن كان للرحمن ولد في دعواكم، فالله -عز وجل- واحد لا شريك له، وهو معبودي الذي لا ولد له ولا والد [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (عبد) 2/ 231.]].

الوجه الثاني: أن يكون ﴿الْعَابِدِينَ﴾ من عبد بمعنى غضب، قال ابن عباس: إن كان للرحمن ولد كما تزعمون فأنا أول من غضب للرحمن أن يقال: له ولد [[ذكر ذلك البغوي 7/ 223 ولم يشبه، وانظر: "تفسير الماوردي" 5/ 241، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 120.]] وأنشد:

متى ما يَشَأ ذُو الوُدِّ يَصْرِمْ خَلِيلَه ... وَيعْبَدْ عليه لا محالَة ظَالِما [[لم أقف على قائل هذا البيت، والشاهد فيه قوله: ويعبد عليه: أي يغضب عليه. وقد استشهد ابن جرير في "تفسيره" 13/ 102 بالبيت نفسه. وكذلك استشهد به ابن عطية 14/ 278، وكذلك استشهد به السمين الحلبي في "الدر المصون" 6/ 108 ونسبه محققو "الدر" للمرقش الأصغر. انظر: "المفضليات" ص 502.]] قال: يريد وغضب، وهذا صحيح في اللغة، قال النضر: العبد: طول الغضب [[انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 238.]].

وروى أبو عبيد عن الفراء: عَبَدَ عليه وأحِنَ، أي: غضب [[انظر: "اللسان" (عبد) 2/ 275.]]، والعَبَد يكون بمعنى الأنف، ومنه قول الفرزدق:

وأَعْبَدُ أَنْ أهْجُو كُلَيْبًا بِدَارِم [[هذا عجز بيت، وصدره:

أولئك قوم إن هجوني هجوتهم

والشاهد قوله: أعبد. أي آنف، وقد ورد البيت في "اللسان" (عبد) 3/ 275، وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 206، "المحتسب" لابن جني 2/ 258، "الدر المصون" 6/ 108، "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 238.]]

أي: آنف [[انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 238 وهي كذا في الأصل ولعله سقط لفظ (قال).]]، ابن الأعرابي في قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي الغضاب، وهذا قول أبي عبيدة والمبرد في (العابدين) هاهنا: أنه معنى الآنفين ولكن (إن) عندهم قوله: ﴿إِنْ كَانَ﴾ بمعنى: (ما) قالوا: ومعنى الآية: ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين أي: الآنفين مما قلتم والمنكرين له.

قال أبو عبيدة: ومجاز الفاء في أنا مجاز الواو [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 206.]].

وقال الكسائي: يقال: رجل عابِد وعَبِدُ، وآنِف وأنِفُ. [[انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 230، فقد نقل قول الكسائي.]]

وقال ابن قتيبة: يقال عَبِدتُ من كذا أعبدُ عَبَدًا [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 401.]]، وأكثر ما يأتي الأسماء من فَعِلَ يفعل على فَعَل كالوجل والفزع، وربما يأتي عليها نحو: صدٍ صاد، وكذلك عبد وعابد.

وذهب قوم إلى أن (إن) بمعنى: (ما)، و (العابدين) من العبادة وهو قول الكلبي [[انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 230 فقد نقل قول الكلبي.]] ومقاتل، والمعنى: ما كان للرحمن ولد [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 805.]] فأنا أول العابدين، يعني: أول الموحدين من أهل مكة، واختاره ابن الأنباري فقال: معناه: ما كان للرحمن ولد، والوقف على الولد، ثم تبدأ فتقول: فأنا أول العابدين له، على أنه لا ولد له [[انظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 886.]]، والوقف على العابدين تام. وهذا قول الحسن وقتادة [[انظر: قول ابن الأنباري بنصه في "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 231، وكذلك قولي الحسن وقتادة. وانظر: "المكتفى" للداني ص 511.]].

وفي الآية قول آخر ذكره السدي فقال: قال الله تعالى لمحمد -ﷺ-: قل لهم إن كان للرحمن ولد كما تقولون، لكنت أول من يعبده ويطيعه [[انظر: قول السدي في "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 230، "المكتفي" للداني ص 511.]]، أي: إن كان له ولد فأنا أول من عبده بأن له ولدا، ولكن لا ولد له، ومعنى هذا القول: لو كان له ولد لعبدته، كما تقول: لو دعت الحكمة إلى عبادة غير الله لعبدته ولكنها لا تدعو إلى عبادة غيره، كما تقول: لو دل الدليل لقبلت به، ولكنه لا يدل، فهذا تحقيق لنفي الولد.

وقول آخر في الآية يروى عن ابن عيينة أنه سئل عن هذه الآية فقال: يقول فكما أني لست أول من عبد الله، فكذلك ليس لله ولد [[انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 230، "تفسير الوسيط" 4/ 83.]]، وهذا كما تقول إن كنت [كاذبًا]، [[كذا في الأصل، وفي "الوسيط" 4/ 83 بلفظ (كاتباً) وهو الصواب.]] فأنا حاسب، تريد لست أنت كذا ولا أنا، وتأويل الآية ليس للرحمن ولد كما لست أنا أول من عبد الرحمن، فقد عبده قبلي ناس، هذا وجه ما ذكره ابن عيينة، وهو حسن صحيح في معنى الآية.

43:82Page 495

سُبۡحَٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٨٢

Exalted is the Lord of the heavens and the earth, Lord of the Throne, above what they describe.

ثم نزه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.

قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ قال مقاتل: عما يقولون من الكذب.

43:83Page 495

فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٨٣

So leave them to converse vainly and amuse themselves until they meet their Day which they are promised.

﴿فَذَرْهُمْ﴾ يعني كفار مكة حين كذبوا بالعذاب في الآخرة عصوا في باطلهم ولهوا في دنياهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 805.]]. ﴿حَتَّى يُلَاقُوا﴾ يوم القيامة.

43:84Page 495

وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٞۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٤

And it is He [i.e., Allāh] who is [the only] deity in the heaven, and on the earth [the only] deity. And He is the Wise, the Knowing.

قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ قال قتادة: يعبد في السماء ويعبد في الأرض [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: "تفسيره" 13/ 104، ونسبه ابن الجوزي لمجاهد وقتادة. انظر: "زاد المسير" 7/ 233.]]، قال مقاتل: يوحد في السماء ويوحد في الأرض [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 806.]].

وقال المبرد: تأويله والله أعلم: رَبّ من هناك، ورَبّ من هاهنا كقوله: سبحان الله [[لم أقف على قول المبرد.]]، ونحو هذا قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 3]، وقد مر الكلام فيه مستقصى.

قال أبو علي: نظرت فيما يرتفع به (إله) فوجدت ارتفاعه يصح بأن يكون خبر مبتدأ محذوف من الصلة راجع إلى الموصول كأنه: وهو الذي في السماء هو إله، وتقدير هذا الحذف من الصلة هنا حسن لطولها، وقد استحسن الخليل ذلك، فإذا كان التقدير على هذا ارتفع هذا المحذوف بالابتداء و ﴿إِلَهٌ﴾ خبره والظرف الذي هو قوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ متعلق بقوله: ﴿إِلَهٌ﴾ وموضعه نصب وإن كان مقدمًا عليه، ألا ترى أنهم قد أجازوا كل يوم ثوب فاعمل فيه، والمعنى مقدم. والمعنى: إنما هو عن الإخبار بالآلهة لا عن الكون في السماء، أي: أنه تعالى اسمه يقصد بالعبادة في السماء والأرض. انتهى [[ذكر ذلك في "الوسيط" عن أبي علي الفارسي 4/ 83، ولم أقف عليه عند أبي علي.]].

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ لأن خَلْق السموات والأرض يدل على الحكمة والعلم.

43:85Page 495

وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٥

And blessed is He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them and with whom is knowledge of the Hour and to whom you will be returned.

No commentary for this ayah

43:86Page 495

وَلَا يَمۡلِكُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٨٦

And those they invoke1 besides Him do not possess [power of] intercession; but only those who testify to the truth [can benefit], and they know.2

قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ ذكر المفسرون في هذه الآية قولين:

أحدهما: إن الذين يدعون من دونه هم عزير وعيسى والملائكة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء والكلبي، وقول مجاهد ومقاتل [[انظر: "تفسير مجاهد" 596. وأخرجه الطبري 13/ 105 عن مجاهد، وانظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 92 أ، "تفسير مقاتل" 3/ 806، "زاد المسير" 7/ 334.]]، وقال ابن عباس: يريد أن الملائكة لا تشفع إلا لمن شهد بالحق [[لم أقف عليه.]]، وقال مجاهد: لا يشفع عيسى ولا عزير ولا الملائكة إلا من شهد بالحق [["تفسير مجاهد" ص 596، وأخرجه الطبري 13/ 105 عن مجاهد.]].

وقال مقاتل: قال النضر بن الحرث ونفرٌ معه: إن كان ما يقول محمد حق، فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد، فأنزل الله هذه الآية، يقول: لا تقدر الملائكة الذين تعبدونهم لأن يشفعوا لأحد، ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 806، "تفسير الماوردي" 5/ 242، "زاد المسير" 7/ 233.]] والمعنى على هذا القول: لا يشفع هؤلاء إلا لمن شهد بالحق، فأضمر اللام [[انظر: "الدر المصون" 6/ 108، "تفسير ابن عطية" 14/ 281.]] أو يقال التقدير: إلا شفاعة من شهد بالحق فحذف المضاف، وهذا على لغة من يعدي الشفاعة بغير لام فيقول: شفعت فلانًا، بمعنى شفعت له، كما تقول: كلمته وكلمت له، ونصحته ونصحت له.

القول الثاني: أن الذين يدعون من دونه كل معبود من دون الله، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ عزير وعيسى والملائكة، وهذا قول قتادة قال: إنهم عبدوه من دون الله ولهم شفاعة عند الله ومنزلة [[أخرج ذلك الطبري 13/ 105 عن قتادة، وانظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 92 ب، "زاد المسير" 7/ 334.]]، ومعنى ﴿مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: من شهد أنه لا إله إلا الله وحده وأن محمدًا عبده ورسوله [[ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" عن ابن عباس. انظر: 16/ 122.]]، وقال مقاتل: إلا من شهد بالتوحيد من بني آدم [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 806]].

﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الله واحد لا شريك له فيشفعون لهؤلاء، وفي هذا دليل على أنه لا تتحقق الشهادة بالعلم، وأجمع أصحابنا أن شرط الإيمان طمأنينة القلب على ما أعهده بحيث لا يتشكك إذا شكك، ولا يضطرب إذا حرك لقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني شهدوا على علم وبصيرة [[ذكر ذلك في تفسير "الوسيط" 4/ 84.]]، قال إبراهيم: يشهد وهو يعلم أنك كذلك، قال مجاهد: يعلمون أن الله ربهم [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 596، "تفسير الطبري" 13/ 105.]].

43:87Page 495

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٨٧

And if you asked them1 who created them, they would surely say, "Allāh." So how are they deluded?

قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآية مفسرة في أواخر سورة العنكبوت [آية: 61] وفي غيرها.

43:88Page 495

وَقِيلِهِۦ يَٰرَبِّ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨

And [Allāh acknowledges] his saying,1 "O my Lord, indeed these are a people who do not believe."

﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، قال ابن عباس: شكا إلى ربه تخلف قومه عن الإيمان [[أخرج ذلك الطبري 13/ 106 عن قتادة. وانظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 92 ب من غير نسبة، ونسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 334 لابن عباس.]]، واختلفوا في انتصاب ﴿وَقِيلِهِ﴾ فذكر الأخفش والفراء فيه قولين: أحدهما: أنه نصب على المصدر بتقدير، وقال ﴿وَقِيلِهِ﴾ وشكا شكواه إلى ربه، يعني: النبي -ﷺ- فانتصب ﴿وَقِيلِهِ﴾ بإضمار قال.

والثاني: أنه عطف على ما تقدم من قوله: إنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 38، ولم أجده في "معاني الأخفش"، وانظر: "الدر المصون" 6/ 109.]].

وقال أبو إسحاق: والذي أختاره أنا أن يكون نصبًا على معنى: وعنده علم الساعة، ويعلم قيله [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 421.]]، وشرح أبو علي هذا القول فقال: نصب قيله على الحمل على موضع [...] [[كذا في الأصل وقد سقط لفظ [﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ لأن]، انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 160.]] الساعة مفعول بها وليست بظرف والمصدر مضاف إلى المفعول به ومثل ذلك قوله: قد كُنْتُ دَايَنْت به حَسَّانَا ... مَخَافَةَ الإفْلاسِ واللّيَانَا [[الرجز لرؤية بن العجاج، انظر: "ديوانه" ص 187، "الكتاب" 1/ 191، "الحجة" لأبي علي 6/ 160، وداينت: من المداينة وهي البيع بالدين، بها أي بالإبل، وحسان: اسم رجل، والليان: مصدر لويته بالدين لياً ولياناً إذا مطلته، يقول: داين بالإبل حسان لأنه رجل مليء لا يماطل مخافة أن يداين غير حسان ممن ليس بمليء فيماطل لإفلاسه، انظر: "الكتاب" 1/ 191.]]

وكما أن الليان محمول على ما أضيف إليه المصدر من المفعول به، كذلك وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ لما كان معناه يعلم الساعة حملت ﴿وَقِيلِهِ﴾ على ذلك، قال: ويجوز أن يكون حمله على: يقول قيله، فيدل انتصاب المصدر على فعله، وكذلك قول كعب:

يَسْعَى الوشَاةُ حَواليها وقِيلِهم ... إنَّك يا ابْن أبي سَلْمَى لَمَقْتُولُ [[البيت لكعب بن زهير في "ديوانه" ص 19 من قصيدته المشهورة بالبردة، وانظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 160، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 124.]]

وقرأ عاصم وحمزة: وقيله بالجر، قال الأخفش والفراء والزجاج: الجر على قوله: وعنده علم الساعة وعلم قيله يا رب [["الحجة" 6/ 160، "معاني القرآن" للفراء 3/ 38، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 421، "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 123.]]، والاختيار القراءة الأولى [[انظر: "كتاب السبعة" لابن مجاهد ص 589، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 262، "الحجة في القرءات السبع" لابن خالويه ص 323.]]، وهو الموافق لما ذكره المفسرون.

قال ابن عباس في تقدير الآية: أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله يا رب، ونحو هذا قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 3/ 807، وذكر هذا المعنى بغير نسبة: البغوي 7/ 224، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 334.]].

وقال المبرد: العطف على المنصوب حَسَن [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 123، "الدر المصون" 6/ 109.]]، وإن تباعد المعطوف من المعطوف عليه؛ لأنه لا يجوز أن يفصل بين المنصوب وعامله والمجرور، يجوز ذلك فيه على قبح؛ لأنه لا يفصل بينه وبين عامله إلا في ضرورة، ومعنى النصب: أنا لا نسمع قيله، وهو معطوف على منصوب قد تباعد منه، وكان حسنًا في المنصوب، ولما كان معنى الجر: وعنده علم الساعة وعلم قيله، فتح لما وصفنا، وقرأ ناس من غير السبعة: وقيله يا رب، بالرفع.

وقال أبو إسحاق: الرفع على معنى: وقيله هذا القول قول يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 421، "الحجة" 6/ 160.]].

قال أبو علي: الرفع يحتمل ضربين: أحدهما: أن يجعل الخبر، وقيله يا رب مسموع ومتقبل، فيا رب منصوب الموضع بقيله المذكورة، وعلى القول الآخر بقيل المضمر وهو من صلته، ولا يمتنع ذلك من حيث امتنع أن يحذف بعض الموصول، ويبقى بعضه، لأن حذف القول [قد كثر] [[كذا في الأصل وفي "الحجة" (قد أضمر).]] حتى صار بمنزلة المذكور، وقد يحتمل بيت كعب الرفع على هذين الوجهين [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 161.]]، والقيل مصدر كالقول، ومنه قول النبي -ﷺ-: "نهى عن قيل وقال" [[أخرجه الجاري عن المغيرة: "إن الله كره لكم ثلاثاً .. " الحديث، كتاب الزكاة باب قول الله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ 2/ 131، وفي الأدب باب عقوق == الوالدين 7/ 70، وفي الرقاق باب ما يكره من قيل وقال 7/ 183، وفي الاعتصام باب ما يكره من كثرة السؤال 8/ 142، وأخرجه الإمام مسلم في كتاب الأقضية باب النهي عن كثرة المسائل 2/ 1430، وأخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة 2/ 327، 360، 367، وعن المغيرة 4/ 246، 249، 250.]].

قال أبو عبيد: يقال قلت قولاً، قال وسمعت الكسائي يقول في قراءة عبد الله ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: 34] قال الفراء: القال في معني القول، مثل العيب والعاب [[انظر: هذه الأقوال في "تهذيب اللغة" للأزهري من قوله: ومنه قول النبي .. (لقى) 9/ 304، "اللسان" (قول) 11/ 573.]].

وقال الليث: تقول العرب كثير فيه: القيل والقال [[انظر: "كتاب العين" (قول) 5/ 213.]]، أبو زيد: يقال: ما أحسن قيلك وقولك ومقالتك ومقالك وقالك، خمسة أوجه [[انظر: قولي الليث وأبي زيد في "تهذيب اللغة" (لقى) 9/ 305.]].

قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ قال ابن عباس: أمسك عنهم، وقال مقاتل: أعرض عنهم وقيل سلام، اردد عليهم معروفًا [[أورد ذلك القرطبي 16/ 124 عن ابن عباس لكن بلفظ: أعرض عنهم، وانظر: "تفسير مقاتل" 3/ 807.]].

وقال ابن عباس: يريد مداراة حتى ينزل حكمي [[انظر: "تفسير الوسيط" ذكر ذلك عن عطاء 4/ 84.]].

قال المبرد: قال سيبويه: إنما معناه المتاركة كما تقول: سلام بسلام أي تركًا بترك [[انظر: "الكتاب" 1/ 326.]]، وهذا كقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: 55] وقد مر. وقال الفراء: رفع (سلام) بضمير (عليكم) وما أشبهه، ولو كان: وقيل سلامًا، كان صوابًا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 38.]].

قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ قرئ: بالتاء والياء، فمعنى التاء أن الله تعالى أمر نبيه -ﷺ- أن يقول للمشركين: سلام عليكم ويقول لهم سلام فسوف تعلمون، ومن قرأ بالياء حمل على الغيبة التي هي (فاصفح عنهم .. فسوف يعلمون) [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 161، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 263.]] قال ابن عباس: وهذا وعيد وتهدد من الله تعالى.

قال ابن عباس: وقوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ منسوخ بالسيف [[ذكر ذلك ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" عن ابن عباس ص 455، وذكره ابن حزم في "الناسخ والمنسوخ" ولم ينسبه ص 55، وذكره من غير نسبة هبة الله بن سلامة في "الناسخ والمنسوخ" ص 158.]].

وقال مقاتل: نسخ السيف الإعراض والسلام [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 807.]].

وقال قتادة: أمر بالصفح عنهم ثم أمر بقتالهم [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة، انظر. "تفسيره" 13/ 107، ونسبه القرطبي لقتادة 16/ 124.]].

43:89Page 495

فَٱصۡفَحۡ عَنۡهُمۡ وَقُلۡ سَلَٰمٞۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٨٩

So turn aside from them and say, "Peace."1 But they are going to know.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском