Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
At-Tur 52:23–46
52:23Page 524
يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا وَلَا تَأۡثِيمٞ ٢٣
They will exchange with one another a cup [of wine] wherein [results] no ill speech or commission of sin.
﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ يتعاطون [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 ب، "جامع البيان" 27/ 17.]] والمعنى أن هذا يأخذ من يد هذا وهذا يأخذ من يد هذا كالشيء المتنازع فيه، تنزعه من صاحبك، وصاحبك ينزعه منك. هذا هو الأصل ثم صار التنازع اسمًا للتناول، والمنازعة اسمًا للمناولة [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 141، "اللسان" 3/ 616 (نزع).]] وقال الأعشى:
نازَعتُهُمْ قُضُبَ الرّيْحَانِ مُتّكئا ... وَقَهْوَةً مُزّةً رَاوُقُهَا خَضِلُ [[انظر: "ديوان النابغة" ص 147، والقهوة: الخمر، والراووق: إناء الخمر، والخضل: الندي.]]
وقال الأخطل:
نازَعْتُهمُ طَيِّبَ الرَّاحِ الشَّمُولِ وقد ... صَاحَ الدَّجَاجُ وحاَنتْ وَقْعَةُ السَّاري [[انظر: "ديوان الأخطل" 10/ 198، "مجاز القرآن" 2/ 223، ومعنى (نازعته) ناولته. والشمول: الطيبة الريح.]] وجميع أهل اللغة قالوا في معنى (يتنازعون): يتعاطون. وهو قول أبي عبيدة، والمبرد، والزجاج، وابن قتيبة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 232، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 63 "غريب القرآن" 425.]].
قوله تعالى: ﴿فِيهَا كَأْسًا﴾ قال ابن عباس، ومقاتل، يعني الخمر [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 284، "تفسير مقاتل" 128 ب.]]. وقد ذكرنا أن الكأس معناه الإناء فيه الشراب، فإذا كان فارغًا فليس بكأس، ولما لم ينفك الكأس عما فيه، جاز أن يسمى ما فيه باسم الكأس [[انظر: "المفردات" 443، "تهذيب اللغة" 10/ 313 (كيس)، "اللسان" 3/ 206 (كأس).]].
قوله تعالى: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يلغون ولا يأثمون [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 284، "جامع البيان" 27/ 17.]]. وعبارات المفسرين مختلفة الألفاظ، فقد قالوا: لا فضول ولا باطل ولا سباب ولا تخاصم فيها [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 624، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 248، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 242.]].
قال أبو إسحاق: أي لا يجري بينهم ما يُلْغَى، ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشربة الخمر [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 63]].
وقال ابن قتيبة: أي: لا يذهب بعقولهم فيلغوا ويرفثوا كما يكون من خمر الدنيا [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 425.]]. فإذا لم يذهب بعقولهم لم يكن منهم ما يؤثم. والتأثيم تفعيل من الإثم. يقال: أثمه، إذا جعله ذا إثم. يعني أن تلك الكأس لا تجعلهم آثمين. والكلام في التنوين وتركه في مثل هذا قد تقدم عند قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [[عند تفسيره لآية (197) من سورة البقرة. وفي قوله ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ قرأ ابن كثيرن وأبو عمرو، ويعقوب: ﴿لَغْوٌ * تَأْثِيمٌ﴾، بالنصب وقرأ الباقون ﴿لَغْوٌ * تَأْثِيمٌ﴾ بالرفع والتنوين.
انظر: "حجة القراءات": 683، "النشر" 2/ 211، "الإتحاف" 134. وفي قوله
تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ بالرفع والتنوين، وقرأ الباقون بالفتح من غير تنوين. انظر: "البسيط" 1/ 122 أ - ب، الحجة 2/ 286، "النشر" 2/ 211 ، "الإتحاف" ص 135.]].
وقوله: ﴿فِيهَا﴾ من قوله: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾ في موضع رفع بأنه خبر مبتدأ على قول سيبويه؛ لأنه خبر عن قوله: ﴿لَا لَغْوٌ﴾ والتقدير: لا لغو فيها ولا تأثيم فيها، واستغني عن ذكر خبر الثاني لدلالة خبر الأول عليه كقوله: زيد منطلق وعمرو [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 270، 5/ 63، "الحجة للقراء السبعة" 6/ 226.]].
52:24Page 524
۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ ٢٤
There will circulate among them [servant] boys [especially] for them, as if they were pearls well-protected.
قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾ قال الكلبي: بالخدمة غلمان لهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 188، "معالم التنزيل" 4/ 240.]]. قال مقاتل: لا يكبرون أبدًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 69.]]. ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ في الحسن والبياض ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ في الصدف لم تمسه الأيدي ولم تره الأعين.
وقال عطاء: يريد مثل اللؤلؤ حين يخرج من أصدافه قبل أن يصيبه الطيب والدهن [[لم أجده.]].
ومعنى: ﴿مَكْنُونٌ﴾ مصون فيما تكنه أي تستره [[الكِنُّ والكنَّةُ والكِنانُ: وقِاء كل شيء وسِترهُ، والكِنُّ: البيت أيضًا. والجمع أكنْانٌ وأكنَّةٌ، "اللسان" 3/ 304 (كَنَنَ).]]. ذكرنا تفسير هذا الحرف في مواضع، وعلى ما ذكر مقاتل، وعطاء: أراد أنه مكنون في الصدف [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 ب، "معالم التنزيل" 4/ 240.]]. وقال الكلبي: قد خُبِّئ وكُنَّ من الحر والقر والمطر فلم يتغير [[لم أجده عن الكلبي، وفي "تنوير المقباس" 5/ 284، قال: (قد كن من الحر والبرد والقر).
والقُرُّ: هو البرد عامة. وقال بعضهم: القُرُّ في الشتاء والبرد في الشتاء والصيف، "اللسان" 3/ 52 (قرر).]]. وعلى هذا هو مكنون في غير الصدف. قال الحسن في هذه الآية: قالوا: يا رسول الله، الخادم كاللؤلؤ، فكيف بالمخدوم؟ قال: "كما بين القمر ليلة البدر والكوكب" [[أخرجه الثعلبي من رواية الحسن مرسلًا. انظر: "الكشف البيان" 11/ 197 ب، تخريجات الكشاف: 160.]]. ونحو هذا ذكر قتادة [[أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر.
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 248، "جامع البيان" 27/ 18، "الدر" 6/ 119.]].
وروت عائشة أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدمه فيجيبه ألف يناديه كلهم لبيك لبيك" [[أخرج الثعلبي من رواية عمر بن عبد العزيز البصري، عن يوسف بن أبي طيبة، عن وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة نحوه. انظر: "الكشف البيان" 11/ 197 ب، "تخريجات الكشاف" ص 160.]].
وقال أبو عبد الرحمن المعافري [[لم أجد ترجمته.]]: إنه ليصف الرجل من أهل الجنة سماطان لا يرى طرفهما من غلمانه حتى إذا مر مشوا وراءه [[لم أجد هذا القول.]].
وقال حميد بن هلال [[حميد بن هلال العدوي، أبو نصر البصري، ثقة، عالم، توقف فيه ابن سيرين لدخوله عمل السلطان. انظر: "تقريب التهذيب" 1/ 204، "صفة الصفوة" 3/ 260، "سير أعلام النبلاء" 5/ 309.]]: ذكرنا أن الرجل إذا دخل الجنة صور صورة أهل الجنة وألبس لباسهم، وحُلِّي حليهم، وأُري أزواجه وخدمه، أخذه سوار فرح لو كان ينبغي له أن يموت لمات من سوار فرح، فيقال له: أرأيت سوار فرحتك، فإنها قائمة لك أبدًا [[انظر: "صفة الصفوه" 3/ 260.]].
52:25Page 524
وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٥
And they will approach one another, inquiring of each other.
No commentary for this ayah
52:26Page 524
قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ ٢٦
They will say, "Indeed, we were previously among our people fearful [of displeasing Allāh].
No commentary for this ayah
52:27Page 524
فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ٢٧
So Allāh conferred favor upon us and protected us from the punishment of the Scorching Fire.
قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يتذاكرون ما كانوا فيه في الدنيا من التعب والنصب والخوف [[انظر: "الوسيط" 4/ 188، "معالم التنزيل" 4/ 240. ومعنى قوله: أخذه سوار الفرح، أي: دَبَّ فيه الفرح دَبيبَ الشَّرَاب. انظر: "اللسان" 2/ 237 (سور).]]. وقال مقاتل: زار بعضهم بعضًا فتساءلوا بينهم ما كانوا فيه من المشقة في الدنيا فذلك قوله:
52:28Page 524
إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ٢٨
Indeed, we used to supplicate1 Him before. Indeed, it is He who is the Beneficent, the Merciful."
﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [[انظر: "صفة الصفوة" 3/ 91.]]. ثم قرنوا الجواب مع ذلك
بالإخلاص والتوحيد وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ أي نوحده ولا ندعو إلهًا غيره. وهو قول ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 286، "جامع البيان" 27/ 18.]].
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ وقرئ ﴿أَنَّهُ﴾ بالفتح [[قرأ نافع، والكسائي، وأبو جعفر "أنه" بالفتح، وقرأ الباقون "إنه" بالكسر. انظر: "حجة القراءات" ص 684، "النشر" 2/ 378، "الإتحاف" ص 401.]].
والمعنى: ندعوه لأنه هو البر الرحيم. أي فلرحمته يجيب من دعاه، فلذلك ندعوه، ومن كسر الهمزة قطع الكلام مما قبله واستأنف [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 227.]]، وهو اختيار أبي عبيد قال: نقرؤها كسرًا على الابتداء، أي إن ربنا كذلك على كل حال. قال: ومن نصب أراد ندعوه لأنه، أو بأنه. فيصير المعنى: أنه يدعى من أجل هذا [[انظر: "حجة القراءات" ص 684.]].
والتأويل الأول أعم وأحب إليّ، قال المبرد: قال أبو عبيد: الكسر أعم، ولا وجه له؛ لأن قوله ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ بمعنى لأنه، أو بأنه دائم ثابت في الله -عز وجل- مثل قولهم لو ابتدأوا فقالوا: إنه، وأما قوله: من نصب يصير المعنى فيه أن الله يدعى من أجل هذا، فهو كما وصف، وليس في هذا علة توهن هذه القراءة، وإنما يدعو المسلمون ويستغفرون ربهم لأنه الغفور الرحيم. والمعنى في القراءتين يؤول إلى شيء واحد والله أعلم [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 254.]].
قال الكلبي ومقاتل: إنه هو البر الصادق فيما وعد أولياءه، الرحيم بالمؤمنين [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ.]].
52:29Page 524
فَذَكِّرۡ فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٖ وَلَا مَجۡنُونٍ ٢٩
So remind, [O Muḥammad], for you are not, by the favor of your Lord, a soothsayer or a madman.
قوله ﴿فَذَكِّرْ﴾ قال المفسرون: فعظ بالقرآن أهل مكة. والمعنى: ذكرهم بما أعتدنا للمؤمنين والكافرين.
﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: برحمة ربك عليك [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ، "معالم التنزيل" 4/ 240.]]. والمعنى: بإنعامه عليك بالنبوة ورحمته إياك حتى عصمك وطهرك [[وفي "تنوير المقباس" 5/ 286، قال: بالنبوة والإسلام.]].
قوله: ﴿بِكَاهِنٍ﴾ يقال: كَهَنَ الرجل يَكْهَنُ كَهانةً، مثل: كتب يكتب كتابة، وقَلّ ما يقال إلا تَكَهَّنَ الرجل، ويقال: كهن لهم، إذا قال لهم قول الكهنة [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 24، "اللسان" 3/ 309 (كهن) وهو قول الليث.]]، وهم الذين كانت الشياطين تلقي إليهم ما يسترقون فيخبرون الناس به، وكانت الكهانة في العرب قبل مبعث النبي -ﷺ- فلما بعث ومنعت الشياطين من استراق السمع بطل علم الكهانة [[انظر: "فتح الباري" 10/ 216 - 219، ومما نقله عن القرطبي قوله: (كانوا في الجاهلية يترافعون إلى الكهان في الوقائع والأحكام ويرجعون إلى أقوالهم، وقد انقطت الكهانة بالبعثة المحمدية، لكن بقي في الوجود من يتشبه بهم ..).]].
قال المفسرون: ما أنت بكاهن تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وحي. أي لست تقول ما تقوله [[في (ك): (مقول).]] كهانة، ولا تنطق إلا بوحي. والكاهن الذي يوهم أنه يعلم الغيبَ بطريق خدمة الجن إياه وإخبارهم، والمجنون المارق الذي يغطي على عقله. وهذا جواب لكفار مكة حين قالوا: إنه كاهن ومجنون وشاعر، وقد علموا أنه ليس كما قالوا، ولكنهم قالوا ذلك على جهة الكذيب ليستريحوا إلى ذلك كما يستريح السفهاء إلى التكذيب على أعدائهم.
52:30Page 524
أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ ٣٠
Or do they say [of you], "A poet for whom we await a misfortune of time"?1
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أي بل أيقولون: ﴿شَاعِرٌ﴾ أي هو شاعر ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ريب الدهر صروفه وحوادثه من قولهم: رابه الأمر ريبًا، أي نابه وأصابه [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 252، "اللسان" 1/ 1263 (ريب).]]. والمنون الدهر في قول الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 93.]]، والأصمعي، والكسائي، وأصله من المنّ بمعنى القطع، وذلك أنه يقطع الأعمال.
قال الفراء: المنون يذكر ويؤنث، فمن ذكره أراد به الدهر، ومن أنث أراد المنية. وقول الهذلي [[البيت في "ديوانه" ص 87، "الخصائص" 1/ 94، "شرح المفصل" لابن يعيش 4/ 10، "المذكر والمؤنث" ص 227.]]:
أَمِنَ الَمُنونِ وَرَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ
روي بالوجهين.
وقال الكسائي: المنون واحد في اللفظ، وقد يذهب به مذهب الجماع وأنشد قول عدي: مَنْ رأيْتَ المَنُونَ عَدّيْنَ أم من ... ذا عَلَيْه من أن يُضَامَ خَفِيرُ [[هو عدي بن زيد العبادي، والبيت في ديوانه.]]
عدين: أي تركن وجاوزن.
قال: والعرب تقول: لا أكلمك آخر المنون. أي: آخر الدهر [[انظر: "الوسيط" 4/ 189، ولم ينسبه.]] وكلا القولين في المنون ذكره المفسرون.
قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد حدثان الموت [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 286.]].
وقال الكلبي عنه: أوجاع الموت [[لعل مراد المؤلف رحمه الله من قوله (وقال مقاتل) أي فيما يرويه عن ابن عباس، حيث روى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبخاري عن ابن عباس في قوله ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ قال: الموت. وفي "تفسير مقاتل" قال: حوادث الدهر.
انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ، "جامع البيان" 27/ 19، "فتح الباري" 8/ 602، "الدر" 6/ 120.]].
وقال مقاتل: يعني الموت. وهو قول مقاتل [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 626، "جامع البيان" 27/ 19.]].
وقال مجاهد: حوادث الدهر [[أخرجه ابن الأنباري عن ابن عباس في الوقف والابتداء، وابن دريد في "الجمهرة" 1/ 259، وفي "اللسان" 1/ 1106 (ربص) ولم ينسبه لقائل. والذي ذكره المفسرون لا يدل على إنشاد ابن عباس لهذا البيت، وإنما ذكروا قوله ثم قالوا: وقال الشاعر، وربما ذكروا القول ونسبوه لغيره.
انظر: "جامع البيان" 27/ 19، "القرطبي" 17/ 72، "فتح القدير" 5/ 99.]]. والمعنى: ما يصيبه من الدهر أو من الموت. ومعنى التربص بالشيء: انتظار الدوائر به. وأنشد ابن عباس: تَربَّصْ بها رَيْبَ المَنُونِ لعلّها ... تُطَلَّقُ يومًا أو يَمُوتُ حَلِيلهُا [[أخرج ابن جرير نحوه عن ابن عباس بإسناد حسن، وأخرجه ابن إسحاق في السيرة. انظر: "جامع البيان" 27/ 19، "فتح الباري" 8/ 602، "معالم التنزيل" 4/ 240، "مرويات ابن عباس" للحميدي 2/ 829.]]
قال المفسرون: قال المشركون: ننتظر بمحمد الموت وحوادث الدهر فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، وأن أباه توفي شابًّا ونحن نرجو أن يموت كما مات أبوه شابًّا [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 72، "فتح القديرِ" 5/ 99.]]. وقال الأخفش: يريد نتربص به إلى ريب المنون، فحذف الجر كما تقول:
قصدت زيدًا وقصدت إلى زيد، وعمدت زيدًا وعمدت إلى زيد [[في "معاني القرآن" للأخفش 2/ 697، قال: وقال ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ لأنك تقول: تربصتُ زيدًا، أي تربصت به.]]
وأصله من المنِّ، قال الله تعالى:
52:31Page 524
قُلۡ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُتَرَبِّصِينَ ٣١
Say, "Wait, for indeed I am, with you, among the waiters."
﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ قال الكلبي: انتظروا بي الموت ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ بكم من المنتظرين عذابكم، فعذبوا يوم بدر بالسيف، وهو قول جماعة المفسرين [[انظر: "الوسيط" 4/ 189، "معالم التنزيل" 4/ 241، "القرطبي" 17/ 73.]].
قال أبو إسحاق: وجاء في التفسير أن هؤلاء الذين قالوا هذا هلكوا كلهم قبل وفاة رسول الله -ﷺ- [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 65.]].
52:32Page 525
أَمۡ تَأۡمُرُهُمۡ أَحۡلَٰمُهُم بِهَٰذَآۚ أَمۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٣٢
Or do their minds1 command them to [say] this, or are they a transgressing people?
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد التكذيب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 286.]]. يعني أن الله تعالى أشار بقوله: ﴿بِهَذَا﴾ إلى ما ذكر عنهم مما يدل على تكذيبهم. يقول: أم تأمرهم أحلامهم بترك القبول ممن يدعوهم إلى التوحيد، ويأتيهم على ذلك بالدلائل، وهم يعبدون أحجارًا.
قال الفراء: الأحلام في هذا الموضع العقول والألباب [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 93.]]. وكانت عظماء قريش توصف بالأحلام والنهى، وبأنهم أولوا العقول فقال الله تعالى -منكرًا عليهم-: أتأمرهم أحلامهم بهذا. وهذا تهكم وإزراء [[أزرى بالشيء إزراء: تهاون به. انظر: المصباح (زرى).]] بأحلامهم، وأنها لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل [[انظر: "جامع البيان" 27/ 19، "الوسيط" 4/ 189، "معالم التنزيل" 4/ 241.]]، وفيه رد على من يوجب شيئًا بالعقل، وأن الهدى يكتسب بالعقل.
وقوله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: أم يكفرون طغيانًا، وقد ظهر لهم الحق. وأول الآية إنكار عليهم، وآخرها إيجاب. وهو قوله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد حملهم الطغيان على تكذيبك [[انظر: "الوسيط" 4/ 189.]]. ومثل هذه الآية في النظم قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ قال عطاء: افتعله [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 73.]].
وقال الكلبي: تكذّبه من تلقاء نفسه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 287، "الوسيط" 4/ 189.]].
وقال مقاتل: اختلق محمد القرآن من تلقاء نفسه [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ.]].
والتقوّل: تكلف القول، ولا يستعمل إلا في الكذب، لأنه تكلف القول من غير حقيقة بمعنى يرجع إلى أجل [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 311، "اللسان" 3/ 1089 (قول) "الجامع لأحكام == القرآن" 17/ 73، "فتح القدير" 5/ 99 وقوله: (بمعنى يرجع إلى أصل) ليست في المراجع السابقة، ولعل معناها إن صحت، أي ليس للتقول وهو الكذب أصل وإنما هو اختلاق وافتراء فقط.]].
قوله تعالى: ﴿بَلْ﴾ أي ليس الأمر على ما زعموا ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالقرآن استكبارًا. ثم ألزمهم الحجة على أنهم كذبوا فيما قالوا بقوله:
52:33Page 525
أَمۡ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ بَل لَّا يُؤۡمِنُونَ ٣٣
Or do they say, "He has made it up"? Rather, they do not believe.
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أي: إذ قالوا إن محمدًا تقوّله، فقد زعموا أنه من قول البشر فليقولوا مثله.
قال ابن عباس، ومقاتل: بقرآن من تلقاء أنفسهم مثل هذا القرآن كما جاء به ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ أن محمدًا تقوّله [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 287، "تفسير مقاتل" 129 أ.]]. وهذا في دليل على الإعجاز؛ لأن الله تعالى تحداهم بالقرآن فما رام أحد منهم أن يعارضه بشيء واللسان لسانهم.
52:34Page 525
فَلۡيَأۡتُواْ بِحَدِيثٖ مِّثۡلِهِۦٓ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٣٤
Then let them produce a statement like it, if they should be truthful.
No commentary for this ayah
52:35Page 525
أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٣٥
Or were they created by nothing, or were they the creators [of themselves]?
ثم احتج عليهم بابتداء الخلق:
قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من غير نطفة ولا طين [[لم أجده عن ابن عباس، والذي ذكره المفسرون عنه قوله: (من غير رب خلقهم وقدرهم).
انظر: "معالم التنزيل" 4/ 241، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 74.]].
وقال الكلبي: من غير أب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 287، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 74.]].
وقال مقاتل: أكانوا خلقًا من غير شيء هكذا [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ.]].
والمعنى: أوجدوا كما هم عليه من كمال الخلقة، وخلقوا من غير أن كان لهم ابتداء من التراب، ثم من الأب ثم من النطفة والعلقة. وهذا استفهام إنكاري، أي أنهم خلقوا أطوارًا، وذلك يدل على قادر رددهم وصرّفهم في أحوالهم، ولم يوجدوا ابتداء كما يخلق الجماد ابتداءً من غير تقدم سبب من أب وأم، فلا تقوم عليه الحجة، وهؤلاء خلقوا من أشياء ليستدلوا بذلك فتقوم عليهم الحجة. هذا معنى قول المفسرين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 20، "فتح الباري" 8/ 603، "فتح القدير" 5/ 101.]].
وأهل المعاني جعلوا ﴿مِنْ﴾ بمعنى اللام.
قال أبو إسحاق: أم خلقوا لغير شيء. أي أخلقوا باطلاً لا يحاسبون ولا يؤمرون؟! [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 65.]] ونحو هذا قال ابن كيسان: أم خلقوا عبثًا وتركوا سُدى لا يؤمرون ولا ينهون [[انظر: "الوسيط" 4/ 189، "معالم التنزيل" 4/ 241، "القرطبي" 17/ 74.]]. ويدل على هذا المعنى قوله: ﴿أمْ هُمُ الخالِقون﴾ هو أي: أهم الخالقون أنفسهم فلا يأتمرون لأمر الله، ولا ينتهون عما نهى الله عنه؛ لأن هذا من صفة الخالق لا من صفة المخلوق. والمخلوق يجب عليه ائتمار خالقه.
52:36Page 525
أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ٣٦
Or did they create the heavens and the earth? Rather, they are not certain.
قوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فيكونوا هم الخالقين ﴿بَلْ﴾ ليس الأمر على هذا. لم يخلقوا شيئًا ثم ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ قال ابن عباس: بربوبيتي ودوام ملكي [[لم أجده.]].
وقال مقاتل: بتوحيد الخالق [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ.]].
وقال أهل المعاني: لا يوقنون بالحق [[انظر: "الوسيط" 4/ 189.]].
52:37Page 525
أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ ٣٧
Or have they the depositories [containing the provision] of your Lord? Or are they the controllers [of them]?
قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ قال مقاتل: يقول أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاءوا [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ، "معالم التنزيل" 4/ 241.]]. ونحو هذا قال عكرمة: يعني النبوة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 241، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 74.]]. وهذا كقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32]، وقال الكلبي: خزائن المطر والرزق [[انظر: "الوسيط" 4/ 189، "معالم التنزيل" 4/ 241، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 74، عن ابن عباس، وكذا في "تنوير المقباس" 5/ 288.]].
وقال أهل المعاني: هذا عام في جميع مقدورات الله تعالى، وضرب لها المثل بالخزائن، لأن الخزانة بيت مهيأ لجَمْع [[(ك): الجميع).]] أنواع مختلفة، ومقدوراته كالخزائن التي فيها من كل أجناس المعاني لا نهاية له [[انظر: "تفسير القرطبى" 17/ 74، 75، "البحر المحيط" 1/ 152 عن الرماني.]] يخرج ما شاء بإيجاده إياه. يقول: أعندهم خزائن ربك فقد أمنوا أن يجري الأمور على خلاف ما يحبون.
﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: الأرباب المسلطون، ومصدره التسطير [[(ك): (التسطير).]]، ويقال: تسيطرت عليّ، أي: اتخذتني خولا، وعلى هذا قول الليث وأبي عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 233، "تهذيب اللغة" 12/ 326 (سطر).]].
وقال المبرد: المسيطر المتغلب على الشيء، يقال: تسيطرت علينا أي تكلفت أن تقصرنا على ما تحب [[انظر: "اللسان" 2/ 143 (سطر)، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 66.]].
قال أبو علي: وقد جاء على هذا البناء مُبَيْطِر ومُهَيمن ومبيقر [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 22.
والبيطرة: معالجة الدواب، والمبيطر: معالج الدواب. والبيقرة: مثية فيها تقارب. "اللسان" 1/ 225، 242 (بطر)، (بقر).]]. والصاد جائز في (المصيطر) [[قال الفراء: كتابتها بالصاد، والقراءة بالسين والصاد، "معاني القرآن" 3/ 93، وابن كثير، وحفص، وابن عامر في رواية الحلواني عن هشام، عن عمار، والكسائي في رواية الفراء: قرأوا (المسيطرون) بالسين، وقرأ حمزة بالإشمام، وقرأ الباقون بالصاد.
انظر: "حجة القراء السبعة" 1/ 49، 6/ 228، "حجة القراءات" 684، "النشر" 2/ 378، "الإتحاف" 401]].
ذكرنا ذلك في الصراط [[عند تفسيره لآية (6) من سورة الفاتحة. والقراءة في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ رويت عن ابن كثير السين والصاد وروي عن أبي عمرو السين والصاد والمضارعة بين الزاي والصاد. رواه عنه العريان بن أبي سفيان، وروى عنه الأصمعي (الزراط) بالزاي. والباقون بالصاد، غير أن حمزة يلفظ بها بين الصاد والزاي. انظر: "الحجة" 1/ 49.]].
وقال المفسرون في تفسير هذا الحرف: المسلطون الجبارون الأرباب القاهرون. كل هذا ألفاظهم.
قال عطاء عن ابن عباس: المسلطون على عبادي [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 241، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 75.]].
وقال مقاتل: أم هم المسلطون على الناس فيجبرونهم على ما شاءوا ويمنعونهم ما شاءوا [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ.]].
قال الكلبي: أم هم المسلطون على تلك الخزائن ينزلون منها على الخلق [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 288، "التفسير الكبير" 28/ 261.]]، هذا كلامهم، والمعنى: أم هم الأرباب فلا يكونوا تحت أمر ونهي يفعلون ما شاءوا.
52:38Page 525
أَمۡ لَهُمۡ سُلَّمٞ يَسۡتَمِعُونَ فِيهِۖ فَلۡيَأۡتِ مُسۡتَمِعُهُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٣٨
Or have they a stairway [into the heaven] upon which they listen? Then let their listener produce a clear authority [i.e., proof].
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ قال أبو عبيدة: السلم السبب والمَرْقَى [[انظر: "اللسان" 2/ 190 (سلم).]].
وقد مرَّ تفسير السُّلّم [[عند تفسيره لآية (35) من سورة الأنعام. وقد ذكر معنى الآية ولم يتطرق لمعنى السلم قال الزجاج: والسلم مشتق من السَّلامة وهو الشيء الذي يُسلمك إلى مصعدك. وانظر: "معاني القرآن" 2/ 244.]].
وقوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ قال أبو عبيدة: معنى ﴿فِيهِ﴾ به وعليه [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 233.]].
وقال المبرد: (فيه) هاهنا بمنزلة (عليه) في الفائدة. والأصل مختلف، فإذا قلت: عليه، فمعناه العلو والارتفاع، وإذا قلت: فيه، فمعناه أنه مكان حواه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 66، "البحر المحيط" 8/ 152.]]. وهذا كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71] وقد مر.
ومعنى الآية: ألهم سلم إلى السماء يستمعون عليه الوحي فقد وثقوا بما هم عليه وردوا ما سواه. قال المفسرون: يقول: ألهم سبب إلى السماء يرتقون عليه فيستمعون الوحي فيدعون أنهم سمعوا من الله ما هم عليه وأنه حق ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إن دعوا ذلك ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ بحجة واضحة.
وقال أبو إسحاق: المعنى ألهم كجبريل الذي يأتي النبي -ﷺ- بالوحي ويبين عن الله -عز وجل-.
ثم سفه أحلامهم في جعلهم البنات لله فقال: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 67.]]، وهذا كقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات: 149] وقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: 16] الآية. ومعنى الآية الإنكار عليهم، أي: أنتم جاعلون له ما تكرهون وأنتم حكماء عند أنفسكم ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ على ما جئتم به من الدين والشريعة ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾ أي غرم ﴿مُثْقَلُونَ﴾ قال مقاتل: أثقلهم الغرم فلا يستطيعون الإيمان من أجل الغرم [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 ب.]]. وكل هذا إنما ذكر قطعًا لحجتهم وبيانًا أن الحجة عليهم من كل وجه.
52:40Page 525
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٠
Or do you, [O Muḥammad], ask of them a payment, so they are by debt burdened down?
No commentary for this ayah
52:41Page 525
أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤١
Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?
قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد هل نزل عليهم وحي من السماء فهم يكتبون [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 288، "معالم التنزيل" 4/ 242، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 17/ 76.]]؟
قال: يريد كتبوه وعلموه، وهذا مجمل، وقد فسره مقاتل فقال: أعندهم علم الغيب بأن الله لا يبعثهم، وأن ما يقول محمد -ﷺ- غير كائن، ومعهم بذلك كتاب فهم يكتبون [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 ب.]].
وهذا وهم؛ لأنهم لو علموا الغيب لم [[(لم) ساقطة من (ك).]] يوجب ذلك إنكار البعث وأمر محمد -ﷺ-، ولكن المعنى ما قال قتادة: أن هذا جواب لقولهم: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ يقول الله تعالى: أعندهم الغيب حتى علموا أن محمدًا يموت قبلهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 190، "معالم التنزيل" 4/ 242، "القرطبي" 17/ 76. قلت: قول المؤلف رحمه الله: (وهذا وهم) رد لقول مقاتل. وظاهر الآية لا يرده. إذا في قوله تعالى ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ ..﴾ ما يرد كل افتراءاتهم وتكذيبهم للنبي -ﷺ- حيث لم يستندوا على وحي أو عقل، ويدخل ضمن دلالة الآية دعواهم بأن النبي -ﷺ- سيموت في شبابه كما مات الشعراء من أمثاله النابغة وزهير. والله أعلم.]]. وعلى هذا قوله: ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ يجوز أن يكون معناه: يكتبون ذلك الذي عندهم من علم الغيب.
وقال ابن قتيبة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 242، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 76.]]: معناه: يحكمون. والكتاب بمعنى الحكم قد ورد في كثير من المواضع كقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54] أي قضى وأوجب. وكقوله: "سأقضي بينكم بكتاب الله" [[الحديث رواه البخاري في كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود 3/ 241، وفي مواضع أخرى ولفظه: "لأقضين بينكما بكتاب الله"، ومسلم في كتاب الحدود، وأحمد في المسند 4/ 115.]] أي بحكمه.
52:42Page 525
أَمۡ يُرِيدُونَ كَيۡدٗاۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلۡمَكِيدُونَ ٤٢
Or do they intend a plan? But those who disbelieve - they are the object of a plan.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ يعني: أيريدون أن يكيدوك ويمكروا بك مكراً يغتالونك به ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ أي: المجزيون بكيدهم في الدنيا والآخرة. يريد أن ضرر ذلك يعود عليهم ويحيق بهم مكرهم. وقال الكلبي ومقاتل: يعني بكيدهم ما اجتمعوا ليكيدوا به في دار الندوة، فجزاهم الله بكيدهم أن قتلهم ببدر، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 ب، "معالم التنزيل" 4/ 242، "القرطبي" 17/ 76.]].
52:43Page 525
أَمۡ لَهُمۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٣
Or have they a deity other than Allāh? Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.
﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ هذا إنكار عليهم ما اتخذوه من الآلهة دون الله. يقول: ألهم إله دون الله، يعني: إلهًا يخلق ويرزق ويحيي ويميت.
وهذا معنى قور مقاتل: ألهم إله يمنعهم من مكرنا بهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 ب.]]. يعني: إن الذين اتخذوهم آلهة ليست بآلهة تدفع وتضر وتنفع.
ثم نزه نفسه بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: عمن يجعلونه شريكًا لله.
52:44Page 525
وَإِن يَرَوۡاْ كِسۡفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطٗا يَقُولُواْ سَحَابٞ مَّرۡكُومٞ ٤٤
And if they were to see a fragment from the sky falling,1 they would say, "[It is merely] clouds heaped up."
ثم ذكر عنادهم وقساوة قلوبهم فقال: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ قال مقاتل: يعني: جانبًا من السماء يسقط عليهم لعذابهم لقالوا من تكذيبهم: هذا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ بعضه على بعض [[انظر: المرجع السابق.]]. والمعنى: إن عذبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم لم ينتهوا عن كفرهم، وقالوا هو قطعة من السحاب، وهذا معنى قول ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 289، "معالم التنزيل" 4/ 242.]].
قال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- هؤلاء لا يعتبرون ولا يوقنون ولا يؤمنون بأبهر ما يكون من الآيات [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 68.]].
52:45Page 525
فَذَرۡهُمۡ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصۡعَقُونَ ٤٥
So leave them until they meet their Day in which they will be struck insensible -
ثم أخبر [[(ك): (حثب) ولعل الصواب ما أثبته.]] نبيه عن إيمانهم فقال:
قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ يقول: فخل عنهم، يعني لا تهتم بهم حتى يعاينوا يوم موتهم. وهذا تهديد لهم. ومعنى (يصعقون): يموتون، من قوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: 68] وقُرئ ﴿يُصْعَقُونَ﴾ بضم الياء [[قرأ ابن عامر، وعاصم (يُصعقون) بضم الياء، وقرأ الباقون بفتحها. انظر: "حجه القراءات" ص 684، "النشر" 2/ 379 ، "الإتحاف" ص 401.]].
قال الفراء: يقال صُعِقَ الرجُلُ وصَعِقَ مثل سُعِد وسَعِد. لغات كلها صواب [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 94.]]. وحكى الأخفش أيضًا صُعق. وعلى هذا يجوز مصعوق.
وقال أبو علي: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ بضم الياء منقول من صَعِقُوا هم، وأصعقهم الله فيصعقون من باب يُكرمون [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 288.]]. ومنه قول ابن مقبل:
....... أصْعَقَتْهَا صَوَاهِلُه [[انظر: "ديوانه" ص 252، "مجالس ثعلب" ص 128، "الحيوان" 7/ 233، "همع الهوامع" 1/ 83، "الدر اللوامع" 1/ 7، والبيت بتمامه:
ترى النُّعَراتِ الخُضْرَ تحت لَبانِه ... فُرادَى ومثنى أصْعَقَتْها صَواهلُهْ
والصهل: حدة الموت، ويطلق على صوت الخيل، "اللسان" 2/ 487 (صهل).]]
52:46Page 525
يَوۡمَ لَا يُغۡنِي عَنۡهُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٦
The Day their plan will not avail them at all, nor will they be helped.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences