Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Ma'idah · 5:33–37

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:33–37

5:33Page 113

إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣

Indeed, the penalty1 for those who wage war2 against Allāh and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية.

قال الزجاج: المعنى في: ﴿إِنَّمَا﴾ ما جزاؤهم إلا هذا؛ لأن القائل إذا قال: (جزاؤك دينار، فجائز أن يكون معه غيره، وإذا قال [[ما بين القوسين ليس في "معاني الزجاج" حسب المطبوع.]]): إنما جزاؤك دينار، كان المعنى: ما جزاؤك إلا دينار [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 169.]].

قال ابن عباس في رواية عطاء وسعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في قصة العُرَنِيّين [[أخرج ذلك عن سعيد بن جبير 10/ 246، وانظر: "زاد المسير" 2/ 343، ولم أجد شيئًا في ذلك عن ابن عباس. وقد قال بهذا القول أنس وجرير والزبير والسدي وقتادة. انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 206 - 208، "النكت والعيون" 2/ 32.]] وهي معروفة [[أخرج مسلم (1671) كتاب القسامة، باب (2): حكم المحاربين والمرتدين 3/ 1296 (ح 9) عن أنس -رضي الله عنه- أن ناسًا من عرينة قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فاجتووها. فقال لهم رسول الله ﷺ: "إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها" ففعلوا، فصحوا. ثم مالوا إلى الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول الله فبلغ ذلك النبي ﷺ فبعث في أثرهم. فأتي بهم. فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم. وتركهم في الحرة حتى ماتوا.

وأخرجه المؤلف في "أسباب النزول" ص 196 - 197.]].

فإن قيل: فكيف [[في (ش): (كيف).]] لم يعذبوا بما في الآية، وفي حديثهم أنهم سُمِل أعينهم وقُطَّعت أيديهم وأرجلهم، وليس في الآية سمل الأعين وقطع جميع الأيدي والأرجل؟

والجواب: ما حكي عن الليث بن سعد [[هو أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري ثقة ثبت إمام مشهور، كان ورعًا فاضلًا سخيا، مات -رحمه الله- سنة 175هـ.

انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 191، "سير أعلام النبلاء" 8/ 136، "التقريب" ص 464 (5684).]] أنه قال: نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله ﷺ وتعليمًا إياه عقوبتهم، فقيل: إن جزاءهم ما ذكر في الآية، لا المُثلة، فلذلك ما قام رسول الله ﷺ خطيبًا إلا نهى عن المُثلة [[أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 208 - 209، وأورده بلفظ المؤلف البغوي في "تفسيره" 3/ 48.

وقد ذكر الطبري في "تفسيره" عن الأوزاعي أنه أنكر أن يكون نزول هذه الآية معاتبة، ونقل عنه قوله: بلى، كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، فرفع عنهم السمل، والله أعلم. وسيأتي قريبًا تخريج الحديث في النهي عن المثلة.]].

ويمكن أن يقال: ما فعله رسول الله ﷺ كان هو الحد فيهم بالسنة، فلما نزلت الآية صارت تلك السنة منسوخة بالقرآن [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 206 - 207، والبغوي في "تفسيره" 3/ 48.]]. هذا إذا جوزنا نسخ السنة بالقرآن [[هذا رأي جمهور العلماء، وهو الراجح لتظاهر الأدلة عليه.

انظر: "الناسخ والمنسوخ في كتاب الله عز وجل" للنحاس 118، "الأحكام في أصول الأحكام" للآمدي 3/ 150، "إرشاد الفحول" للشوكاني ص 326.]].

وإن قلنا: لا تُنسخ السنة بالقرآن -وهو الأصح من مذهب الشافعي [[انظر: "الرسالة" ص 110، "الأحكام" للآمدي 3/ 150، 151، "إرشاد الفحول" ص 326.]] رضي لله عنه- فتلك إنما نُسِخت بسنة أخرى من عنده، فنسخت الثانية الأولى [[انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 48.]]. وهذا أيضًا قول سعيد بن المسيب والسدي في نزول الآية [[أخرج الأثر عن السدي: الطبري في "تفسيره" 6/ 208.]].

قال عبد الله بن مسلم [[ابن قتيبة.]]: المحاربون لله ورسوله هم الخارجون على جماعة المسلمين، يخيفون السبل، ويسعون في الأرض الفساد [["تأويل مشكل القرآن" ص 399.]].

فمعنى: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي يعصونهما ولا يطيعونهما، وكل من عصاك فهو حرب كذلك.

وقوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾.

قال مجاهد: هو الزنا والسرقة وقتل النفس وإهلاك الحرث والنسل [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 211، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 494، وعزاه إلى عبد بن حميد.]].

وقال الكلبي: يعني بالقتل وأخذ الأموال [["تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.]].

قال العلماء: وكل من أخذ السلاح على المسلمين في أي موضع كان وكيف ما كان، في البلد أو الصحراء، أو للقتل اغتيالًا، فهو محارب لله ورسوله، فدخل المكابر في البلد في هذه الجملة.

وهذا قول مالك والأوزاعي ومذهب الشافعي [[انظر: "الأم" 6/ 152، والطبري في "تفسيره" 6/ 210، "النكت والعيون" 2/ 33، "الوسيط" 3/ 865، 866، والبغوي في "تفسيره" 3/ 48، "زاد المسير" 2/ 346، 347.

وقال ابن الجوزي: ظاهر كلام أصحابنا أنه لا يثبت لهم ذلك في المصر.]] -رضي الله عنه-، وذكر الشافعي قُطّاع الطريق ثم قال: وأراهم في المصر إن لم يكونوا أعظم ذنبًا فحدودهم واحدة [["الأم" 6/ 152، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 210.]].

وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ اختلفوا في حكم (أو) ههنا، فقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: إن (أو) دخلت للتخيير، ومعناها الإباحة، أي: إن شاء الإِمام قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء نفى، أي شيء من هذه الأشياء شاء فعل [[بمعناه في "تفسير ابن عباس" ص 177، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 214.]]. وهذا قول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد [[أخرج الآثار عنهم: الطبري في "تفسيره" 6/ 214، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 33، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 58.]].

وقال في رواية عطية: (أو) ليست للإباحة، وإنما هي مرتبة للحكم باختلاف الجناية، فمن قتل وأخذ المال صُلِب، وقُتِل، ومن أخذ المال ولم يقتل قُطِع، ومن سفك الدماء وكف عن الأموال قُتِل، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ الأموال ولم يقتل نفي [[أخرجه بنحوه الطبري في "تفسيره" 6/ 212، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 33، والبغوي في "تفسيره" 3/ 49، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 58.]]، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والسدي والقرظي والربيع [[أخرجه أقوالهم الطبري في "تفسيره" 6/ 213.]]، ورواية عطاء عن ابن عباس أيضًا [[انظر: "النكت والعيون" 2/ 33 وابن كثير في "تفسيره" 2/ 58. وقد أخرج الطبري في "تفسيره" 6/ 212 عن عطاء كالقول الأول: أن الإمام مخير فيها.]].

قال الشافعي -رضي الله عنه-: ويحدد كل واحد بقدر فعله فمن وجب عليه القتل والصلب قتل قبل صلبه كراهية تعذيبه، ويصلب ثلاثًا ثم ينزل [[انظر: "الأم" 6/ 152، والبغوي في "تفسيره" 3/ 49، "المحرر والوجيز" 4/ 427، "زاد المسير" 2/ 346، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 151، 152، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 58.]].

قال أبو عبيد: سألت محمد بن الحسن [[هو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني العلامة صاحب أبي حنيفة، أخذ بعض الفقه عن أبي حنيفة وأكمل على أبي يوسف وأخذ الحديث عن مالك، وله مؤلفات كثيرة، وقد أخذ عنه الشافعي، توفي -رحمه الله- سنة 189 هـ.

انظر: "المعارف" ص 500، "الفهرست" ص 284، "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص 142، "سير أعلام النبلاء" 9/ 134.]] عن قوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ فقال: هو أن يصلب حيًا ثم يطعن بالرماح حتى يقتل، وهو رأي أبي حنيفة. فقيل: هذا مُثلة. قال: المُثلةَ يراد به [[لم أقف عليه، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 49، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 151.]]. قال أبو عبيد: والذي أختار أن يكون الصلب بعد القتل؛ لأن رسول الله ﷺ نهى عن المثلة [[لم أقف على قول أبي عبيد، وأما النهي عن المثلة فقد قال عبد الله بن يزيد الأنصاري -رضي الله عنه-: نهى رسول الله ﷺ عن النُّهبى والمثلة. أخرجه البخاري (2474) كتاب المظالم، باب (30): النهبى بغير إذن صاحبه 3/ 107. والنُّهبى: بمعنى النَّهْب وهو الغارة والسلب والاختلاس، انظر: "النهاية في غريب الحديث" 5/ 133 (نهب).]].

قال الشافعي: ومن وجب عليه القتل دون الصلب: قتل ودفع إلى أهله يدفنونه، ومن وجب عليه القطع دون القتل: قطعت يده اليمنى ثم حسمت [[الحسم قطع الدم بالكي. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 349.]]، ثم رجله اليسرى ثم حسمت في مكان واحد، ثم خُلّي، وذلك معني قوله: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ [["الأم" 6/ 152، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 213.]].

واختلفوا: في معنى النفي في قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فقال ابن عباس: هو أن يُهْدِر الإِمام دمه فيقول: من لقيه فليقتله [[أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 216 - 217، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 34، "زاد المسير" 2/ 346.]].

وقال بعضهم: هو أن يقاتَلُوا حيث توجهوا من الأرض، ويُطلبوا في أي أرض كانوا بها حتى تضيق عليهم الدنيا.

حكى هذا القول أبو إسحاق [[أي الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 170.]] وأبو بكر وابن قتيبة، ثم قال ابن قتيبة: هذا إنما يكون فيمن لم يقدر عليه؛ لأنه لا يجوز أن يظفر الإِمام به فيدع عقوبته ثم يقول: من لقيه فليقتله، أو يجده فيتركه ثم يطلبه في كل أرض [["تأويل مشكل القرآن" ص 141.]]. وهو على ما قال.

فأما المقبوض عليه ممن حقه النفي فقال ابن عباس في رواية عطاء: ينفوا من الأرض إلى بلاد الكفر [[لم أقف عليه.]].

وهذا قول جماعة المفسرين، وهو أنهم قالوا: ينفى من بلدته إلى بلدةٍ أخرى [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 217 - 218، "النكت والعيون" 2/ 34.]].

وقال آخرون: المراد بالنفي في هذه الآية: الحبس والسجن [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 218، "النكت والعيون " 2/ 34، "زاد المسير" 2/ 246.]].

قال ابن الأنباري: وأكثر اللغويين يختارون هذا القول في تفسير الآية، واحتجوا بأن المسجون بمنزلة المخرج من الدنيا إذا كان ممنوعًا من التصرف وَمحولًا بينه وبين أهله وأولي أُنسِه، مع ممارسته صنوف المكاره والأذى في السجن [[لم أقف عليه]].

وقال ابن قتيبة: ولا أرى شيئًا من هذه التفاسير أشبه بالنفي في هذا الموضع من الحبس؛ لأنه إذا حُبس ومُنع من التصرف والتقلب في البلاد فقد نفي منها كلها وأُلجئ إلى مكان واحد، وأنشد هو وأبو بكر قول بعض المسجنين [[عند ابن قتيبة: المسجونين. "تأويل مشكل القرآن" 1/ 141.]]:

خرجنا من الدنيا ونحنُ من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى

إذا جاءنا السجَّان يومًا لحاجةٍ ... عَجِبْنا وقلنا جاء هذا من الدنيا [["تأويل مشكل القرآن" 1/ 141، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 432، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 153، "البحر المحيط" 3/ 471، وجاء فيها الشطر الثاني من البيت الأول:

فلسنا من الأموات فيها ولا الأحياء

وقد ذكر الرازي أن هذا الشعر لصالح بن عبد القدوس حين حبس بتهمة الزندقة في سجن ضيق مدة طويلة. انظر: "التفسير الكبير" 11/ 217.]]

وقال الوليد بن عبيد [[هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد الملقب بالبحتري، شاعر وقته في الدولة العباسية، وله ديوان، توفي -رحمه الله- سنة 283 هـ وقيل بعدها. انظر: "الفهرست" ص 126، "سير أعلام النبلاء" 3/ 486، "البداية والنهاية" 11/ 81.]] يذكر قومًا سجنوا:

غابوا عن الأَرْضِ أَنْآى غيبةٍ وهُم ... فيها فلا وَصلَ إلا الكتبُ والرسلُ [["ديوان البحتري" 3/ 1760.]] فصرح بغيبتهم عن الأرض مع كونهم فيها، والمُحدثُون يُحتَجّ بهم في المعاني، ولا يحتج بهم في الألفاظ.

قال أبو محمد: وليس نفي الخارب [[الخارب: اللص. "الصحاح" 1/ 119 (خرب).]] من بلده إلى غيره عقوبةً له، بل هو إهمال وتسليط وبعث على التزيد في العبث والفساد [["تأويل مشكل القرآن" ص 401.]].

ومذهب الفقهاء في هذه الآية أيضًا أن المراد بالنفي: الحبس.

قال الشافعي: ومن حضر منهم وكثر أو هِيب أو كان رِدءًا [[في "الأم" 6/ 152: ردءا للصوص أي: مساعدًا.]] عُزِّر وحبس [["الأم" 6/ 52، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 50.]].

وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 218، "بحر العلوم" 1/ 432، "النكت والعيون" 2/ 34، "زاد المسير" 2/ 246.]]. قال [[أي الشافعي.]]: ومن قتل وجرح أقص لصاحب الجرح ثم قتل، ولو أخذ المال وجرح أقص صاحب الجرح ثم قطع، لا يمنع حق الله حق الآدميين، ومن عفا عن الجراح كان له، ومن عفا عن النفس لم يحقن بذلك دمه، وعلى الإِمام قتله إذا بلغت جنايته القتل، ولا يقطع منهم إلا من أخذ ربع دينار فصاعدا، قياسًا على السنة في السارق [["الأم" 6/ 152 بتصرف، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 49.]].

وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: فضيحة وهوان.

﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهذا للكفار الذين نزلت في العُرَنِيّين فإنهم ارتدوا عن الإسلام [[تقدم تخريج قصة العرنيين قريبًا.]].

وبعض المفسرين يقول: نزلت في قوم هلال بن عويمر الأسلمي، وكانوا مشركين [[قال السمرقندي: وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: وَادَع رسول الله ﷺ أبا بُردة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين فهو آمن، ومن أتى المسلمين منهم فهو آمن، فمر أناس من بني كنانة يريدون الإسلام فمروا بأصحاب أبي بردة، ولم يكن أبو بردة حاضرًا يومئذ، فخرج أصحابه إليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. "بحر العلوم" 1/ 431. ونسب هذا القول للكلبي: البغوي في "تفسيره" 3/ 47، وانظر: "زاد المسير" 2/ 344.]]، وبعضهم يقول نزلت في قوم من أهل الكتاب [[قال ابن عباس: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي ﷺ عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله: إن شاء أن يقتل. وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. أخرجه من طريق علي: الطبري في "تفسيره" 6/ 206، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 32، "زاد المسير" 2/ 343.]].

ثم بالسنة أجري حكم هذه الآية على المحاربين من المسلمين، فبقي العذاب العظيم في الآخرة للكافرين، والمسلم إذا عوقب بجنايته في الدنيا كانت عقوبته كفارة له.

5:34Page 113

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٤

Except for those who return [repenting] before you overcome [i.e., apprehend] them. And know that Allāh is Forgiving and Merciful.

قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾.

قال الزجاج: جائز أن يكون موضع (الذين) رفعًا بالإبتداء، وخبره قوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، والمعنى: لكن التائبون من قبل أن تقدروا عليهم (فالله [[في (ش)، (ج): والله، والتصويب من "معاني الزجاج" 2/ 170.]]) غفور رحيم (لهم [[ما بين القوسين ساقط من (ج)، وما أثبته هو الموافق لـ"معاني الزجاج".]]) وجائز ان يكون موضع (الذين) نصبًا فيكون المعنى: جزاؤهم الذي وصفنا إلا التائبين [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 170، 171 بتصرف، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 225 "الدر المصون" 4/ 252.]].

قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾: يريد آمنوا من قبل أن تعاقبوهم ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمن تاب من الشرك ﴿رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] به إذا رجع عما يُسخط الله [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.]].

وهذا قول عُظْم [[عظم بمعنى: معظم. انظر: "اللسان" 5/ 3005 (عظم).]] أهل التفسير، أن المراد بهذا الإستثناء المشرك المحارب، إذا آمن وأصلح قبل القدرة عليه سقط عنه جميع الحدود التي ذكرها الله في هذه الآية، ولا يطالب بشيء مما أصاب لا مال ولا دم [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 220، "النكت والعيون" 2/ 34، والبغوي في "تفسيره" 3/ 50.]].

قال أبو إسحاق: جعل التوبة للكفار تدرأ عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم ليكون ذلك أدعى إلى الدخول في الإيمان [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 171.]].

هذا حكم المشرك المحارب، وكذلك لو آمن بعد القدرة عليه لم يُطالب أيضًا بشيء بالإجماع [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 220 - 221.]]. فأما المسلم المحارب إذا تاب واستأمن قبل القدرة عليه فقال السدي: هو كالكافر إذا آمن لا يطالب [[في (ش): (لا يطلب).]] بشيء إلا إذا أصيب عنده مال بعينه، فإنه يرد على أهله [[انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 50.]].

وهذا مذهب مالك والأوزاعي [[هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، شيخ الإسلام وعالم أهل الشام أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعا وفضلًا وزهدًا، مات -رحمه الله- سنة 159 هـ.

انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 83، "مشاهير علماء الأمصار" ص180، "سير أعلام النبلاء" 7/ 107 - 138.]]، غير أن مالكًا قال: يؤخذ بالدم إذا طالب به وليه، فأما ما أصاب من الدماء والأموال ولم يطلبها أولياؤها فلا يتبعه الإِمام بشيء من ذلك [[انظر: "النكت والعيون" 2/ 34، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 155، 158، و"البحر المحيط" 3/ 471.]]، وبهذا حكم علي -رضي الله عنه- في حارثة ابن بدر [[هو حارثة بن بَدْر بن حُصَين بن قطن التميمي الغداني، تابعي، أدرك النبي ﷺ ولم يره، له أخبار في الفتوح ومع عمر، وقاتل الخوارج فهزموه وأرهقوه، فدخل سفينة بمن معه فغرقت بهم سنة 64 هـ.

انظر: "الإصابة" 1/ 371، "الأعلام" 2/ 158.]]، وكان قد خرج محاربًا [[وذلك أنه جاء إلى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- تائبًا، فأمنّه وكتب له بذلك أمانًا. أخرج الأثر: الطبري في "تفسيره" 6/ 221، وانظر: القرطبي في "تفسيره" 6/ 155، "الدر المنثور" 2/ 494 - 495.]]، وحكم بمثله أيضًا أبو موسى الأشعري في إمرة عثمان [[ذلك أن أبا موسى -رضي الله عنه- كان على الكوفة في إمرة عثمان -رضي الله عنه- فجاءه رجل من مراد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، جاءه تائبًا، فقام أبو موسى فقال: هذا فلان بن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، وإنه تاب قبل أن يُقدر عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير.

أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 222 ونقله ابن كثير في "تفسيره" 2/ 59، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 494 - 495.]].

وقال الشافعي -رضي الله عنه-: يسقط عنه بتوبته قبل القدرة عليه حد الله، ولا يسقط به حقوق بني آدم ما كان قصاصًا، أو مظلمة في المال [["الأم" 6/ 152، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 220.]].

وأما إذا تاب بعد القدرة عليه، فظاهر الآية أن التوبة لا تنفعه وتقام الحدود عليه. قال الشافعي: ويحتمل أن يسقط كل حد لله بالتوبة [[لم أجده في "الأم"، وقد ذكره القرطبي في "تفسيره" 6/ 158، والنووي في "شرح صحيح مسلم" 11/ 194، وقال القرطبي في "تفسيره" عقبه: والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصًا كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه.]].

وإنما قال ذلك لقول رسول الله ﷺ بعد رجم ماعز [[هو ماعز بن مالك الأسلمي، وقيل: إن اسمه: عريب، وماعز لقبه، له صحبة، وقصة رجمه في عهد النبي ﷺ ثابتة في الصحيحين وغيرهما، وهي مشهورة. انظر: "أسد الغابة" 5/ 8، "الإصابة" 2/ 479، 3/ 337.]]: "هلا رددتموه إلي لعله يتوب" [[أخرج هذه الرواية أبو داود (4419) كتاب الحدود، باب: رجم ماعز بن مالك، وانظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي 11/ 194.]].

5:35Page 113

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣٥

O you who have believed, fear Allāh and seek the means [of nearness] to Him and strive in His cause that you may succeed.

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾.

معنى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أينما ذكر: اتقوا عقابه بالطاعة؛ لأن أصل الإتقاء في اللغة الحجز بين الشيئين -قد ذكرناه قديمًا- [[انظر: "البسيط" البقرة: 189.]]، يقال: أتقي السيف بالترس، وأتقي الغريم بحقه.

وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾.

الوسيلة فعيلة من: وسل إليه، إذا تقرب إليه [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 226.]]، قال لبيد: بَلَى كُلّ ذي رأيٍ [[في "ديوان لبيد" ص 256: لب.]] إلى الله وَاسِلُ [["شرح ديوان لبيد بن ربيعة" ص 256، وجاء صدره:

أرَى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم

والواسل: الطالب، أي يتوسل إلى الله بالطاعة والعمل الصالح. وقد جاء بعد هذا البيت بيت لبيد المشهور:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل]]

ومعنى الوسيلة: الوصلة والقربى [[جاء نحو ذلك عن كثير من التابعين. انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 226.]]. قال ابن عباس: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يريد بطاعتكم له [[انظر: "زاد المسير" 2/ 348، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 60.]].

وقال قتادة: يقول تقربوا إليه بطاعته [[أخرج الطبري في "تفسيره" 6/ 226، وانظر: "زاد المسير" 2/ 348، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 60.]].

﴿وَجَاهِدُوا﴾ العدو، ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾ في طاعته، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 35] كي تسعدوا وتبقوا في الجنة. قاله ابن عباس وغيره [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 432، "الوسيط" 3/ 872، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 61، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.]].

5:36Page 113

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٣٦

Indeed, those who disbelieve - if they should have all that is in the earth and the like of it with it by which to ransom themselves from the punishment of the Day of Resurrection, it will not be accepted from them, and for them is a painful punishment.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. خبر (إن) الجملة المذكورة مع جوابها [[تمام الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فالجملة المذكورة جملة لو، وجوابها: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: 36].

يحتمل أن يكون في موضع الحال، ويحتمل أن يكون عطفًا على الخبر [[انظر: "الدر المصون" 4/ 256، وقد ضعف السمين الوجه الأول.]].

5:37Page 114

يُرِيدُونَ أَن يَخۡرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٣٧

They will wish to get out of the Fire, but never are they to emerge therefrom, and for them is an enduring punishment.

قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾.

يحتمل إرادتهم الخروج وجهين:

أحدهما: أنهم قصدوا ذلك وطلبوا المخرج، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: 20].

والثاني: أنهم تمنوا ذلك وأرادوه بقلوبهم، كقوله في موضع آخر: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون: 107] [[انظر الاحتمالين عند البغوي في "تفسيره" 3/ 51، وفي "البحر المحيط" 3/ 474.]]، ويؤكد هذا الوجه قراءة من قرأ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّار﴾ بضم الياء [[بالبناء للمفعول، وهذه القراءة ليست في المتواتر، إنما هي للنخعي وابن وثاب وأبي واقد.

انظر: "البحر المحيط" 3/ 475.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском