Al-Wahidi (al-Basit)Muhammad · 47:1–9

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

محمد

Muhammad

Muhammad · Medinan · 38 ayahs

47:1Page 507

ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ١

Those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh - He will waste their deeds.1

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال مقاتل: بتوحيد الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 48.]] ﴿وَصَدُّوا﴾ الناس ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء ومجاهد: يريد مشركي قريش أهل مكة، وما فعلوا بالنبي -ﷺ- وأصحابه [[أخرج ذلك الطبري 13/ 39 عن مجاهد، وانظر: "الجامع" للقرطبي 16/ 223.]]، وقال في رواية الكلبي: يعني المطعمين ببدر وهم اثنا عشر رجلاً [[انظر: "تفسير السمرقندي" 3/ 239، "تنوير المقباس" ص 506.]].

وذكر مقاتل أسماءهم، أبو جهل والحارث بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبي وأمية ابنا خلف ومنبه [[هو: منبه بن الحجاج السهمي نديم جاهلي من أشراف قريش في الجاهلية وزنادقتها، قتله أبو قيس الأنصاري في وقعة بدر. "المحبر" ص 161، "طبقات ابن سعد" 2/ 18، "الأعلام" 7/ 289.]] ونبيه [[نبيه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة السعدي السهمي القرشي أبو الرزام شاعر من ذوي الوجاهة في قريش قبل الإسلام، قتل في وقعة بدر. "خزانة البغدادي" 3/ 101، "المحبر" 160، "الأعلام" 8/ 8.]] ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام [[هو: العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى قتل يوم بدر، قيل قتله عمر وقيل غيره، وهو من المستهزئين وممن عمل على شق الصحيفة. انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 375، "تاريخ الطبري" 2/ 336، "طبقات ابن سعد" 2/ 18.]] وزمعة بن الأسود [[هو: زمعة بن الأسود بن عبد يغوث بن عبد الملك بن أسد أحد زعماء قريش في الجاهلية. انظر: "الكامل" لابن الأثير 2/ 61، "سيرة ابن هشام" 1/ 315، "طبقات ابن سعد" 2/ 18.]] وحكيم بن حزام والحارث [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 43، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 223.]] بن عامر بن نوفل.

قوله تعالى: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ قال الكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" ص 507.]] ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 43.]]: أبطلها لأنها كانت في غير إيمان، يعني إطعامهم الطعام وصلتهم الأرحام.

قال أبو إسحاق: أحبطها فلا يرون في الآخرة لها ثواباً [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 5.]] والمعنى: أنها تفسير كأن لم تكن، من قول العرب: ضل اللبن في الماء. وقال عطاء: يريد أضل كيدهم الذي كادوا به النبي -ﷺ- [[أورد الثعلبي هذا القول ونسبه للضحاك. انظرت "تفسيره" 10/ 123 أ، وكذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 277، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 223.]].

47:2Page 507

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ ٢

And those who believe and do righteous deeds and believe in what has been sent down upon Muḥammad - and it is the truth from their Lord - He will remove from them their misdeeds and amend their condition.

قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال مجاهد عن ابن عباس: يعني: الأنصار [[أخرج ذلك الطبري 13/ 2/ 39، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 224.]].

وقال الكلبي: هم أصحاب محمد -ﷺ- [[انظر: "تنوير المقباس" ص 507.]].

وقال مقاتل: نزلت في بني هاشم وبني المطلب [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 43.]].

قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ قال المبرد: البال الحال في هذا الموضع، وقد يكون في غير هذا القلب، يقول القائل: ما يخطر هذا على بالي، أي: على قلبي [[ذكر قول المبرد هذا النحاس في "إعراب القرآن" 4/ 178، والقرطبي في "الجامع" 16/ 224، المؤلف في "الوسيط" 4/ 118.]]، قال مجاهد عن ابن عباس: أي: حالهم في الدنيا [[أخرج الطبري عن قتادة وابن زيد قال: حالهم في الدنيا، انظر: 13/ 2/ 39.]]، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: شأنهم [[أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس ومجاهد 13/ 2/ 39، ونسبه الماوردي في "تفسيره" لمجاهد 5/ 291، ونسبه القرطبي 16/ 224 لمجاهد وغيره.]]، وذكرهما الكلبي فقال: حالهم وشأنهم [[انظر: "تنوير المقباس" ص 507.]]، وقال مقاتل: زين أمرهم في الإسلام [[الذي عند مقاتل: أصلح بالتوحيد حالهم في سعة الرزق 4/ 43.]].

وقال عطاء عن ابن عباس: يريد عصمهم أيام حياتهم [[ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" عن ابن عباس قال: عصمهم أيام حياتهم يعني أن هذا الإصلاح يعود إلى إصلاح أعمالهم حتى لا يعصوا. انظر: "تفسير البغوي" 7/ 277. كما أورده بهذا النص أيضًا عن ابن عباس المؤلف في "الوسيط" 4/ 118.]]، وهذا تفسير حسن مبينٌ لما أجمله المفسرون من إصلاح الأمر والشأن والحال، وقد علم أن الله لم يرد بذلك إعطاء المال والثروة؛ لأن أصحاب النبي -ﷺ- لم يكونوا مياسير ذوي [ذروه [[كذا رسمها في الأصل، وهي إما أن تكون تصحيف: ثروة، أو يكون معناه: مأخوذ من ذروة الشيء، وهو آعلاه: أي لم يكونوا من ذوي الذروة وهي المنزلة العالية في الغنى والسعة في المال.]]] وإنما المراد بهذا الإصلاح، إصلاح الأعمال حتى لم يعصوا.

47:3Page 507

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمۡثَٰلَهُمۡ ٣

That is because those who disbelieve follow falsehood, and those who believe follow the truth from their Lord. Thus does Allāh present to the people their comparisons.1

ثم ذكر السبب في ذلك قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ أي: ذلك الإضلال والإصلاح لاتباع الذين كفروا الباطل، قال ابن عباس: يعني الشرك [[انظر: "تفسير أبي الليث" السمرقندي 3/ 240، و"الجامع" للقرطبي 16/ 225.]]، وقال مقاتل: يعني عبادة الشيطان [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 44.]].

قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قال ابن عباس: يعني التوحيد وتصديق النبي -ﷺ- [[قال القرطبي: الحق: التوحيد والإيمان ولم ينسبه انظر: "الجامع" 16/ 225.]]، وقال مقاتل: يعني القرآن [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 44.]].

﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ قال عطاء: يريد: فمصير الذين كفروا إلى النار، ومصير الذين آمنوا إلى الجنة [[لم أقف عليه.]].

وقال مقاتل: يعني حين ذكر إضلال أعمال الكفار وتكفير سيئات المؤمنين [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 44.]].

قال أبو إسحاق: أي كذلك يبين الله للناس أمثال حسنات المؤمنين وسيئات الكافرين، أي كالبيان الذي ذكر، انتهى كلامه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 6.]]، والضمير في (أمثالهم) يعود إلى الذين كفروا والذين آمنوا [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 225، "الدر المصون" 6/ 146.]].

ومعنى (أمثالهم): ما ذكر من إضلال أعمال أولئك الكفرة، فصار ذلك مثلاً لمن كان على مثل شأنهم وما ذكر من تكفير سيئات أولئك المؤمنين، فصار ذلك مثلاً لمن كان على مثل شأنهم، فمن كان كافراً أضل الله عمله، ومن كان مؤمناً كفَّر (سيئه)، هذا معنى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾، وجائز أن يعود الضمير إلى الناس وهم الكفار والمؤمنون [[انظر: "الدر المصون" 6/ 146.]].

ولما ذكر ما يعمل بالكفار علم المؤمنين كيف يصنعون بهم إذا لقوهم فقال:

47:4Page 507

فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٤

So when you meet those who disbelieve [in battle], strike [their] necks until, when you have inflicted slaughter upon them, then secure [their] bonds,1 and either [confer] favor2 afterwards or ransom [them] until the war lays down its burdens.3 That [is the command]. And if Allāh had willed, He could have taken vengeance upon them [Himself], but [He ordered armed struggle] to test some of you by means of others. And those who are killed in the cause of Allāh - never will He waste their deeds.

قوله تعالى [[كذا نصها في الأصل.]]: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ قال أبو عبيدة: هذا كقول العرب: يانفس صبراً [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 214.]]، وقال الفراء: نصب على الأمر، والذي نصب به مضمر [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 57.]].

قال أبو إسحاق: معناه: فاضربوا الرقاب ضرباً، منصوب على الأمر وتأويله: فاقتلوهم، ولكن أكثر مواضع القتل ضرب العنق، فأعلمهم الله كيف القصد، وليس يتوهم بهذا أن الضرب محصور على الرقبة فقط [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 6.]].

قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ قال ابن عباس: أكثرتم القتل ومضى تفسير الإثخان [[قال الأزهري: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾، قال أبو العباس: معناه: حتى إذا عليتموهم وقهرتموهم وكثر فيهم الجراح فأعطو بأيديهم. قال: وقال ابن الأعرابي: أثخن: إذا غلب وقهر وقال أبو زيد: يقال: أثخنت فلانًا معرفة: أي: قتلته معرفة، ورصنته معرفة: نحو الإثخان. انظر: "تهذيب اللغة" (ثخن) 7/ 334.]] عند قوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ في الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 67] وقوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد الأسر يعني إذا بالغتم في قتلهم فأسروهم، فالأمر بعد المبالغة في القتل [[قال الزجاج: ﴿أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أكثرتم فيهم القتل. فالأسر بعد المبالغة في القتل. انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 6، وذكر هذا المعنى البغوي في "تفسيره" ولم ينسبه 7/ 278، وابن الجوزي في "زاد المسير" ولم ينسبه 7/ 397، وقال السمرقندي: يعني: حتى إذا قهرتموهم وأسرتموهم فشدوا الوثاق يعني: فاستوثقوا أيديهم من خلفهم. انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 240.]] كما قال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67] وأما الوثاق: فهو اسم من الإيثاق، وقد يوضع موضع المصدر يقال: أوثقه إيثاقًا ووثاقاً، ومنه قوله: ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: 26] والوِثاق بالكسر اسم الشيء الذي يوثق به كالرباط [[انظر: "تهذيب اللغة" (وثق) 9/ 266، "اللسان" (وثق) 10/ 371.]].

قال المفسرون: أمر الله تعالى بشد وثاق الأسارى كيلا يقتلوا ويهربوا [[ذكر ذلك الطبري في "تفسيره" 13/ 2/ 40.]]، فأمر أولاً بالقتل ثم بالأسر، ثم ذكر الحكم في الأسر بقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ قال أبو إسحاق: أي بعد أن تأسروهم إما مننتم عليهم منًّا، فأطلقوهم بغير عوض، وإما أن تفدوا فداء [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 6.]]، واختلف المفسرون في هذه الآية، فذهب كثير منهم إلى هذا الحكم، وهو المن والفداء منسوخ بالقتل، وهو قوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] وهو قول مجاهد وقتادة والحسن ومقاتل والضحاك والسدي وابن جريج ورواية عطاء عن ابن عباس قالوا: إما السيف وإما الإسلام [[أخرج الطبري قول ابن جريج والسدي وقتادة وابن عباس والضحاك. انظر: == "تفسيره" 13/ 2/ 41، وذكر القرطبي قول قتادة ومجاهد. انظر: "الجامع" 16/ 227، "تفسير البغوي" 7/ 278، وانظر: "النا سخ والمنسوخ" للنحاس 3/ 5، "نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 466.]].

وقال سعيد بن جبير: إذا أثخن بالقتل فادى ومنّ [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 228.]] وقال الشعبي: الأسير يمن عليه، أو يفادى، وهذا مذهب ابن عمر وعطاء ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 41، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 228، "تفسير البغوي" 7/ 278.]] قال في قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: 67] الآية قال: ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله في الأسارى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ فجعل الله النبي -ﷺ- والمؤمنين بالخيار في الأسارى إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 41، "تفسير البغوي" 7/ 287.]] ونحو هذا روى المبارك بن فضالة عن الحسن.

قال أبو عبيد [[انظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 211.]]: والقول عندنا هذا، ولم يزل رسول الله -ﷺ- كان [[كذا رسمها في الأصل ووردت كذلك في إحدى نسخ كتاب "الوسيط" للمؤلف وعند أبي عبيد بلفظ: (وذلك أنه كان عاملًا بالآبات كلها من القتل والفداء والمن حتى توفاه الله). ص 211.]] عاملاً بهذه الأحكام التي أباحها له في الأسارى حتى توفاه الله على ذلك، ولا نعلمه نسخ شيء منها، بل كان يعمل بها على ما أراه الله من الأحكام التي أباحها له في الأسارى، وجعل الخيار والنظر فيها إليه حتى قبضه الله على ذلك، لم ينسخ من أحكامهم شيء، والإمام مخير في الذكور والمذكورين منهم بين أربع خلال وهي: القتل والاسترقاق والفداء والمن، إذا لم يدخل ذلك ميل بهوى في العفو ولا طلب الذّحل [[طلب الذحل: أي طلب الثأر. وقيل: وطلب مكافأة بجناية جنيت عليك أو عداوة أتيت إليك. انظر: "تهذيب اللغة" (ذحل) 4/ 465، "اللسان" (ذلل) 11/ 256.]] في العقوبة، ولكن على النظر للإسلام وأهله، هذا كلامه [[الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 211 - 216.]].

ومذهب الشافعي رحمه الله مثل ما ذكر [[انظر: "أحكام القرآن" للشافعي 1/ 158.]] في أحكام الأسارى من تخير الإمام في هذه الأربع الخلال في الأسارى الوثنية وفي أهل الكتاب [[قال ابن قدامة: من أسر من أهل الحرب على ثلاثة أضرب: أحدها النساء والصبيان. فلا يجوز قتلهم ويصيرون رقيقًا للمسلمين؛ لأن النبي -ﷺ- نهى عن قتل النساء والولدان، وكان عليه الصلاة والسلام يسترقهم إذا سباهم. الثاني: الرجال من أهل الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية فيتخير الإمام فيهم بين أربعة أشياء: القتل، والمن بغير عوض، والمفاداة بهم، واسترقاقهم. الثالث: الرجال من عبدة الأوثان وغيرهم ممن لا يقر بالجزية فيتخير الإمام فيهم بين ثلاثة أشياء: القتل أو المن والمفاداة ولا يجوز استرقاقهم، وعن أحمد جواز استرقاقهم وهو مذهب الشافعي. وبما ذكرنا في أهل الكتاب قال الأوزاعي والشافعي وأبو ثور. انظر: "المغني" لابن قدامة 13/ 44.]]، يزيد حكم خامس؛ وهو: أخذ الجزية عنهم إذا قبلوها وإن كان بعد الأسر.

قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ تفسير الأوزار ومأخذها من اللغة قد تقدم [[قال الفراء في قول الله جل وعز: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ قال: يريد آثامها وشركها حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم. انظر: "تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 243، == "اللسان" (وزر) 4/ 282. وقال ابن قتيبة: أجل الوزر: ما حملته فسمي السلاح. أوزارًا لأنه يحمل. انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 409.]].

قال أبو إسحاق: (حتى) موصولة بالقتل والأسر، المعنى: فاقتلوهم وأسروهم حتى تفسع العرب أوزارها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 6.]]. قال ابن عباس في رواية عطاء: حتى لا يبقى أحد من المشركين [[أورد هذا القول ابن الجوزي في "زاد المسير" ولم ينسبه 7/ 397، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس انظر: 4/ 120.]]، يريد عبدة الأوثان.

وقال مجاهد: حتى لا يكون دين إلا الإسلام [[ذكر ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 397، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 228، و"تفسير الوسيط" 4/ 120.]].

وقال الحسن: حتى يعبد الله ولا يشرك به [[انظر: "تفسير الحسن البصري" ص 288، "الدر المنثور" 7/ 459.]].

وقال سعيد بن جبير: يعني خروج عيسى بن مريم [[ذكر ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 397، والقرطبي في "الجامع" 16/ 228، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 120.]]، ونحو هذا قال مقاتل: وقال: أراد بالأوزار الشوك [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 44.]]، وقال قتادة: حتى لا يكون شرك [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة انظر: "تفسيره" 13/ 42.]].

وقال ابن حيان [[أي مقاتل بن حيان، ولم أقف عليه.]]: حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وهذه الأقوال معناها واحد وهو ما ذكره الفراء فقال: (أوزارها) آثامها وشركها، والمعنى: حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، قال: والهاء التي في (أوزارها) للحرب، وإنما يراد أوزار أهلها، وهم أهل الشرك خاصة كقولك: حتى تنفي الحرب أوزارها، يريد أوزار المشركين [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 57.]] هذا كلامه. وتأويله: حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين بأن يسلموا فلا يبقى دين غير الإسلام ولا يعبد وثن. والأوزار في هذا التفسير بمعنى الإجرام والآثام، وهذا المعنى موافق لقوله -ﷺ-: "والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال" [[قطعة من حديث أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد باب 35، في الغزو مع أئمة الجور 3/ 40، كما أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" برقم 2367، عن أنس -رضي الله عنه- 2/ 143، وأورده الزيلعي في "نصب الراية" وقال: قال المنذري في مختصره: يزيد بن أبي نُشْبَة في معنى المجهول، وقال عبد الحق: يزيد بن أبي نُشْبَة هو رجل من بني سليم، لم يرو عنه إلا جعفر بن برقان. انظر: "نصب الراية" 3/ 377.]].

قال أبو إسحاق: أي: اقتلوهم وأسروهم حتى يؤمنوا، فما دام الكفر فالجهاد والحرب قائمة أبداً [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 6.]].

وذُكر في هذا المعنى وجهان آخران. أحدهما: أن معنى الأوزار هاهنا الأسلحة وآلات الحرب، وهو اختيار أبي عبيد [[انظر: قول أبي عبيد في "تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 244.]] وابن قتيبة [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 409.]] واحتجَّا بقول الأعشى:

وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ... رِمَاحاً طِوالاً وَخَيْلاً ذُكُورا [[انظر: "ديوان الأعشى" ص 71، "تهذيب اللغة" 13/ 244، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 409، "الدر المصون" 6/ 147، و"الجامع" 16/ 229.]]

ففسر الأوزار بالرماح، قال ابن قتيبة: وأصل الوزر ما حملته، فسمي السلاح أوزاراً؛ لأنه يحمل، قال: والمعنى: حتى تضع أهل الحرب السلاح، ثم يعود هذا إلى ما ذكره الفراء: حتى يسلموا أو يسالموا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 57.]].

الوجه الثاني: أن معنى الحرب هاهنا: القوم المحاربون، يقال: هؤلاء حرب لفلان، إذا كانوا يعادونه ويحاربونه. والتأويل: حتى يضع المحاربون لملة الإسلام السلاح والشرك والآثام بالسلم والإسلام [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 279، و"زاد المسير" لابن الجوزي 7/ 397، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 229.]]، وللحرب تأويلان وللأوزار تأويلان على [ذكرنا [[كذا في الأصل ولعل الصواب (على ما ذكرنا).]]].

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: الأمر ذلك، قال: ويجوز أن يكون منصوباً على معنى: افعلوا ذلك [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 7.]].

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد بغيركم [[ذكر القرطبي قول ابن عباس لكن بلفظ: (لأهلكم بجند من الملائكة) 16/ 230.]].

وقال مقاتل: لانتصر منهم بملك واحد [[هذا القول غير موجود في "تفسير مقاتل" عند هذه الآية انظر 4/ 44، وقد أورده السيوطي بلفظ: (لأرسل عليهم ملكًا فدمر عليهم) وعزاه لابن المنذر وابن جريج. انظر: "الدر المنثور" 7/ 461، ونسبه القرطبي لابن عباس بلفظ: "لأهلكهم بجند من الملائكة" انظر: "الجامع" 16/ 230.]]، والمعنى: إن الله تعالى قادر على الانتصار منهم بغيركم من الملائكة، أو يهلكهم ويعذبهم بما يشاء، ﴿وَلَكِنْ﴾ يأمركم بالحرب ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ قال ابن عباس: يريد مَنْ قُتِلَ من المؤمنين فمصيره إلى النعيم والثواب، ومن قُتِل من المشركين فمصيره إلى العذاب، [وهو [[كذا رسمها، ولعل الصواب (وهذا) وانظر هذا القول في "الوسيط" 4/ 120.]]] الذي ذكر ابن عباس هو معنى الابتلاء، وذلك أن الله تعالى ابتلى الفريقين أحدهما بالآخر ليثبت المؤمن ويكرمه بالشهادة، ويخزي الكافر ويذله بالقتل.

وقال أبو إسحاق: أي ليمحص المؤمنين وليمحق الكافرين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 7.]].

قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي جاهدوا المشركين.

﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ يعني: كما يضل أعمال الذين كفروا في قوله: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾، وقرأ أبو عمرو: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والوجه قراءة العامة؛ لأنها أعم من حيث إنها تشمل مَنْ قاتل ولم يقتل، ومن قاتل وقُتل وقد حصل للمقاتل الثواب كما حصل للمقتول، فكان أولى لعمومه. وعلى قراءة أبي عمرو يختص المقتول [[هذا المحظور لا يرد على هذه القراءة. فالتعبير بـ (قتلوا) لبيان أن القتال مظنة القتل ولو لم يُقتل المقاتل فإنه كان معرضًا نفسه لذلك. وعليه فحتى على هذه القراءة لا يختص ما ورد فيها من مثوبة بمن قتل فحسب. وبذلك لا يعكر على "تفسيره" ما ورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما-.]] بقوله: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ وحجة أبي عمرو [[انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 6/ 190، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 276، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 666.]] ما قال قتادة [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة انظر: "تفسيره" 23/ 44، وذكره عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 221، والبغوي في "تفسيره" 7/ 280.]] ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" إلا أنه قال قتلى بدر 4/ 45، وقال أبو الليث السمرقندي قتلى يوم أحد وبدر. انظر: "تفسيره" 3/ 241.]]: أن المراد بقوله: (والذين قتلوا في سبيل الله) قتلى أحد من المؤمنين، غير أن قوله:

47:5Page 507

سَيَهۡدِيهِمۡ وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ ٥

He will guide them and amend their condition

﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ ينقض هذا القول، فإن ابن عباس قال: سيهديهم إلى أرشد الأمور ويعصمهم أيام حياتهم في الدنيا [[ذكر ذلك ابن الجوزي ونسبه لابن عباس ولم يذكر قوله: (ويعصمهم ...). انظر: زاد المسير" 7/ 398، وذكره المؤلف في "الوسيط" عن ابن عباس. انظر: 4/ 121.]]، وهذا لا يحسن وصف المقتولين، وحمل أبو إسحاق إصلاح البال في الموضعين من هذه السورة على إصلاح أمر المعاش وحال الدنيا، وقال: أراد أنه يجمع له خير الدنيا والآخرة، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: 66] إلى قوله: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ وبقوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: 11] إلى قوله: ﴿أَنْهَارًا﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 7.]] ويمكن أن يقال على قول قتادة ومقاتل [يعني [[في الأصل كتبت (يعني) ولعل الصواب (معنى).]]] الآية: سيهديهم إلى طريق الجنة ويصلح بالهم، وحالهم في الآخرة بإرضاء خصومهم وقبول أعمالهم وما شاكل ذلك.

47:6Page 507

وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ ٦

And admit them to Paradise, which He has made known to them.

وقوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ قال ابن عباس في رواية أبي صالح: إذا دخلوا الجنة حياهم الله بما يحيون به، وأعطاهم ما أعطاهم، ثم يقال لهم تفرقوا إلى منازلكم فيتفرقون إليها، فلهُم أعرفُ بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم [[أخرج الطبري عن مجاهد وابن زيد نحو هذه الرواية. انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 44، وكذلك ذكر نحوه البغوي ونسبه لأكثر المفسرين. انظر: "تفسيره" 7/ 280، وكذلك ذكره القرطبي في "الجامع" 16/ 321 ولم ينسبه، وذكره في "الوسيط " ولم ينسبه انظر: 4/ 121.]].

وقال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون، كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحداً [[أخرج ذلك الطبري عن مجاهد. انظر: "تفسيره" 13/ 44، وأورده الثعلبي في "تفسيره" 10/ 125 أ، وأورده البغوي في "تفسيره" 7/ 280.]].

هذا قول عامة المفسرين وأهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 58، "تفسير غريب القرآن" لابن قتية ص 409، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 465.]] وتلخيصه ما قال أبو عبيدة: (عرفها لهم): بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 214.]]، على أن مقاتل بن حيان جعل هذا تعريفًا باستدلال، فإنه يقول: بلغنا أن الملك الذي وكل بحفظ عمل ابن آدم يمشي في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه الله في الجنة، فإذا دخل إلى منزله وأزواجه انصرف الملك عنه، فهذا تعريف بوساطة الملك [[ذكر ذلك أبو حيان في البحر المحيط ونسبه لمقاتل. انظر: البحر 8/ 75. وذكره الشوكاني مختصرًا ونسبه لمقاتل انظر: "فتح القدير" 5/ 31.]]، والأول تعريف من قبل الله تعالى، وروي عن سلمة بن كهيل أنه قال: (عرفها لهم) طرقها [[ذكر ذلك النحاس في "معاني القرآن" ونسبه لسلمة بن كهيل 6/ 466، وذكر معنى هذا القول الشوكاني في "فتح القدير" ولم ينسبه 5/ 31.]] وعلى هذا التعريف واقع على الطرق إلى الجنة، على معنى: إن الله يعرفهم طرقها حتى يهتدوا إليها، ويكون التقدير: عرف طرقها لهم، فحذف المضاف [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 231.]].

وقال الحسن: وصف الله الجنة في الدنيا لهم فإذا دخلوها عرفوها بصفتها [[ذكر ذلك الماوردي في "تفسيره" ونسبه للحسن 5/ 294، وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 288، ونسبه القرطبي للحسن. انظر: "الجامع" 16/ 231.]]. وعلى هذا القول هذا التعريف وقع في الدنيا. ويكون المعنى: يدخلهم الجنة التي عرفها لهم، واللام في (لهم) لام الأجل، وهذه الأقوال كلها من التعريف الذي هو واقع المعرفة.

وروي عن ابن عباس قول آخر، قال عطاء: يريد طيبها لهم [[ذكر هذا القول الماوردي في "تفسيره"، ولم ينسبه 5/ 294، ونسبه في "الوسيط" لعطاء عن ابن عباس 4/ 121، وذكره البغوي ونسبه لعطاء 7/ 280.]]، وهذا القول اختيار المؤرج [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 125 أ.]] وأصحاب اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" (عرف) 2/ 345.]] وأصله من العَرْف وهو الرائحة الطيبة، وطعام مُعرّف، أي: مطيب، وأنشدوا قول الأسود بن يعفر:

فَتُدخِلُ أيدٍ في خناجرَ أُقْنِعت ... لِعَادتِها من الخَزِيرِ المُعَرَّفِ [[البيت استشهد به ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ولم ينسبه ص 410، وهو في "تهذيب اللغة" منسوب للأسود بن يعفر 2/ 345، ومعنى أقنعت: مدت ورفعت للفم والخزير: الحساء من الدسم.

وقد استشهد بالبيت الثعلبي في "تفسيره" ولم ينسبه 10/ 125 أ.]]

وعلى هذا معنى الآية: طيبها لهم بما خلق فيها من الروائح الطيبة، وقال بعض أهل المعاني: طيبها لهم بضروب الملاذ التي تتقبلها النفس تقبل ما تعرفه ولا تنكره [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 6/ 466، و"زاد المسير" 7/ 398، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 231.]]، وروى أبو العباس عن بعضهم في قوله: (عرفها لهم). قال: هو وضع الطعام بعضه على بعض من كثرته، وخزير معرَّف بعضه على بعض [[أنظر: قول أبي العباس في "تهذيب اللغة" (عرف) 2/ 345، وفي "الجامع لأحكام القرآن" من غير نسبة 16/ 231.]]، وعلى هذا القول هو من العُرْف المتتابع كعُرْف الفرس.

47:7Page 507

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧

O you who have believed, if you support Allāh, He will support you and plant firmly your feet.

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ قال أهل المعاني: إن تنصروا دين الله [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 180، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 232.]] ورسوله بالجهاد، إلا أنه أضيف النصر إلى الله تفخيماً لشأنه وتعظيماً وتلطفاً في الاستدعاء إليه كالتلطف في ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [البقرة: 245] وقوله: ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ أي بالغلبة على عدوكم ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ قال الكلبي ومقاتل: يعني عند القتال [[انظر: "تنوير المقباس" ص 507، "تفسير مقاتل" 4/ 45.]]، وقيل: علي الإسلام [[ذكر هذا القول والذي قبله الثعلبي في "تفسيره" ولم ينسبهما 10/ 125 أ، وكذلك القرطبي في "الجامع" 16/ 232.]]، وروي عن ابن عباس على الصراط [[ذكر هذا القول القرطبي في "الجامع" ولم ينسبه 16/ 232، وكذلك ذكره الشوكاني مع القولين السابقين ولم ينسبها. انظر: "فتح القدير" 5/ 31.]].

47:8Page 507

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٨

But those who disbelieve - for them is misery, and He will waste their deeds.

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ قال الكلبي: يعني: كفار قريش [[قال في "تنوير المقباس": (أبطل حسناتهم ونفقاتهم يوم بدر) ص 507.]]، وقال قتادة: هي للكفار خاصة [[أخرج الطبري عن قتادة قال: هي عامة للكفار 13/ 46.]]، وهذا أشبه لأن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ يعم المؤمنين كلهم، كذلك ما بعده من حكم الكفار، ومعنى التَّعْس في اللغة: قال النضر: التعس: الهلاك. وتعس: هلك [[انظر: "تهذيب اللغة" (تعس) 2/ 78.]].

وقال أبو الهيثم: تعس يتعس معناه: انكب وعثر فسقط على يديه، وأتعسه الله [[انظر: "اللسان" (تعس) 6/ 32.]].

وقال أبو إسحاق: التعس في اللغة: الانحطاط والعثور [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 8.]].

وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة: تعسه الله وأتعسه في باب فعَلت وأفعلت بمعنى واحد، قال شمر: لا أعرف: تعسه الله، ولكن يقال: تعس بنفسه وأتعسه الله، وذكر عن الفراء قال: يقال تَعَسْتَ، إذا خاطبت الرجل. فإذا صرت إلى أن تقول فَعَل قلت: تعِس بكسرالعين، قال شمر: وهكذا سمعته في حديث عائشة: تعس مسطح [[أخرج ذلك البخاري عن عائشة رضي الله عنها. انظر: "صحيح البخاري"، كتاب التفسير باب 25، ومن سورة النور 5/ 332.]]، وأنكر شميل، وأبو الهيثم: تعس بكسر العين. قال ابن شميل: تقول العرب: تَعِسَ فما انتعش وشيكَ فلا انْتَقَشْ إذا دعيت [[نص الحديث عند البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ..). انظر: "صحيح البخاري" كتاب الجهاد والسير، باب 70، الحراسة في الغزو في سبيل الله 3/ 222.]] على إنسان، وأنشد [[انظر: هذا النص من قوله: روى أبو عبيد عن أبي عبيدة في "تهذيب اللغة" (تعس) 2/ 78 وانظر: "اللسان" (تعس) 6/ 32.]] أبو الهيثم بيت الأعشى:

فالتَّعْسُ أَدْنَى لهَا من أنْ أَقول لَعَا [[انظر: "ديوان الأعشى" ص 105، و"تهذيب اللغة" (تعس) 2/ 79، "اللسان" (تعس) 6/ 32، والكشاف 3/ 454، وقال في مشاهد الإنصاف: يقال للعاثر لعا لك، دعاء له بالانتعاش وتعسًا لك دعاء عليه بالسقوط، يريد أنها لا تعثر ولو عثرت فالدعاء عليها أحق بها من الدعاء لها. انظر: "مثساهد الإنصاف على شواهد الكشاف" ص 76.]]

قال: ولا يجوز تعس، ولو جاز لقال: فالتعس أدنى لها، هذا قول أهل اللغة في تفسير التعس وتعريفه.

وأما المفسرون، فقال ابن عباس: يريد في الدنيا العثرة وفي الآخرة التردي في النار [[ذكر ذلك أبو حيان في البحر منسوبًا لابن عباس لكن بلفظ: (في الدنيا القتل ..). انظر: البحر المحيط 8/ 76، وذكره البغوي في "تفسيره" ولم ينسبه. انظر: "تفسيره" 7/ 281، ونسبه الزمخشري لابن عباس لكن بلفظ: (في الدنيا القتل وفي الآخرة التردد في النار). انظر: "الكشاف" 3/ 454.]].

وقال مقاتل: فنكسًا لهم. قال: ويقال: فخيبة لهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 45.]]، وهو قول الضحاك [[ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 281، والقرطبي في "الجامع" 16/ 232.]]، وقال أبو العالية: سقوطًا لهم [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 125 أ، والبغوي في "تفسيره" 7/ 281.]]، وقال ابن زيد: شقاء [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 125 أ، والبغوي في "تفسيره" 7/ 281، والقرطبي في "الجامع" 16/ 232.]].

وقال ابن جرير: فخزياً وبلاء [[انظر: "جامع البيان" للطبري 13/ 45.]]. وقال المبرد: فمكروهًا لهم وسوءًا قال: وإنما يقال هذا لمن دُعي عليه بالشر والهلكة [[لم أقف على هذا القول.]].

وأما إعراب الآية ونظمها فقال أبو إسحاق: (الذين) في موضع رفع على الابتداء ويكون: (فتعسًا لهم) الخبر [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 8.]]، قال صاحب النظم: موضع الفاء جزم على الجزاء؛ لأنه منسوق على قوله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ وإنما جاء بالفاء في الجواب؛ لأن ذلك لم يوجبه عليهم إلا بشريطة الكفر، وهذا الذي قال صاحب النظم قد تقدم شرحُه في مواضع، منها قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: 274] إلى قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ﴾ [البقرة: 184] ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: 95] وانتصب (تعسًا) على الدعاء كما تقول: سقياً له ورعياً، على معنى: سقاه الله سقياً، ورعاه رعياً، كذلك هاهنا تعسهم الله تعساً على قول أبي عبيدة وعلى قول غيره: أتعسهم الله فتعسوا تعساً [[انظر: "تهذيب اللغة" (تعس) 2/ 79، "الدر المصون" 6/ 148.]]، ولهذا التقدير عطف بقوله: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ على ﴿فَتَعْسًا﴾ لأن التقدير: فأتعسهم الله وأضل أعمالهم، قاله الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 58.]].

47:9Page 507

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٩

That is because they disliked what Allāh revealed, so He rendered worthless their deeds.

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك الإتعاس والإضلال ﴿بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وقال الفراء والزجاج: كرهوا القرآن ونبوة المصطفى -ﷺ- وسخطوا ما أنزل الله عليه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 59، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 8.]]، وهذا معنى قول المفسرين [[انظر: "جامع البيان" للطبري 13/ 46، "تفسير السمرقندي" 3/ 242.]].

وقال سفيان وعمرو بن ميمون: كرهوا الفرائض [[أورد ذلك السيوطي في "الدر المنثور" عن عمرو بن ميمون وعزاه لابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" 7/ 462، ولم أقف على نسبته لسفيان.]] التي أنزل الله من الصلاة والزكاة.

﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني: ما عملوا من شيء يريدون به الله؛ لأنها لم تكن في إيمان، ولا يقبل الله إلا من المتقين [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 45، و"القرطبي" 16/ 233 فقد ذكر معنى هذا القول ولم ينسبه.]].

ثم خوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية فقال:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском