Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Ma'idah · 5:103–105

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:103–105

5:103Page 124

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٣

Allāh has not appointed [such innovations as] baḥīrah or sā’ibah or waṣīlah or ḥām.1 But those who disbelieve invent falsehood about Allāh, and most of them do not reason.

قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾، روى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الجعل له معان في اللغة، يقال: جعل: صير، وجعل: أقبل، وجعل: خلق، وجعل: قال، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: 3] [["تهذيب اللغة" 1/ 616 (جعل).]]، وقال غيره: صيرناه. ويكون الجعل بمعنى القول والحكم على الشيء، تقول: قد جعلت زيداً على الناس، أي: قد وصفته بذلك وحكمت به، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: 19].

وقال بعض أصحاب المعاني: جعل أحد الكلمات المشتركات التي هن أمهات الأحداث مثل: فعل وعَمِل وجعل وطفق وأنشأ وأقبل، إلا أن بعضها أعم من بعض، وأكثرها عموماً "فعل"؛ لأنه يقع على كل حركة من الإنسان قولاً أو عملاً أو هماً يهم به، والدليل على أنه يقع على القول قوله تعالى: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 148] ثم قال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [[في (ج)، (ش): (فعل) والظاهر أنه تصحيف، فإن هذه آية الأنعام، أما (فعل) ففي سورة النحل الآية 33 وتختلف عن هذه حيث قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.]] [الأنعام: 148] فهذا حكايته عن القول، وعَمِلَ دون فَعَل في العموم؛ لأنه لا ينتظم معنى النية والهم والعزم والقول، ولا يقع إلا على عمل البدن، وأما (جعل) فله أحوال، منها: (جعل): صير مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ [الحج: 25] أي صيرناه، ومنها: (جعل): أوجب، كقرله عز وجل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 143] أي: وما أوجبنا القبلة التي أنت عليها، ومنها: (جعل): خلق، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: 1] أي خلق، وأما قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: 3] أي: صيرناه؛ لأن من القرآن العبراني والسرياني، فما نقل منه إلى العرب صار عربياً (بالتصيير والنقل) [[في (ج): (لتصييره النقل).]]، ومنها: (جعل): صلة لما بعده، مثل قوله: جعل يصرفه، نحو: طلق وأنشأ وأقبل، كلٌ منها صلة لما بعده من الفعل، فقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ أي: ما أوجبها ولا أمر بها، والبحيرة: فعيلة من البحر وهو الشق، يقال: بحر ناقته، إذا شق أذنها، وهي بمعنى المفعولة، وخرجت مخرج النطيحة والذبيحة والنسيكة. وقد مضى الكلام في النطيحة [[عند تفسير الآية الثالثة من هذه السورة.]].

قال أكثر أهل اللغة والتفسير: البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، وكان آخرها سَقْباً [[السقب: ولد الناقة، وقيل: الذكَر من ولد الناقة .. وقيل: هو سقبٌ ساعة تضعه أمه. "اللسان" 4/ 2035 - 2036 (سقب).]] ذكراً شقوا أذن الناقة، وامتنعوا من ركوبها وذبحها وسيبوها لآلهتهم، لا يجز لها وبر، ولا يحمل على ظهرها، ولا تطرد من ماء، ولا تمنع من مرعى، ولا ينتفع بها، إذا لقيها المُعْيي لم يركبها تحرجاً، وهذا قول أبي عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 177.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾، قال أبو عبيد [[هكذا في النسختين، وفي الوسيط للمؤلف 2/ 235 (أبو عبيدة).

والظاهر أن الكلام لأبي عبيدة كما في "مجاز القرآن" 1/ 180 ونحوه في "النكت والعيون" 2/ 73.]]: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر ونذر نذراً أو شكر نعمة سيَّب بعيراً، فكان بمنزلة البحيرة في جميع ما حكموا لها، وهذا القول اختيار القتيبي [[في "غريب القرآن" ص 147.]] والزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213، وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1585 (ساب)]].

وقال الفراء: قال بعضهم: السائبة: إذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث سُيِّبت، فلم تركب، ولم يُجَزّ لها وبر، ولم يشرب لبنها إلا ولد أو ضيف [["معاني القرآن وإعرابه" 1/ 322.]]، والسائبة في اللغة: فاعلة من: ساب، إذا جرى على وجه الأرض، يقال: ساب الماء، وسابت الحية، وقيل: هي بمعنى المسَّيبة، لأنها تُسيَّب، ومنه قولهم للعبد أعتقتك سائبة، أي سيبتك فلا ولاء لي عليك [["تهذيب اللغة" 2/ 1585 (ساب).]].

وقال: ابن عباس في السائبة: هي التي تسيب للأصنام، أي تعتق لها، وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء، فيجيء إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيُطِعْمون من لبنها أبناء السبيل [[أخرجه الطبري 7/ 90 مختصرا من طريق علي بن أبي طلحة، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 462، "تفسير الوسيط" 2/ 235 وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص 102، "تنوير المقباس بهامش المصحف" ص 124، "زاد المسير" 2/ 437، وعزاه السيوطي إضافة إلى ابن جرير إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. "الدر المنثور" 2/ 596 بمعناه.]]، ونحو ذلك قال ابن مسعود [["تفسير الوسيط" 2/ 235.]]. وقال سعيد بن المسيب: السائبة: من الإبل، كانوا يسيبونها لطواغيتهم [[أخرجه بنحوه البخاري (4623) كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة المائدة، باب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾، والطبري 7/ 92، والبغوي في "تفسيره" 3/ 108، وانظر: "زاد المسير" 2/ 438.]].

وقال عكرمة في السائبة: كان الرجل إذا طلب الضالة، أو تبع النادّة، وأراد الحاجة قال: كذا وكذا [[في (ج): (كذى وكذى).]] من مالي سائبة إن أدركت حاجتي [[لم أقف عليه، وانظر: "زاد المسير" 2/ 438.]].

وقال علقمة: السائبة: من العبيد والنَّعَم وما نذر الرجل لئن عافاه الله من مرض أوْ ردَّه من سفر سالماً ليسيبن ناقة أو جملاً أو شاة للأصنام، فإذا سيبها حرم أكلها ، لا يجز وبرها ولا يركب ظهرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف، وما ولدت فهو بمنزلتها، شقت أذنها وسميت بحيرة [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 147، والطبري في "تفسيره" 7/ 89 - 91، و"بحر العلوم" 1/ 462، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 371، "النكت والعيون" 1/ 463، "تفسير البغوي" 3/ 107.]].

وقال محمد بن إسحاق في السائبة مثل ما قال الفراء في قوله: قال بعضهم، ثم قال محمد: والبحيرة ولد السائبة [["معاني القرآن وإعرابه" للفراء 1/ 322، و"تهذيب اللغة" 2/ 1585 (ساب)، "زاد المسير" 2/ 439.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾، قال ابن عباس وأكثر المفسرين: الوصيلة: من الغنم [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 147، و"تفسير الطبري" 7/ 90، و"معاني الزجاج" 2/ 213.]]، وقال مقاتل: إذا ولدت الشاة سبعة أبطن عمدوا إلى السابع، فإن كان جدياً ذبحوه للآلهة، ولحمه للرجال دون النساء، وإن كان عناقاً استحيوها فكانت من عرض الغنم، وإن ولدت في البطن السابع جدياً وعناقاً قالوا: إن الأخت وصلت أخاها فحرمته علينا، فحرما جميعاً، فكانت المنفعة واللبن للرجال دون النساء [["تفسير مقاتل" 1/ 510.]]، ونحو ذلك قال ابن مسعود [["تفسير الوسيط" 2/ 235.]]، وقال الزجاج في الوصيلة: كانت الشاة إذا ولدت انثى فهي لهم، وإن ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم، فإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.]].

فالوصيلة بمعنى الموصولة، كأنها وصلت بغيرها، ويجوز أن تكون بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها. وهذا أظهر الآية.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا حَامٍ﴾، قال ابن عباس وابن مسعود: إذا نُتَجَت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حُميَ ظهره وسيب لأصنامهم، فلا يحمل عليه [["تفسير الطبري" 7/ 90، و"بحر العلوم" 1/ 462، "تفسير الوسيط" 2/ 235، "تفسير البغوي" 3/ 108، و"تفسير ابن كثير" 2/ 122.]]، وهذا قول أبي عبيدة [[في "مجاز القرآن" 1/ 179.]] والزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.]] وأكثر أهل التفسير [["تفسير الطبري" 7/ 86 - 93.]]، ونحو ذلك قال سعيد بن المسيب: كان الفحل يضرب الضراب المعدود، فإذا بلغ ذلك قالوا: قد حمي ظهره فترك [[أخرجه البخاري (4623)، كتاب: التفسير، من تفسير سورة المائدة باب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾، والطبري 7/ 90.]]، وقال الفراء: الحامي الفحل من الإبل: كان إذا لقح ولد ولدِه حمى ظهره فلا يركب [["معاني القرآن وإعرابه" 1/ 322.]]، أعلم الله عز وجل أنه لم يحرم من هذه الأشياء شيئاً.

قال ابن عباس والمفسرون، وروي ذلك عن النبي ﷺ: إن عمرو بن لُحي الخزاعي كان قد ملك مكة، وكان أول من غير دين إسماعيل، فاتخذ الأصنام، ونصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحامي، قال رسول الله ﷺ: "فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قُصْبِه" ويروى "يجز قُصْبه في النار" [[أخرجه من حديث أبي هريرة مختصرًا: البخاري (4623)، كتاب: التفسير، من تفسير سورة المائدة، ومسلم (2856) كتاب: الجنة، باب: النار يدخلها الجبارون. لكن في البخاري جاءت تسميته: عمرو بن عامر، وكذا عند الإِمام أحمد في مسنده 2/ 275، وأخرجه الطبري 7/ 88 وغيرهم.]]، وقال قتادة: كان هذا كله تشديداً شدده الشيطان على أهل الجاهلية في أموالهم وتغليظاً [[أخرجه الطبري 7/ 90.]]، وأنشد أهل اللغة في هذه الأنواع من النعم، فأنشدوا في البحيرة:

مُحرَمةٌ لا يأكلُ الناسُ لحمَها ... ولا نحن في شيءٍ كذلك البحائِرُ

وأنشدوا في الوصيلة لتأبط شرًا:

أجِدَّك أمَّا كنت في الناس ناعقًا ... تراعي بأَعْلى ذي المجازِ الوصائلا

وأنشدوا في السائبة:

وسائبةٍ مالي تشكُّرا ... إن [[في (ش): (وإن).]] اللهُ عافا [[في (ج): (عافى).]] عامرًا ومجاشعًا

وأنشدوا في الحامي:

حَماها أبو قابُوسَ في عزِّ مُلْكه ... كما قد حَمَى أولادَ أولادِه الفحلُ

وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾، قال ابن عباس: يريد عمرو بن لُحي وأصحابه، يتقولون على الله الأباطيل في تحريمهم هذه الأنعام، وهم جعلوها محرمة لا الله تعالى [["تفسير الوسيط" 2/ 236، وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص 102، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 125.]].

وقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: 103]، قال الشعبي وقتادة: يعني الأتباع لا يعقلون أن ذلك كذب وافتراء على الله من الرؤساء الذين حرموا هذه الأنعام [["تفسير الطبري" 7/ 93، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 373، "تفسير الوسيط" 2/ 236، "زاد المسير" 2/ 440، "تفسير ابن كثير" 2/ 123.]] [[من: "وقوله تعالى: (وأكثرهم لا يعقلون) .. " إلى هنا ليس في نسخة (ش).]].

5:104Page 125

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٠٤

And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآية، قال ابن عباس: يعني: تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن من تحليل ما حرمتم على أنفسكم ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ من الدين والمنهاج [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 462، "تفسير الوسيط" 2/ 236، "تفسير البغوي" 3/ 109، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 125.]].

وقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾، مضى الكلام في نظيره في سورة البقرة [[الظاهر أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170].]].

5:105Page 125

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥

O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allāh is your return all together; then He will inform you of what you used to do.

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، قال النحويون: قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أمر من الله، تأويله: احفظوا أنفسكم عن ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب. قاله الفراء [[في "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 322.]] وابن الأنباري [[أبو بكر، وقد وهم محقق "الوسيط" 2/ 237 فنسب هذا "القول للبيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 307، وهذا الكتاب لأبي البركات بن الأنباري المتوفى سنة 577 هـ وهو متأخر عن المؤلف بقرن تقريبًا.

وكلام ابن الأنباري أبي بكر هنا بمعنى ما عند أبي بركات في البيان، ولم أجده في الزاجر لأبي بكر، والذي يعتمد عليه المؤلف كثيراً.]].

ونحو ذلك قال الزجاج؛ لأنه قال: إذا قلت: عليك زيدًا، فتأويله الزم زيدًا، و ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ معناه: الزموا أنفسكم فإنما ألزمكم الله أمرها [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.]]، وهذا موافق لما قال ابن عباس في تفسيره؛ لأنه قال في قوله ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: يقول: أطيعوا أمري، واحفظوا وصيتي [[لم أقف عليه.]]، والعرب تأمر من الصفات بعليك وعندك ودونك، فتعديها إلى المفعول، وتقيمها مقام الفعل، فتنصب بها على الإغراء [["تفسير الطبري" 7/ 97.]]، تقول: عليك زيدًا [[انظر: كتاب سيبويه 1/ 138.]]، كأنه قيل: خذ زيدًا فقد عداك وأشرف عليك، وعندك زيدًا، أي حضرك فخذه، ودونك، أي: قرب منك.

فهذه الأحرف الثلاثة لا اختلاف بين النحويين في إجازة النصب بها، وقد تقيم العرب غير هذه الأحرف مقام الفعل، ولكن لا تعديه إلى مفعول، وذلك نحو قولهم: إليك عني [["تفسير الطبري" 7/ 94.]]، أي تأخر، كما يقولون، وراءك وراءك، بهذا المعنى.

قالوا: لا يجوز أن يأمر بهذه الظروف إلا المخاطب، لو قلت عليك زيدًا، لم يحسن، وإنما كان كذلك لأن المخاطب لا يحتاج في الأمر بالفعل إلى أكثر من حروف ذلك الفعل الذي يأمره به نحو: قم واذهب، وفي الأمر للغائب يحتاج إلى إدخال اللام نحو: ليقم فلان، فكرهوا أن يقيموا هذه الظروف مقام الفعل واللام، فتكون نائبة عن شيئين، وفي المخاطبة تكون نائبة عن شيء واحد وهو الفعل وحده، وقد حكى عن العرب سماعًا: عليه رجلاً، ليس إغراءً للغائب، وهو شاذ لا يقاس عليه، وأجاز الكسائي وحده الإغراء بالظروف كلها.

قال الفراء: زعم الكسائي أنه سمع: بينكما البعيرَ فخذاه، فأجاز ذلك في كل الصفات، وسمع العرب تقول: كما أنت زيدًا، ومكانك زيدًا، قال الفراء: وسمعت بعض بني سليم يقول: مكانكني، يريد انتظرني في مكانك [["معاني القرآن" 1/ 323.]]، ولا يجوز تقديم ما نصبته حروف الإغراء عليها نحو: زيدًا عليك، لأنها طروف أقيمت مقام الأفعال وليست أفعالاً، فلا تقوى على العمل فيما قبلها [["معاني القرآن" للفراء 1/ 323.]].

وأما سبب نزول الآية: فروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما قبل من أهل الكتاب الجزية وأبى من العرب إلا الإسلام أو السيف، عيَّر المؤمنين منافقوا مكة قبول رسول الله ﷺ الجزية من بعض دون بعض، فنزلت هذه الآية [[ذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 214، و"بحر العلوم" 1/ 463، و"تنوير المقباس" - الذي هو من رواية الكلبي ورواياته منكرة بهامش المصحف ص 125.]]، يقول: لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على هدى، وقال سعيد بن جبير: نزلت في أهل الكتاب، يعني: عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل من أهل الكتاب [[أخرجه الطبري 7/ 94، و"معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 374.]].

وقوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، قال الزجاج: الأجود أن يكون رفعًا على جهة الخبر، والمعنى: ليس يضركم من ضل، قال: ويجوز أن يكون موضع ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ جزمًا على الجواب لقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ لأنه أمر، ويكون الأصل: لا يضرركم إلا أن الراء الثانية أدغمت فيها الأولى وضمت لالتقاء الساكنين [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 214.]]، وشبه الفراء هذا بقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ (لَا تَخَفُ) ولا تخافُ [طه: 77] جائزان [["معاني القرآن وإعرابه" 1/ 323، ولا تخف ولا تخافُ، قراءتان سبعيتان.

انظر: "حجة القراءات" ص 458، 459، و"النشر" 2/ 321.]].

ويقال: هل تدل هذه الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قيل: في هذا وجوه:

أحدها: وهو الذي عليه أكثر الناس أن الآية لا تدل على ذلك، دل توجب أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذًا بذنوب العاصي، فأما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمعقول بالآيات في ذلك [["تفسير الطبري" 7/ 99، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 373، و"بحر العلوم" 1/ 463.]]، وخطب أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فقال: إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وتضعونها غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه، يوشك أن يعمهم الله بعقاب" [[أخرجه الترمذي (3057) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة وقال: حديث حسن صحيح، والطبري 7/ 98 من طرق، قال ابن كثير 2/ 123. وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم، من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة .. متصلًا مرفوعًا ومنهم من رواه موقوفًا على الصديق، وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره، وذكرنا طرقه والكلام عليه مطولًا في مسند الصديق رضي الله عنه".]].

الوجه الثاني في تأويل الآية: ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما قالا: قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ يكون هذا في آخر الزمان، قال ابن مسعود وقرئت عليه هذه الآية: ليس هذا بزمانها ما دامت قلوبكم واحدة، ولم تُلبَسوا شِيَعًا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وأُلبستم شِيعًا، فامرؤٌ ونفسُه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية قال: ومن الآيات آيٌ وقع تأويلهن في آخر الزمان [[أخرجه الطبري 7/ 96، وذكره ابن كثير 2/ 124، وعزاه إخراجه إلى أبي جعفر الرازي، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 599 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب.]].

وروي عن ابن عمر أنه قال: "هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم" [[أخرجه الطبري 7/ 96 وأخذه عنه ابن كثير 2/ 124، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 599 إلى ابن مردويه أيضًا.]]، ويؤكد هذا الوجه: ما روي أن أبا ثعلبة الخشني سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية فقال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت دنيا مؤثرة، وشحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك، وذر عوامهم [[أخرجه الترمذي (3058) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة وقال حسن غريب، وأبو داود (4341)، كتاب: الملاحم، باب: الأمر والنهي، والطبري 7/ 97، البغوي في "شرح السنة" 14/ 347.]].

الوجه الثالث في تأويل الآية: ما ذهب إليه عبد الله بن المبارك، فقال: هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الله تعالى خاطب بها المؤمنين جميعًا، وأغراهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: عليكم أهل دينكم ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ من الكفار، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54] يعني: أهل دينكم، وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] بهذا المعنى [["تفسير القرطبي" 6/ 344.]]، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء عنه، قال في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: يريد يعِظُ بعضكم بعضًا، وينهى بعضكم بعضًا، ويعلّم بعضكم بعضًا ما يقربه إلى الله ويبعده من الشيطان، و ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ من غيركم، يريد من المشركين وأهل الكتاب، والمنافقين [[لم أقف عليه.]].

الوجه الرابع: أن الآية نازلة في أهل الأهواء، لأنه لا ينفعهم الوعظ ولا يتركون هواهم بالأمر بالمعروف، فإذا رأيتهم أو كنت فيهم فعليك نفسك وذرهم وما اختاروه لأنفسهم، فلن يضرك ضلالهم. وهذا الوجه يروى عن صفوان بن مُحْرِز [[هو صفوان بن مُحْرز المازني البصري، العابد، أحد الأعلام، أخذ عن الصحابة وروى عنه جماعة. كان واعظًا قانتًا، توفي سنة 174 هـ انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 286، "تقريب التهذيب" ص 277 (2941).]]، ونحو ذلك قال الضحاك [[لم أقف عليه، "تفسير الطبري" 7/ 971، "تفسير البغوي" 3/ 110.]].

والذي ذكرنا من سبب النزول يدل على أن الآية نازلة فيمن لا يؤمر بالمعروف ولا يُنْهى عن المنكر، وهم المنافقون واليهود والنصارى، فأما المسلمون فليسوا من هذا في شيء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فيما بينهم.

قال أبو عبيد: والذي أذن الله في إقراره والإمساك عن تغييره بقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إنما هو الشرك الذي ينطق به المعاهدون من أجل أنهم أهل ملل يدينون بها، فأما الفسوق والعصيان والريب من أهل الإِسلام فلا يدخل في هذه الآية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان في أهل المعاصي من المسلمين على الأبد، كذلك وجدنا أكثر أهل الحديث بلا توقيت [["الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" في القرآن العزيز - لأبي عبيد (القاسم بن سلام) ص 290.]]، وكان [[لا يزال الكلام لأبي عبيد في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 294.]] ابن شبرمة [[لم يتبين من هو.]]، يحد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، وذلك أنه حدث بحديث ابن عباس في الجهاد: من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فلم يفر [[أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 3/ 363 عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ (65) سورة الأنفال.]]، فقال: (أما أنا) [[في (ج): (أنا) بدون (أما).]] فأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا، لا يعجز الرجل عن اثنين أن يأمرهما وينهاها [["الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 294.]]، قال أبو عبيد: ولا أعلم هذا يوجد فيه أجل أحسن من الذي ذهب إليه ابن شبرمة [["الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 294.]].

وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾، قال عطاء: يريد مصيركم ومصير من خالفكم ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يريد يجازيكم بأعمالكم [["تفسير الوسيط" 2/ 260، "زاد المسير" 2/ 443.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском