Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Jathiyah · 45:1–22

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

الجاثية

Al-Jathiyah

The Crouching · Meccan · 37 ayahs

45:1–2Page 499

حمٓ ١

Ḥā, Meem.1

تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ٢

The revelation of the Book is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.

قوله: ﴿حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ قال صاحب النظم: هذا فصل يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مبتدأ وخبرًا، فيكون قوله ﴿حم﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿تنزيل الكتاب﴾ خبرًا له، ويكون قوله ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأ آخر، والثاني: أن يكون قوله: ﴿حم﴾ قَسَمًا، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ نعتًا له على إضمار [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 139.]] (هو) كما تقول في الكلام: والله هو الرحمن الرحيم إنك لظالم، فيكون جواب القسم قوله تعالى:

45:3Page 499

إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٣

Indeed, within the heavens and earth are signs for the believers.

﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: إن في خلق السموات والأرض -وهما خلقان عظيمان [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 835]] - ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وعلى هذا يقدر المضاف، واختاره الزجاج قال: ويدل عليه قوله: وفي خلقكم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 431.]]، ويجوز أن يقدر المضاف وتكون الآيات: الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب.

45:4Page 499

وَفِي خَلۡقِكُمۡ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٤

And in the creation of yourselves and what He disperses of moving creatures are signs for people who are certain [in faith].

قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد وفي خلق أنفسكم من تراب ثم من نطفة إلى أن يصير إنسانًا، و (بث) تفرق على الأرض من جميع ما خلق، واختلاف ذلك من المشي على رجلين وعلى أربع وعلى البطن، آيات ودلالات على توحيد مَنْ خلقها (لقوم يوقنون) أنه لا إله غيره [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 835، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس ومقاتل. انظر: "تفسير الوسيط" 4/ 94.]].

وجاز الرفع في قوله: (آيات) من وجهين ذكرهما الزجاج والمبرد وأبو علي [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 431، و"المقتضب" للمبرد 4/ 371، و"الحجة" لأبي علي 6/ 169.]]:

أحدهما: العطف على موضع (أن) وما عمل فيه؛ لأن موضعها رفع بالابتداء، فيحمل الرفع فيه على الموضع كما تقول: إن زيدًا منطلق وعمرو، وإن زيدًا أخوك وخالد و ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 3] لأن معنى قوله: ﴿أن الله بريء﴾ هو الله بريء، وهذا نظير قولك: لست بقائم ولا قاعد، أو لست بجبان ولا بخيلاً، عطف الثاني على موضع الباء.

والوجه الآخر: أن يكون قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ مستأنف، ويكون الكلام جملة معطوفة على جملة كما تقول: إن زيدًا منطلق وعمرو خارج، جعلت قولك: عمرو خارج، كلامًا آخر، كما تقول: زيد في الدار وأخرج غدًا إلى بلد كذا، فإنما حدث بحديثين اثنين، ووصلت أحدهما بالآخر بالواو.

وهذا الوجه هو اختيار أبي الحسن، قال: لأنه قد صار على كلام آخر نحو: إن في الدار زيدًا، وفي البيت عمرو؛ لأنك إنما تعطف الكلام كله على الكلام كله [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 169، و"إعراب القرآن" للنحاس 4/ 140، ولم أقف عليه في "معاني القرآن" للأخفش.]].

وهذا الوجه أيضًا قول الفراء قال: الرفع على الاستئناف بعد (أن)؛ يقول العرب: إن لي عليك مالا وعلى أخيك، ما ينصبون الثاني ويرفعونه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 45. بلفظ (الرفع على الاستئناف فيما بعد أن).]]، فيكون قوله "آيات" على هذا الوجه مرتفعًا بالظرف على قول من رأى الرفع بالظرف، أو بالابتداء في قول من لم ير الرفع بالظرف، وقرأ حمزة والكسائي (آيات) وكذلك ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ﴾ كسرا فيها وهو في موضع نصب على النسق على أن قوله ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ على معنى وإن في خلقكم آيات، ويقوي هذه القراءة أنها في قراءة عبد الله وأُبي "لآيات" ودخول اللام يدل على أن الكلام محمول على (أن)، وإذا كان محمولاً عليها حَسُن النصب على ما قرأ حمزة، وصار كل موضع من ذلك كأن (أن) مذكورة فيه بدخول اللام؛ لأن هذه اللام إنما تدخل على خبر (أن) أو على اسمها، ولا اختلاف في جواز هذه القراءة وحسنها في قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ﴾، ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ﴾: فإن فيه عطفًا على عاملين مختلفين، وذلك أنه عطف بحرف واحد وهو الواو في قوله (واختلاف الليل) على عاملين أحدهما: الجار الذي هو في قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ والآخر: "إن" في قوله: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بعطف آيات على (إن) بهذه الواو وحدها، وسيبويه وكثير من النحويين لا يجيزونه، ووجه جواز ذلك هاهنا أن يقدر (في وأن) في قوله:

45:5Page 499

وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزۡقٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٥

And [in] the alternation of night and day and [in] what Allāh sends down from the sky of provision [i.e., rain] and gives life thereby to the earth after its lifelessness and [in His] directing of the winds are signs for a people who reason.

﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ﴾ كأنه قيل: وأن في اختلاف الليل، و (إن) فإن كانت محذوفة من اللفظ فهو في حكم المثبت فيه، وذلك أن ذكره قد تقدَّم في قوله: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بعطف آيات فأما الجار فقد تقدَّم ذكرُه في قوله (في السموات .. وفي خلقكم) فلما تقدم ذكره في هذين، قدر فيه الإثبات في اللفظ وإن كان محذوفًا منه كما قدر سيبويه في قوله:

أكلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امرأً ... ونارًا [[كذا في الأصل وهو تصحيف، والصحيح (ونارٍ) حيث ذكره الجميع بجر نارٍ وهو الشاهد من البيت حيث عطفه على ما عملت فيه كل.]] تَوَقّدُ باللَّيْلِ نَارَا [[البيت لأبي دؤاد الإيادي. انظر: الكتاب لسيبويه 1/ 66، والشعر والشعراء لابن قتيبة ص 141، و"الحجة" لأبي علي 6/ 171، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 432، و"الدر المصون" 6/ 123، وفي "الكامل" للمبرد منسوب لعدي بن زيد العبادي. انظر: الكامل 1/ 287.]]

أن كُلا في حكم الملفوظ به، واستغني عن إظهاره بتقدم ذكره، ويجوز أن تقدر آيات متكررة كررتها لما تراخى الكلام وطال، كماقال بعض المشايخ في قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ﴾ [التوبة: 63] قال (أن) هي الأولى كررت، وهذا النحو في كلامهم غير ضيق، هذا كله كلام المبرد وأبي علي ومعنى [[انظر: "الكامل" للمبرد 1/ 287، و"الحجة" لأبي علي 6/ 171، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 442.]] كلام أبي إسحاق قوله تعالى:

45:6Page 499

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ٦

These are the verses of Allāh which We recite to you in truth. Then in what statement after Allāh and His verses will they believe?

﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: يريد هذا الذي قصصنا عليك من آيات الله بها [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 835.]] ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: بعد كتاب [[[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 432، وهي كذا في الأصل وفي "معاني الزجاج" بلفظ (بعد كتاب الله).]]]، ﴿وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ قرئ بالياء والتاء، واختار أبو عبيد: الياء لأن قبله غيبة، وهو قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ و ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وهذا خبر عنهم.

فإن قيل: إن في أول الكلام خطابًا وهو قوله: (وفي خلقكم) قيل: الغيبة التي ذكرنا أقرب إلى الحرف المختلف فيه، والأقرب إليه أولى أن يحمل عليه، واحتج أيضًا بأن قال في أول الآية خطاب للنبي -ﷺ- ولا يكون في خطابه قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [[انظر: اختيار أبي عبيد في "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 141.]]، ووجه قول من قرأ بالتاء: أن "قل" فيه مقدر على تأويل: قل لهم فبأي حديث بعد ذلك يؤمنون [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 173، و"السبعة" لابن مجاهد ص 594، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 659.]].

قال المبرد: والتأويل في جميع هذا إنما هو الإبلاغ، فيجوز أن يستغنى عن أن يقال (قل) مع أن القول كثيرًا ما يضمر كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ﴾ [[انظر: "الكامل" للمبرد 1/ 378.]] [الرعد: 23].

45:7Page 499

وَيۡلٞ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ ٧

Woe to every sinful liar

قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ﴾ هذه الآية وما بعدها نزلت في النضر ابن الحارث، قاله الكلبي ومقاتل [[انظر: "تنوير المقباس" ص 499، و"تفسير مقاتل" 3/ 836، وذكر ذلك السمرقندي في "تفسيره" 3/ 223، والبغوي في "تفسيره" 7/ 241.]].

45:8Page 499

يَسۡمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٨

Who hears the verses of Allāh recited to him, then persists arrogantly as if he had not heard them. So give him tidings of a painful punishment.

No commentary for this ayah

45:9Page 499

وَإِذَا عَلِمَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا شَيۡـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩

And when he knows anything of Our verses, he takes them in ridicule. Those will have a humiliating punishment.

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾ قال مقاتل: يعني وإذا سمع من آيات القرآن شيئًا اتخذها هزوا [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 836.]] ﴿أُولَئِكَ﴾ قال الأخفش: رد الكلام إلى معنى الكل في قوله ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ﴾ فلذلك جمع [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 692.]].

45:10Page 499

مِّن وَرَآئِهِمۡ جَهَنَّمُۖ وَلَا يُغۡنِي عَنۡهُم مَّا كَسَبُواْ شَيۡـٔٗا وَلَا مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٠

Before them1 is Hell, and what they had earned will not avail them at all nor what they had taken besides Allāh as allies. And they will have a great punishment.

قوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ قال ابن عباس: يريد أمامهم جهنم [[ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" عن ابن عباس. انظر: 16/ 159، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس. انظر: 4/ 95.]]، وقال مقاتل: يريد هو في الدنيا، ومن بعده له في الآخرة جهنم [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 836.]]، وذكرنا الكلام في هذا في سورة إبراهيم عند قوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [آية: 10]. ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا﴾ من الأموال التي جمعوها ﴿شَيْئًا﴾ ولا ما عبدوا من دون الله من الآلهة.

45:11Page 499

هَٰذَا هُدٗىۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٌ ١١

This [Qur’ān] is guidance. And those who have disbelieved in the verses of their Lord will have a painful punishment of foul nature.

قوله: ﴿هَذَا هُدًى﴾ قال مقاتل: هذا القرآن بيان من الضلالة [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 836.]]، وقال عطاء عن ابن عباس: يريد كل ما جاء به محمد -ﷺ- بيان للمؤمنين [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 159 فقد نسبه لابن عباس.]].

قوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ وقرئ (أليم) رفعًا [[وهي قراءة ابن كثير وعاصم في رواية حفص. انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 174.]]، والرجز العذاب بدلالة قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ)﴾ [البقرة: 59]. وقوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: 134] فمعنى قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾: لهم عذابٌ من عذاب أليم، وإذا كان عذابهم من عذاب أليم، كان عذابهم أليمًا، قوله: ﴿مِنْ رِجْز﴾ على هذا صفة للعذاب؛ لأنه نكرة، من رفع أليماً كان المعنى: لهم عذاب أليم من عذاب، وليس فائدته كالفائدة في القراءة الأولى، وإذا كان كذلك فيحمل على أمرين: أحدهما: أن قوله ﴿من عذاب﴾ يكون صفة مؤكدة، والصفة قد تجيء على وجه التأكيد كما روي في بعض الحروف (وَلِيَ نَعْجَةٌ أنثى) وقوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: 20] وقولهم: أمس الدابر، والآخر: أن يحمل الرجز على الذي بمعنى الرجس الذي هو النجاسة على الإبدال للمقاربة، يخب النجاسة فيه قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16] وكان المعنى: لهم عذاب من تجرع رجس أو شرب رجس، فيكون من تَبْيينًا للعذاب مِمَّ هو [[هذا كله منقول عن "الحجة" لأبي علي 6/ 174، 175.]].

45:12–13Page 499

۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡبَحۡرَ لِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ فِيهِ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢

It is Allāh who subjected to you the sea so that ships may sail upon it by His command and that you may seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.

وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ١٣

And He has subjected to you whatever is in the heavens and whatever is on the earth - all from Him. Indeed in that are signs for a people who give thought.

قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يعني من شمس وقمر ونجم ومطر وثلج وبرد ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من دابة وشجر ونبات وأنهار، قاله ابن عباس [[لم أقف عليه.]]، معنى تسخيره لنا: هو أنه هيأها لانتفاعنا بها، فهو مسخر لنا من حيث إننا ننتفع به على الوجه الذي نريد.

قوله تعالى: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ قال: كل ذلك رحمة منه لكم، وقال أبو إسحاق: (جميعًا) منصوب على الحال [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 142، ولم أقف عليه في "معاني الزجاج".]]، والمعنى: كل ذلك منه تفضل وإحسان، والوقف يحسن على قوله (جميعًا) [[انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 659.]].

قوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾ أي ذلك التسخير منه لا من غيره، فهو فضله وإحسانه قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في صنع الله فيوحدونه.

45:14Page 500

قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغۡفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجۡزِيَ قَوۡمَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤

Say, [O Muḥammad], to those who have believed that they [should] forgive those who expect not the days of Allāh [i.e., of His retribution] so that He may recompense a people1 for what they used to earn.

قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ قال الفراء: هذا خبر في منزلة الأمر، كأنه قيل: قل للذين آمنوا اغفروا، ولكنه جزم بالتشبيه بالجزاء والشرط، كقوله: قم تصب خيرًا، وليس كذلك، ولكن العرب إذا أخرج الكلام في مثال غيره وهو مقارب له، أعربوه بإعرابه، فهذا من ذلك [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 45، 46.]] وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة عند قول: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: 31].

واختلفوا في سبب نزول الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء، وهو قول مقاتل [[انظر: "تنوير المقباس" ص 500، و"تفسير مقاتل" 3/ 837، و"زاد المسير" 7/ 357، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 161.]]: نزلت في عمر رضي الله عنه، قال ابن عباس: يريد عمر بن الخطاب خاصة ﴿يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ يريد: عبد الله بن أبي، وذلك أنهم تولوا في غزاة [[كانت هذه الغزوة في شعبان من السنة السادسة من الهجرة وكان قائد بني المصطلق الحارث ابن أبي ضرار، أبو جويرية بنت الحارث التي تزوجها رسول الله -ﷺ- بعد ذلك.

انظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 333، و"البداية والنهاية" 4/ 156.]] بني المصطلق [[هم: بطن من خزاعة من القحطانية وهم بنو المصطلق واسمه جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة غزاهم النبي -ﷺ- واشتهرت بغزوة بني المصطلق وذلك سنة ست من الهجرة على ماء لهم يقال له: المريسيع. انظر: "معجم قبائل العرب" 3/ 1104.]] على بئر يقال له المريسيع [[المُرَيسِيعُ: بالضم ثم الفتح وياء ساكنة ثم سين مهملة مكسورة وياء أخرى وآخره عين مهملة في الأشهر، ورواه بعضهم بالغين معجمة. كأنه تصغير المرسوع وهو الذي انسلقت عينه من السهر، وهو اسم ماء في ناحية قُديد إلى الساحل، لار النبي -ﷺ- في سنة خمس وقال أبو إسحاق في سنة ست إلى بني المصطلق من خزاعة لما بلغه أن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي قد جمع له جمعا فوجدهم على ماء يقال له المريسيع فقاتلهم وسباهم. انظر: "معجم البلدان" 5/ 118.]] فأرسل عبد الله غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه، فلما أتاه قال له ما حبسك؟ قال غلام عمر: تَعدّ على فضل البير، فما ترك أحدًا يستقي حتى ملأ قرب النبي -ﷺ- وقرب أبي بكر وملأ لمولاه، فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله هذه الآية.

وقال مقاتل: شتم رجل من كفار قريش بمكة عمر، فهَمَّ عمر أن يبطش به، فأمره الله بالعفو والتجاوز وأنزل هذه الآية [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 837، و"تفسير السمرقندي" 3/ 224، و"تفسير البغوي" 7/ 242.]].

وروى ميمون بن مهران [[[كذا في الأصل وقد سننه لفظ (أن).]]] فنحاص اليهودي، قال لما نزل قوله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قال: احتاج رب محمد، فلما سمع بذلك عمر اشتمل على سيفه وخرج في طلبه، فأنزل الله هذه الآية، فبعث النبي -ﷺ- في طلبه حتى رَدَّه [[أخرج ذلك الثعلبي. انظر: تفسيره 10/ 100 أ، والواحدي في "أسباب النزول" ص 399 وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 358.]].

قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: لا يرجون ثواب الله ولا يخافون عقابه [[لم أقف عليه.]].

وقال مقاتل: لا يخشون مثل عذاب الأمم الخالية [[انظر. "تفسير مقاتل" 3/ 837.]].

وقال مجاهد: لا ينالون نعم الله أو نقم الله [[أخرج ذلك الطبري عن مجاهد 3/ 144.]]، وذلك أنهم لا يؤمنون به فلا يرجون ثوابه ولا يخافون عقابه، كما قال ابن عباس، وذكرنا أيام الله عند تفسير قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5] وأجمعوا أن هذه الآية نزلت قبل أن يؤمر النبي -ﷺ- بقتال أهل مكة وأنها منسوخة بآية القتال [[ذكر ذلك الطبري في تفسيره 13/ 144، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 625، ومكي في "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 355، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 459، وابن حزم في "الناسخ والمنسوخ" ص 55، وابن البارزي في "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" ص 49، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 191.]]، إلا على ما رواه عطاء عن ابن عباس، فإن على روايته نزلت الآية بعد الأمر بالقتال؛ لأنه ذكر أن الآية نزلت بعد غزوة بني المصطلق [[وقد رجح الدكتور سليمان اللاحم أن الآية محكمة في تحققه لكتاب "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 626، وقال ابن الجوزي أيضًا: ويمكن أن يقال أنها محكمة وذكر رواية عطاء عن ابن عباس. انظر: "نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 460، كما ذكر المؤلف رواية عطاء في "أسباب النزول" ص 399، وذكرهما أيضًا القرطبي في "الجامع" 16/ 161.]] والصحيح أنها نزلت قبل الأمر بالقتال والله أعلم، قال قتادة [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: "تفسيره" 13/ 144، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 626.]]: نسختها ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] وقال أبو صالح [[أخرج ذلك الطبري عن أبي صالح. انظر: تفسيره 13/ 145، وذكره ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 460.]]: نسختها ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج: 39] الآية.

قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد يجازي الذين أحسنوا الجنة، والذين أساؤوا بالعذاب [[لم أقف عليه.]]، وقال مقاتل: لكن نجزي بالمغفرة قومًا يعملون الخير [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 837.]].

وقال آخرون: معنى الآية: قل للمؤمنين يتجاوزوا عن الكفار ليجزي الله الكفار بما كسبوا من الإثم ليوفيهم عقاب سيئاتهم بما عملوا من ذلك، قيل لا قكافؤنهم أنتم لنكافيهم نحن [[انظر: "زاد المسير" 7/ 359.]]، ثم ذكر المؤمنين وأعمالهم والمشركين وأعمالهم بقوله:

45:15Page 500

مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ١٥

Whoever does a good deed - it is for himself; and whoever does evil - it is against it [i.e., the self or soul]. Then to your Lord you will be returned.

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية.

45:16Page 500

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦

And We did certainly give the Children of Israel the Scripture and judgement1 and prophethood, and We provided them with good things and preferred them over the worlds.

قوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة ﴿وَالْحُكْمَ﴾ يعني الفهم في الكتاب، وقوله: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يعني المنَّ والسلوى، قاله الكلبي ومقاتل [[انظر: "تنوير المقباس" ص 500، و"تفسير مقاتل" 3/ 837.]].

﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ تقدم تفسيره في سورة الدخان، [آية: 32] قال ابن عباس: لم يكن أحد من العالمين في زمان بني إسرائيل أكرم على الله ولا أحب إليه منهم [[ذكر ذلك البغوي في تفسيره 7/ 243، عن ابن عباس، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس. انظر: 4/ 97.]].

45:17Page 500

وَءَاتَيۡنَٰهُم بَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِۖ فَمَا ٱخۡتَلَفُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٧

And We gave them clear proofs of the matter [of religion]. And they did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ قال ابن عباس: يعني ما بين لهم من أمر النبي -ﷺ- وأنه مهاجر من تهامة إلى يثرب يكون أنصاره أهل يثرب [[ذكر ذلك البغوي في "تفسيره"، ولم ينسبه. انظر: 7/ 243، ونسبه القرطبي لابن عباس 16/ 163.]].

قوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مفسر في سورة: حم عسق [آية: 14] وغيرها من السور [آل عمران: 19].

45:18Page 500

ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨

Then We put you, [O Muḥammad], on an ordained way concerning the matter [of religion]; so follow it and do not follow the inclinations of those who do not know.

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ قال الفراء: يقال دين وملة ومنهاج، كل ذلك يقال [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 46.]].

وقال أبو عبيدة: على طريقة وسنة [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 210.]].

وقال المبرد: على منهاج وقصد، وبذلك سميت شريعة النهي [[انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 4/ 1694، ولم أقف عليه عند المبرد.]]؛ لأنها يوصل منها إلى الانتفاع، والشرائع في الدين المذاهب التي شرعها الله لخلقه، وهذا الحرف مما قد تقدم تفسيره [الشوري: 13، 21].

قال ابن عباس: يريد على دين ظاهر رضيته لك [[ذكر ذلك الماوردي في "تفسيره" ونسبه لابن زيد. انظر: 5/ 264، ونسبه القرطبي لابن عباس لكن بلفظ (على هدى من الأمر) انظر: 16/ 163.]] ﴿فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال يريدت قريظة والنضير [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 164.]].

وقال مقاتل: الذين لا يعملون توحيد الله يعني كفار قريش [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 838.]]، وقال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي -ﷺ- وهو بمكة: ارجع إلى ملة آبائك فهم كانوا أفضل منك [[ذكر ذلك مقاتل 3/ 838، والبغوي في "تفسيره" 7/ 243.]] وأسن، فأنزل الله هذه الآية.

45:19Page 500

إِنَّهُمۡ لَن يُغۡنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۚ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۖ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩

Indeed, they will never avail you against Allāh at all. And indeed, the wrongdoers are allies of one another; but Allāh is the protector of the righteous.

ثم ذكر أن اتباعهم لا ينفعه، وأنهم لا يدفعون عنه ولا ينفعونه فقال: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ لن يدفعوا عنك من عذاب الله شيئًا: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المنافقين أولياء اليهود [[ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" 16/ 164 عن ابن عباس.]]، وقال الكلبي، ومقاتل: يعني مشركي مكة بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين الشرك [[انظر: "تنوير المقباس" ص 500، و"تفسير مقاتل" 3/ 838.]]، وهم أمة محمد -ﷺ-، وقال عطاء: يريد المهاجرين والأنصار [[لم أقف عليه.]].

45:20Page 500

هَٰذَا بَصَٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٢٠

This [Qur’ān] is enlightenment for mankind and guidance and mercy for a people who are certain [in faith].

قوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني القرآن [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 147 لكن نسبه لابن زيد، وانظر: "تفسير مقاتل" 3/ 838.]]، كأنه قال هذا القرآن، (هذا) إشارة إلى القرآن، قاله الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 432.]]، وقال أبو عبيدة: مجازها مجاز القرآن بصائر للناس [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 210.]]، وذكرنا تفسير هذه الآية في آخر سورة الأعراف [آية: 203].

45:21Page 500

أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٢١

Or do those who commit evils think We will make them like those who have believed and done righteous deeds - [make them] equal in their life and their death?1 Evil is that which they judge [i.e., assume].

قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ قال الكلبي: نزلت في علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، وفي ثلاثة رهط من المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم علي شيء وإن كان ما تقولون حقًا لنفضلن عليكم في الآخرة كما فضلنا عليكم في الدنيا [[انظر: "تنوير المقباس" ص 500، و"تفسير السمرقندي" 3/ 225، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 165.]].

قال مقاتل: قال كفار مكة للمؤمنين: إنا نُعْطَى في الآخرة من الخير مثل ما تعطون. فقال الله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ﴾ وهو استفهام إنكار {اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ} عملوا الشرك [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 839]]، واجترح معناه في اللغة: اكتسب [[انظر: "تهذيب اللغة" (جرح) 4/ 141، و"اللسان" (جرح) 2/ 423.]]، قال أبو عبيدة: اجترحوا: اكتسبوا [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 210.]]، وأنشد للأعشى:

وهو الدَّافِعُ عن ذي كُرْبَةٍ ... أيْدِي القَوْم إذا الجَاني اجْتَرَحْ [[انظر: "ديوان الأعشى" ص 161، و"الزاهر" لابن الأنباري 1/ 268.]]

وذكرنا الكلام في تفسير هذا الحرف عند قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: 4] قال ابن عباس: افتعلوا السيئات، يريد الشرك والنفاق [[لم أقف عليه.]].

قوله تعالى: ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ قرئ (سواء) رفعًا ونصبًا، واختار أبو عبيد النصب [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 175، و"الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 268، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 165، وقد أشار إلى اختيار أبي عبيد.]] [موقع (نجعلهم) عليهم [[كذا رسمها في الأصل، وذكر النحاس في "إعراب القرآن" اختيار أبي عبيد بلفظ (بوقوع "نجعلهم" عليها). انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 145.]]] قال: وهو عندنا وجه التأويل إن أحسنوا أن نجعلهم وهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء.

وقال الفراء: إذا نصبت (سواء) كانت بمنزلة قولك: رأيت القوم سواء صغارهم وكبارهم، ومررت بقوم سواء صغارهم وكبارهم [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 47.]].

وقال أبو إسحاق: من قرأ بالنصب جعله في موضع مستويًا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 433.]]، وهو قول الأخفش [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 692.]].

قال أبو علي: من نصب (سواء) جعل المحيا والممات بدلاً من الضمير المنصوب في "نجعلهم" فيصير التقدير: أن نجعل محياهم ومماتهم سواء، على أنه مفعول ثانٍ لنجعل، فيكون انتصاب (سواء) على القول حسنًا، قال: ويجوز أن نجعله حالاً، ويكون المفعول الثاني قوله: ﴿كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وإذا كان كذلك أمكن أن يكون سواء منتصبًا على الحال، وعلى هذه القراءة الضمير في محياهم ومماتهم للقبيلتين المؤمنين والكافرين [[انظر: "الحجة" لأبي علي بتصرف 6/ 177.]].

ومعنى الآية: ما ذكره مجاهد عن ابن عباس قال: المؤمن مؤمن محياه مؤمن مماته، والكافر كافر محياه كافر مماته [[أخرج ذلك الطبري عن مجاهد. انظر: "تفسيره" 14/ 13، و"تفسير مجاهد" ص 600، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 166.]]. يعني أَحسِبوا أن حياتهم وموتهم كحياة المؤمنين وموتهم، كلا فإنهم يعيشون كافرين ويموتون كافرين، والمؤمنون يعيشون مؤمنين ثم يموتون مؤمنين، وقد مَيَّز الله بين الفريقين في مواضع من كتابه، فجعل حزب الإيمان في الجنة وحزب الكفر في السعير، هذا كله على القراءة بالنصب [[قرأ الكسائي وحمزة وحفص عن عاصم (سواءً) نصبًا، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم (سواءٌ محياهم) رفع.

انظر: "الحجة" 6/ 175، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 661.]]، وأما بالرفع فقال أبو إسحاق: الاختيار عند سيبويه والخليل وجميع البصريين الرفع لأن (سواء) في مذهب المصدر، تقول: ظننت زيدًا سواءً أبوه وأمه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 433، والكتاب لسيبويه 2/ 34، ولم أقف على اختيار الخليل، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 146.]]، قال أبو علي: ليس الوجه في الآية نصب سواء.

وأجراه على ما قبله على حد قولك: مررت برجل ضارب أبوه؛ لأنه ليس باسم فاعل ولا ما شبه به من حسن وشديد ونحو ذلك، إنما هو مصدر فلا ينبغي أن يجرى على ما قبله كما يجرى اسم الفاعل وما شبه به، لتَعرِّيه من المعاني التي أعمل لها فاعلُ، وما شُبِّه به عَمَلُ الفعل [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 175.]].

وقال المبرد: وجه الكلام الرفع؛ لأن (سواء) في معنى المصدر وليس باسم الفاعل، فلا يكون اسمًا لما قبله كما تقول: جعلت زيدًا مستويًا أمره، قال ووجه جواز النصب فيه أن المصدر يدل على الفعل وإن لم يكن اسم الفاعل، ومن قال هذا: مررت برجل تمام درهمه [[لم أقف عليه.]].

وقال أبو علي: ومن قال مررت برجل خير منه أبوه، وبسرجٍ خزٍّ صُفَّتُهُ، وبرجل مائةٍ إبلُهُ، استجاز أيضًا أن يجري (سواء) على ما قبله، ووجه القراءة بالرفع أن الكلام قد تم عنده قوله ﴿آمنوا﴾ والضمير في ﴿نجعلهم﴾ المفعول الأول، والمفعول الثاني: ﴿كالذين آمنوا﴾ وارتفع سواء بأنه خبر ابتداء مقدم تقديره: محياهم ومماتهم سواء، والضمير على هذه القراءة في المحيا والممات تعود على الكفار دون الذين آمنوا، والمعنى: محياهم محيا سوء ومماتهم كذلك، أي: أن محياهم ومماتهم يستويان في الذم والبعد من رحمة الله، ويجوز أن يكون الضيم للقبيلتين [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 177.]].

والمعنى: ما رواه قيس [[هو قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج ابن ساعدة الأنصاري الخزرجي الساعدي يكني أبا الفضل، وقيل: أبو عبد الله. وقيل: أبو عبد الملك، وكان من فضلاء الصحابة وأحد دهاة العرب وكرمائهم، قال ابن عيينة: كان ضخمًا حسنًا طويلاً، مات في خلافة عبد الملك. وقيل: في آخر خلافة معاوية سنة 85 هـ.

انظر: "أسد الغابة" لابن الأثير 5/ 214، و"تهذيب التهذيب" 8/ 395، و"الإصابة" 3/ 249 (7177).]] بن سعد عن مجاهد قال: يموت المؤمن على إيمانه ويبعث عليه ويموت الكافر على كفره ويبعث عليه [[لم أقف على هذه الرواية وقد أخرج ابن جرير عن ابن أبي أبي نجيح عن مجاهد نحو هذه الرواية.

انظر: "تفسير ابن جرير" 13/ 148، و"تفسير مجاهد" ص 600، و"الدر المنثور" 7/ 426.]]، وتأويل هذا أن محيا القبيلتين ومماتهم سواء، الكفار يعيشون كافرين ويموتون كافرين، والمؤمنون على الضد من ذلك، كما قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: المؤمن مؤمن في الدنيا والآخرة، والكافر كافر في الدنيا والآخرة [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 148، و"تفسير مجاهد" ص 600، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 166.]].

قوله تعالى: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ قال ابن عباس: بئس ما حكموا [[لم أقف عليه.]]، وقال مقاتل: بئس ما يقضون من الجور حين يرون أن لهم في الآخرة ما للمؤمنين [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 839.]]، ثم ذكر أنه خلق السموات للحق ولجزاء كل نفس بما كسبت، كي لا يظن الكافر أنه لا يُجْزَى بكفره، وأنه يستوي مع المؤمن وهو قوله:

45:22Page 500

وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَلِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٢

And Allāh created the heavens and earth in truth and so that every soul may be recompensed for what it has earned, and they will not be wronged.

﴿وَخَلَقَ اللَّهُ﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском