Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Ma'idah · 5:44–47

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:44–47

5:44Page 115

إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤

Indeed, We sent down the Torah, in which was guidance and light. The prophets who submitted [to Allāh] judged by it for the Jews, as did the rabbis and scholars by that with which they were entrusted of the Scripture of Allāh, and they were witnesses thereto. So do not fear the people but fear Me, and do not exchange My verses for a small price [i.e., worldly gain]. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the disbelievers.

قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾. قال ابن عباس: فيها بيان لكل شيء وضياء لكل ما تشابه عليهم [[لم أقف عليه.]].

وقال الزجاج: ﴿فِيهَا هُدًى﴾ بيان الحكم الذي جاءوا يستفتون فيه النبي ﷺ ﴿وَنُورٌ﴾ بيان أن أمر النبي ﷺ حق [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 178.]].

وقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾.

قال ابن عباس: يريد النبيين الذين كانوا بعد موسى، وذلك أن الله بعث في بني إسرائيل ألوفًا من الأنبياء ليس معهم كتاب، إنما بعثهم بإقامة التوراة، أن يحدوا حدودها، ويقوموا بفرائضها، ويحلوا حلالها ويحرموا حرامها [[انظر: "تفسير المقباس" بهامش المصحف ص 115.]]. انتهى كلامه.

ومعنى قوله: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ أي: الذين انقادوا لحكم التوراة، فإن من الأنبياء من لم تكن شريعته شريعة التوراة [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 249، "بحر العلوم" 1/ 439، "زاد المسير" 2/ 363.]].

وهذا معنى قول مقاتل؛ لأنه قال: يحكم بما في التوراة الأنبياء من لدن موسى إلى عيسى -عليهما السلام- [[أورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 506، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.]].

وقال الحسن وقتادة وعكرمة والزهري والسدي: محمد ﷺ داخل في جملة هؤلاء الأنبياء الذين ذكرهم الله؛ لأنه حكم على اليهوديين بالرجم، وكان هذا حكم التوراة [[هذا معنى قولهم، وأخرج الآثار عنهم الطبري في "تفسيره" 6/ 249. وانظر: "النكت والعيون" 2/ 41، "زاد المسير" 2/ 363.]].

وقال أهل المعاني: فعلى هذا يمكن أن يقال: المراد بقوله: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ محمد ﷺ، فذكره بلفظ الجمع [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 178، "النكت والعيون" 2/ 41، البغوي في "تفسيره" 3/ 60، "زاد المسير" 2/ 364.]]، كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ الآية [النساء: 54] يعني بالناس محمدًا وحده، وجاز ذلك لأنه اجتمع فيه من الفضل والخصال الحميدة ما يكون في جماعة من الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: 120] على هذا المعنى [[انظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 60، "زاد المسير" 2/ 364.]].

وقال ابن الأنباري: هذا رد على اليهود والنصارى في دعواهم؛ لأن بعضهم كانوا يقولون: إن الأنبياء كانوا يهودًا، وبعضهم يقولون: إنهم كانوا نصارى. فقال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ الذين ليسوا على ما تصفونهم به من اليهودية والنصرانية [[انظر: "التفسير الكبير" 12/ 3.]].

وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾. قال ابن عباس: يريد تابوا، يعني من الكفر [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 888، وانظر: "زاد المسير" 2/ 364.]].

واللام في قوله: ﴿لِلَّذِينَ﴾ من صلة قولهم: ﴿يَحْكُمُ﴾ أي يحكمون بالتوراة لهم وفيما بينهم [[انظر: "الدر المصون" 4/ 270.]].

قال الزجاج: وجائز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير، على معنى: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 178، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 312، والبغوي في "تفسيره" 3/ 60.]].

ومضى تفسير الربانيين [[ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: 146]، حيث إن هذه الكلمة: الربانيون أول ما وردت في القرآن في هذا الموضع. انظر: "البسيط" نسخة دار الكتب 2/ ل70. قال الطبري في "تفسيره" 6/ 249: والربانيون جمع رباني، وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبيرهم أمورهم والقيام بمصالحهم. انظر: "معاني الزجاج" 2/ 178.]].

فأما الأحبار فقال ابن عباس: هم الفقهاء [[لم أقف عليه، وقال بهذا مجاهد وعكرمة. انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 250 ، 251.]].

واختلف أهل اللغة في واحده واشتقاقه، فقال أبو عبيد: بعضهم يقول: حَبْر، وبعضهم يقول: حِبْر [["غريب الحديث" 1/ 60، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 721 (حبر).]]. قال: وقال الفراء: إنما هو حِبْر، يقال ذلك للعالم، وإنما قيل: كعب الحِبر، لمكان هذا الحِبر الذي يُكتب به، وذلك أنه كان صاحب كتب [["غريب الحديث" 1/ 60، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 250، "تهذيب اللغة" 1/ 721 (حبر).]]. وقال الأصمعي: لا أدري أهو الحَبْر أو الحِبْر، للرجل العالم [["غريب الحديث" 1/ 60، "تهذيب اللغة" 1/ 721 (حبر).]].

وكان أبو الهيثم يقول: حَبر، بالفتح لا غير [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 721 (حبر).]]. وقال ابن السكيت عن ابن الأعرابي: حَبْر وحِبْر للعالم [["تهذيب اللغة" 1/ 721 (جبر).]].

وقال الليث: هو حَبْر وحِبْر، للعالم ذميًا كان أو مسلمًا بعد أن يكون من أهل الكتاب [["العين" 3/ 218، "تهذيب اللغة" 1/ 721 (جبر).]].

وقال الزجاج: الأحبار هم العلماء الخيّار [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 179.]].

وأما اشتقاقه فقال قوم: أصله من التحبير وهو التحسين، فالعالم [[في (ش): (والعالم).]] يُحَسِّن الحَسَن ويُقَبِّح القبيح [["النكت والعيون" 2/ 42، وانظر: "العين" 3/ 218، "تهذيب اللغة" 1/ 721، "اللسان" 2/ 749 (جبر).]]. وحاله مع ذلك حسنة، بخلاف حال الجاهل.

وقال آخرون. هو من الحِبر الذي يكتب به. وهو قول الكسائي وأبي عبيد [[انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 60، وتقدم قوله، وانظر: "اللسان" 2/ 748 (حبر).]].

وقوله تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾.

قال ابن عباس: يريد بما استودعوا من كتاب الله [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 888، وانظر: "زاد المسير" 2/ 365.]].

في (ما) يجوز أن يكون من صلة الأحبار [[الطبري في "تفسيره" 6/ 250، وانظر: "زاد المسير" 2/ 365.]]، على معنى العلماء بما استحفظوا، ويجوز أن يكون المعنى: يحكمون بما استحفظوا. وهو قول الزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 178.]].

وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾.

قال عطاء عن ابن عباس: وكانوا شهداء على الكتاب أنه من عند الله وحده لا شريك له [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 888 دون، ولم أقف عليه.]].

ورُوي عن ابن عباس أيضاً: أنهم كانوا شهداء على حكم النبي ﷺ أنه في التوراة [[رواه أبو صالح عن ابن عباس. انظر: "زاد المسير" 2/ 365.

وأخرج الطبري في "تفسيره" 6/ 251 عن ابن عباس من طريق عطية أنه قال: يعني الربانيين، والأحبار هم الشهداء لمحمد ﷺ بما قال أنه حق من عند الله، فهو نبي الله محمد ، أتته اليهود فقضى بينهم بالحق.]].

وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾.

قال الكلبي ومقاتل: فلا تخشوا الناس في إظهار صفة محمد والرجم، واخشوني في كتمان ذلك [[عن مقاتل في "تفسيره" 1/ 479، وأورده في "الدر المنثور" 2/ 506 وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ.

أما عن الكلبي ففي "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 115.]]. والخطاب لعلماء اليهود [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 251، "زاد المسير" 2/ 365، وقد ذكر ابن الجوزي قولًا آخر وهو أن الخطاب للمسلمين، قيل: لا تخشوا الناس كما خشيت اليهود الناس.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي﴾.

قال ابن عباس: يريد بأحكامي وفرائضي، ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يريد متاع الدنيا قليل؛ لأنه ينقطع ويذهب [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 888 دون نسبة، ولم أقف عليه.]].

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.

اختلفوا (في [[سقط هذا الحرف من (ج).]]) هذا وفي الآيتين اللتين بعد هذه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

فقال جماعة من المفسرين: إن الآيات الثلاثة نزلت في الكفار ومن غير حكم الله من اليهود، وليس في أهل الإسلام منها شيء؛ لأن المسلم وإن ارتكب كبيرة لا يقال: إنه كافر.

وهذا قول الضحاك وقتادة وأبي صالح [[أخرج الآثار عنهم الطبري في "تفسيره" 6/ 252 - 253، وانظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 61، "زاد المسير" 2/ 366.]]، ورواية أبي الجوزاء عن ابن عباس [[لم أقف على هذه الرواية، وقد جاء عن ابن عباس أن المراد كفر دون كفر. انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 256، وثبت عنه قوله: من جحد ما أنزل الله فقد كفر "تفسيره" ص 179، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 257.]].

ورواه البراء عن النبي ﷺ، أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم بن يحيى [[جاء اسمه هكذا: محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى -فيحيى جد أبيه- المُزَكَّي النيسابوري المحدث الصادق المعمر، من شيوخ الواحدي، توفي -رحمه الله- سنة 427 هـ. انظر: "المنتخب من السياق" ص 32، "سير أعلام النبلاء" 17/ 551، "شذرات الذهب" 3/ 233.]]، أخبرنا أبو الهيثم أحمد بن محمد بن غَوث [[لم أقف على ترجمته.]]، حدثنا أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان [[الحضرمي الملقب بـ: مُطَيّن، محدث الكوفة، شيخ حافظ ثقة جبل، يقول في سبب تلقيبه بمطين: كنت صبيًا ألعب مع الصبيان وكنت أطولهم فنسبح ونخوض فيطينون ظهري فلقبه أبو نعيم بذلك. صنف "كتاب التفسير"، "المسند"، "التاريخ"، توفي -رحمه الله- سنة 297 هـ وقيل 298 هـ. انظر: "الفهرست" ص 316، "سير أعلام النبلاء" 14/ 41، 42، "ميزان الاعتدال" 3/ 607.]]، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة [[عبد الله بن محمد بن القاضي العبسي الكوفي، الإِمام العلم المشهور، من أقران الإِمام أحمد وابن المديني وغيرهما، وصاحب الكتب الكبار: "المسند"، "المصنف"، "التفسير"، توفي -رحمه الله- سنة 235 هـ انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 57، "سير أعلام النبلاء" 11/ 122، "ميزان الاعتدال" 2/ 490.]]، حدثنا أبو معاوية [[هو محمد بن خازم مولى بني سعد بن مناة بن تميم، تقدمت ترجمته.]]، عن الأعمش [[هو أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي الكوفي، ثقة حافظ ورع لكنه يدلس وقد أخرج حديثه الجماعة، وكان عارفًا بالقراءات. توفي -رحمه الله- سنة 147 هـ. انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 432، "طبقات القراء" لابن الجزري 1/ 315، "التقريب" ص 254 (2615).]]، عن عبد الله بن مرة [[عبد الله بن مرة الهمداني الخارفي الكوفي، من ثقات التابعين، وحديثه عند الجماعة، توفي سنة 100هـ، وقيل قبلها. انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 59، "تهذيب == التهذيب" 2/ 430، "التقريب" ص 322 (3607).]]، عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه رجم يهوديًا ويهودية، ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: "نزلت كلها في الكفار" رواه مسلم في "الصحيح" [["صحيح مسلم" (1700)، كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود، وأخرجه المؤلف في "الوسيط" 3/ 889.]] عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية.

وقال آخرون: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردًّا للقرآن، وتكذيبًا للنبي ﷺ، فقد كفر [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 257.]].

قال مجاهد في الآيات الثلاث: من ترك الحكم بما أنزل الله ردًا لكتاب الله، فهو كافر ظالم فاسق [[لم أقف عليه، وقد ذكر نحوه غير منسوب. النحاس في "معاني القرآن" 2/ 315.]].

وقال عكرمة: ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق [[لم أقف عليه عن عكرمة، وقد أخرج الطبري في "تفسيره" عنه قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿الظَّالِمُونَ﴾، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ لأهل الكتاب كلهم، لما تركوا من كتاب الله. "جامع البيان" 6/ 253.]].

وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي [["تفسيره" ص 179، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 257.]]، واختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال: من زعم أن حكمًا من أحكام الله التي أتت بها الأنبياء باطل فهو كافر [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 178.]].

قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون المعنى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلًا يضاهي أفعال الكفار، ويشبه من أجل ذلك الكافرين [[لم أقف عليه.]].

وروى معنى هذا عن ابن عباس، قال طاوس: قلت لابن عباس: أكافر من لم يحكم بما أنزل؟ فقال: به كَفَرة [[في المصادر التي ستأتي عند تخريجه: كفر.]]، وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 256، والحاكم بمعناه في "المستدرك" 2/ 313، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 891، وانظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 61، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 70.]].

ونحو هذا رُوي عن عطاء في هذه الآية، قال: هو كُفر دون كفر [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 256، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 61.]].

وقال عبد العزيز بن يحيى الكِنَاني: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه، فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك، ثم لم يحكم بما أنزل الله من الشرائع، فليس هو من أهل هذه الآية [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 891، وانظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 61، "البحر المحيط" 3/ 493.]].

وقال ابن مسعود والحسن وإبراهيم: هذه الآيات عامة في اليهود وفي هذه الأمة، وكل من ارتشى، وبدل الحكم، فحكم بغير حكم الله، فقد كفر [[هذا معنى الآثار عنهم وقد أخرجها الطبري في "تفسيره" 6/ 256 - 257، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 43، "زاد المسير" 2/ 366.]]، وإليه ذهب السدي أيضًا [[أخرج قوله الطبري في "تفسيره" 6/ 257.]].

وهؤلاء ذهبوا إلى ظاهر الخطاب.

5:45Page 115

وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٥

And We ordained for them therein a life for a life, an eye for an eye, a nose for a nose, an ear for an ear, a tooth for a tooth, and for wounds is legal retribution. But whoever gives [up his right as] charity, it is an expiation for him. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the wrongdoers [i.e., the unjust].

قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية.

قال ابن عباس: يريد وفرضنا عليهم في التوراة [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 115.]].

﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ يريد من قتل نفسًا بغير، قود قتل به [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 258.]].

قال الضحاك: لم يجعل لهم دية في نفس ولا جرح، إنما هو العفو أو [[في (ش): (و).]] القصاص [[لم أقف عليه عن الضحاك، وورد نحوه عن ابن عباس. أخرجه الطبري في "تفسيره"

6/ 259، وأورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 893.]].

وقوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾.

اختلفوا في رفع العين ونصبها، فقرأ الأكثرون بالنصب، وكذلك ما العين [[قرأ بالنصب العشرة إلا الكسائي فإنه قرأ بالرفع، ووافقه في (الجروحُ) خاصة ابن كثير في "تفسيره" وأبو عمرو وأبو جعفر وابن عامر.

انظر: "الحجة" 3/ 223، "النشر" 2/ 254.]]، جعلوا الواو للإشراك في نصب (أنّ)، ولم يقطعوا الكلام مما قبله [["الحجة" 3/ 223.]].

ومن رفع العين فإنه عطف جملة على جملة، ولم يجعل الواو للإشراك في العامل كما كان كذلك في قول من نصب، ويجوز أن يكون حمل الكلام على المعنى؛ لأن معنى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ قلنا لهم: (النَّفْسُ بِالنَّفْسِ)، فحمل (وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ) على هذا [[من "الحجة" 3/ 223، 224.]]. والحمل على المعنى كثير في التنزيل والشعر، من ذلك قوله:

بادَتْ وغَيَّرَ آيَهنّ مع البلَى ... إلا رواكدَ جَمْرُهن هبَاءُ

ومُشَجَّعٌ أما سواءُ قَذالِه ... فَبَدا وغَيَّر سارَهُ المِعْزَاءُ [[البيتان بدون عزو في "الكتاب" 1/ 173، 174، "شرح أبيات سيبويه" للنحاس ص 84، "الحجة" 3/ 225.

ومعنى بادت تغيرت وبليت، وآيهن: آثارهن، والرواكد: الأثافي، والهباء: الغبار، أي صار الجمر كالغبار لقدمه وانسحاقه، والمشجج، وتد الخباء، وتشجيجه ضرب رأسه لتثبيته، وسواء قذاله: أعلى الوتد، وساره: سائره، والمعزاء: الصلبة.]]

لما كان المعنى في قوله: إلا رواكد بها رواكد، حمل مشجّجًا عليه، فكأنه قال: هناك رواكد ومشجّج [["الحجة" 3/ 225، وانظر: "الكتاب" 1/ 174.]].

قال الزجاج: ويجوز أن يكون: (العينُ) عطفًا على المضمر في قوله: (بالنفس [[في (ج): (أن النفس)، وفي "معاني الزجاج" 2/ 179: النفس.]])، لأن المضمر في: (بالنفس [[في "معاني الزجاج" النفس.]]) في موضع رفع، المعنى: أن النفس مأخوذة هي بالنفس، والعين معطوفة على: هي [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 179، وانظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 193.]].

وأما من قرأ الجميع بالنصب ورفع (الجروحُ) [[هذه قراءة ابن كثير في "تفسيره" وأبي عمرو وأبي جعفر وابن عامر. انظر: "الحجة" 3/ 223، "معاني القراءات" 1/ 329، "النشر" 2/ 254.]] فالكلام في رفع (الجروحُ) كما ذكرنا في رفع العين.

قال العلماء في هذه الآية: كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في العين والأنف والأذن والسن وجميع الأطراف، إذا تماثلا في السلامة من الشلل، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضًا في الأطراف [[انظر: "الأم" 6/ 5، 50، والطبري في "تفسيره" 6/ 258، والبغوي في "تفسيره" 3/ 63.]].

وقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وهو كل ما يمكن أن يقتص فيه مثل: الشفتين والذكر والأنثين والألسن والقدمين واليدين وغيرها [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 258 - 259، والبغوي في "تفسيره" 3/ 63، "زاد المسير" 2/ 368.]].

فأما ما لا يمكن القصاص من رضة لحم، أو هيضة عظم أو جراحة في البطن يُخاف منها التلف ففيه أرش [[الأرش: هو اسم للمال الواجب على ما دون النفس. "التعريفات" للجرجاني ص 17، وانظر: "اللسان" 1/ 60 (أرش).]] حكومة [[انظر: "الأم" 6/ 80 - 83، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 204.]].

والقصاص ههنا مصدر يراد به المفعول، أي والجروح مُتقاصّة بعضها ببعض.

وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ﴾.

أي: أعطى وبذل وترك، من الصدقة، وكل ما يعطيه الإنسان من ماله أو بدنه أو عرضه فرضًا كان أو نقلًا، ومنه قوله ﷺ: "أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضَمْضَم [[هذا الرجل غير مسمى ولا منسوب، عدّ من الصحابة ويحتمل أنه ممن تقدم. انظر: "الاستيعاب" 4/ 257، "أسد الغابة" 6/ 177، "الإصابة" 4/ 112.]]؟ كان إذا خرج من بيته تصدق بعرضه على الناس" [[أخرجه بنحوه أبو داود (4887) كتاب الأدب، باب (43): ما جاء في الرجل يحل الرجل قد اغتابه 5/ 199، من طرق، وذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" 4/ 257، وابن الأثير في "أسد الغابة" 6/ 177، وابن حجر في "الإصابة" 4/ 112.]].

والكلام في أصل الصدقة قد مضى عند قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 271].

وقوله تعالى: ﴿بِهِ﴾ أي: بالقصاص الذي وجب له.

﴿فَهُوَ﴾ أي: التصدق، ﴿كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ أي: للمتصدق الذي هو المجروح، أو ولي الدم. وهذا قول أكثر أهل التأويل [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 260 - 262، "معاني الزجاج" 2/ 179، "معاني النحاس" 2/ 317، "بحر العلوم" 1/ 440.]].

قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد فمن عفا فهو مغفرة له عند الله وثواب عظيم [[أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 895 ولم أقف عليه، وقد ثبت عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة أنه قال: فمن عفا عنه وتصدق عليه فهو كفارة للمطلوب وأجر للطالب.

"تفسير ابن عباس" ص 180، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 2/ 72 من هذه الطريق أيضًا.]].

وهذا قول ابن عمر والحسن والشعبي وقتادة [[أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" 6/ 260 - 262، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 317، "النكت والعيون" 2/ 43 - 44]].

وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "من تصدق من جسده بشيء كفر الله -عز وجل- عنه بقدره من ذنوبه" [[أخرجه أحمد في "مسنده" 5/ 316، والمؤلف في "الوسيط" 3/ 895 من طريق شيخه الثعلبي، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 63، وصححه الألباني، انظر: "صحيح الجامع" (6151)، وأخرج الترمذي نحوه من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه- (1393) كتاب الديات، باب: ما جاء في العفو، وابن ماجة (2693) كتاب الديات، باب: العفو في القصاص.]].

وقال آخرون: الكناية في قوله: ﴿لَهُ﴾ تعود على المتصدق عليه، أي كفارة للمتصدق عليه؛ لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 261، "النكت والعيون" 1/ 470.]].

قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قال: فهو كفارة للجارح، وأجر المتصدق على الله [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 262، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 317، "النكت والعيون" 2/ 44، والبغوي في "تفسيره" 3/ 64.]].

وهذا قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم [[أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" 6/ 261 - 262، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 44، والبغوي في "تفسيره" 3/ 64.]].

وعلى هذا فالجاني إذا عفا عنه المجني عليه كان العفو كفارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به في الآخرة، كما أن القصاص كفارة له.

والقول الأول أظهر؛ لأن العائد فيه يرجع إلى مذكور وهو (من)، وفي القول الثاني يعود إلى مدلول عليه وهو المتصدق عليه، دل عليه قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ﴾ [[وهذا أيضًا اختيار الطبري في "تفسيره" 6/ 262.]].

5:46Page 116

وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٦

And We sent, following in their footsteps,1 Jesus, the son of Mary, confirming that which came before him in the Torah; and We gave him the Gospel, in which was guidance and light and confirming that which preceded it of the Torah as guidance and instruction for the righteous.

قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾. مضى الكلام في: قفينا [[ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: 87].]].

قال الزجاج: أي جعلناه يقفوهم [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 168، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 47.]].

والكناية في: (آثارهم) عائدة إلى (النبيين الذين أسلمو).

وقوله تعالى: ﴿ومُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ منَ التَّوْرَاةِ﴾.

ليس بتكرير للأول في المعنى؛ لأنه يدل أن في الإنجيل ذكر التصديق في التوراة، كما أن عيسى -عليه السلام- جاء يدعو الناس إلى التصديق بها [[يوضح ذلك سياق الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.

فـ: ﴿مُصَدِّقًا﴾ الأول لعيسى، والثاني للإنجيل، وانظر: "الوسيط" 3/ 896، "زاد المسير" 2/ 369.]].

وقوله تعالي: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً﴾.

قال الفراء: متبع للمصدق في نصبه [["معاني القرآن" 1/ 312.]].

يريد أن: (مصدقًا) حال من الإنجيل [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 228، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 209.]]، والعامل فيه: (آتيناه) وعطف بالواو على قوله: (فيه هدى) لأن معناه: آتيناه الإنجيل هاديًا، وإن شئت قلت: تقديره: وآتيناه الإنجيل مستقرًّا فيه هدى ونور ومصدقًا، فقوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً﴾ معناه: وهاديًا وواعظًا، فلذلك نصبًا [[انظر: القرطبي في "تفسيره" 6/ 209، "الدر المصون" 4/ 284.]].

والآية تدل على أن شرع عيسى كان شرع موسى [[وذلك فيما لم ينسخه شرع عيسى، انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 264.]].

5:47Page 116

وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤٧

And let the People of the Gospel judge by what Allāh has revealed therein. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the defiantly disobedient.

قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾.

قال أهل المعاني: قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون التقدير: وقلنا: ليحكم أهل الإنجيل [[انظر: "الكشاف" 1/ 342.]]، فيكون هذا إخبارًا عما فرض عليهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل. ثم حذف القول؛ لأن ما قبله من قوله: ﴿وَكَتَبْنَا﴾ [المائدة:45]، ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ [المائدة: 46] يدل عليه. وحذف القول كثير كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ﴾ [الرعد:23 - 24] [[انظر: "المسائل الحلبيات" ص 240، قال أبو علي في آية الرعد: أي يقولون.]].

والثاني: أن يكون قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ ابتداء أمر للنصارى بالحكم بما في كتابهم [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 265، "الحجة" 3/ 228، البغوي في "تفسيره" 3/ 65، "زاد المسير" 2/ 369.]].

فإن قيل على هذا: كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن؟

قيل: إن أحكام الإنجيل كانت موافقة لأحكام القرآن [[ليس هذا على إطلاقه، بل الكثير من الإنجيل، أو الأكثر -خاصة في الفروع- منسوخ بالقرآن. انظر: القرطبي في "تفسيره" 6/ 209.]].

وقيل: إن المراد من هذا الحكم الإيمان بمحمد ﷺ لأنه كان في الإنجيل ذكر وجوب التصديق به، فهذا الأمر راجع إلى ذلك [[انظر: القرطبي في "تفسيره" 6/ 209.]].

والقول الأول أظهر.

وقرأ حمزة: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بكسر اللام وفتح الميم [["الحجة" 3/ 227، "التيسير في القراءات السبع" ص 99.]]، جعل اللام متعلقة بقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: 46] لأن إيتاءه الإنجيل إنزال ذلك عليه، فصار ذلك بمنزلة قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 105] [[في "الحجة" 3/ 288: فكأن.]]، وكأن المعنى: آتيناه الإنجيل ليحكم [["الحجة" 3/ 227، 228.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском