Al-Wahidi (al-Basit)Qaf · 50:18–36

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Qaf 50:18–36

50:18Page 519

مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨

He [i.e., man] utters no word except that with him is an observer prepared [to record].

قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ معني اللفظ في اللغة: الرمي من الفم. يقال: لفظ الكلامَ، إذا رماه من أنفه وفمه. والأرض تلفظ الميت إذا لم تقبله، والبحر يلفظ الشيء إذا رَمَى به إلى الساحل [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 381، "المفردات" (452) (الفظ).]]. والمعنى: ما يتكلم من كلام فيلفظه: ﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ حافظ. يعني الملك الموكل به، إما صاحب اليمين وإما صاحب الشمال.

قوله: ﴿عَتِيدٌ﴾ قال الكلبي: حاضر معه يحفظ عمله [[انظر: "الوسيط" 4/ 165، "معالم التنزيل" 4/ 222، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 11، ولم ينسبوه لقائل.]].

وقال الزجاج: ثابت لازم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 45.]]. وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 18] [[ومما قال عند تفسيره الآية: يقال اعتدت الشيء فهو معتد وعتيد، وقد عند الشيء عتادة وهو عتيد حاضر، قاله الليث. قال: ومن هنالك سميت العتيدة التي فيها طيب الرجل وأدهانه.]].

50:19Page 519

وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ ١٩

And the intoxication of death will bring the truth; that is what you were trying to avoid.

قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ﴾ أي: وتجيء. وذُكر بلفظ الماضي إشعارًا بتحقق كونه، كما قال: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: 44] وقد مر [[عند تفسيره لآية (44) من سورة الأعراف. ولم يذكر هناك شيئاً عن وروده بصيغة الماضي والله أعلم.]] قوله ﴿سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ أي غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله وفهمه. وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: 15] [[مما قاله عند تفسيره لهذه الآية: السَّكر سد الثقب لئلا ينفجر الماء، والسكر في الشرب هو تغير العقل وفساد اللب وقيل السكر في الشراب هو أن ينقطع عما كان == عليه من المضاء في حال الصحو ولا ينفذ رأيه على حد نفاده في صحوه.

وانظر: "تهذيب اللغة" 10/ 55، "اللسان" 2/ 170، "المفردات" (236) (سكر).]].

قوله تعالى: ﴿بِاَلحَقِّ﴾. قال مقاتل: يعني أنه حق كائن [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب، "الوسيط" 4/ 167.]].

وقال أبو إسحاق: أي بالموت الذي خلق له [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 45.]]. وقال الفراء: يقول بالحق الذي كان غير متبين لهم من أمر الآخرة، ويكون الحق هو الموت. أي جاءت سكرة الموت بحقيقة الموت [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 78.]].

قوله [[(ك): (وجاءت: أي وتجيء وذكر بلفظ الماضي إشعارًا قوله) والصواب حذفها.]] تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي يقال لمن جاءته سكرة الموت: (ذلك)، أي ذلك الموت ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قال مقاتل: يعني كراهية الموت [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب.]]. ونحو هذا قال ابن عباس: تكره [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 256، "الكشف والبيان" 11/ 180 ب، "الوسيط" 4/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 223.]]. يقال: حاد عن الشيء يحيد حيدًا وحَيْدُودة وحَيَدانا ومحيداً وحِيَاداً وحُيوداً، إذا مال عنه وهرب [[انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 189، "اللسان" 1/ 766 (حيد).]]. قال عطاء عن ابن عباس: يجتنب ويهرب [[لم أجده، وهو في معنى القول الأول.]]. وقال الضحاك: يزوغ ويميل وينكص، كل هذا من ألفاظهم [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 223، "الجامع لأحكام القرآن" 1/ 13.]].

50:20Page 519

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡوَعِيدِ ٢٠

And the Horn will be blown. That is the Day of [carrying out] the threat.

قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ قال مقاتل والكلبي: هي النفخة الأخيرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب، "التفسير الكبير" 28/ 164.]] ﴿ذَلِكَ﴾ أي ذلك اليوم الذي ينفخ فيه في الصور ﴿يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ قال مقاتل: يعني بالوعيد: العذاب في الآخرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب، "الوسيط" 4/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 223.]]. والمعنى: ذلك يوم تحقق الوعيد ووقوع الوعيد، فحذف المضاف.

50:21Page 519

وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ ٢١

And every soul will come, with it a driver and a witness.1

﴿وَجَاءَتْ﴾ أي في ذلك اليوم ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل والحسن: سائق يسوقها إلى المحشر وإلى أمر الله، وشهيد يشهد عليها بما عملت، وهو قول الجميع [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 256، "تفسير مقاتل" 124 ب، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 238، "جامع البيان" 26/ 101، "المصنف" 13/ 439، وهو قول عثمان بن عفان، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، والضحاك، وابن زيد، وغيرهم.]].

قال الكلبي: السائق هو الذي كان يكتب عليه السيئات، والشهيد هو الذي كان يكتب الحسنات [[انظر: "الوسيط" 4/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 223.]].

قال عبد الله بن مسلم: السائق قرينها من الشياطين، سمي سائقًا؛ لأنه يتبعها وإن لم يحثها ويدفعها. وكان رسول الله -ﷺ- يسوق أصحابه. أي يكون وراءهم. والشهيد الملك الشاهد عليها بما عملت [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 15، "البحر المحيط" 8/ 124، وقال (وهو قول ضعيف).]]. والمراد بالنفس هاهنا نفس الكافر، يدل عليه قوله:

50:22Page 519

لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ ٢٢

[It will be said], "You were certainly in unmindfulness of this, and We have removed from you your cover,1 so your sight, this Day, is sharp."

﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ اليوم في الدنيا ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ قال ابن عباس: الذي كان في الدنيا يغشى قلبك وسمعك وبصرك [[انظر. "الوسيط" 4/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 223، ولم ينسب.]].

وقال ابن قتيبة: أي: أريناك ما كان مستورًا عنك في الدنيا [[انظر: "تأويل المشكل" ص 422.]].

وقال أبو إسحاق: هذا مثل، المعنى: كنت بمنزلة من عليه غطاء وعلى قلبه غشاوة ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أي فعلمك بما أنت فيه نافذ، وليس يراد بهذا البصر بصر العين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 45.]]. وهذا قول الكلبي واختيار الفراء، قال: المعنى كنت تكذب فأنت اليوم عالم نافذ البصر، والبصر هاهنا: العلم وليس بالعين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 257، "معاني القرآن" للفراء 3/ 78، وأخرج ابن جرير في "جامعه" 26/ 103 عن قتادة.]]. والآخرون قالوا: هو العين.

قال ابن عباس في رواية عطاء: تبصر ما كنت تنكر في الدنيا [[انظر: "معالم التزيل" 4/ 223، ولم ينسبه.]].

قال ابن قتيبة: أي: فأنت نافذ البصر لما كشفت عنك الغطاء [[انظر: "تأويل المشكل" ص 422. وعبارته: فأنت ثاقب.]].

قال الضحاك: يحشر الكافر وبصره حديد، ثم يزرق ثم يعمى [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 15.]].

وقال مقاتل: يشخص بصره، فلا يطرف حين يعاين في الآخرة ما كان يكذب به في الدنيا [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب.]].

50:23Page 519

وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ٢٣

And his companion, [the angel], will say, "This [record] is what is with me, prepared."

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ قال مقاتل: يعني صاحبه، وهذا الملك الذي كان يكتب عمله السىِّء في الدنيا يقول لربه: كنت وكلتني به في الدنيا فهذا عندي معد حاضر قد آتيتك به [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب.]]. ونحو هذا قال الكلبي [[لم أجده عن الكلبي.]]. وعلى قولهما يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ الشخص الذي أتي به ويكون ﴿مَا﴾ بمعنى (من) [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 223.]]، ويحتمل أن يكون المراد ديوان أعماله وما كتب عليه. وقد صرح مجاهد بالقول الأول وقال: هذا الذي وكلتني به من ابن آدم قد أحضرته [[انظر: "الوسيط" 4/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 223، "الجامع" للقرطبي 17/ 16.]].

وابن قتيبة صرح بالقول الثاني فقال: يعني ما كتبته من عمله حاضر عندي [[انظر: "تأويل المشكل" ص 422.]]. وسيبويه جعل ﴿مَا﴾ هاهنا نكرة فقال: المعنى هذا شيء لدي عتيد، فارتفع ﴿عَتِيدٌ﴾ لأنه صفة لـ ﴿مَا﴾ [[انظر: "الكتاب" 1/ 269، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 220.]]. وذكر أبو إسحاق في رفع عتيد وجهين آخرين:

أحدهما: أن يرفع بإضمار (هو) كأنه قيل: هذا شيء لدي هو عتيد.

والآخر: أن يكون خبرًا بعد خبر، كما تقول: هذا حلو حامض [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 45.]].

50:24Page 519

أَلۡقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٖ ٢٤

[Allāh will say], "Throw into Hell every obstinate disbeliever,

﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ قال مقاتل: يقول الله ألقيا في جهنم يعني الخازن، وهو في كلام العرب: خذاه، يعني الواحد [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب.]].

وقال الكلبي: كلام العرب ألقيا لواحد [[انظر: "جامع البيان" 26/ 103، "الوسيط" 4/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 223.]] واختار الأخفش، والفراء هذا المذهب، وهو أن هذا خطاب للواحد بلفظ التثنية على عادة العرب يأمرون الواحد كما يأمر الاثنان، يقولون: قوما عنا للرجل. وويلك ارحلاها وازجراها. قال الفراء: سمعتها من العرب وأنشد [[البيت لمضرس بن ربيع الفقعسي، وقيل ليزيد بن الطثرية. انظر: "شرح شواهد الألفية" 4/ 591، "اللسان" 1/ 453 (جزز) وفيه (لا تحسبنَّا) بدلًا من (لا تحسبانا)، "شرح المفصل" 10/ 49، "الخزانة" 11/ 17، "سر صناعة الإعراب" 1/ 187.]]:

فقلتُ لصَاحِبي لا تَحْبِسَانا ... بنَزْعِ أصُولِهِ واجْتَزّ شِيحَا

وأنشد أيضًا:

فإن تَزْجُرانِي يابنَ عَفَّان أنزَجِرْ ... وإن تَدَعَاني أحَمِ عِرْضاً مُمنَّعا [[البيت لسويد بن كراع. انظر: "شرح القصائد السبع" ص 16، "الأغاني" 11/ 123، "شرح شواهد الشافية" ص 484، "إملاء العكبري" 2/ 242، "الخزانة" 11/ 17.]]

قال الفراء: ويرى أن ذلك منهم؛ لأن الرجل أدنى أعوانه في إبله وغنمه اثنان، وكذلك الرفقة أدنى ما يكون ثلاثة، فجرى كلام الواحد على غالب العادة. ألا ترى الشعراء أكثر شيء: قيلا [[(ك): (قليلاً).]] يا صاحبي، ويا خليلي، قال امرؤ القيس:

خليلَيّ مُرّا بي على أمِّ جُنْدُبِ ... لنَقْضِي حَاجَاتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ

ثم قال:

ألم تَرَيَانِي كُلّما جئْتُ طَارِقًا ... وَجَدْتُ بها طِيبًا وإنْ لم تَطَيَّبِ [[انظر: "ديوانه" ص 41، 121، "الخصائص" 3/ 281، "التصريح بمضمون التوضيح" 1/ 202.]]

فرجع إلى الواحد، وأول الكلام اثنان [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 78 - 89.]].

وذكر أبو إسحاق عن المبرد أن هذا فعل مبني توكيدًا، كأنه لما قال: (ألقيا) ناب عن قوله: ألق ألق. وكذلك عنده قِفَا، معناه: قف قف، فناب عن فعلين. قال: وهذا قولٌ صالحٌ، والذي ذكره محمد بن يزيد في قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ هو مذهب أبي عثمان المازني، ذهب إلى أن أراد ألق ألق، فثنى ضمير الفاعل فناب ذلك عن تكرير الفعل [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 45 - 46.]].

قال أبو الفتح الموصلي: وهذا يدل على شدة اشتراك الفعل والفاعل، ألا ترى أنه لما بني أحدهما وهو ضمير الفاعل ناب عن تكرير الفعل، وإنما ناب عنه لقوة امتزاجهما، فكأن أحدهما إذا حضر فقد حضرا جميعًا [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 225 - 226]]. وهذا الذي قاله الموصلي بيان علة جواز نيابة (ألقيا) عن ألق ألق.

قال أبو إسحاق: والوجه عندي أن يكون أمر الملكين؛ لأن (ألقيا) للاثنين، فأنا اعتقد أنه أمر الاثنين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 46.]].

وبهذا قال جماعة من المفسرين؛ فذكروا أن هذا خطاب للمتلقين معًا [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 224، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 16.]]، أو للسائق والشاهد جميعًا [[قال ابن كثير: والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، وبه قال الألوسي، وهو معنى ما قاله الزجاج.

انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 226، "روح المعاني" 26/ 185.]]. والأشهر في هذا ما ذكره الفراء، ويدل عليه قراءة الحسن: (ألقين) بالنون الخفيفة، وهو خطاب الواحد [[انظر: "الكشاف" 4/ 22، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 16، "البحر المحيط" 8/ 126.]]. قوله ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ قال الكلبي، ومقاتل: كل كَفّار للنعم، معرض عن الإيمان والتوحيد مجانب له [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب، "معالم التنزيل" 4/ 224.]]. والحنيد بمعنى المعاند كالضجيع والقرين وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15] [[قال عند تفسيره لهذه الآية: العنيد المعرض عن طاعة الله وهو قول ابن عباس. ومجاهد: هو المجانب للحق. وقال إبراهيم: الناكب عن الحق. وقال ابن زيد: المخالف للحق. وقال أبو إسحاق: الذي يعدل عن القصد. وقال ابن الأعرابي: أعند الرجل إذا عارض إنسانًا بالخلاف، وأعند إذا عارض بالاتفاق. وعند البعير خطامه أي عارضه. والعنود من الإبل التي تعاند الإبل فتعارضه. وقال قوم من أهل اللغة: معنى عند إذا أبى قبول الشيء مع العلم به تكبرًا عنه وبغيًا وطغيانًا.]].

50:25Page 519

مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٖ مُّرِيبٍ ٢٥

Preventer of good, aggressor, and doubter,

قوله تعالى: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أي لا يبذل خيرًا. قال مقاتل: لا يعطي في حق الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب، "الوسيط" 4/ 167.]].

(مُعْتَدٍ) ظالم غشوم لا يقر بتوحيد الله، ﴿مُرِيبٍ﴾ قال قتادة والكلبي ومقاتل: شاك في الحق، وهو توحيد الله [[انظر: "جامع البيان" 26/ 104، "الوسيط" 4/ 167، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 17.]]. وهذا من قولهم: أراب الرجل، إذا صار ذا ريب. وقد ذكرنا ذلك في ابتداء سورة البقرة [[عند تفسيره لآية (2) من سورة البقرة. ومما قال: الريب الشك. يقال: رابني فلان يريبني، أي علمت منه الريبة. وأرابني أوهمنيها ولم يحققها.]]. وذكر عطاء ومقاتل أن هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة.

50:26Page 519

ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَأَلۡقِيَاهُ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ٢٦

Who made [as equal] with Allāh another deity; then throw him into the severe punishment."

No commentary for this ayah

50:27Page 519

۞ قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٢٧

His [devil] companion will say, "Our Lord, I did not make him transgress, but he [himself] was in extreme error."

قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ اختلفوا في المراد بالقرين هاهنا فقال ابن عباس في رواية عطاء: يعني قرينه من الشياطين [[انظر: "جامع البيان" 26/ 104، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 226.]].

وقال مقاتل: ﴿قَرِينُهُ﴾ هو شيطانه [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]]. واختاره ابن قتيبة [[انظر: "تأويل المشكل" ص 422.]]. وعلى هذا القول معنى الآية هو: أن شيطانه يعتذر إلى ربه يقول: لم يكن لي قوة بأن أقوله بغير سلطانك ﴿وَلَكِنْ كَانَ﴾ في الدنيا (في ضَلَالٍ بَعِيدٍ) طويل. ذكره مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]]. ومعنى ﴿مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ ما أَضللته وأغويته. أي لم أتول ذلك من نفسي ولكنه كان في ضلال عن الحق بخذلانك إياه، كأنه يقول: لم أكن سبب طغيانه [[انظر: "الوسيط" 4/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 224.]].

وقال الكلبي: يقول الملك: ربنا ما أطغيته [[لم أجده.]]، وعلى هذا القول المراد بالقرين الملك. وهو قول سعيد بن جبير. قال: يقول الكافر: رب إن الملك زاد عليّ في الكتابة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 224، "الجامع" للقرطبي 17/ 17، "فتح القدير" 5/ 77.

وهو مروي عن ابن عباس، ومقاتل. انظر: "تنوير المقباس" 5/ 259، "الكشف والبيان" 11/ 181 ب، "معالم التنزيل" 4/ 224]]. واختار الفراء هذا القول فقال: إن الكافر يقول: يا رب إنه كان يعجلني عن التوبة، فيقول الملك: ربنا ما أطغيته [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 76.]] أي: ما أعجلته عن التوبة وما زدت عليه. والمعنى: لم أكن سبب طغيانه بالإعجال والزيادة عليه، ولكن كان في ضلال بعيد لا يرجع إلى الحق ولا إلى التوبة. فيقول الله تعالى: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قال ابن قتيبة: وذكر الله اختصامهم في سورة الصافات وهو قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ في الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: 33] [[من آية (27 - 33) من سورة الصافات. وانظر: "تأويل المشكل" ص 423.]] وهذا يدل على أن المراد بالقرين الشيطان

قوله تعالى: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ يعني ما ذكر من الوعيد بالعذاب لمن عصى الرسل.

قال مقاتل: يقول قد أخبرتكم في الدنيا بعذابي في الآخرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]]. وقدَّم هاهنا إن كان واقعًا فالباء في ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ زائدة مؤكدة، وإن كان لازمًا بمعنى يقدم كما ذكرنا في قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: 1] [[قال: قدم هاهنا بمعنى تقدم. وهو لازم لا يقتضي مفعولاً .. قال الفراء: يقال: قدمت في أمر كذا وكذا وتقدمت. وقال الأزهري: ويقال: قدم ويقدم وتقدم يتقدم وأقدم يقدم واستقدم يستقدم بمعنى واحد.]] فالباء للتعدية [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 126، "فتح القدير" 5/ 77، "روح المعاني" 26/ 186.]].

ثم ذكر أنه لا تبديل لقوله ولا خلف لوعده فقال:

50:28Page 519

قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ ٢٨

[Allāh] will say, "Do not dispute before Me, while I had already presented to you the threat [i.e., warning].

No commentary for this ayah

50:29Page 519

مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٢٩

The word [i.e., decree] will not be changed with Me, and never will I be unjust to the servants."

﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ما لوعدي خلف لأهل طاعتي ولا لأهل معصيتي [[لم أجده.]].

وقال مجاهد: قد قضيت ما أنا قاض [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 612، "جامع البيان" 26/ 105، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 226.]].

وقال مقاتل: يقول الذي قلت لكم في الدنيا من الوعيد قد قضيته [[(ك): (قضيت). والصواب ما أثبته.]] عليكم فلا تبديل له [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]]. فعلى هذا معني الآية: لا تبديل لقول الله فيما ذكر من وعيد الكفار.

قال المفسرون [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 224، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 17.]]: وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: 119، السجدة: 13]. وقال أبو إسحاق: يعني قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [[من آية (160) من سورة الأنعام. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 46.]].

فإن قيل: على هذا كيف يجوز النسخ مع قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قلنا سبق قضاؤه بنسخ ما ينسخه، فلو لم ينسخ وقد سبق به الحكم حينئذ لزم تبديل القول.

وهكذا نقول في فائدة الدعاء والشفاعة [[انظر: "نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 16، "مناهل العرفان" 2/ 198، "مباحث في علوم القرآن" 234 - 235.]]. وذكر الكلبي في الآية قولاً آخر فقال: معنى الآية: ما يغير القول عندي بالكذب [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 181 ب، "معالم التنزيل" 4/ 224، "فتح القدير" 5/ 77.]]. يعني من كذب عندي فالغيب لا يخفى علي، وعلى هذا القول هو قول العبد لا قول الله تعالى. واختار الفراء وابن قتيبة هذا القول.

قال الفراء: معناه ما يكذب عندي للعلم بالغيب [[انظر: "معانى القرآن" للفراء 3/ 79.]]. وقال ابن قتيبة: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي لا يُغير عن جهته ولا يُحَرّف، ولا يزاد فيه ولا ينقص، لأني أعلم كيف ضلوا وكيف أضللتموهم [[انظر: "تأويل المشكل" ص 423.]]. وهذا القول كأنه أظهر؛ لأنه قال (القول لديّ) ولم يقل (قولي) [[ذكره الشوكاني، ثم قال: والأول أولى، "فتح القدير" 5/ 77.]]. وهذا كما يقال: لا تكذب عندي. ولو قال قائل: لا يغير القول لديّ، فهم من كلامه أنه يقول: لا يكذب عندي بل يؤدي القول عندي على وجهه.

50:30Page 519

يَوۡمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمۡتَلَأۡتِ وَتَقُولُ هَلۡ مِن مَّزِيدٖ ٣٠

On the Day We will say to Hell, "Have you been filled?" and it will say, "Are there some more,"

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ قال أبو إسحاق: نصب ﴿يَوْمَ﴾ على وجهين:

على معنى: ما يبدل القول لديّ في ذلك اليوم.

وعلى معنى: أنذرهم يوم نقول، كما قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [[من آية (39) من سورة مريم. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 46.]].

وقرأ نافع: (يقول) بالياء على معنى: يقول الله. وقراءة العامة [[قرأ نافع وأبو بكر (يقول) بالياء. وقرأ الباقون (نقول) بالنون. انظر: "حجة القراءات" ص 678، "النشر" 2/ 376، "الإتحاف" ص 398.]] أشبه بما قبله من قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ والنون في المعنى مثل: أقول، فهو أشبه بما قبله [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 213.]].

وقوله: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ قال جماعة علماء التأويل [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 238، "جامع البيان" 26/ 105، "القرطبي" 17/ 18.]]: الله تعالى عالم هل امتلأت أم لا، وسؤالها عن امتلائها توبيخ لمن أُدْخِلها، ودلالة على صدق قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ أراها الله تعالى تصديق قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ فلما امتلأت قال لها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾، قال أبو إسحاق: ووجه مخاطبتها جعل فيها ما به يتميز وتخاطب، كما جعل في النملة التي قالت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18] [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 47. والمؤلف رحمه الله تصرف في عبارة الزجاج، ونصها: ووجه مخاطبتها أن الله -عَزَّ وَجَلَّ- جعل فيها ..]].

قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد هل فيّ من سَعَة. وقد ضاقت بأهلها [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 259، من طريق الكلبي، "تفسير مقاتل" 125 أ، "معالم التنزيل" 4/ 224.]]. وقال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح: وَعَدَهَا الله ليملأنها فقال: وفيتك. فقالت: فهل فيّ من مسلك [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 612، "جامع البيان" 26/ 105.]]. وقال في رواية ابن أبي مريم: لا يزال يقذف فيها حتى تقول: قد امتلأت، فهل فيّ من مزيد [[انظر: "الدر المنثور" 6/ 107، ونسب إخراجه لسعيد بن منصور وابن المنذر.]].

وروى مقاتل بن سليمان قال: فتنتفض فتقول: قد امتلأت وليس فيّ مزيد. تقول: ليس فيّ سَعَة [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ، "الكشف والبيان" 11/ 181 ب.]]. وعلى هذا معنى الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ الإنكار [[قلت: قول المؤلف رحمه الله: ومعنى الاستفهام الإنكار هو من كلام شيخه الثعلبي، ولا يليق بهذا المقام على القراءتين إذ لا يتصور إنكار من مخلوق على الله تعالى وبخاصة في يوم القيامة، بل الاستفهام فيه من الضعف والاستصغار أمام عظمة الله تعالى ما يرد وصفه بالإنكار والله أعلم.]]. أي قد امتلأت ولم يبق فيّ موضع لم يمتلئ.

وقال ابن عباس في رواية أبي صالح [[باذام أو باذان مولى أم هانئ. وثقه بعض أهل العلم، وتكلم فيه بعضهم، واختار الشيخ أحمد شاكر توثيقه، وقال ابن معين: إذا روى عنه الكلبي فليس بشيء، == وإذا روى عنه غير الكلبي فليس به بأس.

انظر: "تهذيب الكمال" 1/ 137، "الجرح والتعديل" 1/ 432، "مسند الإمام أحمد" بتحقيق شاكر 3/ 323، "تهذيب التهذيب" 1/ 416، "ميزان الاعتدال" 1/ 296.]]: معنى قوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ مسألة للزيادة [[انظر: "جامع البيان" 26/ 106، "الكشف والبيان" 11/ 181 ب، "الوسيط" 4/ 168.

قلت: والقول بأن قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ معنى: هل بقي شيء تزيدوني، هو الظاهر من السياق وعليه تدل الأحاديث الصحيحة.

انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: وتقول هل من مزيد، 6/ 173، "صحيح مسلم"، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب: النار يدخله الجبارون 4/ 2186، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 238، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 226.]]، كأنها تستزيد إلى ما فيها. ولهذه الاستزادة مع قول: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ وجوه:

أحدها: أن هذا السؤال كان قبل دخول جميع أهل النار فيها [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 181 ب، "الوسيط" 4/ 168، "معالم التنزيل" 4/ 224]]

والآخر: إنَّما طلبت أن يزاد في سعتها لتضايقها بأهلها [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 174، "فتح القدير" 5/ 77.]].

وقال أبو إسحاق: إنها تقول: هل من مزيد تغيظًا على من فيها، يعني أن طلب الزيادة حنقًا على أهلها، تقول: هل بقي أحد لم أنتقم لك منه، فالزيادة [[(ك): (فازادة).]] ليس أنها لم تمتلئ فطلب الزيادة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 47.]].

50:31Page 519

وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ ٣١

And Paradise will be brought near to the righteous, not far,

قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ قال مقاتل: قربت الجنة للمتقين الشرك غير بعيد، فينظرون إليها قبل دخولها حين تنصب على يمين العرش [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ، "معالم التنزيل" 4/ 225.]] ويقال لهم:

50:32Page 519

هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ ٣٢

[It will be said], "This is what you were promised - for every returner [to Allāh] and keeper [of His covenant].

﴿هَذَا﴾ أي هذا الجزاء أو هذا الشيء الذي ترونه: ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ قوله: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [[انظر: "الكشاف" 4/ 24.]] ويجوز أن يكون التقدير: هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ منكم. فحذف (منكم) لدلالة الخطاب عليه [[انظر: "فتح القدير" 5/ 78.]].

قال ابن عباس: يريد لكل راجع عن معاصي الله [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 260، "الوسيط" 4/ 168.]]. وقال عبيد بن عمير: الأواب الذي يتذكر ذنوبه ثم يستغفر منها [[انظر: "المصنف" 13/ 440، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 20، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 228، "فتح القدير" 5/ 78.]].

وقال مجاهد: هو الذي إذا ذكر ذنبه في الخلاء استغفر منه [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 182 ب، "الوسيط" 4/ 168، "معالم التنزيل" 4/ 225.]].

وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب [[انظر: "الوسيط" 4/ 168، "معا لم التنزيل" 4/ 225، "الدر" 6/ 107.]]. وأصله من الرجوع، وقد مر تفسيره عند قوله: ﴿لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: 25] [[عند تفسيره لآية (25) من سورة الإسراء. وهو بنفس النص المذكور هنا.]]

قوله: ﴿حَفِيظٌ﴾ قال ابن عباس: أي لما ائتمنه الله عليه وافترضه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 260، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 20 عن قتادة.]].

وقال الكلبي ومقاتل: حافظ لأمر الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]].

وقال قتادة: حافقالما استودعه الله من حقه ونعمته [[انظر: "جامع البيان" 26/ 107، "الكشف والبيان" 11/ 182 أ، "معالم التنزيل" 4/ 225.]].

50:33Page 519

مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ ٣٣

Who feared the Most Merciful in the unseen and came with a heart returning [in repentance].

قوله تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من قوله: ﴿أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾، ويجوز أن يكون استئنافًا على: هو من خشي الرحمن ويجوز أن يكون ابتداء يراد به الجزاء، على معنى: من خشي الرحمن قيل له: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ وادخلوها جواب للجزاء، أضمرت قبله القول وجعلته فعلاً للجميع وهو قوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ ، لأن (من) يكون في مذهب الجمع ذكر ذلك الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 79، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 223، "مشكل إعراب القرآن" 2/ 685.]].

ومعنى ﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ قال ابن عباس: يقول يخافني ولا يرائي فكأنه يرائي [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 260، "الوسيط" 4/ 169، "معالم التنزيل" 4/ 225.]].

وقال مقاتل: أطاعه ولم يره [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]]. وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3] ومعنى هذا الغيب: غيبته عن رؤية الله. وقال الضحاك والسدي والحسن: يعني: في الخلوة، حيث لا يراه أحد إذا أرخى الستر وأغلق الباب [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 182 ب، "معالم التنزيل" 4/ 225، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 21، "فتح القدير" 5/ 78.]]. وعلى هذا الغيب غيبته عن الناس ورؤيتهم.

قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ قال مقاتل: وجاء في الآخرة بقلب مخلص [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ، "الوسيط" 4/ 169.]]. قال عطاء عن ابن عباس: راجع عن معاصي الله [[انظر: "الوسيط" 4/ 169، ولم ينسبه لقائل.]].

وقال أبو صالح عنه: مقبل إلى طاعة الله [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 225، "الجامع" للقرطبي 17/ 21، "فتح القدير" 5/ 78.]].

50:34Page 519

ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٖۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُلُودِ ٣٤

Enter it in peace. This is the Day of Eternity."

وقوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ أي يقال لهم: ادخلوا الجنة ﴿بِسَلَامٍ﴾ قال ابن عباس: بسلامة قد إنقطعت عنهم الهموم وأمنوا الموت [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 260، "معالم التنزيل" 4/ 225.]]. وقال قتادة: سلموا من عذاب الله وسلم الله عليهم [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 239، "جامع البيان" 26/ 108.]].

﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ في الجنة، لأنه لا موت فيها. قاله مقاتل.

50:35Page 519

لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيۡنَا مَزِيدٞ ٣٥

They will have whatever they wish therein, and with Us is more.

﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ ثم يزيدهم الله من عنده ما لم يسألوه ولم يخطرهم على بال، فذلك قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]] يعني وعندنا لهم مزيد. وقال عطاء عن ابن عباس: المزيد ما يزيدهم الله من الحور العين إلى ما عندهم من بنات آدم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 21، لاروح المعاني" 26/ 190، "الدر" 6/ 108، قال: وأخرج أحمد وأبو يعلى، وابن جرير بسند حسن عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله -ﷺ- وفيه: "ثم تأتيه امرأته فتضرب علي منكبه ... ويسألها من أنت فتقول: أنا من المزيد". وانظر: "جامع البيان" 26/ 110.]].

وقال الكلبي عنه: هو أن الملائكة تأتي أحدهم بالهدايا من عند الله فإذانظر إليها أعجبته، فتقول الملائكة للشجر الذي بفناء بابه: الله يأمرك أن تنفطري له عن كل ما يشاء من مقل هذه، وهو المزيد [[لم أجده.]].

وقال كثير بن مرة [[كثير بن مرة أبو شجرة، ويقال أبو القاسم الحضرمي، الحمصي، ثقة. سمع عمر، وروى عن معاذ وعبادة بن الصامت وجماعة، ويقال إنه أدرك سبعين بدريًا وشهد الجابيَّة مع عمر.

انظر: "التاريخ الكبير" 4/ 208، "طبقات ابن سعد" 7/ 448، "تقريب التهذيب" 2/ 133، "سير أعلام النبلاء" 6/ 46، "أسد الغابة" 4/ 233.]] وغيره: هو أن السحابة تمر بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم؟ فلا يدعون بشيء إلا أمطر لهم، وتمطر لهم الحور العين، فتقول الحور: نحن الذين قال الله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [[أخرج ابن أبي حاتم نحوه. انظر: "الدر" 6/ 109، "روح المعاني" 26/ 190، قلت: لعل الأقوال السابقة من المزيد الذي ذكره الله تعالى تندرج في معنى الحديث الصحيح: "فيها ما لا عن رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر".]] وروي عن أنس ابن مالك في قوله ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قال: يظهر لهم الرب تبارك وتعالى [[أخرجه الشافعي، وأبو يعلى، وابن أبي شيبة وغيرهم من طريق جيدة. "الدر المنثور" 6/ 108.]]

وروى ذلك أيضًا عن جابر ويشهد لهذا التأويل قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] [[قال ابن كثير: وقد روى تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم الجمهور من السلف والخلف، "تفسير القرآن العظيم" 2/ 191.

وانظر: "صحيح مسلم"، كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم 1/ 163.

"سنن الترمذي"، كتاب: التفسير سورة يونس 5/ 276، "سنن ابن ماجه" 1/ 67 == في المقدمة، "شرح النووي على مسلم" 3/ 17، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 228.]].

50:36Page 520

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشٗا فَنَقَّبُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ هَلۡ مِن مَّحِيصٍ ٣٦

And how many a generation before them did We destroy who were greater than them in [striking] power and had explored throughout the lands. Is there any place of escape?

قوله تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا في الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: ساروا [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 260، "جامع البيان" 26/ 110، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 229.]]. وقال الكلبي عنه: تقلبوا [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 226، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 22.]] وقال مجاهد: ضربوا [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 612، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 229.]].

وقال النضر: دَوّروا [[(ك): (دوخوا) وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 22، "فتح القدير" 5/ 80.]]. وقال أبو عبيدة: طافوا وتباعدوا [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 224.]].

وقال الفراء: خرّقوا البلاد فساروا فيها [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 79.]].

وقال الزجاج: طوفوا وفتشوا. قال ومنه: نقيب القوم للذي يعرف أمرهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 48.]].

وقال المبرد: نقبوا في اللغة: طوفوا. وأصله من النقب وهو الطريق، كأنهم سلكوا كل طريق.

وأنشدوا لامرئ القيس [[انظر: "ديوانه" 73، "اللسان" 3/ 697 (نقب)، والمراجع السابقة. ورواية الديوان "طوفت" بدل "نقبت". وقد ذكرها عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ آية: 7 من سورة النجم.]]:

وقد نَقّبْتُ في الآفَاقِ حتَّى ... رَضِيتُ من الغَنِيمَةِ بالإيَابِ

ومعنى الآية: أن القرون الماضية ساروا في البلاد فلم يجدوا محيصًا عن أمر الله. قال قتادة: حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله لهم مدركًا [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 239، "جامع البيان" 26/ 110.]] وقال أبو إسحاق: طوفوا وفتشوا فلم يروا محيصًا من الموت [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 48.]]. أخبر الله عنهم أنهم طلبوا المهرب من الموت فلم يجدوا. وتقدير اللفظ: فنقبوا في البلاد هل من محيص لهم فلم يجدوا. وفي هذا إنذار لأهل مكة أنهم على مثل سبيلهم لا يجدون مفرًا من الموت. يموتون فيصيرون إلى عذاب الله.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском