Al-Wahidi (al-Basit)At‑Tur · 52:1–22

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

الطور

At-Tur

The Mount · Meccan · 49 ayahs

52:1Page 523

وَٱلطُّورِ ١

By the mount

﴿وَالطُّورِ﴾ ذكرنا تفسير الطور في سورة البقرة [[عند تفسيره لآية (63) من سورة البقرة. ومما قال: الطور قيل: إنه الجبل بالسريانية .. وقيل: إنه اسم جبل بعينه. والطَّوْرُ: التارة، والحدبين الشيئين، والطُّورُ الجبل. وطُورُ سيناءَ: جبلٌ بالشام.]]. قال عامة المفسرين [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ، "الوسيط" 4/ 13، "معالم التنزيل" 4/ 236، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 58.]]: أقسم الله بالجبل الذي كلّم الله عليه موسى بن عمران عليه السلام وهو بمدين [[مدين على بحر القلزم، وهو المعروف حاليًا بالبحر الأحمر، محاذية لتبوك على نحو من ست مراحل. وهي أكبر من تبوك وبها البئر التي استقى منها موسى عليه السلام لسائمة شعيب. انظر: "معجم البلدان" 5/ 77.]] واسمه زبير. ونحو هذا قال الفراء والزجاج وابن قتيبة [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 91، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 61، "تفسير غريب القرآن" ص 424.]].

52:2Page 523

وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ ٢

And [by] a Book inscribed1

قوله: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ المسطور معناه المكتوب من قولك: سطر يسطر سطرًا. وذكرنا هذا عند تفسير الأساطير [[عند تفسيره لآية (25) من سورة الأنعام. ومما قال: السطر هو أن تجعل شيئًا ممتدًّا مؤلفًا ومن ذلك سطر الكتاب، وسطر من شجر مغروس، ونحو ذلك قال ابن == السكيت. يقال: سَطْرٌ وَسَطرٌ فمن قال سطرٌ فجمعه في القليل أسطر وفي الكثير سطور ومن قال سطَرَ جَمَعَه أسطارًا ثم أساطير جمع الجمع، قاله اللحياني، واختار الزجاج أن يكون واحدها أسطورة. انظر: "البسيط" 2/ 89 ب.]]. وأكثر المفسرين على أن المراد بالكتاب هاهنا ما أثبت على بني آدم من أعمالهم. وهو قول مقاتل، ومجاهد، والكلبي، والزجاج [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ، و"جامع البيان" 27/ 10، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 61، "الكشف والبيان" 11/ 193 ب، "الوسيط" 4/ 182، وبه قال الفراء، وابن قتيبة. انظر: "تفسير غريب القرآن": 424، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 59، "فتح القدير" 5/ 94، ولم أجده عن الكلبي.]]. وذكر فيه أنه [[في (ك): (أن).]] اللوح المحفوظ [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 281، عن ابن عباس، وقد جمع القولين فقال: وأقسم باللوح المحفوظ مكتوب فيه أعمال بني آدم. "معالم التنزيل" 4/ 236.]]. وقيل: هو ما كتبه الله لموسى من التوراة [[انظر: "الكشف البيان" 11/ 193 ب، "معالم التنزيل" 4/ 236، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 59، ونُسب للكبي.]]. والصحيح هو القول الأول لقوله [[في (ك): (قوله) والصواب ما أثبته. قال الشنقيطي: والأظهر أن الكتاب المسطور هو القرآن العظيم .. "أضواء البيان" 7/ 683.]] تعالى:

52:3Page 523

فِي رَقّٖ مَّنشُورٖ ٣

In parchment spread open

﴿في رَقٍّ مَنْشُور﴾ ولم يثبت أن اللوح المحفوظ من الرق. ولا أن ما كتب لموسى كان على الرق. والمراد بالكتاب، المكتوب، سُمّي بالمصدر. والرق مما كتب فيه. قال أبو عبيدة: الرق الورق [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 230.]].

وقال الليث: الرَّقُّ الصحيفة البيضاء [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 284 (رقق).]].

وقال المبرد: الرق، ما رُقّق من الجلد ليكتب فيه. والمنشور: المبسوط يتباعد أطرافه [[انظر: "اللسان" 10/ 129 (رقق)، "القرطبي" 17/ 59، "فتح القدير" 5/ 94.]].

قال مقاتل: يخرج إليهم أعمالهم يومئذٍ في رق، يعني أديم الصحف [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ.]]. ونحو هذا قال الكلبي.

قال الفراء: الرق الصحائف التي تخرج إلى بني آدم يوم القيامة فآخذ كتابه بيمينه وآخذ بشماله [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 91.]]. وهذا كقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسر اء: 13].

52:4Page 523

وَٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ ٤

And [by] the frequented House1

قوله: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ روى أنس عن النبي -ﷺ- قال: "البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة" [[أخرجه ابن جرير في "تفسيره" 27/ 11، وابن المنذر، وابن مردويه، والحاكم في "المستدرك" 2/ 468 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في "شعب الإيمان". وانظر: "الدر" 6/ 117.]].

وقال ابن عباس: البيت المعمور في السماء بحيال الكعبة، يحجه كل يوم سبعون ألف [[في (ك): (ألف) ساقطة.]] ملك يسمى الصُّراح [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 281، "الكشف البيان" 11/ 193 ب، "الوسيط" 4/ 14، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 59.]]. ونحو هذا قال جماعة المفسرين [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 624، "تفسير مقاتل" 128 أ، "جامع البيان" 27/ 11، "تفسير ابن كثير" 4/ 239، قال: وكذا قال عكرمة ومجاهد وغير واحد من السلف.]]، إلا الحسن فقد روي عنه أنه قال: هو الكعبة. ومعنى ﴿الْمَعْمُورِ﴾ أنه معمور بكثرة الغاشية والزائرين [[انظر: "الكشف البيان" 11/ 194 أ - ب، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 60، "فتح القدير" 5/ 94، "روح المعاني" 27/ 27.]].

قال مقاتل: عمارته أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يصلون فيه [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ.]]. وقال الكلبي: المعمور بالملائكة. قال: وهو بيت في السماء السادسة، بناه آدم فرفع أيام الطوفان [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 281، "معاني القرآن" للفراء 3/ 91.]].

وروى عطاء عن ابن عباس أنه في السماء الدنيا [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 60، عن الربيع بن أنس.]]. قال: وكان ابن عباس يقول: لله في السموات والأرضين خمسة عشر بيتًا، كل واحد يحاذي صاحبه، سبعة على الأرضين وسبعة في السموات. والكعبة الخامس عشر [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 60.]].

52:5Page 523

وَٱلسَّقۡفِ ٱلۡمَرۡفُوعِ ٥

And [by] the ceiling [i.e., heaven] raised high

قوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾. قال علي رضي الله عنه: يعني السماء. وهو قول قتادة، ومجاهد، والجميع [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 624، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 246، "جامع البيان" 27/ 10، "العظمة" 3/ 1030.]]. قال مقاتل: المرفوع من الأرض مسيرة خمسمائة عام [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ.]]. وسَمَّى السماء سقفًا؛ لأنها للأرض كالسقف. وقد قال عَزّ ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32] وروى عطاء عن ابن عباس قال: السقف المرفوع هو العرش، وهو سقف الجنة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 60، "فتح القدير" 5/ 94.]].

52:6Page 523

وَٱلۡبَحۡرِ ٱلۡمَسۡجُورِ ٦

And [by] the sea set on fire,1

وقوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال الفراء: المسجور في كلام العرب المملوء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 91.]]. يقال: سجرت الإناء، إذا ملأته. قال لبيد:

فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وَصَدَّعَا ... مَسْجُورَةً مُتَجَاوِرًا قُلاَّمُهَا [[البيت ورد في "ديوانه" ص 10، وفي "شرح المعلقات السبع" (معلقة لبيد) للزوزني ص 82، "جمهرة أشعار العرب" ص 68، "المُحتسب" 2/ 371، وقوله: (قُلاَّمُهَا) ضرب من شجر الحمض، ويروى (أقلامها) وهو قصب اليراع. والسَّرِيُّ: النهر الصغير والجمع الأسرية.

والبيت في وصف العير والأتان، وقد توسطا جانب النهر الصغير وشقا عينًا مملوءة ماء، قد كثر نبتها.]]

وقال المبرد: البحر المسجور المملوء عند العرب، وأنشد هو وأبو عبيدة للنمر بن تَوْلَبْ يصف وعلاً:

إذا شَاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ... تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والسَّاسَمَا [[في (ك): (والساسماير) والصواب ما أثبته.

والبيت في "ديوانه" ص 165، "الخزانة" 11/ 95، "مجاز القرآن" 2/ 230، "تفسير غريب القرآن" ص 424 والنبع: شجر أصفر العود رزينة ثقيلة في اليد، إذا تقادم احمر.

والساسم: قيل هو جمع سِمْسِم، وقد يكون من الخشب يشبه الأبنوس. "اللسان" 1/ 569 (نبع) 2/ 142 (سسم).]]

يريد: به عينًا مملوءة. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، ومقاتل قالوا: الممتلئ. وقال قتادة: المملوء [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 281، "تفسير مقاتل" 128 أ، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 247، "جامع البيان" 27/ 11.]].

روى النزَّال بن سَبْرة عن علي رضي الله عنه قال: هو بحر تحت العرش فيه ماء غليظ، يقال له: بحر الحيوان، يمطر العباد بعد النفخة الأولى منه أربعين صباحًا، فينبتون في قبورهم [[انظر: "الكشف البيان" 11/ 195 أ، "الوسيط" 4/ 185، "معالم التنزيل" 4/ 237، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 62.]]. وهذا قول الكلبي، ومقاتل، قالا: يحيي الله به الموتى فيما بين النفختين [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 أ، "الوسيط" 4/ 185.]].

وقال مجاهد ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الموقد [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 624.]]. قال الليث: السجر إيقادك في التنور تسجره بالوقود سجرًا. والسَّجُورُ اسم الحطب [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 575 (سجر).]]. وهذا قول الضحاك وشَمِر بن عطية، وكعب. قالوا: البحر المسجور يسجر فيزاد في نار جهنم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 11، "معالم التنزيل" 4/ 237، "الدر" 6/ 11 "ونسب إخراجه لأبي الشيخ عن كعب.]].

وقد روي هذا في الحديث: أن الله تعالى يجعل البحار كلها نارًا فتجعل نار جهنم [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 48، وقال محققه: لم نقف على هذا الحديث سندًا فيما بين أيدينا من المصادر، وقد أورده بعض المفسرين كالمصنف بلا سند.]]. قال المبرد: وهذا القول يرجع أصله إلى القول الأول؛ لأن معنى: سجرت التنور، ملأته حطبًا ونارًا [[انظر: "اللسان" 2/ 99 (سجر).]]. قال الفراء: وكان علي رضي الله عنه يقول: مسجور بالنار. أي مملوء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 91.]].

وقال ابن عباس في رواية عطية: البحر المسجور هو اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب. وهو قول أبي العالية، ورواية ذي الرمة الشاعر، عن ابن عباس [[انظر: "جامع البيان" 27/ 12، "الكشف البيان" 11/ 195 أ، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 240.]] وليس له رواية غير هذا [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 61، وقال: قاله ابن أبي داود.]].

قال أبو زيد: المسجور يكون المملوء، ويكون الذي ليس فيه شيء [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 577، "اللسان" 2/ 100 (سجر). وفي "النوادر" لأبي زيد 58 قال: التسجير الامتلاء. يقال: بحر مسجور ومسجر. أي مملوء غاية الامتلاء.

واختار ابن جرير قول من قال: البحر المملوء المجموع ماؤه بعضه في بعض، ووجهه بأنه ليس موقدًا اليوم فهو مملوء. "جامع البيان" 27/ 11. وقال ابن الأنباري في "أضداده" ص 44: والمسجور من الأضداد، يقال المسجور للمملوء والمسجور للفارغ ....]]. أقسم الله تعالى بما ذكر من هذه الأشياء للتنبيه على ما فيها من عظم النعمة والعبرة من وجوب التدبير لذلك، وطلب ما فيها من دقائق الحكمة، والواو في قوله: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ وما بعدها من الواوات للعطف على المُقْسَم به، ولا يجوزأن يكون للقسم؛ لأن جواب القسم الأول وهو قوله: ﴿وَالطُّورِ﴾ لم يأت بعد، وإذا لم يأت جواب الأول، لم يجز أن يستأنف قسم آخر، وقد ذكرنا هذا الفصل في ابتداء سورة (ص) [[عند تفسيره لآية (2،1) من سورة ص. وتقدمه [ص:69].]].

52:7Page 523

إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٞ ٧

Indeed, the punishment of your Lord will occur.

وجوات هذه الأقسام قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [[انظر: "اعراب القرآن" للنحاس 3/ 249.]] قال ابن عباس والمفسرون: إن عذاب ربك للمشركين والكافرين والمنافقين لكائن [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 22 ،"معالم التنزيل" 4/ 237.]]. يعني في الآخرة يدل عليه قوله تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا}.

قال أبو إسحاق: (يومَ) منصوب بقوله: ﴿لَوَاقِعٌ﴾ أي لواقع يوم القيامة [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 61.]]. ومعنى المور في اللغة: الاختلاف والاضطراب والذهاب والمجيء والتردد.

والداغصة [[الداغصة: عظم مدور يموج فوق رضف الركبة. والداغصة الشحمة التي تحت الجلدة الكائنة فوق الركبة. انظر: "القاموس المحيط" 2/ 303. "اللسان" 1/ 989 (دغص).]] تمور في الركبة، والبعير يمور عضده مورًا، إذا مشى. وروى عمرو [[هو: عمرو بن أبي عمرو الشيباني.]] عن أبيه: المور الدوران، ويثال: مار يمور مورًا، إذا جعل يذهب ويجيء ويتردد ، ومنه قوله:

52:8Page 523

مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٖ ٨

Of it there is no preventer.

No commentary for this ayah

52:9Page 523

يَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوۡرٗا ٩

On the Day the heaven will sway with circular motion

﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 297، "اللسان" 3/ 548 (مور).]]. قال المبرد: أي تتحرك إما لسير وإما لدوران. قال ابن عباس، ومجاهد: تدور بما فيها دورانًا وتتكفأ تكفؤ السفينة وتضطرب وتتحرك وتستدير، كل هذا من عبارات المفسرين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 282، "تفسير مقاتل" 128 أ، "جامع البيان" 27/ 13. "معالم التنزيل" 4/ 237.]].

52:10Page 523

وَتَسِيرُ ٱلۡجِبَالُ سَيۡرٗا ١٠

And the mountains will pass on, departing1 -

﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ قال ابن عباس: كسير السحاب اليوم في الدنيا [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 282، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 63.]].

وقال مقاتل: تسير عن أماكنها حتى تستوي بالأرض [[انظر: "تفسير مقاتل" 128، "الوسيط" 4/ 185.]] وهذا كقوله: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الكهف: 47] وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ [طه: 105] وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ [النمل:88] الآيات، وقد ذكر الله تعالى في الواقعة أنها تصير هباءً منثورًا [[قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾. [الوقعه 5، 6].]] ،ثم ذكر ما للمكذبين في ذلك اليوم بقوله:

52:11Page 523

فَوَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١١

Then woe, that Day, to the deniers,

﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ قال الكلبي: الشدة من العذاب يومئذ للمكذبين بالإيمان [[انظر: "الوسيط" 4/ 185."معالم التنزيل" 4/ 238.]]. وذكرنا قديمًا تفسير الويل [[عند تفسيره لآية (79) من سورة البقرة. قال: قال ابن عباس. الويل شدة العذاب. وقال الزجاج: الويل كلمة يستعملها كل واقع في هلكة وأصله في اللغة العذاب. وقال ابن قتيبه: قال الأصمعي: الويل تقبيح. وروى الأزهري عن أبي طالب النحوي أنه قال: قولهم: (ويله) كان أصلها (روي) وصلت بـ (له) ومعنى (روي) حزن له ومنه قولهم: ويه، معناه حزن أخرج مخرج الندب. والويل: حلول الشر، والويله: الفضيحه، والبلية. والويل كلمة عذاب. والهلاك يُدعى بمن له وقع في هلكة يستحقها. وانظر: "اللسان" 3/ 997 (ويل).]].

52:12Page 523

ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي خَوۡضٖ يَلۡعَبُونَ ١٢

Who are in [empty] discourse amusing themselves.

ثم نعت هؤلاء المكذبين فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ومعنى الخوض في اللغة الدخول في الماء، ثم يتفرع منه الدخول في الأمر بالقول [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 466، "اللسان" 1/ 920 (خوض).]]. وأراد بالخوض هاهنا خوضهم في حديث محمد بالتكذيب واللاستهزاء، ولهذا قال المفسرون: في باطل يلعبون. قال عطاء: يخوضون في تكذيبك ويلهون بذكرك [[انظر: "الوسيط" 4/ 185، "معالم التنزيل" 4/ 238، "الجامع" للقرطبي 17/ 64.]].

52:13Page 523

يَوۡمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ١٣

The Day they are thrust toward the fire of Hell with a [violent] thrust, [its angels will say],

قوله: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ يوم بدل من قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [[انظر: "مشكل اعراب القرآن" 2/ 231.]] ومعنى الدَّع في اللغة: الدفع في قسوة وعنف. قال أبو عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 231.]]: دععت [[في (ك): (دعت) والصواب ما أثبته.]] في قفاه، أي دفعت، ومنه قوله: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيم﴾ [الماعون: 2]، وأنشد الليث:

إذا القوم في المَحُلِ دَعُّوا اليَتِيمَا [[لم أجده فيما اطلعت عليه.]]

قال عامة المفسرين: يدفعون إلى النار دفعًا على وجوههم [[اانظر: "جامع البيان" 27/ 14، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 241.]]، وقال قتادة: يزعجون إليها إزعاجًا [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 247، "جامع البيان" 27/ 14.]]. وقال مجاهد: دفرًا في أقفيتهم [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 92 ، "اللسان" 1/ 983 (دعع).]].

قال ابن الأعرابي: الدفر: الدفع [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 102، "اللسان" 1/ 991 (دفر).]]. قال مقاتل: يغلون أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم وراء ظهورهم، ثم يدفعون إلى جهنم دفعًا على وجوههم، حتى إذا دنوا منها قال لهم خزنتها قوله:

52:14Page 523

هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٤

"This is the Fire which you used to deny.

﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 128/ ب، "الوسيط" 4/ 185.]] قال ابن عباس: أي في الدنيا [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 282.]].

ثم وبخوا بما كانوا يدعون في حال التكذيب قبل انكشاف الأمر، فقيل لهم لما عاينوا مصداق الخبر

52:15Page 524

أَفَسِحۡرٌ هَٰذَآ أَمۡ أَنتُمۡ لَا تُبۡصِرُونَ ١٥

Then is this magic, or do you not see?

﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ أي هذا الذي ترون. والمعنى يعود إلى العذاب، ولذلك ذكر بلفظ التذكير في قوله: ﴿هَذَا﴾. قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ يريد: أم قد غطى على أبصاركم، وذلك أنهم كانوا يكذبون محمدًا -ﷺ- فيما يوعدهم من العذاب وينسبونه إلى السحر، وإلى أنه يسحر الناس ويغطي على أبصارهم بالسحر، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ وقد مر [[عند تفسيره لآية (15) من سورة الحجر.]]. فلما شاهدوا ما وعدوا به من العذاب قيل لهم للتوبيخ والتبكيت: أفسحر ما ترون، أم قد غطي على أبصاركم فلا ترون كما كنتم تدعون في الدنيا أنه يفعل بكم. وهذا معنى قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 ب، "معالم التنزيل" 4/ 238.]]. ويجوز أن يكون المعنى في قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ التهديد. يقول: أم لا تبصرون العذاب فتكذبون به كما كنتم تكذبون به في الدنيا إذا كنتم لا تبصرونه. فلما ألقوا فيها قالت لهم الخزنة:

52:16Page 524

ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٦

[Enter to] burn therein; then be patient or impatient - it is all the same for you. You are only being recompensed [for] what you used to do."

﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ أي: على العذاب ومقاساة حر النار ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُم﴾ قال أبو إسحاق: مرفوع بالابتداء والخبر محذوف. المعنى: سواء عليكم الصبر والجزع [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 62.]]. يدل على ذلك أنهم أقروا بهذا في قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم: 21].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي الأمر جار عليكم بالعدل، ما جوزيتم إلا جزاء أعمالكم، والمعنى: إنما تجزون جزاء ما كنتم تعملون، أي الكفر والتكذيب.

52:17Page 524

إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ ١٧

Indeed, the righteous will be in gardens and pleasure,

No commentary for this ayah

52:18Page 524

فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ١٨

Enjoying what their Lord has given them, and their Lord protected them from the punishment of Hellfire.

فقوله تعالى: ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. قال ابن عباس، ومقاتل: معجبين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 283، "تفسير مقاتل" 128 ب.]]. وذكرنا تفسير هذا الحرف في سورة يس [[عند تفسيره لآية (55) من سورة يس قال: ﴿فَاكِهُونَ﴾ قال ابن عباس: ناعمون. وقال مقاتل وقتادة: أي معجبون بما هم فيه. وهو قول الحسن والكلبي. وهذان القولان عليهما أهل التفسير ولكل منهما أجل في اللغة. فمن قال فاكهين ناعمين، فاصله من الفكهية والفاكهة وهي المزاح والكلام الطيب. يقال: فاكهت القوم بملح الكلام مفاكهةً. روى أبو عبيد عن زيد: الفَكِهُ الطيب النفس الضحوك .. ومن قال الفاكهة المعجب فإن العرب تقول: فكهنا من كذا أي تعجبنا. ومنه قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي تعجبون. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 63، "تهذيب اللغة" 6/ 25 (فكه)، "الأضداد" لابن الأنبارى 54.]].

52:19Page 524

كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٩

[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you used to do."

قوله تعالى: ﴿هَنِيئًا﴾ يقال: هَنُؤَ يَهْنُؤ هَنَاءَةً فهو هنيء [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 433 (هنا) ذكره عن الليث.]]. وهنيئًا هاهنا نعت محذوف على تقدير: إمتاعًا هنيئاً، وأمرهم بالأكل والشرب يدل على الإمتاع، كأنه قيل: أمتعتم بنعيم الجنة إمتاعًا هنيئًا، ويجوز أن يقول: أراد شربًا هنيئًا، أو أكلاً هنيئًا. واقتصر على صفة مصدر أحد الفعلين من الآخر. وقال الزجاج: (هنيئاً) صفة في موضع المصدر، أي: ليهنأكم ما صرتم إليه هنيئا [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 63.]]. وذكرنا تفسير الهنيء في أول سورة النساء [[عند تفسيره لآية (4) من سورة النساء. ومما قال: قال الأصمعي: يقال في الدعاء للرجل: هنئت ولا تَنْكَه. أي أصبت خيرًا ولا أصابك التفسير. وقال أبو الهيثم: معنى قوله ﴿هنئت﴾ يريد ظفرت على الدعاء له. وأصل الهنيء من الهناء. وهو معالجة الجرب بالقطران. فالهنيء شفاء من المرض كالهناء شفاء من الجرب، قال المفسرون: معنى الهنيء الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء.]].

قال مقاتل: يعني حلالاً.

وقال الكلبي: ﴿هَنِيئًا﴾ لا يموتون [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 ب.]]. ومقاتل ذهب إلى أن الحرام وخيم العاقبة، وطعام الجنة لما كان مأمون العاقبة وصف بالهنيء. وذهب الكلبي إلى أن الموت ينغص النعمة، ولما كان أهل الجنة يأمنوا الموت وصف نعيمهم بالهنيء.

52:20Page 524

مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٢٠

They will be reclining on thrones lined up, and We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.

قوله تعالي: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ تفسير هذه الحروف قد تقدَّم فيما سبق.

ووصف ابن عباس هذه السرر فيما روي عنه عطاء قال: يريد من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، والسرير مثل ما بين مكة وأيْلة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 65، "فتح القدير" 5/ 96.]].

وقال الكلبي: طول السرير في السماء مائة عام، فإذا أراد الرجل أن يجلس عليه تواضع له حتى يجلس عليه، فإذا جلس عليه ارتفع به إلى مكانه [[انظر: "الوسيط" 3/ 46، "التفسير الكبير" 19/ 153، "القرطبي" 10/ 33، "روح المعاني" 14/ 59، وأيْلَةُ بالفتح مدينة على ساحل البحر الأحمر ممل يلي الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام. انظر: "معجم البلدان" 1/ 347.]].

قوله تعالي: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ ذكرنا تفسيره في آخر سورة الدخان [[عند تفسيره لآية (54) من سورة الدخان وملخصه: أن الله تعالى أنكحهم في الجنة الحور العين، والحور في اللغة البيض وقيل الحسان الأعين.]].

52:21Page 524

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ ٢١

And those who believed and whose descendants followed them in faith - We will join with them their descendants, and We will not deprive them of anything of their deeds.1 Every person, for what he earned, is retained.2

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس: يعني المهاجرين والأنصار والتابعين [[انظر: "الحامع لأحكام القرآن" 17/ 67، "روح المعاني" 27/ 32، وقال (لكن == لا أظن صحته). وقال الشوكاني: وقيل المراد بالذين آمنوا المهاجرون والأنصار فقط، وظاهر الآية العموم، ولا يوجب تخصيصها بالمهاجرين والأنصار، كونهم السبب في نزولها إن صح ذلك، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. انظر: "فتح القدير" 5/ 98.]].

﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ اختلفوا في أن هذا الإيمان من المؤمنين الذين ذكروا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أم من الذرية؟ فقال قتادة: بإيمان من الذرية [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 247، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 66.]]، والمعنى: واتبعتهم ذريتهم في الإيمان؛ لأن الذرية إذا لم تتبع الأصل بالإيمان لم تجتمع معه في الجنة. وعلى هذا المراد بالذرية الكبار. ويجوز أن يكون المراد بالإيمان إيمان الذين آمنوا [[وهو المروي عن ابن عباس، والضحاك.

انظر: "جامع البيان" 17/ 15، "معالم التنزيل" 4/ 239.]].

والمعنى: وأتبعهم بإيمان من الآباء ذريتهم، والذرية تتبع الآباء وإن كانت صغارًا في كثير من أحكام الإيمان وهو الميراث، والدفن في مقابر المسلمين، وحكمهم حكم الآباء في أحكامهم، إلا فيما كان موضوعًا عن الصغير لصغره. وعلى هذا القول، المراد بالذرية: الصغار.

قال أبو علي: فإن جعلت الذرية للكبار [[في (ك): (فإذا حملت الذرية الكبار) والصواب ما أثبته.]] كان قوله: ﴿بِإِيمَانٍ﴾ حالاً من الفاعلين الذين هم ذريتهم [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 255.]]. وكلا القولين مروي عن ابن عباس [[انظر: "جامع البيان" 27/ 15، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 66.]]. والوجه أن تحمل الذرية على ما بينَّا. وعلى هذه الجملة يدل كلام المفسرين [[انظر "الكشف البيان" 11/ 196 ب، "الوسيط" 4/ 16، "معالم التنزيل" 4/ 239.]].

والذرية تقع على الصغير والكبير، والواحد والكثير [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 3 (ذرأ).]]. فمن وقوعها على الصغير الواحد قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: 38] ومن وقوعها على الكبار البالغين قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: 84].

ومن وقوعها على الكبير قوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ [مريم: 58]. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: "إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه" ثم قرأ هذه الآية [[أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 247 موقوفًا على ابن عباس، والحاكم في مستدركه، كتاب: التفسير، سورة الطور 2/ 468، والبزار عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- وفيه قيس بن الربيع. وثقه شعبة والثوري وفيه ضعف.

انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 114، وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" 27/ 15، "البحر المحيط" 8/ 148، وانظر: "تخريجات الكشاف" ص160، "الصواعق المرسلة" 1/ 391 - 392، "التفسير القيم" ص 449. وبه قال الجمهور.]].

وقال عبد الله في هذه الآية: الرجل يكون له القِدم وتكون له الذرية فيدخل الجنة فيرفعون إليه لتقر بهم عينه وإن لم يبلغوا ذلك [[انظر: "التفسير القيم" ص 451.]].

وقال أبو مجلز: يجمعهم الله له ما كان يحب أن يُجْمعوا له في الدنيا [[انظر: "الدر" 6/ 119، ونسب إخراجه لابن المنذر.]]. وقال الشعبي: أدخل الله الذرية بعمل الآباء الجنة [[انظر: "حامع البيان" 27/ 16.]].

وقال الكلبي عن ابن عباس: إن كان الآباء أرفع درجة من الأبناء رفع الله الأبناء إلى الآباء، وإن كان الأبناء أرفع درجة من الآباء رفع الله الآباء إلى الأبناء. وهذا القول اختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 92، "القرطبي" 17/ 6، "التفسير القيم" ص 451.]]. والآباء على هذا القول داخلون في اسم الذرية.

وذكرنا جواز ذلك عند قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [[عند تفسيره لآية (41) من سورة يس. ومما قال: قال ثعلب: الذرية تقع على الآباء. وقال الفراء: جعل الذرية التي كانت مع نوح لأهل مكة لأنها أصل لهم، وقال الزجاج: قيل لأهل مكة (حملنا ذريتهم) لأن من حمل مع نوح فهم أباؤهم وذرياتهم. فهذه الأقوال تدل على أن الآباء يجوز أن تسمى ذرية الأبناء. وقد كشف صاحب النظم عن هذا فقال: جعل الله الآباء ذرية للأبناء. وجاز ذلك لأن الذرية مأخوذة من ذرأ الله الخلق فسمى الولد ذرية لأنه ذري من الأب فكما جاز أن يقال للولد ذرية لأبيه لأنه ذري منه كذلك يجوز أن يقال للأب ذرية للابن ابنه ذري منه.]] عني بالذرية الآباء. والأكثرون على القول الأول. وهو أن الأبناء يلحقون بدرجة الآباء.

قال إبراهيم: أعطوا مثل أجور آبائهم ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئًا [[انظر: "جامع البيان" 27/ 16، "الدر" 6/ 119، وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر وهناد.]]. وهو اختيار الزجاج. قال: تأويل الآية أن الأبناء يلحقون بالآباء إذا كانت مراتب الآباء في الجنة أعلى من مراتبهم، ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئًا [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 65 - 66.]]. وذلك قوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ وذكرنا تفسير الألت عند قوله: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [[عند تفسيره للآية (14) من سورة الحجرات، ومما قال: لاتَ اجتمع أربع لغات: أَلَتَ، وآلَتَ، ولاَتَ، وأَلاَتَ. كلها معناها النقصان. قال ابن عباس ومقاتل: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئًا. انظر: "البسيط" 656 بتحقيق السحيباني.]] والقراء على فتح اللام في: (ألتناهم) وهو الأشهر الأعرف.

وقرأ ابن كثير بكسر اللام [[انظر: "حجة القراءات السبع" ص 62، "النشر" 2/ 377، "الإتحاف" ص 400.]]. ويشبه أن يكون ذلك لغة، فقد جاءت حروف على فَعِلَ وفَعَلَ، مثل: نَقِمَ يَنْقَمُ، ونَقَم يَنْقِم.

وقد رويت هذه القراءة عن يحيى بن يعمر، ومكانه مكانه [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 226.]].

قال ابن عباس: لم تنقص الآباء من الثواب حين ألحقنا بهم ذرياتهم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 284، "جامع البيان" 27/ 17، "الوسيط" 4/ 187.]]. وهذه الآية رد ظاهر على القدرية حين أنكروا أن يعطي الله تعالى ذكره مؤمنًا من فضله ما لا يستحقه بعمله. وتم الكلام عند قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ [[انظر: "القطع والائتناف" ص 66 قال: وهو قول أبي حاتم.]]، ثم ابتدأ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ قال ابن عباس: ارتهن أهل جهنم بأعمالهم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 68.]]. أي أخذوا وحبسوا في جهنم، ولكن الكلام في نفس الآية يدل على ما ذكر؛ لأن الله وصف منازل أهل الجنة، ثم ذكر أهل النار وأنهم ارتهنوا بعملهم، فدل معنى الكلام على أنهم معذبون، فإن أهل الجنة في نعيمهم.

وقال مقاتل: كل امرئ كافر بما عمل من الشرك مرتهن في النار [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 ب، "معالم التنزيل" 4/ 239.]]. ويدل على صحة ما ذكر ما قال الكلبي، وهو أن الله تعالى استثنى المؤمنين في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [[آية (38، 39) من سورة المدثر. ولم أجد القول عن الكلبي أو غيره.]] فدل على أن المراد بقوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ الكافر لا المسلم [[واختيار ابن جرير، والنحاس، وابن كثير، وغيرهم العموم، وأن كل إنسان مرتهن بعمله، فإن قام به على الوجه الذي أمره الله به فكه، وإلا أهلكه. انظر: "جامع البيان" 27/ 17، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 253، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 242، "فتح القدير" 5/ 98.]].

ثم ذكر ما يزيدهم [[في (ك): (ما يزيد) والتصويب من الوسيط.]] من الخير والنعمة فقال:

52:22Page 524

وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢٢

And We will provide them with fruit and meat from whatever they desire.

﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال ابن عباس: يعني غير الذي كان لهم زيادة من الله تعالى أمدهم بها [[انظر: "الوسيط" 4/ 18، "معالم التنزيل" 4/ 239.]]. قال الكلبي، ومقاتل: يعنى غير الذي كان لهم زيادة من الله تعالى أمدهم بها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском