Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Ad-Dukhan 44:29–55
44:29Page 497
فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ ٢٩
And the heaven and earth wept not for them, nor were they reprieved.
قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ روى أنس بن مالك أن النبي -ﷺ- قال: "ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه ويرزق، وباب يدخل فيه عمله فإذا مات فقداه وبكيا عليه" [[أخرج ذلك الترمذي في سننه كتاب التفسير باب (46) ومن سورة الدخان، وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وموسى بن عبيدة ويزيد بن إبان الرقاشي يضعفان في الحديث 5/ 380، وأخرجه الثعلبي في تفسيره عن أنس 10/ 96 ب، وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" 8/ 327، والخطيب في "تاريخ بغداد" 11/ 212، وأخرجه أبو يعلى في مسنده عن أنس. انظر: 7/ 160، وأشار محقق المسند إلى ضعفه، وذكره أيضًا ابن حجر في "المطالب العالية" 3/ 369. وعزاه إلى أبي يعلى وقال إسناده: ضعيف، انظر: "المطالب العالية" 3/ 369.]] وتلا هذه الآية، قال: وذلك أنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملًا صالحًا يبكي عليهم ولم يصعد لهم إلى السماء كلام طيب ولا عمل صالح فيبكي عليهم، وهذا قول جميع المفسرين ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل وقتادة، قالوا: لم تبك عليهم مصاعد أعمالهم على السماء، ولا مواضع سجودهم [[أخرج ذلك الطبري عنهم، انظر: تفسيره 13/ 125، و"تفسير مقاتل" 3/ 822، وكذا رسمها في الأصل ولعل المراد (إلى السماء).]] من الأرض.
وقال مجاهد: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا [[أخرج ذلك الطبري عن مجاهد، انظر: تفسيره 13/ 125، ونسبه ابن كثير لمجاهد، انظر: "تفسيره" 6/ 254، ونسبه في "الوسيط" لمجاهد، انظر: 4/ 90.]]، فقلت له: أتبكي؟ فقال: أو تعجب!! وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركع والسجود، وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه فيها دوي كدوي النحل [[ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره 6/ 254، والسيوطي في "الدر المنثور"، وعزاه لعبد ابن حميد وأبو الشيخ، انظر: "الدر" 7/ 412.]]، وهذا قول ثان لأنه لم يخص موضعًا منهما بالبكاء كما خص الأولون.
وذكر أهل المعاني في هذا قولين آخرين أحدهما: أن التقدير: أهل السماء والأرض، فحذف المضاف والمعنى: ما بكت عليهم الملائكة ولا المؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين، والثاني: أن العرب تقول في هذا كالرجل العظيم الشأن، أظلمت له الشمس، وكسف القمر لفقده، وبكته الريح والبرق والسماء والأرض، يريدون المبالغة في وصف المصيبة وأنها قد شملت وعمت، وليس ذلك بكذب لأنهم جميعًا متواطئون عليه، والسامع له يعرف مذهب القائل فيه ونيتهم في قولهم: أظلمت الشمس، كادت تظلم، وكذلك في سائر الألفاظ التي يقصدون بها التعظيم والاستقصاء في الصفة. ومعنى الآية: أن الله تعالى حين أهلك فرعون وقومه وأورث منازلهم وجناتهم غيرهم لم يبك عليهم باك ولم يجزع جازع ولم يوجد لهم فَقْد، ولو كانت السماء والأرض ممن تبكي لم تبك على هؤلاء لاستحقاقهم العقوبة والهلاك، والقولان: ذكرهما ابن قتيبة [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 126، و"معاني القرآن" للزجاج 6/ 405، و"تفسير الماوردي" 5/ 252، و"زاد المسير" 7/ 345، و"الزاهر" لابن الأنباري 1/ 284.]] وغيره.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ لم يُنْظَروا حين أخْذِهم لتوبة ولا لغيرها قاله: ابن عباس وغيره [[ذكر ذلك البغوي في تفسيره 7/ 232 ولم ينسبه، وذكره في "الوسيط" ولم ينسبه، انظر: 4/ 90.]].
44:30Page 497
وَلَقَدۡ نَجَّيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ٣٠
And We certainly saved the Children of Israel from the humiliating torment -
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ يعني قتل الأبناء واستخدام النساء والتعب في العمل.
44:31Page 497
مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيٗا مِّنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١
From Pharaoh. Indeed, he was a haughty one among the transgressors.
﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ هذا مُكَررَةٌ على قوله: ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: نجيناهم من العذاب ونجيناهم من فرعون [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 126، و"الثعلبي" 10/ 96 ب، و"البغوي" 7/ 232.]] ويجوز أن يكون ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ من صلة العذاب [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 131.]] والمعنى: من العذاب الذي كان يلحقهم من جهة فرعون.
قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: كان عاليًا على عباد الله من المشركين والمعنى: كان جبارًا عاصيًا من المشركين ونحو هذا رواه الكلبي عنه [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 126، و"تنوير المقباس" ص 497.]] والعالي: إذا أطلق كان صفة مدح، وهاهنا مقيد بأنه عال في الإسراف، والعالي في الإحسان صفة مدح، والعالي الإساءة صفة ذم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 142.]].
44:32Page 497
وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٢
And We certainly chose them by knowledge over [all] the worlds.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يعني: بني إسرائيل على علم علمه الله فيهم (عَلَى الْعَالَمِينَ) على عالمي زمانهم، قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل [[انظر: قول مقاتل في تفسيره 3/ 822، وانظر: "تنوير المقباس" ص 497، == و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 142.]] وقتادة والجميع، قال مجاهد: فضلناهم على من هم بين ظهرانيه [[أخرج الطبري قولي قتادة ومجاهد في "تفسيره" 13/ 127، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 6/ 255.]].
قال أهل المعاني: ويدل على هذا التخصيص قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ الآية [آل عمران: 110] هذا مقتضى أنه ما اختارهم على من هو خير منهم، وإنما أختارهم على من في وقتهم من العالمين [[هذا قول ابن جرير الطبري، انظر: "تفسيره" 13/ 127، وابن كثير في "تفسيره" 6/ 255 والزجاج في "معاني القرآن" 4/ 427، والنحاس في "إعراب القرآن" 4/ 132.]].
44:33Page 497
وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ ٱلۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ ٣٣
And We gave them of signs that in which there was a clear trial.
قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ أكثر المفسرين على أن البلاء المبين معناه النعمة البينة الظاهرة، وعنى بالآيات فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى والتوراة، وغير ذلك من النعم التي أنعمها الله عليهم، وهذا قول مجاهد ومقاتل والكلبي [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 127، و"تفسير مقاتل" 3/ 823، و"تفسير الماوردي" 5/ 254 و"تفسير البغوي" 7/ 233.]] وغيرهم، [وهذا ذهب] [[كذا في الأصل ولعل الصواب (هذا وذهب).]] آخرون إلى أن معنى البلاء هاهنا الاختبار والتجربة [[انظر: "الكشاف" للزمخشري 3/ 433، و"فتح القدير" للشوكاني 4/ 576، و"روح المعاني" للألوسي 25/ 126.]] فذكر ابن عباس [[لم أقف عليه.]] في رواية عطاء في هذه الآية أنه أراد بالبلاء المبين: السلسلة التي كانت في زمان داود وقصتها مشهورة. قال: ويريد الساريتين اللتين من دنا يدخل بينهما فإن اعترف أخرج فرجم، وإن لم يعترف [النصاعليه فتعلناه] [[كذا رسمها في الأصل، ولعل المعنى: (التصقتا عليه فقتلتاه).]] ويعمل الرجل الذنب فيصبح يجده مكتوبًا على بابهن وأمور كثيرة.
44:34–35Page 497
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ ٣٤
Indeed, these [disbelievers] are saying,
إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ ٣٥
"There is not but our first death, and we will not be resurrected.
ثم رجع إلى ذكر كفار مكة فقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: كفار مكة ﴿لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ﴾ إضمار على شريطة التفسير، وقد تقدمت نظائره [[كقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: 155]، وقوله: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: 29].]] ﴿إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾ أي: ما الموتة إلا موتة نموتها في الدنيا ثم لا نبعث، وهو قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أي: بمبعوثين.
44:36Page 497
فَأۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٦
Then bring [back] our forefathers, if you should be truthful."
﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾ الذين ماتوا [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 233، و"زاد المسير" 7/ 347، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 144.]] أي: ابعثوهم لنا ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنا نُبْعث بعد الموت، قال الفراء: يخاطبون النبي -ﷺ- وحده وهو كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1] ومنه قوله: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 42.]] [المؤمنون: 99].
44:37Page 497
أَهُمۡ خَيۡرٌ أَمۡ قَوۡمُ تُبَّعٖ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٣٧
Are they better or the people of Tubbaʿ1 and those before them? We destroyed them, [for] indeed, they were criminals.
ثم خوفهم الله مثل عذاب الأمم الخالية، فقال: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وهذا استفهام إنكار أي: ليسوا خيرًا منهم، بمعنى أقوى وأعتى وأشد منهم، قال ابن عباس: (أهم خير) يريد أشد [[انظر: "تفسير الماوردي" ولم ينسبه 5/ 255، وذكره الزمخشري ونسبه لابن عباس، انظر: "الكشاف" 3/ 434.]]، قال أبو عبيدة: ملوك اليمن كان كل واحد منهم يسمى تبعاً، لأنه يتبع صاحبه، والظل يسمى تبعاً؛ لأنه يتبع الشمس، وموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام، وهم ملوك العرب الأعاظم [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 209.]] وأنشد فقال:
أو لا يقولُ اللهُ في آياتِه ... والله يوحي ما يشاء وينزل
أنتم كتُبَّع أو كسَائِرِ قَوْمِهِ ... بل قومُ تبَّعٍ في الفضائل أفْضَلُ [[لم أقف على قائل هذين البيتين.]]
وأنشد قول متمم:
وعِشْنَا بخيرٍ في الحَيَاةِ وقَبْلَنَا ... أَصَابَ المَنَايَا رَهْط كِسْرًا وتُبَّعا
وقالت عائشة رضي الله عنها: "كان تبع رجلاً صالحًا" [[أخرجه الحاكم عن عائشة، وقال: حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، انظر: المستدرك كتاب التفسير 2/ 450، وأخرجه الطبري عن عائشة 13/ 128، ونسبه البغوي لعائشة، انظر: "تفسيره" 7/ 234، ونسبه في "الوسيط" لعائشة، انظر: "تفسير الوسيط" 4/ 91.]].
وقال كعب: ذَمَّ الله قومه ولم يذمَّه [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 129، و"تفسير البغوي" 7/ 234، و"زاد المسير" 7/ 348، و"الجامع لأحكام القرآن" عن كعب 16/ 146.]]، قال وهب: نهى رسول الله -ﷺ- عن سب أسعد وهو تبع، وكان على دين إبراهيم [[ذكر ذلك السيوطي في "الدر المنثور" 7/ 415، وعزاه لابن المنذر وابن عساكر.]].
وقال الكلبي: وهو أبو كرب أسعد بن ملكيكرب [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 233، و"تنوير المقباس" ص 497، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 146.]]، وتبع اسم الملك منهم كفرعون وكـ هامان.
44:38Page 497
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ٣٨
And We did not create the heavens and earth and that between them in play.
قوله تعالى: ﴿لَاعِبِينَ﴾ قال مقاتل: لم يخلقهما عابثين لغير شيء [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 824.]].
44:39Page 497
مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٩
We did not create them except in truth, but most of them do not know.
قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال الكلبي والفراء: أي: للحق [[انظر: "تنوير المقباس" ص 497، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 42.]].
وقال أبو إسحاق: أي: لإقامة الحق [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 427.]].
قال ابن عباس: يريد: للثواب والعقاب [[ذكر هذا المعنى البغوي في تفسيره ولم ينسبه. انظر: 7/ 235.]] ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال: يريد المشركين.
44:40Page 498
إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ مِيقَٰتُهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٠
Indeed, the Day of Judgement is the appointed time for them all -
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ قال ابن عباس: يريد: يوم يفصل الرحمن بين العباد وهو يوم القضاء [[ذكر البغوي في تفسيره هذا المعنى ولم ينسبه. انظر: 4/ 235، وكذلك ورد من غير نسبة في "تفسير الوسيط" 4/ 91.]]، ﴿مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يريد: البر والفاجر، قال مقاتل: ميعادهم أجمعين، يوافي يوم القيامة الأولون والآخرون.
44:41Page 498
يَوۡمَ لَا يُغۡنِي مَوۡلًى عَن مَّوۡلٗى شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤١
The Day when no relation1 will avail a relation at all, nor will they be helped -
ثم نعت ذلك اليوم فقال [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 824.]]: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد قريباً من قريب [[ذكر ذلك البغوي ولم ينسبه. انظر: "تفسيره" 7/ 235، ونسبه ابن الجوزي لمقاتل، انظر: /348، وذكره السمرقندي في "تفسيره" ولم ينسبه. انظر: 3/ 220، والقرطبي ولم ينسبه 16/ 148.]]، ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ لا ينصر المؤمن الكافر لقرابته، ولا يغني عنهم شيئًا، والمراد بقوله: ﴿مَوْلًى عَنْ مَوْلًى﴾ الكفار، ألا ترى أنه ذكر المؤمن فإنه يشفع له، وقال الكلبي: استثنى الله المؤمنين، فإنه يشفع بعضهم في بعض [[انظر: "تنوير المقباس" ص 498.]]، وعلى هذا موضع ﴿مَنْ﴾ نصب لأنه استثناء منقطع عن أول الكلام، يريد اللهم إلا ﴿مَنْ رَحِمَ﴾ ويجوز أن يكون قوله: ﴿مَوْلًى عَنْ مَوْلًى﴾ على العموم، ثم استثنى المؤمنين فقال:
44:42Page 498
إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٤٢
Except those [believers] on whom Allāh has mercy. Indeed, He is the Exalted in Might, the Merciful.
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ فيكون: ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع كما تقول: لا يقوم أحدٌ إلا فلان، والمعنى: لا يغني قريب إلا المؤمن، والوجهان في الاستثناء ذكرهما الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 42، و"تفسير الطبري" 13/ 130.]]، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ قال مقاتل: العزيز في نقمته من أعدائه الذين لا شفاعة لهم، الرحيم بالمؤمنين الذين استثنى في هذه الآية [[انظر: "تفسير مقاتل" 24/ 824.]].
43 - قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ قد تقدَّم تفسيره في سورة الصافات [آية: 62].
44 - قوله تعالى: ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ قال ابن عباس: يريد طعام أبي جهل، وهو قول مجاهد ومقاتل [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 97 ب، و"تفسير مقاتل" 3/ 824، وذكره البغوي ولم ينسبه، انظر: 7/ 236.]]، وقال الكلبي: الأثيم: الفاجر، وهو هاهنا الوليد بن المغيرة المخزومي [[انظر: تفسير أبي الليث السمرقندي 3/ 220، و"تنوير المقباس" ص 498.]]، والأثيم: معناه: ذو الإثم، يقال: أثم يأثم إثمًا، فهو أثِمٌ وأثيم [[انظر: "تهذيب اللغة" (أثم) 15/ 160، و"المفردات" للراغب (أثم) ص 10.]].
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
قوله: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ سبق تفسيره في سورة الكهف [آية: 29]، وقد شَبَّه الله تعالى هذا الطعام بالمهل وهو: دردي الزيت وعكر القطران على ما ذكره المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 240، و"تفسير الماوردي" 3/ 303، و"تفسير البغوي" 7/ 236.]] كما سبق بيانه [الكهف: 29]، وتم الكلام هاهنا ثم أخبر عن غليانه في بطون الكفار فقال [[انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 656.]]: ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ وقرئ: (يغلي) بالياء فمن قرأ بالتاء فلتأنيث الشجرة، ومن قرأ بالياء حَمَلَه على الطعام في قوله: ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ لأن الطعام هو الشجرة في المعنى، ألا ترى أنه خبرُ الشجرة، والخبر في المعنى إذا كان مفردًا هو المبتدأ، واختيار أبي عبيد الياء قال: لأن الاسم المذكر يعني: المهل هو الذي يلي الفعل، فصار أَوْلى به للتذكير وللقرب وكذلك في قوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى﴾ [آل عمران: 154] و ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ﴾ [الأنبياء: 80] و ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: 37] يختار الياء في هذه الآيات [[أورد النحاس اختيار أبي عبيد في "إعراب القرآن" ولم يؤيده بل رده كما رده وضعفه أبو علي الفارسي، انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 134.]].
قال أبو علي: لا يجوزُ أن يحمل الغلي على المهل؛ لأن المهل لا يغلي في البطون إنما يغلي ما شبه به [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 166، و"المسائل العضديات" ص 116.]]، وأما سائر الآيات التي ذكرها فالياء والتاء فيها سواء لأن كل واحد مما فيها هو الآخر، فالنطفة والمني سواء.
قوله تعالى: ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ قال ابن عباس: الماء إذا اشتد غليانه فهو حميم [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 133، وقد ذكر المعنى ولم ينسبه، كما ذكره من غير نسبة كل من البغوي في تفسيره 7/ 236، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 349.]].
44:47Page 498
خُذُوهُ فَٱعۡتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٤٧
[It will be commanded], "Seize him and drag him into the midst of the Hellfire,
قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ أي: يقال للزبانية: خذوه يعني: الأثيم فاعتلوه، قُرِئ بكسر التاء، قال الليث: العتل أن تأخذ بتَلْبيب الرجل فتعتله أي: تجرّه إليك وتذهب به إلى حَبْس أو بلية [[انظر: "كتاب العين" (عتل) 2/ 69.]]، وأخذ فلان بزمام الناقة فعتلها، وذلك إذا قبض على أجل الزمام عند الرأس وقادها قودًا عنيفاً.
وقال ابن السكيت: عَتَلْته إلى السجن، وعَتَنْتهُ فأنا أَعْتُلُهُ وأعْتِنه [[في "تهذيب اللغة" زيادة لفظ: (وأَعْتنُه) 2/ 270.]] إذا دَفَعْته دفعًا عنيفًا [[انظر: "تهذيب اللغة" (عتل) 2/ 270.]]، وهذا معنى قول جميع أهل اللغة في معنى العتل [[انظر: "جمهرة اللغة" (تلع) 2/ 21، و"مقاييس اللغة" (عتل) 4/ 223، والصحاح (عتل) 5/ 1758، و"اللسان" (عتل) 11/ 423، و"المفردات" للراغب (عتل) ص 321.]] وذكروا اللغتين ضم التاء وكسرها وهما صحيحان [[قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ بضم التاء، عبيد عن أبي عمرو: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ و ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ بالكسر والضمِّ جميعًا، وقرأ الباقون: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ بالكسر، انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 592، 593، و"الحجة" لأبي علي 6/ 165.]] مثل: ﴿يَعْكُفُونَ﴾ و ﴿يَعْكِفُونَ﴾ و ﴿يَعْرِشُونَ﴾ و ﴿يَعْرُشُونَ﴾. وأنشدوا للفرزدق فقال:
لَيْسَ الكِرَامُ بِنَاحِلِيكَ أَبَاهَمُ ... حتى تُرَدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ [[انظر: "ديوانه" ص 722، و"تفسير الطبري" 13/ 133.]] وقال أبو إسحاق: المعنى: يا أيها الملائكة خذوه فاعتلوه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 428.]].
قال مجاهد ومقاتل: ادفعوه على وجهه [[أخرج ذلك الطبري عن مجاهد 13/ 133، وانظر: "تفسير مقاتل" 3/ 825.]]، وقال الكلبي: سوقوه إلى سواء الجحيم قال: وسط الجحيم [[انظر: "تنوير المقباس" ص 498.]]، كقوله: ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 55].
44:48Page 498
ثُمَّ صُبُّواْ فَوۡقَ رَأۡسِهِۦ مِنۡ عَذَابِ ٱلۡحَمِيمِ ٤٨
Then pour over his head from the torment of scalding water."
﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ﴾ قال مقاتل: يعني: أبا جهل، وذلك أن مالكًا خازن جهنم يضربه ضربة على رأسه بمَقْمع من حديد فيثقب رأسه عن دماغه فيجري دماغه على جسده ثم يصب الملك فيه ماء حميمًا قد انتهى حَرُّه فيقع في بطنه، فيقول الملك: ذق العذاب [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 825.]] فذلك قوله: ﴿ذُقْ﴾ ونحو هذه الآية قوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: 19] قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ قال عكرمة والكلبي: التقى النبي -ﷺ- وأبو جهل فقال له النبي -ﷺ-: "إن الله أمرني أن أقول لك ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ " [القيامة: 34] "فقال: يا محمد بأي شيء تهددني فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا إني لمن أعز هذا الوادي وأكرمه على قومه، فقتله الله يوم بدر وأذله وعيره بكلمته وأنزل هذه الآية [[انظر: "تنوير المقباس" ص 498، و"الدر المنثور" 7/ 418، وأخرج الطبري نحوه عن قتادة 13/ 134، ونسبه القرطبي لعكرمة، انظر: "الجامع" 16/ 151.]]، وهذا قول أهل التفسير قالوا: إنه كان يقول أنا أعز أهل الوادي وأكرمهم، فيقول له الملك: ذق العذاب أيها المتعزز المتكرم، يوبخه ويصغره [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 98 أ، و"تفسير الماوردي" 5/ 258، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 151، و"تفسير الوسيط" 4/ 92.]]. قال أبو إسحاق: المعنى: ذق هذا العذاب، إنك أنت القائل: أنا العزيز الكريم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 428.]]. وقال أبو علي الفارسي: المعنى: إنك أنت العزيز الكريم في زعمك وفيما تقوله، فأجري ذلك على حسب ما كان يذكره أو يُذْكَر به ومثله قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: 62] أين شركائي فيما تفترون وتدعون، وهذا كما روي أن زهرة اليمن [[لم أقف على ترجمته.]] قال في جرير:
أَبْلِغْ كُلَيْبُا وأَبْلِغْ عَنْكَ شَاعِرهَا ... أَنَّي الأَعَزُّ وأَنِي زَهْرةُ الْيَمَنِ [[ورد هذا البيت في "الحجة" لأبي علي 6/ 467، و"المسائل الحلبيات" ص 82، و"الخصائص" لابن جني 2/ 463، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 405، و"الدر المصون" 6/ 118، و"تفسير ابن عطية" 14/ 300.]]
فأجابه جرير:
أَلَمْ تَكُنْ في وُسُومٍ قد وَسَمْتُ بها ... مَنْ حَانَ مَوْعِظَةً يا زَهْرةَ اليَمَنِ [[انظر: "ديوان جرير" ص 430، حان: هلك، الوسوم: جمع وسم وهو أثر الكي ويريد به هنا أذى هجائه، والشاهد قوله: (يا زهرة اليمن) أي: يا من قال إني زهرة اليمن، ولست عندي كذلك، والذي في الديوان: يا حارث اليمن.]]
أي: زهرة اليمن فيما تقول، وكذلك أبو جهل كان يقول إنه أعز الوادي وأمنعهم. فعلى ما كان يقول جاء في التنزيل حكايته، ونحو هذا قال صاحب النظم قال: هذا على وجه المعارضة والتبكيت، ودلالة على أنه أخبر أنه قال في الخطاب أنا العزيز الكريم، وهو شبيه بقول الكفار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] كأنه لما قال لهم أنزل عليَّ الذكرُ من الله عارضوه بهذا كالمستهزئين به، كذلك يستهزأ بأبي جهل ويوبخ بما زعم وادَّعى به، وليس كذلك.
وقال بعض أهل المعاني: هذا على معنى النقيض، كأنه قيل إنك أنت الذليل المهان [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 291.]]، وهذا كما خاطب قوم شعيبًا: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: 87] يعنون السفيه الجاهل، وقد مر، وقرأه العامة (إنك) بكسر الألف على الابتداء، وقرأ الكسائي بالفتح على معنى: ذق بأنك، أي: هذا القول الذي قلته في الدنيا، قاله الفراء وأبو علي [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 43، و"الحجة" لأبي علي 6/ 167.]]، وعلى هذا الواقع عليه يضمر على تأويل: ذق العذاب، وكذلك هو في قراءة العامة [[انظر: كتاب "السبعة في القراءات" لابن مجاهد ص 593، والكشف عن وجوه القراءات لمكي 2/ 2658، و"تحبير التيسير" لابن الجزري ص 179، و"الدر المصون" 6/ 118.]].
وقال صاحب النظم: من فتح الهمزة كان قوله: ﴿ذُقْ﴾ واقعًا على تأويل: ذق، وقال هذا القول وجزاؤه [[يظهر أن فيه سقطاً ولكن كتاب "نظم القرآن" مفقودًا، ولم أتوصل إلى النص فيما لدي من مراجع.]]، وقال مقاتل: فلما ذاق العذاب قال الملك الخازن: إن هذا العذاب ما كنتم به تمترون يعني: تشكون في الدنيا أنه غير كائن والمعنى تكذبون به [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 825.]]، كقوله: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف: 61] وقد مر قبل.
44:49Page 498
ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡكَرِيمُ ٤٩
[It will be said], "Taste! Indeed, you are the honored, the noble!1
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
44:51–52Page 498
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٖ ٥١
Indeed, the righteous will be in a secure place:
فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٥٢
Within gardens and springs,
ثم ذكر مستقر المتقين فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: 51] قال ابن عباس: يريد: أصحاب النبي -ﷺ- في خلود دائم [[لم أقف عليه.]]، وعلى هذا المعنى: أنهم قد أمنوا الشخوص، وقال مقاتل: أمينٍ من الموت [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 825.]]. وقال الضحاك: أمنوا أن يموتوا وأن يعروا وأن يجوعوا [[ذكر ذلك السيوطي فى "الدر المنثور" 7/ 420، وعزاه لابن أبي شيبة عن الضحاك.]].
وقد جمع أبو إسحاق هذه الأشياء فقال: قد أمنوا فيه الغِيَر [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 428.]]، وقرأه العامة (مقام) بفتح الميم يراد به المجلس والمشهد، ووصفه بالأمن يقوي أنه يراد به المكان، ووصف بالأمن كما يوصف بالخوف، [وقرأ عامر] [[كذا في الأصل ولعل الصواب: (وقرأ ابن عامر). انظر: "الحجة" 6/ 167، و"الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 265.]] ونافع بضم الميم، فيحتمل أن يراد به المكان من أقام، فيكون على هذا معنى القراءتين واحداً، وقد يجوز أن يجعله مصدراً ويقدر المضاف محذوفاً على تقدير في موضع إقامة [[انظر: "الحجة" لأبي عبيد 16/ 167،168، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 265.]].
44:53Page 498
يَلۡبَسُونَ مِن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٥٣
Wearing [garments of] fine silk and brocade, facing each other.
قوله: ﴿مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ مر تفسيره في سورة الكهف [آية: 31].
قوله: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: لا يرى بعضهم قفا بعض ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما وصفنا يكون حالهم والمعنى: الأمر كذلك الذي ذكرنا ووصفنا.
44:54Page 498
كَذَٰلِكَ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٥٤
Thus. And We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.
قوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ قال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجاً كلما يزوج النعل بالنعل، جعلناهم اثنين اثنين [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 209.]]، وقال يونس: أي: قرناهم بهن [[انظر: "الصحاح" (زوج) 1/ 320.]]، وليس من عقد التزويج، والعرب لا تقول: تزوجت بها، إنما يقولون: تزوجتها، والتنزيل يدل على ما قال يونس، وذلك قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] ولو كان على تزوجت بها، لكان زوجناك بها، قال ابن سلام وقال أبو البيداء تميم [[لم أهتد إلى ترجمته.]]: تقول تزوجت امرأة وتزوجت بامرأة، وحكى الكسائي أيضًا: زوجنا بامرأة، وزوجناه امرأة، ولا يبعد أن يكون قوله (زوجناكها) على أنه حذف الحرف فوصل الفعل، وذكره الأزهري تقول العرب: زوجت امرأة، وتزوجت امرأة، وليس من كلامهم: تزوجت بامرأة [[انظر: "تهذيب اللغة" (زاج)) 1/ 152 بلفظ: تقول العرب زوجته، و"اللسان" (زوج) 2/ 293.]].
وقال الفراء: هي لغة في أزد شنوءة [[انظر: قول الفراء في "تهذيب اللغة" (زاج) 11/ 152، ولم أقف عليه في معاني الفراء.]] هذا كلامه، وقول أبي عبيدة حسن لأنه جعل قوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾ من التزويج الذي هو بمعنى: جعل الشيء زوجًا، لا بمعنى عقد النكاح، ومن هذا يجوز أن يقال: كان فردًا وزوجته بآخر، كما يقال شفعته بآخر، فإنما يمتنع الباء عند من يمتنع إذا كان بمعنى التزويج، ونحو هذا قال الأخفش في هذه الآية: جعلناهم أزواجًا بالحور [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 691.]].
وقال مجاهد: أنكحناهم الحور العين التي يحار فيها الطرف، باديًا مخ سوقهن من وراء ثيابهن، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمِرْآة، من رقة الجلد وصفاء اللون [[أخرج ذلك الطبري عن مجاهد 13/ 136، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 598، ونسبه ابن حجر في "تغليق التعليق" لمجاهد، انظر: 4/ 310.]]، وقال قتادة: بجَوَارٍ بيض [[ذكره الطبري بلفظ: (بيض عين)، ونسبه لقتادة، انظر. "تفسير الطبري" 13/ 136، وقال القرطبي: الحور: البيض في قول قتادة والعامة، انظر: "الجامع" 16/ 152.]].
وقال ابن عباس: الحور في لغة العرب: البيض [[ذكر ذلك الألوسي ونسبه لابن عباس والضحاك وغيرهما، انظر: "روح المعاني" 25/ 135، ونسبه القرطبي لقتادة والعامة، انظر: "الجامع" 16/ 152.]].
وقال مقاتل: الحور: البيض الوجوه، العين: الحسان الأعين [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 826.]].
وأصل الحور البياض والتحوير التبييض، وذكرنا ذلك في تفسير الحوريين، وعين حوراء، إذا اشتد بياضُها، واشتد سوادُ سوادها، ولا تسمى المرأة [حمراء] [[كذا في الأصل وهو تصحيف والصحيح (حوراء).]] حتى تكون مع حور عينيها بيضاء لون الجسد [[انظر: "تهذيب اللغة" (حار) 5/ 229.]].
وقال أبو عبيد: الحوراء: الشديدة بياض العين الشديدة سوادها [[انظر: اللسان (حور) 4/ 218، وغريب الحديث لأبي عبيد (حور) 1/ 217.]]، و (العين) جمع عَيْناء، وهي: العظيمة العينين من النساء، قال اللحياني: إنه لأعين، إذا كان ضخم العين واسعها، والأنثى عيناء، [والجمع عين عينًا]، [[كذا في الأصل وفي "تهذيب اللغة": (والجميع منها عين). انظر: قول اللحياني في "تهذيب اللغة" (عان) 3/ 206.]]، ويدل على أن المراد بالحور في هذه الآية البيض، قراءة ابن مسعود: بعيس عين [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 136، و"معاني القرآن" للزجاج 6/ 416، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 44، و"المحتسب" لابن جني 2/ 261، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 152.]]، والعيس: البيض.
قال الحسن: الحور العين، عجائزكم ينشئهن الله خلقًا آخر [[لم أقف عليه.]]، وقال أبو هريرة: لسن من نساء الدنيا [[لم أقف عليه.]].
44:55Page 498
يَدۡعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ ٥٥
They will call therein for every [kind of] fruit - safe and secure.
قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: قد أمنوا الموت والأسقام والأوجاع والتخم [[لم أقف عليه وذكر الثعلبي 10/ 98 ب، عن قتادة: آمنين من الموت والأوصاب والشيطان، ونسبه البغوي 7/ 237، لقتادة، ونسبه القرطبي 16/ 154 لقتادة.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences