Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Ahqaf 46:15–24
46:15Page 504
وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٥
And We have enjoined upon man, to his parents, good treatment. His mother carried him with hardship and gave birth to him with hardship, and his gestation and weaning [period] is thirty months. [He grows] until, when he reaches maturity and reaches [the age of] forty years, he says, "My Lord, enable me1 to be grateful for Your favor which You have bestowed upon me and upon my parents and to work righteousness of which You will approve and make righteous for me my offspring. Indeed, I have repented to You, and indeed, I am of the Muslims."
قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ قد تقدَّم الكلامُ في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت [آية: 30] ولقمان [آية: 14].
قوله: ﴿إِحْسَانًا﴾ قال مقاتل: برًّا [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19، 20.]] وقرئ (إحسانًا) والإحسان خلاف الإساءة، والحسن خلاف القبح، فمن قال (إحسانًا) فحجته قوله في سورة بني إسرائيل: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23] لم يختلفوا فيه، وانتصابه على المصدر، وذلك أن معنى قوله (ووصينا الإنسان): أمرناه بالإحسان أي ليأت الإحسان إليهما دون الإساءة، ولا يجوز أن يكون انتصابه بوصينا؛ لأن وصينا قد استوفى مفعوليه أحدهما: الإنسان، والآخر: المتعلق بالباء، ومن قال (حُسْنًا) كان المعنى ليأت في أمرهما أمرًا ذا حسن أي: ليأت الحسن في شأنهما دون القبح، وحجته ما في العنكبوت ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [آية: 8] لم يختلف فيه، فأما الباء في قوله: ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ فإنها تتعلق بوصينا بدلالة قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: 151 - 153] ويجوز أن تتعلق بالإحسان، يدل على ذلك قوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: 100] وعلى هذا تعلقها بمضمر يفسره الإحسان؛ لأنه يجوز تقدمها على الموصول، ولكن يضمر ما يتعلق به، ويجعل الإحسان مفسرًا لذلك المضمر، كأنه قيل: ووصينا الإنسان أن يحسن بوالديه، ومثل هذا قول الراجز:
كان جَزَائِي بالعَصا أَنْ أُجْلَدَا [[الرجز للعجاج. انظر: "المحتسب" 2/ 310، و"شرح الأبيات المشكلة الإعراب" لأبي علي ص 119، و"الحجة" 6/ 182.]]
في قول من علق الباء بالجلد، ولم يعلقه بالجزاء [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 182.]] قوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ وقرئ (كَرْهًا) [[وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبو عمرو. انظر: "الحجة" 6/ 184.]] والكَرْه المصدر من كَرِهْتُ الشيء أَكْرَهُهُ، والكُرْه الاسم، كأنه الشيء المكروه، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216] فهذا [[فيه زيادة لفظ (بالضم). انظر: "الحجة" 6/ 184.]] وقال: ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: 19] فهذا في موضع حال، ولم تقرأ بغير الفتح، فما كان مصدرًا أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن، وما كان اسمًا نحو: ذهب به على كُرهٍ، كان الضم فيه أحسن، وقد قيل إنهما لغتان، فمن ذهب إلى ذلك جعلهما مثل الشَّرْبِ والشُّرْب، والضَّعف والضُّعف، والفَقْر والفُقْر، ومن غير المصادر الدَّفُّ والدُّف، والشَّهْد والشُّهْد [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 184.]].
قال المفسرون: حملته أمه في مشقة ووضعته في مشقة [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 15، و"تفسير الماوردي" 5/ 276، و"تفسير ابن كثير" 6/ 280.]]، وليس يريد ابتداء الحمل؛ لأن ذلك لا يكون مشقة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ [الأعراف: 189] يريد ابتداء الحمل، فإنها تحمل علقة ومضغة، فإذا ثقلت حينئذ حملته كرهًا، يدل على ما ذكرنا قول ابن عباس في هذه الآية: يريد ثقل عليها يعني الولد في حملها إياه، ووضعته كرها، يريد شدة الطلق [[ذكر ذلك في "الوسيط" عن ابن عباس، انظر: 4/ 107.]].
قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ يريد أن مدة حمله إلى أن فصل من الرضاع كانت هذا القدر، والمعنى: أنهما يقعان في ثلاثين شهرًا من ابتداء الحمل إلى أن يفصل. روى مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال: حملته ستة أشهر والفصال حولين، وروى عكرمة عنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته إحدى وعشرين شهرًا، وإذا حملته ستة أشهر أرضعته أربعة وعشرين شهرًا [[ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وأخرجه ابن كثير في "تفسيره" عن عكرمة عن ابن عباس 6/ 281.]].
وهذه الآية نازلة في أبي بكر الصديق رضي الله عنه [[أورد ذلك المؤلف في "أسباب النزول" بدون سند ص 401، وذكره الثعلبي في تفسيره 10/ 110 ب، وكذلك ذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378.]]، روى ذلك الكلبي وعطاء عن ابن عباس. وهو قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20.]] واختيار صاحب النظم قال: لأن الله تعالى قد وَقَّتَ الحمل والفصال هاهنا بتوقيت يعلم أنه قد ينقص ويزيد لاختلاف الناس في الولادة، فدل هذا على أنه مقصود به إنسان بعينه كان حمله وفصاله ثلاثين شهرًا، فيمكن أن يكون أبو بكر كان حمله وفصاله هذا القدر، ويدل على ما ذكرنا قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾، إلى آخر الآية، وقد علمنا أن كثيرًا ممن بلغ هذا المبلغ من المؤمنين وغيرهم لم يكن منه هذا القول، فثبت بذلك أن هذا في إنسان بعينه وهو الصديق رضي الله عنه [[وهو الذي ورد في سبب نزول الآية كما سبقت الإشارة إليه، وقد ذكر السيوطي في "الدر" أنه أخرجه ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما. انظر: "الدر المنثور" 7/ 441.]]، والآية من باب حذف المضاف لأن التقدير: ومدة حمله وفصاله ثلاثون شهرًا.
قال الأزهري المعنى: ومَدَى الحَمْل للمرأة منتهى الوقت الذي يفصل فيه الولد عن رضاعه ثلاثون شهرًا [[انظر: "تهذيب اللغة" (فصل) 12/ 193.]]، والكلام في معنى الفصال قد تقدم في سورة البقرة [آية: 123].
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ اختلفوا في معنى بلوغ الأشد هاهنا فروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد ثمان عشرة سنة، وذلك أن أبا بكر صحب رسول الله -ﷺ- وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي -ﷺ- ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في التجارة فنزلوا منزلا فيه سدرة فقعد رسول الله -ﷺ- في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله من الدين فقال له: مَنْ الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبي، وما استظل تحتها أحد بعد عيسى بن مريم إلا محمد نبي الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، وكان لا يكاد يفارق رسول الله -ﷺ- في أسفاره وحضوره فلما نبىء رسول الله -ﷺ- وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة فأسلم وصدق رسول الله -ﷺ- فلما بلغ أربعين سنة قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ [[ذكر ذلك المؤلف في "أسباب النزول" ص 401، وأورده البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378، وقال رواه عطاء عن ابن عباس، وذكره القرطبي في "الجامع" 16/ 194.]] الآية.
وروى مجالد عن الشعبي قال: الأشد بلوغ الحلم، إذا كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات [[أخرج ذلك الطبري في تفسيره 13/ 2/ 16، وذكره الماوردي ونسبه للشعبي 5/ 276.]]، وقال الحسن: هو بلوغ الأربعين [[ذكر ذلك الماوردي في "تفسيره" 5/ 277، والقرطبي في "الجامع" 16/ 194 عن الحسن.]] والأكثرون من أهل التفسير على أنه ثلاث وثلاثون سنة وهو قول مجاهد [[أخرج ذلك الطبري عن مجاهد وقتادة، انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 16، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20، ونص العبارة عنده: فهو في القوة والشدة من ثماني عثرة إلى الأربعين سنة.]] ورواه عن ابن عباس، وقول مقاتل وقتادة، واختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 52.]] والزجاج، قال الزجاج: الأكثر أن يكون ثلاثًا وثلاثين سنة؛ لأن الوقت الذي يكمل فيه الإنسان في بدنه وقوته واستحكام شبابه أن يبلغ بضعًا وثلاثين سنة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 442.]]، وقال الفراء: الأشبه بالصواب ثلاث وثلاثون؛ لأن الأربعين أقرب في النسق إلى ثلاث وثلاثين منها إلى ثمان عشرة، ألا ترى أنك تقول: أخذت عامة المال أو كله، فيكون أحسن من قولك: أخذت أقل المال أو كله، ومثله قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: 20] فبعض ذا قريب من بعض، فهذا سبيل كلام العرب [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 52.]].
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ قال ابن عباس: دعا ربه فقال: اللهم ألهمني [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 25، و"ابن كثير" 6/ 282 فقد ذكرا المعني من غير نسبة.]] ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ يريد: هديتني وجعلتني مؤمنًا صديقًا، لا أشرك بك شيئًا.
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ عن علي أنه قال: هذه الآية في أبي بكر أسلم أبواه جميعًا، ولم يجتمع لأحد من الصحابة المهاجرين أبواه غيره، أوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده [[أخرج ذلك الثعلبي في "تفسيره" عن علي 10/ 110 ب، وذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378، من غير نسبة، ونسبه القرطبي لعلي. انظر: 16/ 194، وكذلك نسبه في "الوسيط" لعلي. انظر: 4/ 107.]].
قال المفسرون: ووالداه أبو قحافة عثمان بن عمرو، وأم الخير بنت صخر بن عمرو [[ذكر ذلك البغوي في تفسيره 7/ 257، والقرطبي في "الجامع" 16/ 194.]].
وقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ قال ابن عباس: فأجابه الله تعالى فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم: بلال، وعامر بن فهيرة، ولم يَدَع شيئًا من الخير إلا أعانه الله عليه.
وقوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ قال أبو إسحاق: معناه: اجعل ذريتي صالحين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 442.]].
قال ابن عباس: فلم يبق له ولد ولا والد ولا والدة إلا آمنوا بالله وحده [[ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 258، والقرطبي في "الجامع" 16/ 195، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 108.]]. وقال مقاتل: يعني واجعل أولادي مؤمنين، فأسلموا أجمعون [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20.]].
قال المفسرون: ولم يكن أحد من الصحابة أسلم هو ووالده وبنوه وبناته إلا أبو بكر [[ذكر ذلك البغوي في تفسيره 7/ 258، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378، والقرطبي في "الجامع" 16/ 195.]].
قال مقاتل: ثم قال أبو بكر: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من الشرك ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ يعني المخلصين بالتوحيد [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20.]]. وقال عطاء: إني رجعت إلى كل ما تحب [[ذكر ذلك الماوردي في هذه الجملة عن ابن عباس بلفظ: رجعت عن الأمر الذي كنت عليه 5/ 278، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" بنص عبارة المؤلف ولم ينسبه 7/ 378، وكذلك ذكره في "الوسيط" عن عطاء عن ابن عباس. انظر: 4/ 108.]] وأسلمت لك بقلبي ولساني.
46:16Page 504
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ١٦
Those are the ones from whom We will accept the best of what they did and overlook their misdeeds, [their being] among the companions of Paradise. [That is] the promise of truth which they had been promised.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي أهل هذا القول: ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ قرئ بضم الياء على بناء الفعل للمفعول وقرئ بالنون المفتوحة، وكذلك ﴿وَنَتَجَاوَزُ﴾ وكلاهما في المعني واحد؛ لأن الفعل وإن كان مبنيًّا للمفعول فمعلوم أنه لله سبحانه، فبناؤه للمفعول في العلم بالفاعل كبنائه للفاعل كقوله: ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] والفعل معلوم أنه لله وإن بني للمفعول كقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 135] ووجه قول من قرأ بالنون أنه قدم تقدم قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ فكذلك يُتَقَبَّلُ [[قرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون، وقرأ الباقون بالياء. انظر: كتاب "الحجة" لأبي علي 6/ 184، و"السبعة" لابن مجاهد ص 597، و"الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 272، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 664.]].
وقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ يعني: الأعمال الصالحة التي عملوها في الدنيا وكلها حسن، فالأحسن بمعنى التحسن كقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ﴾ [الزمر: 55] وقد مر، وقال بعض أهل المعاني: الحسن من الأعمال المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب، والأحسن ما يوجب الثواب من خير وطاعة [[انظر: "الجامع الأحكام القرآن" 16/ 196.]].
وقوله تعالى: ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ قال الحسن: هذا لمن أراد الله كرامته [[انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 233.]]، وقال عطاء: يريد ما كان في الشرك.
قوله: ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ قال مقاتل: (في) بمعنى: مع [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 21.]]، وعلى هذا المعنى أنه يفعل بهم ما يفعل بأصحاب الجنة كما تقول: يعطى زيد مع القوم، ويجوز أن يكون المعنى: ونتجاوز عن سيئاتهم في جملة ما نتجاوز عنهم وهم أصحاب الجنة؛ لأنهم أهل التجاوز عنهم، وكأنه قال: ونتجاوز في جملة من نتجاوز عنهم [[قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: أي هؤلاء المتصفون بما ذكرنا التائبون إلى الله المنيبون إليه المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم، فيغفر لهم الكثير من الزلل ونتقبل عنهم اليسير من العمل. انظر: "تفسير ابن كثير" 6/ 282.]].
وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ قال أبو إسحاق: هو مصدر مؤكد لما قبله؛ لأن قوله (نتقبل) و (نتجاوز) بمعنى الوعد لأن الله قد وعدهم القبول، فوعد الصدق توكيد لذلك [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 443.]].
قال المفسرون: ومعنى (وعد الصدق): هو ما وعد الله أهل الإيمان أن يتقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 18، و"تفسير البغوي" 7/ 258، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 196، و"تفسير الوسيط" 4/ 108.]]، ومعنى التجاوز في اللغة: ترك الوقوف على الشيء، يقال: جاز عنه وتجاوز، ثم استعمل بمعنى العفو؛ لأنه بمعنى الترك للذنب والمحاسبة عليه [[انظر: "تهذيب اللغة" (جوز) 11/ 149، و"الصحاح" (جوز) 3/ 870.]]، ووعد الصدق من باب إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن الصدق هو ذلك الوعد الذي وعده الله فهو كقوله [[انظر: "وضح البرهان في مشكلات القرآن" 2/ 296.]]: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: 95] هذا على مذهب الكوفيين، وعند البصريين يكون التقدير: وعد الكلام الصدق، والكتاب الصدق فحذف الموصوف [[انظر: "فتح القدير" للشوكاني 5/ 19.]].
وقوله: ﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾، قال الكلبي: كانوا يوعدون في الدنيا على لسان الرسل [[انظر: "تنوير المقباس" ص 504، وذكر هذا المعنى الماوردي، ولم ينسبه. انظر: "تفسيره" 5/ 29، وأيضًا ذكره ابن الجوزي، ولم ينسبه. انظر: "زاد المسير" 7/ 379.]]، وهو قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [التوبة: 72].
46:17Page 504
وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٧
But one who says to his parents, "Uff1 to you; do you promise me that I will be brought forth [from the earth] when generations before me have already passed on [into oblivion]?" while they call to Allāh for help [and to their son], "Woe to you! Believe! Indeed, the promise of Allāh is truth." But he says, "This is not but legends of the former peoples" -
قوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ ذكر المفسرون في هذه الآية قولين، الأكثرون على أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر [[أخرج ذلك البخاري في صحيحه. انظر: كتاب التفسير سورة الأحقاف باب "والذي قال لوالديه أف لكما. .) 2/ 6 / 41.]]، وهو قول ابن عباس [[أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس. انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 19، وانظر: "تفسير الماوردي" 5/ 279، و"تفسير البغوي" 7/ 258، و"الجامع" للقرطبي 16/ 197.]] وأبي العالية والسدي ومقاتل [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 258، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 197، و"تفسير ابن كثير" 6/ 284، و"تفسير مقاتل" 4/ 21.]] ومجاهد قالوا: نزلت فيه قبل إسلامه [[وقد ضعف هذا القول ابن كثير في تفسيره 6/ 284، وكذلك ضعفه ابن حجر في الفتح، فقال: قلت: لكن نفي عائشة أن تكون نزلت في عبد الرحمن وآل بيته أصح إسناداً وأولى بالقبول. انظر: "فتح الباري" تفسير 8/ 576.]] كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى وهو قول "أف لكما". قال مقاتل: يعني الرديء من القول [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 21.]]، وذكرنا تفسير أُف، والقراءة فيه في سورة بني إسرائيل [آية: 23]، قال المفسرون: دعاه أبواه إلى الإسلام وأخبراه بالبعث بعد الموت فقال: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ أي: من القبر يعني: أبعث بعد الموت ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ يعني الأمم الخالية، فلم أر أحدًا منهم، فأين عبد الله بن جدعان، وأين عثمان بن عمرو [[هو: عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة من عدنان جد جاهلي بنوه بطن من مزينة منهم زهير بن أبي سلمى وآخرون صحابة وشعراء محدثون.
انظر: "جمهرة الأنساب" ص 190، و"الأعلام" 4/ 212.]] وفلان وفلان [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 111 أ، و"تفسير البغوي" 7/ 259، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 198، و"تفسير الوسيط" 4/ 109.]].
قوله تعالى: ﴿وَهُمَا﴾ يعني والديه ﴿يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾ يدعوان الله بالهدى وأن يقبل بقلبه إلى الإسلام والمعنى: يستغيثان بالله من كفره وإنكاره، فلما حذف الجار وصل الفعل، ويجوز أن يكون الباء حذف لأنه أريد بالاستغاثة الدعاء على ما قال المفسرون يدعوان الله، والاستغاثة بالله دعاء ليغيثك فيما نابك، فلما أريد به الدعاء حذف الجار [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 198، و"تفسير الوسيط" 4/ 109.]]؛ لأن الدعاء لا يقتضيه ومثله كثير.
قوله: ﴿وَيْلَكَ﴾ أي: ويقولون له: ويلك ﴿آمِنْ﴾ صدق بالبعث ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث ﴿حَقٌّ فَيَقُولُ﴾ لهما ﴿مَا هَذَا﴾ الذي تقولان من أمر البعث وتدعوانني إليه ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وقال الحسن وقتادة: هذه الآية مرسلة عامة، وهي نعت عبد كافر عاق لوالديه [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 259، و"الجامع" 16/ 197 ، فقد نسباه للحسن وقتادة.]]، وكانت عائشة رضي الله عنها تنكر أن تكون الآية في عبد الرحمن، وقالت: إنها في فلان بن فلان وسَمَّت رجلاً [[انظر: "فتح الباري" 8/ 576، و"تفسير البغوي" 7/ 259، و"زاد المسير" 7/ 380، و"الجامع" للقرطبي 16/ 197.]]. وقال أبو إسحاق: من قال إنها نزلت في عبد الرحمن قبل إسلامه يبطله.
46:18Page 504
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ١٨
Those are the ones upon whom the word [i.e., decree] has come into effect, [who will be] among nations which had passed on before them of jinn and men. Indeed, they [all] were losers.
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ الآية، فأعلم الله أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وإذا أعلم بذلك فقد أعلم أنهم لا يؤمنون وعبد الرحمن مؤمن من أفاضل المسلمين وسرواتهم، أجاب الله فيه دعاء أبيه فأسلم، والتفسير الصحيح أنها نزلت في الكافر العاق [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 443.]]، وقال صاحب النظم: ذكر الله تعالى في الآيتين قبل هذه من بر بوالديه وعمل بوصية الله، ثم ذكر من لم يعمل بالوصية فقال لوالديه: أف لكما بصفة العقوق، حيث لم يطع الله في قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23] وعلى هذا القول نزلت في كافر عاق مات على عقوقه وكفره، ثم دخل فيها من كان بهذه الصفة لقوله بعد هذا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ والذين قالوا الآية في عبد الرحمن قبل إسلامه قالوا: في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾. نزل في الذين ذكرهم عبد الرحمن من المشركين الذين ماتوا قبله هم الذين حق عليهم القول، وليس عبد الرحمن من جملتهم؛ لأنه آمن وحسن إيمانه، ذكر ذلك الكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" ص 504.]] ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 22.]]، وهذه الآية مفسَّرة في سورة ﴿حم﴾ السجدة [آية: 25].
46:19Page 504
وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۖ وَلِيُوَفِّيَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٩
And for all there are degrees [of reward and punishment] for what they have done, and [it is] so that He may fully compensate them for their deeds, and they will not be wronged.
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ذكر ابن عباس ومقاتل: أن هذه الآية خاصة في المؤمنين.
قال ابن عباس: يريد من سبق إلى الإسلام فهو أفضل ممن تخلف عنه ولو بساعة [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 259، فقد ذكر هذا القول ونسبه لابن عباس، وكذلك نسبه في "الوسيط" لابن عباس. انظر: 4/ 110.]].
وقال مقاتل: يعني ولكل فضائل بأعمالهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 22.]]، وذهب بعضهم إلى الإشارة في هذه الآية إلى إسلام عبد الرحمن، فإنه كان مسبوقًا بالإسلام، فبين الله للسابق درجة وللمسبوق درجة، ومذهب ابن زيد أن الآية في الفريقين من المؤمنين والكافرين، فقال: (ولكل) يعني من الفريقين درجات، قال: درج أهل الجنة تذهب علوًّا، ودرج أهل النار تذهب سفالاً [[أخرج ذلك الطبري عن ابن زيد. انظر: "تفسيره" 13/ 2 / 20، وانظر تفسير البغوي" 7/ 259، و"تفسير ابن كثير" 6/ 285، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 199.]].
وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلُوا﴾ يعني: أن الدرجات المتفاوتة كانت لهم من أعمالهم ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ يريد مجازاة أعمالهم وثواب أعمالهم قاله ابن عباس، ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 22. ولم أقف على نسبته لابن عباس.]].
46:20Page 504
وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ ٢٠
And the Day those who disbelieved are exposed to the Fire [it will be said], "You exhausted your pleasures during your worldly life and enjoyed them, so this Day you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation because you were arrogant upon the earth without right and because you were defiantly disobedient."
قوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ قال مقاتل: يعني يكشف الغطاء عنها لهم فينظرون إليها، يعني كفار مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 22. ولم أقف على نسبته لابن عباس.]].
قوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ قرئ بالاستفهام والخبر، قال الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 54.]] والزجاج [[انظر: "معانى القرآن" للزجاج 4/ 444.]]: العرب توبخ بالألف، وبحذف الألف فتقول: أذهبت ففعلت كذا وكذا، وذهبت ففعلت كذا وكذا، والمعنى في القراءتين: يقال لهم هذا فحذف القول، قال أبو علي: وجه الاستفهام أن هذا النحو قد جاء بالاستفهام نحو: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ [الأحقاف: 34]، {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [آل عمران: 106] ووجه الخبر أن المراد هاهنا التقرير، فالاستفهام مثل الخبر، ألا ترى أن هذا الاستفهام الذي يراد به التقرير لا يجاب بالفاء كما يجاب بها إذا لم يكن تقريرًا، فكأنهم يوبَّخُون بهذا الذي يخبرون به وُيبَكَّتُون [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 189.]]، قال الكلبي: يعني اللذات وما كانوا فيه من المعايش وتمتعهم بها في الحياة الدنيا [[انظر: "تنوير المقباس" ص 504، و"تفسير الوسيط" 4/ 110.]].
وذكر المفسرون عن النبي -ﷺ- والصحابة أخبارًا في هذه الآية، أنهم كانوا يجتنبون نعيم العيش ولذته بالطيبات في الدنيا [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 21، و"زاد المسير" 7/ 382، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 200، و"تفسير الوسيط" 4/ 110.]]؛ لأن الله تعالى وبخ الكافرين بذلك، وذلك مذهب الصالحين يؤثرون في الدنيا التقشف والزهد رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل، ولا عتب على المؤمن في التمتع بما أحل الله له وأباحه من نعيم العيش والتمتع بالطيبات في الدنيا، وإنما وبخ الكافر بذلك؛ لأنه تمتع بها ولم يؤد شكر المنعم بطاعته والإيمان به، والمؤمن يؤدي بإيمانه شكر المنعم فلا يوبَّخ بتمتعه، وهذا معنى قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 22.]]، وهو حسن، قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: تتكبرون عن عبادة الله والإيمان به ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ تعصون.
46:21Page 505
۞ وَٱذۡكُرۡ أَخَا عَادٍ إِذۡ أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦٓ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٢١
And mention, [O Muḥammad], the brother of ʿAad,1 when he warned his people in [the region of] al-Aḥqāf - and warners had already passed on before him and after him - [saying], "Do not worship except Allāh. Indeed, I fear for you the punishment of a terrible day."2
قوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: واذكر يا محمد لقومك أهل مكة [وهودًا] [[كذا في الأصل ولعل الصواب (هودًا). وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 22، ولم أقف على نسبته لابن عباس.]] -عليه السلام- (إذ أنذر قومه) حذرهم عذاب الله إن لم يؤمنوا، وقوله (بالأحقاف) قال أبوعبيد عن الأصمعي [[انظر: قول أبي عبيد في "تهذيب اللغة" (حقف) 4/ 68، وانظر: "العين" للخليل (حقف) 3/ 51.]]: الحقف الرمل المعوج، ومنه قيل للمعوج محقوقف، وقال الفراء: الأحقاف واحدها حقف، وهو المستطيل المشرف [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 54.]].
وقال أبو عبيدة: الأحقاف الرمال، وأنشد:
باتَ إلى أرْطَاةِ حِقْفٍ أحْقَفا [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 213، وقد نسب هذا الرجز للعجاج، ونسبه إليه أيضًا الطبري في "تفسيره" 13/ 2/ 23، والقرطبي في "الجامع" 16/ 203.]]
قال المبرد: الأحقاف واحدها حقف، وهو الكثيب المكتبر غير العظيم وفيه اعوجاج، يقال للشيء: احقوقف، إذا هم بأن تلاقى طرفاه، كما قال العجاج:
سَمَاوَةُ الهِلالِ حتَّى احقَوْقَفَا [[انظر: "الكامل" للمرد 1/ 150، 153، و"الكتاب" لسيبويه 1/ 359، وانظر: ملحقات "ديوان العجاج" ص 84، و"تهذيب اللغة" (حقف) 4/ 68، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 203.]]
ويقال أيضًا في جميع الحقف حقاف وحقوف، قال امرؤ القيس:
ذِي حِقَافٍ عَقنْقَلِ [[البيت بتمامه:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل
الحقاف: ما ارتفع من الأرض وغلظ. والعقنقل: الرمل المتعقد الداخل بعضه في بعض. انظر: "ديوانه" ص 115، و"شرح المعلقات العشر" ص 28، و"الدر المصون" 6/ 141.]] وقال رؤبة:
مثل الأقاحِ اهْتَزَّ بالحُقُوف [[لم أقف عليه.]].
وذكر الكلبي سبب هذه الرمال واعوجاجها، فقال: هي رمال نضب الماء عنها زمان الغرق، كما ينضب الماء عن المكان من الجبل ويبقى أثره [[ذكر ذلك الثعلبي عن الكلبي 10/ 114 أ، والقرطبي عن الكلبي 16/ 204.]] وينضب أيضًا عن مكان أسفل من ذلك، ويبقى أثره دون ذلك، فذلك الأحقاف.
قال ابن عباس: الأحقاف واد بين عمان ومهرة [[مَهَرة: قال العمراني: مهرة بلاد تنتسب إليها الإبل، قلت: هذا خطأ إنما مهرة قبيلة وهي مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة تنسب إليهم الإبل المهرية وباليمن لهم مخلاف يقال بإسقاط المضاف إليه، وبينه وبين عُمان نحو شهر وكذلك بينه وبين حضرموت فيما زعم أبو زيد وطول مخلاف مهرة أربع وستون درجة وعرضه سبع عشرة درجة وثلاثون دقيقة.
انظر: "معجم البلدان" 5/ 234.]]، وإليها تنسب الجمال المهرية [[ذكر ذلك الثعلبي في تفسيره 10/ 114 أ، والماوردي في تفسيره 5/ 282، والبغوي في "تفسيره" 7/ 262، والقرطبي في "الجامع" 16/ 204.]]، وقال عطاء عنه: هي رمال بلاد الشَّحر، وهو قول قتادة [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 114 أ، والبغوي في "تفسيره" 7/ 262.]]، وقال مقاتل: هي دكاك الرمل باليمن في حضرموت [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 23.]] [[حضرموت: ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر، وحولها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف، وبها قبر هود -عليه السلام-، ولها مدينتان يقال لإحداهما تريم وللأخرى شبام. وعندها قلاع وقرى. == وقال ابن الفقيه: حضرموت مخلاف من اليمن بينه وبين البحر رمال، وبينه وبين مخلاف صُداء ثلاثون فرسخًا. وقيل: مسيرة أحد عشر يومًا. وقال الإصطخري: بين حضرموت وعدن مسيرة شهر. انظر: "معجم البلدان" 2/ 270.]].
وقال مجاهد: هي أرض حِسْمَى [[أخرج ذلك الطبري عن مجاهد انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 23، وأورده الثعلبي في تفسيره 10/ 114 أ.]] [[حسمى: بالكسر ثم السكون مقصور، يجوز أن يكون أصله من الحسم وهو المنع. وهو أرض ببادية الشام، بينها وبين وادي القرى ليلتان، وأهل تبوك يرون جبل وحسمى في غربيهم وفي شرقيهم شَرَورَى، وبين وادي القرى والمدينة ست ليال. وحِسمى أرض غليظة وماؤها كذلك لا خير فيها ويقال آخر ماء نضب من ماء الطوفان حسمى فبقيت منه هذه البقية إلى اليوم فلذلك هو أخبث ماء. انظر: "معجم البلدان" 2/ 258.]].
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قال مقاتل: وقد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده إلى قومهم ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ يعني: لم يبعث رسولاً من قبل هود ولا من بعد هود إلا أمر بعبادة الله وحده [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 23.]].
وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ كلامٌ اعترض بين إنذار هود وكلامه لقومه [[انظر: "راد المسير" 7/ 384.]] ، لأن التقدير: إذ أنذر قومه بالأحقاف فقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فذكر فصلاً مؤكدًا لهذا الكلام، ثم عاد إلى كلام هود لقومه بقوله [[انظر: "زاد المسير" 7/ 384.]]:
46:22Page 505
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَأۡفِكَنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٢
They said, "Have you come to delude us away from our gods? Then bring us what you promise us, if you should be of the truthful."
﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهذا معنى قول مقاتل، فقالوا لهود: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لتصدنا عن عبادة آلهتنا [[انظر: "الطبري" 13/ 2/ 24، و"القرطبي" 16/ 205، و"تفسير مقاتل" 4/ 23.]].
وقال أبو إسحاق: لتصرفنا عنها بالإفك [[أفَكَ يأفِكُ وأفِكَ يَأفَكْ إذا كذب، والإفْكُ: الإثم، والإفك: الكذب. انظر: "تهذيب اللغة" (أفك) 10/ 396.]] [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 445.]]، ثم استعجلوا العذاب فقالوا: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ إن العذاب نازل بنا، قال هود:
46:23Page 505
قَالَ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٣
He said, "Knowledge [of its time] is only with Allāh, and I convey to you that with which I was sent; but I see you [to be] a people behaving ignorantly."
﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي هو يعلم متى يأتيكم العذاب، وهذا معنى قول المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 25، و"تفسير البغوي" 7/ 263.]]، يعني: يعلم نزول العذاب بكم، ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ أي: من الوحي والإنذار، يعني: أنا مبلغ والعلم بوقت العذاب عند الله و ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ قال عطاء: تجهلون عظمة الله وما يراد بكم من العذاب، وقال الكلبي: تجهلون الأمر أنه من الله [[انظر: "تنوير المقباس" ص 505 ولم أقف على قول عطاء.]]، وقال أبو إسحاق: أي أدلكم على الرشاد وأنتم تصدون وتعبدون آلهة لا تنفع ولا تضر [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 445.]].
46:24Page 505
فَلَمَّا رَأَوۡهُ عَارِضٗا مُّسۡتَقۡبِلَ أَوۡدِيَتِهِمۡ قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٞ مُّمۡطِرُنَاۚ بَلۡ هُوَ مَا ٱسۡتَعۡجَلۡتُم بِهِۦۖ رِيحٞ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٤
And when they saw it as a cloud approaching their valleys, they said, "This is a cloud bringing us rain!" Rather, it is that for which you were impatient:1 a wind, within it a painful punishment,
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ ذكر المبرد في الضمير في (رأوه) قولين أحدهما: أنه عاد إلى غير مذكور وبَيَّنه قولُه تعالى: ﴿عَارِضًا﴾ [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 169، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 205.]]، كما قال: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: 45] ولم يذكر الأرض، ولكن يدل عليها العلم بها وما دل عليه الكلام، وعلى هذا الضمير يعود إلى السحاب كأنه قيل: فلما رأوا السحاب عارضًا، وهذا قول المفسرين واختيار الزجاج [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 25، و"تفسير الثعلبي" 10/ 114 ب، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 445.]]، ويكون هذا من باب الإضمار على شريطة التفسير، القول الثاني: أن الضمير عاد إلى: (ما) في قوله: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾، فلما رأوا ما يوعدون [[ذكر القولين السمين الحلبي في "الدر المصون" 6/ 141.]] عارضًا.
قال أبو زيد: العارض السحاب يراها في ناحية السماء [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 169.]].
وقال أبو عبيدة: العارض من السحاب الذي يرى في قطر من أقطار السماء بالعشي، ثم يصبح وقد حبا حتى استوى [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 213.]]، وهذا قول مقاتل: العارض بعض السحابة ثم تطبق السماء [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 23.]].
قوله: ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ قال المفسرون: كان عاد قد حبس عنهم المطر أيامًا فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث [[المُغِيث: بالضم ثم الكسر وآخره ثاء مثلثة: اسم الوادي الذي هلك فيه قوم عاد، وقال أبو منصور: بين معدن النَّقْرة والرَّبذة ماء يعرف ماوان ماء وشروب. انظر: "معجم البلدان" 5/ 162.]]، فلما رأوه مستقبل أوديتهم استبشروا [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 25، "تفسير الثعلبي" 10/ 114 ب.]] ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ والمعنى: ممطر إيانا، وهذا كقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]، وقد مر.
قال عمرو بن ميمون: كان هو قاعدًا في قومه فجاء سحاب مكفهر [[قال الأصمعي: (المكفهِرَ من السحاب: الذي يَغلَظ ويركَبْ بعضهُ بعضًا)، انظر: "تهذيب اللغة" (المكفهر) 6/ 508.]]، فقالوا: هذا عارض ممطرنا، فقال هود: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ [[أخرج ذلك الطبري عن عمرو بن ميمون انظر "تفسيره" 13/ 2/ 26.]] قال مقاتل: وكان استعجالهم حين قالوا لهود: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 23.]] ثم بين ما هو فقال: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، قال ابن عباس: كانت الريح تطير بهم بين السماء والأرض حتى أهلكتهم [[ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" عن ابن عباس 16/ 206، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس، انظر: 4/ 113.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences