Al-Wahidi (al-Basit)Adh-Dhariyat · 51:47–60

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Adh-Dhariyat 51:47–60

51:47Page 522

وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ٤٧

And the heaven We constructed with strength,1 and indeed, We are [its] expander.

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ يقال: أوسع الرجل، إذا صار ذا وسع وَسَعَة، وهو الغنى والجدة، والموسع المليء ومنه قوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236]. واختلفت العبارات في تفسير: ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ هاهنا فقال [[كذا العبارة في (ك) وفيها سقط ظاهر.]] عن ابن عباس: ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ لخلقي [[لم أجده بهذا اللفظ، وعنه قال: (لموسعون بالرزق) "تنوير المقباس" 5/ 277.]]. قال الكلبي: يعني سعة الرزق [[لم أجده، انظر: "معالم التنزيل" 4/ 234، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 52.]].

قال الفراء: لذو سَعَة لخلقنا [[في (ك): (حلقنا). انظر: "معاني القرآن" 3/ 89.]]. وقال الحسن: قادرون على رزقهم لا نعجز عنه، ولهذا قال مقاتل في تفسيره: لقادرون [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب]].

وقال الحسن: مطيعون [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 190 ب، "معالم التنزيل" 4/ 234، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 52.]]. وهذا يعود إلى أنه يقدر على رزقهم ويطيق ذلك، فهو موسع لخلقه في أرزاقهم.

وقال مجاهد: لقادرون أن نخلق سماء مثلها [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 227.]]، يعني أنه لما ذكر قدرته على خلق السماء ذكر أنه موسع لخلق مثلها. أي مطيق قادر.

وقال أبو إسحاق: جعلنا بين السماء والأرض سعة [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 57.]].

قال الأزهري: جعل أبو إسحاق أوسع بمعنى وسع [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 96 (وسع).]]. وعلى هذا يجوز أيضًا أن يعود التوسع إلى الرزق، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: إنا لموسعون الرزق على خلقنا [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 190 ب، "معالم التنزيل" 4/ 234، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 52.]].

51:48Page 522

وَٱلۡأَرۡضَ فَرَشۡنَٰهَا فَنِعۡمَ ٱلۡمَٰهِدُونَ ٤٨

And the earth We have spread out, and excellent is the preparer.

قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ قال ابن عباس: فنعم ما وطأت لعبادي [[انظر: "الوسيط" 4/ 180، "معالم التنزيل" 4/ 234.]]. وأوسعت عليهم، يعني الأرض.

قال أبو إسحاق: المعنى: فنعم الماهدون نحن، ولكن اللفظ بقوله: ﴿فَرَشْنَاهَا﴾ يدل على المضمر المَحذوف [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 5/ 57.]].

51:49Page 522

وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٤٩

And of all things We created two mates [i.e., counterparts]; perhaps you will remember.

قوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ أي صنفين ونوعين، فالزوجان في الحيوان الذكر والأنثى، وفي غير الحيوان المختلفان باللون والطعم. فيدخل في هذا الأبيض والأسود والمر والحلو.

قال مقاتل: يعني الليل والنهار، والشمس والقمر، والبر والبحر، والصيف والشتاء، والبرد والحر، والسهل والجبل، والنور والظلمة [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب، وهو قول مجاهد أيضًا. انظر: "جامع البيان" 27/ 6، "تفسير القاسمي" 15/ 5535.]].

قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تذكرون أنه ليس فيما خلق له عدل ولا مثل. قاله مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب، وهو قول مجاهد أيضًا. انظر: "جامع البيان" 27/ 6، "تفسير القاسمي" 15/ 5535.]]. وقال غيره: تذكرون أن خالق الأزواج فرد [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 234.]].

51:50Page 522

فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥٠

So flee to Allāh.1 Indeed, I am to you from Him a clear warner.

قوله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ قال ابن عباس: يريد بالتوبة من ذنوبكم [[انظر: "الوسيط" 4/ 180، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 53.]].

والمعنى على هذا فروا من العصيان والكفران إلى الطاعة والإيمان. يدل على هذا قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: أنذركم عقابه على الكفر والمعصية. وكذلك الآية التي نهى عن الشرك، وهو قوله:

51:51Page 522

وَلَا تَجۡعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥١

And do not make [as equal] with Allāh another deity. Indeed, I am to you from Him a clear warner.

﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ﴾ الآية. وجميع المفسرين على أنه أمر محمدًا -ﷺ- أن يقول هذا للناس [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 53، "فتح القدير" 5/ 91.]]. والكناية في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ تعود على اسم الله. والنذير هو النبي -ﷺ- وهذا هو الظاهر.

وروى عطاء عن ابن عباس على الضد من ذلك، فجعل الآية خطابًا من الله تعالى للخلق. يقول: لا تجعلوا مع الله إلهًا آخر ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ يعني نفسه تعالى وعز، ﴿مِنْهُ﴾ من محمد وسيوفه. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: أنذرتكم بأسه وسيفه إن أشركتم بي [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 54.]].

51:52Page 523

كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ ٥٢

Similarly, there came not to those before them any messenger except that they said, "A magician or a madman."

قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: الأمر كذلك. أي: كما فعل من قبلهم من الأمم في تكذيب الرسل [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 58.]]. وهو قوله: {مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ} أي: هو ساحر ﴿أَوْ مَجْنُونٌ﴾ قال مقاتل: يعني كقول كفار مكة لمحمد -ﷺ-. يقول الله تعالى:

51:53Page 523

أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٥٣

Did they suggest it to them?1 Rather, they [themselves] are a transgressing people.

﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ أي بهذا القول.

قال مقاتل: يعني أوصى الأول الآخر يقول ذلك لرسوله [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب.]].

وقال قتادة: أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 245، "جامع البيان" 27/ 7.]].

قال الزجاج: والألف فيه للتوبيخ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 58، ونصه: (وهذه ألف التوبيخ وألف الاستفهام).]].

قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ يعني أهل مكة طاغون.

قال ابن عباس: حملهم الطغيان فيما أعطيتهم ووسعت عليهم على تكذيبك [[انظر: "الوسيط" 4/ 180، "معالم التنزيل" 4/ 235.]]. والمعنى ما أوصى أولهم بذلك، ولكنهم قوم خارجون عن الحد في العصيان.

51:54–55Page 523

فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٖ ٥٤

So leave them, [O Muḥammad], for you are not to be blamed.

وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٥

And remind, for indeed, the reminder benefits the believers.

قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ يقول: فأعرض عن هؤلاء المشركين فقد بلغت وأنذرت، وهو قوله: ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أي لا لوم عليك إذ أديت الرسالة. قال ابن عباس: فحزن رسول الله -ﷺ- لما نزلت هذه الآية مخافة أن تنزل بقومه العذاب. ونحو هذا قال مقاتل، وقتادة، وغيرهما. قالوا: واشتد على أصحابه وظنوا أن الوحي قوإنقطع، أي: العذاب حضر، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب، "جامع البيان" 27/ 7، "الكشف والبيان" 11/ 190 ب، "الدر" 6/ 116.]] أي عظ بالقرآن. وفي هذا قولان: أحدهما: أنه أمر بالتولي عن الكفار ووعظ المؤمنين. يدل على هذا قوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك، فإن الذكرى تنفعهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235.]].

القول الثاني: أنه أمر أن يُذكر ويعظ الكفار. وهو قول مقاتل. يقول: عظ كفار مكة بوعيد القرآن، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، يعني من في علم الله أن يؤمن منهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب، "معالم التنزيل" 4/ 235، "فتح القدير" 5/ 92.]]. وهذا القول أشد موافقة لما ذكرنا في الآية الأولى.

51:56Page 523

وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦

And I did not create the jinn and mankind except to worship Me.

قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ تعلقت القدرية بهذه الآية وقالوا: دلت الآية على أن الله تعالى خلق كل مكلف لعبادته وأراد منهم العبادة. ولا حجة لهم في هذه الآية إذا تدبرت قول العلماء فيها ومذاهبهم في تفسيرها [[انظر: "جامع البيان" 27/ 8، "دقائق التفسير" لابن تيمية 4/ 527، "فتح القدير" 5/ 92.]]. والآية فيها مذاهب للمفسرين.

أحدهما: التخصيص، وهو أن المراد بالجن والإنس مؤمنو الفريقين. وهو قول الكلبي، والضحاك، والفراء، وعبد الله بن مسلم. قال الكلبي: هذا خاص لأهل طاعته. يعني: ما خلقت مؤمني الجن والإنس إلا ليعبدون [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 190 ب، "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235.]]. وقال الضحاك: هذا خاص في أهل عبادة الله وطاعته. يدل عليه قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: 179] والذين ذرأهم للنار لا يكونون ممن ذرأهم لعبادته. وهذه الآية التي نحن فيها مطلقة، وآية الذرء مقيدة، والمطلق يحمل على المقيد، وإذا جمعنا بين الآيتين علمنا أن الذين خلقوا للعبادة غير أولئك [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 55، "فتح القدير" 5/ 92.]].

وقال الفراء: هذه الآية خاصة. يقول: وما خلقت أهل السعادة من الفريقين إلا ليوحدوني ... [[في (ك): بياض. وتمام العبارة في "معاني القرآن" 3/ 89، (وقال بعضهم: خلقهم ليفعلوا ففعل بعضهم وترك بعض وليس فيه).]] لأهل القدر حجة وقد فُسِّر.

وقال عبد الله بن مسلم: يعني المؤمنين [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 422.]]. واحتج [[كذا في (ك). ولعل في العبارة سقطاً، حيث لم يذكر من قال بهذا القول وهو القول الثاني، وقد فسروا قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي لأدعوهم إلى عبادتي.]] هؤلاء لمذهبهم بقراءة ابن عباس ... [[(ك): كلمة لم تظهر ولعلها (وما خلقت).]] (الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون) [[وبها قرأ ابن مسعود، وأبى. انظر: "الكشف والبيان" 11/ 191 أ، "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 55، "روح المعاني" 27/ 22.]] معناه: إلا لآمرهم بعبادتي وأدعوهم إليها. وهو قول أمير المؤمنين [[في (ك): كلمة لم تقرأ وهي (علي) وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 55.]] ... -رضي الله عنه-، ومقاتل، واختيار الزجاج.

قال مقاتل: يعني إلا لآمرهم بالعبادة، ولو أنهم خلقوا للعبادة ما عصو ..... [[في (ك): كلمة لم تقرأ وهي (طرفة عين) انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب.]].

وقال الزجاج: المعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا لأدعوهم إلى عبادتي [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 58.]]. هذا كلامهم وتفسيرهم. قالوا .... [[في (ك): الكلمة غير واضحة، لعلها (وتفسير).]] العبادة غير الدعاء إليها والأمر بها، والله تعالى قال: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وأنتم تقولون إلا لآمرهم بذلك. قيل: قد يقال ... [[كذا في (ك). والعبارة مستقيمة ولعل الكلمة الساقطة (مثل).]] هذا إذا لم يشتبه ودلت الحال عليه، ما تقول لإنسان أكرمته وأحسنت إليه لتأمره يصنع لك شيئًا: ما أكرمتك إلا لتصنع هذا. وأنت تريد: إلا لآمرك بذلك. وأكثرة من لا يعبد الله من الكفار يدل على أنه لم يخلقهم لعبادته [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 143، "روح المعاني" 27/ 20 - 21.]].

واختار صاحب النظم هذا المذهب، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا﴾ [الزخرف: 12، 13] [[ورجح الشنقيطي في تفسيره 7/ 673 هذا القول لدلالة آيات القرآن عليه.]]. قال: معناه: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروه، ولو كان على ظاهره لوجب أن يكون ذلك عامًا في الإتيان به.

المذهب الثالث: أن المفسرين قالوا في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليوحدوني، والمؤمنون يوحدون الله تعالى طوعًا في الشدة والرخاء، الكفار يوحدونه في الشدة والبلاء وعند العباس. وهذا معنى رواية حبان عن الكلبي [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 192 أ، "معالم التنزيل" 4/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 56.]] هذا جملة أقوال المفسرين.

وأما أهل المعاني فلهم أيضًا أقوال سديدة في معنى الآية:

أحدها: أن المعنى قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليخضعوا لي ويتذللوا. وهذا معنى العبادة في اللغة، وكل أحد من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، فهو خاضع لقضاء الله متذلل لمشيئته، خَلَقه على ما أراد، ورزقه كما قضى، لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه، فقد حصل هذا الخضوع والتذلل من كل أحد [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 191 ب، 192 أ، "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235، "فتح القدير" 5/ 92. وهو اختيار ابن جرير أيضًا "جامع البيان" 27/ 8.]].

القول الثاني: أن معنى الخلق في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ﴾ خلق التكليف والاختيار، لا خلق الجبلة والطبيعة [[انظر: "دقائق التفسير" 4/ 529، "فتح القدير" 8/ 600.]]، فمن وفقه وسدده أقام العبادة التي خلق لها، ومن خذله وطرده حرمها وعمل ما خلق له [[في (ك): (لها).]]. وقد بين النبي -ﷺ- هذا المعنى بقوله: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" [[حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في كتاب: التفسير سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ 6/ 212، كتاب: القدر، باب: جف القلم على علم الله 8/ 153، ومسلم في كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي 4/ 2041. وأخرجه أحمد في "المسند" 1/ 82، 129، انظر: "شرح الطحاوية" 318 وما ذكره المؤلف هنا جزء من الحديث. اقتصر على مكان الشاهد منه.]].

51:57Page 523

مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ٥٧

I do not want from them any provision, nor do I want them to feed Me.

قوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: ما أريد أن يرزقوا من خلقي أحدًا، ونحوه قال مقاتل، والزجاج. وقال الكلبي: ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾ أن يرزقوا أنفسهم. ونحوه قال الفراء [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ، "معاني القرآن" للفراء 3/ 90، "جامع البيان" للطبري 27/ 8، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 59.]].

وقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ قال ابن عباس: أن يطعموا لي عبدًا. وهو قول الفراء والزجاج. قالا: أن يطعموا أحدًا من خلقي [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 95، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 59.]].

والآخرون قالوا: أن يرزقوني. ومرادهم أن يرزقوا عبادي؛ لأن الله تعالى غير مرتزق ولا طاعم، ويستحيل في وصفه الاستطعام وسؤال الرزق، وإنما أسند الإطعام إلى نفسه؛ لأن الخلق عيال الله فمن أطعم عيال رجل ورزقهم فقد أطعمه ورزقه [[انظر: "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235، "فتح القدير" 5/ 92.]]. وهذا كما قال -ﷺ- فيما يخبر به عن ربه أن الله تعالى يقول: "عبدي استطعمتك فلم تطعمني" [[جزء من الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في كتاب: البر، باب: فضل عيادة المريض 4/ 1991.]]، والمعنى: لم تطعم عبدي. والآية محمولة على أنه ما أوجب ذلك على عباده، ولم يكلفهم القيام برزق الخلق والإطعام، وإن كان قد ندب إلى إطعام الجائع وذي الحاجة إلى الطعام.

51:58Page 523

إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ ٥٨

Indeed, it is Allāh who is the [continual] Provider,1 the firm possessor of strength.

ثم بين أن الرزاق هو لا غيره. فقال: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ قال ابن عباس: الرزاق لجميع خلقه. ﴿ذُو الْقُوَّة﴾ على جميع ما خلق [[انظر: "الوسيط" 4/ 182، "معالم التنزيل" 4/ 236.]]. وقال مقاتل: يعني: ذو البطش [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ]].

وقوله: ﴿الْمَتِينُ﴾ معناه في صفة الله القوي [[انظر: "روح المعاني" 27/ 23.]]. وقد مَتُنَ شأنه، إذا قوي [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 305، "اللسان" 3/ 434 (متن).]]، ثم ذكر أن لمشركي مكة من العذاب مثل ما لغيرهم من الأمم الكافرة وهو قوله:

51:59Page 523

فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبٗا مِّثۡلَ ذَنُوبِ أَصۡحَٰبِهِمۡ فَلَا يَسۡتَعۡجِلُونِ ٥٩

And indeed, for those who have wronged is a portion [of punishment] like the portion of their companions [i.e., predecessors], so let them not impatiently urge Me.

﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال مقاتل: يعني مشركي مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ.]]. ﴿ذَنُوبًا﴾ الذَّنوب في كلام العرب: الدلو العظيم.

أنشد الفراء:

إنَّا إذا نَازَعَنَا سَرَيْت ... لنا ذَنُوبٌ من نَدَاك ذنوب [[البيت لرؤبة. انظر: "ديوانه" ص 132، "أمالي ابن الشجري" 2/ 181، "شرح المفصل" 5/ 48، "المفضليات" 696، "تهذيب اللغة" 14/ 438، "اللسان" 1/ 1079 (ذنب).]]

وأنشد المبرد لعلقمة بن عبدة:

وفي كلِّ حَيٍّ قد خَبَطْتَ بنِعْمَةٍ ... فحُقَّ لِشَأسٍ من نَداك ذَنُوبُ [[البيت في "ديوان علقمة" ص 48، الكتاب 4/ 471، "شرح المفصل" 5/ 48، "المفضليات" ص 396، "المذكر والمؤنث" ص 337، "الإيضاح في شرح المفصل" 2/ 516، "المصنف" 2/ 332، وشأس هو أخو علقمة. والبيت من قصيدة يمدح بها الحارث بن شمر الغساني.]]

قال ابن قتيبة: كانوا يستقون فيكون لكل واحد ذنوب، فحمل الذنوب مكان الحظ والنصيب [[انظر: "تأويل المشكل" 150، "تفسير غريب القرآن" 423.]]، وبهذا جاء التفسير. قال أبو إسحاق: يعني: نصيباً من العذاب، مثل نصيب أصحابهم الذين أهلكوا نحو قوم نوح، وعاد، وثمود [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 59.]]. وعبارة المفسرين مختلفة في تفسير الذنوب، والأصل ما ذكرنا، قال قتادة، ومقاتل، وأبو العالية: عذابًا مثل عذاب أصحابهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 245. وهو المروي عن ابن عباس. انظر: "تنوير المقباس" 5/ 279، "جامع البيان" 27/ 9.]].

وقال مجاهد: سجلاً. وقال إبراهيم: طرفًا [[انظر: "جامع البيان" 27/ 9.]].

قوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي بالعذاب، يعني أنهم أخِّروا إلى يوم القيامة، يدل على ذلك قوله:

51:60Page 523

فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوۡمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٦٠

And woe to those who have disbelieved from their Day which they are promised.

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ قال الكلبي، وعطاء، ومقاتل: يعني يوم القيامة [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ، "معالم التنزيل" 4/ 236، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 238.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском