Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
An-Najm 53:12–21
قوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ قال الكلبي وغيره من المفسرين: لما نزل ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ الآيات، أتى عتبة بن أبي لهب رسول الله -ﷺ- فقال: يا محمد هو يكفر بالنجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى، فنزلت هذه الآية [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 83، و"تخريجات الكشاف" 160، وقال: أخرجه أبو نعيم في "الدلائل" .. ورواه البيهقي في الدلائل، والطبراني من طريق سعيد. عن قتادة مطولًا نحوه، ورواه الحاكم في "الدلائل" أيضًا، وقال البيهقي: هكذا قال عباس بن الفضل الأزرق، وليس بالقوى، وأهل المغازى يقولونه عتبة أو عتيبة. وانظر: "دلائل النبوة" للبيهقي 2/ 339.]].
وقرئ (أَفَتُمَارُونَهُ) [[قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب (أَفَتَمْرُونَهُ) مفتوحة التاء بغير ألف.
وقرأ الباقون: (أَفَتُمَارُونَهُ) بألف. انظر: "حجة القراءات" 685، و"النشر" 2/ 379، و"الإتحاف" 402.]] قال عامة المفسرين وأهل التأويل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 96، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 72، و"جامع البيان" 27/ 29، و"الوسيط" 4/ 197.]] (أَفَتُمَارُونَهُ) أفتجادلونه و (أفتمارونه) أفتجحدونه، تقول العرب: مريت الرجل حقه إذا جحدته. قال الشاعر:
لئن هجرت أخا صِدقٍ ومَكْرُمَةٍ ... لقد مَرَيْتَ أخًا ما كان يَمْرِيكا [[ورد البيت غير منسوب في "الكشاف" 4/ 38، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 93، و"البحر المحيط" 8/ 159، و"تخريجات الكشاف" 4/ 87.
ومعناه: لئن ذممت أخا صدق ومكرمة، فقد غلبته في الجدال وأنفدت ما عنده أو جحدت حقه كأنك أخذت منه أو تسببت في إخراجه ما عنده فيذمك كما ذمته.]]
قال المبرد: (أفتمرونه) أي أتدفعونه عما يرى، قال: و (على) في موضح عن [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 283 (مرى).]]، و (أَفَتُمَارُونَهُ) أي: أتدفعونه وتمارونه، كأنه أغلب في هذا الموضع للإنكار عليه، أي: تجادلونه فيما رأى وعلم، وأما الجحود منهم فقد كان ذلك عامًا فيما يأتيهم به الرسول -ﷺ- والجدال في هذا الموضع كأنه أغلب، والمعنيان يتقاربان؛ لأن مجادلتهم جحود فيجتمع فيه الجحود والمجادلة، وقد كانت من المشركين مجادلة النبي -ﷺ- حين أسري به قالوا: صف لنا مسجد بيت المقدس [[بيت المقدس. يطلق على الأرض المباركة وعلى الطور الذي كلم الله موسى عليه. والمراد به عند الإطلاق المسجد الأقصى.
انظر: "معجم البلدان" 5/ 193.]]، وأخبِرنا عن عيرنا التي في طريق الشام [[الشام: سميت بذلك لأن قومًا من كنعان بن حام خرجوا عند التفريق فتشاءموا بها إليها. وقيل غير ذلك طولها من الفرات إلى العريش نحو شهر، وعرضها نحو عشرين يومًا. انظر: "معجم البلدان" 3/ 353.]]، وغير ذلك مما جادلوه به [[انظر: "الوسيط" 4/ 197، و"معالم التنزيل" 4/ 247، و"القرطبي" 17/ 93.]].
واختار أبو عبيد (أفتمرونه) قال: وذلك أن المشركين إنما كان شأنهم الجحود لما كان يأتيهم من الوحي، فهذا أكثر من المماراة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 93، و"فتح القدير" 5/ 106.
قال النحاس: غير أن أبا حاتم حُكي أنه قال: لم يماروه وإنما جحدوه. قال وفي هذا طعن علي جماعة من القراء تقوم بقراءتهم الحجة ... والقول في هذا أنهما قراءتان مستفيضتان قد قرأ بهما الجماعة، غير أن الأولى من ذكرنا من الصحابة، فاما أن يقال لم يماروه فعظيم؛ لأن الله جل وعز قد أخبر أنهم قد جادلوا، والجدال هو المراءَ ولا سيما في هذه القصة .. "إعراب القرآن" 3/ 265.]].
قال أبو علي: من قال: (أَفَتُمَارُونَهُ) فمعناه: أفتجادلونه جدالًا ترومون به دفعه عما هو [[(هو) ساقطة.]] عليه وشاهده الوحي، ويقوي هذا الوجه قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: 6]، ومن قال: (أفتمرونه) كان المعنى: أفتجحدونه، والمجادلة كأنه أشبه في هذا؛ لأن الجحود كان منهم في هذا وفي غيره، وقد جادله المشركون في الإسراء به فكان مما قالوا: صف لنا عيرنا في طريق الشام ونحو ذلك [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 230.]].
وقد صح المعنيان عند [[(عند) ساقطة من (ك) وبها يستقيم الكلام.]] المبرد، وأبي علي، على [[(على) ساقطة من (ك) وبها يستقيم الكلام.]] أن الوجه قراءة العامة لا ما اختاره أبو عبيد، وذلك أن الجحود كان عامًا منهم في كل ما يأتي به الرسول -ﷺ- والجدال كان في هذا خاصًا على ما ذكرا [[انظر: "الوسيط" 4/ 197، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 93.]].
وأيضًا فإنه لا مجادل إلا وهو جاحد، وقد يجحد الشيء من لا يجادل فيه، فالجدال إذًا أعم.
معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ أكثر العلماء على أن اههنى أشبه رأى جبريل في صورته مرتين على ما ذكرنا [[وفي "صحيح مسلم" أن عائشة سألت النبي -ﷺ- عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ فقال: إنما هو جبريل. لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء والأرض. كتاب: الإيمان، باب ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ 1/ 159.]].
وقال ابن عباس: رأى ربه على ما ذكرنا في قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾.
وعلى هذا معنى قوله: (نَزْلَةً أُخْرَى) يعود إلى محمد -ﷺ-، وقد روي أنه كانت له عرجات في تلك الليلة لما استحط ربه من أعداد الصلوات المفروضة، فيكون لكل عرجة نزلة، فيحتمل أنه رأى ربه -عز وجل- في بعض تلك النزلات [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 247، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 94. قال ابن حجر: وأبدى بعض الشيوخ حكمة لاختيار موسى تكرير ترداد النبي -ﷺ- فقال: لما كان موسى قد سأل الرؤية فمنع وعرف أنها حصلت لمحمد -ﷺ- قصد بتكرير رجوعه تكرير رؤيته ليرى من رأى.
قال الشيخ ابن باز في تعليقه على هذه الحكمة: "ليست بشيء، والتحقيق أن النبي -ﷺ- لم ير ربه .. " فتح الباري 1/ 463.]].
(وهو) أي محمدًا -ﷺ-.
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَ﴾، والسدر في اللغة: ضرب من شجر النبق [[في (ك): (البر). والنَّبِق: بتشديد النون وكسر الباء ثمر السدر. "اللسان" 3/ 570 (نبق).]].
قال عطاء عن ابن عباس: وإنما سميت سدرة المنتهى؛ لأن علم الملائكة ينتهي إليها [[أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 13/ 150 عن ابن عباس قال: سألت كعبًا ... ، وانظر: "تنوير المقباس" 5/ 293، و"جامع البيان" 27/ 31 عن كعب، و"الكشف والبيان" 12/ 8 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 95 عن كعب أيضًا.]]. ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله -ﷺ- حين تدلى إليه الرفرف [[لم أجد من قال بأن النبي -ﷺ- تجاوز سدرة المنتهى، وقد نقله النووي عن الواحدي في شرحه على مسلم 2/ 214، ونسبه لابن عباس والمفسرين، والذي في الصحيح: (ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبايل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك).
والرفرف هو المذكور في الصحيح حيث قال: (رأى رفرفًا أخضر قد سد الأفق). يوضحه ما أخرجه النسائي، والحاكم، عن ابن مسعود قال: (أبصر نبي الله -ﷺ- جبريل -عليه السلام- على رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض).
انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء 1/ 9، وكتاب التفسير، باب ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ 6/ 176، و"فتح الباري" 8/ 611، و"المستدرك" 2/ 469.]].
وقال الكلبي، ومقاتل: هي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة إنتهى إليها علم كل ملك [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ - ب، و"تنوير المقباس" 5/ 293.]].
وقال عبد الله: سميت سدرة المنتهى؛ لأنه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تعالى لا يعدوها [[انظر: "جامع البيان" 27/ 31، و"الكشف والبيان" 12/ 8 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 248.]].
وقال أبو هريرة: لما أسري بالنبي -ﷺ- انتهى إلى السدرة فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد من أمتك على سنتك وإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء إلى قوله: ﴿عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: 15] وهي شجرة يسير الراكب في ظلمها مائة عام لا يقطعها والورقة منها مغطية للأمة كلها [[أخرجه ابن جرير والثعلبي. انظر: "جامع البيان" 27/ 32، و"الكشف والبيان" 12/ 8 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 95، 96.]]. وقال عبد الله: هي شجرة عليها فضول السندس والإستبرق [[أخرجه ابن جرير والفريابي، وابن أبي شيبة، والطبراني. انظر: "جامع البيان" 27/ 32، و"الدر" 6/ 125.]].
وروى قتادة عن أنس، أن رسول الله -ﷺ- قال: "لما عرج بي إلى السماء السابعة رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة وإذا نبقها مثل قلال [[القلال: جمع قلة، والقلة الحب العظيم، وقيل: الجرة العظيمة، وقيل: الكور المغير. انظر: النهاية 3/ 275.]] هجر [[هَجَر: قرية قريبة من المدينة وليست هجر البحرين، وكانت تعمل بها القلال. "النهاية" 3/ 275، و"معجم البلدان" 5/ 452.]] وورقها مثل أذن الفيلة، يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل: ما هذا؟ قال: أما النهران الباطنان ففي الجنة -قال مقاتل: هما السلسبيل والكوثر [[انظر: "تفسير مقاتل" 130ب.]] - وأما النهران الظاهران فالنيل والفرات" [[لم أجده.]].
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: سألت كعبًا: ما سدرة المنتهى؟ قال: سدرة ينتهي إليها علم الملائكة وعندها يجدون أمر الله لا يجاوزها علمهم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 31، و"معالم التنزيل" 4/ 248، و"القرطبي" 17/ 95.]].
فهذا ما ذكره المفسرون ورووه في سدرة المنتهى [[المنتهى: بمعنى الانتهاء -على اختيار ابن جرير- فكأنه قيل عند سدرة الانتهاء، وجوز العموم في كل ما روي عن المفسرين في هذا المعنى حيث لم يرد خبر يقطع العذر بأنه قيل ذلك لها لبعض ذلك دون بعض فلا قول فيه أصح من القول الذي قال ربنا جل جلاله، وهو أنها سدرة المنتهى. "جامع البيان" 27/ 31.]].
ومعنى المنتهى موضع الانتهاء، وهذه الشجرة هناك وعندها تنتهي الملاكة والنبيون، فلذلك أضيفت السدرة إلى المنتهى.
قوله تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد الجنة التي يأوي إليها جبريل والملائكة [[انظر: "الوسيط" 4/ 198، و"معالم التنزيل" 4/ 248.]].
وقال مقاتل، والكلبي: هي جنة تأوي إليها أرواح الشهداء [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، "المصنف" لابن أبي شيبة 13/ 150، و"الحلية" 5/ 381، و"تنوير المقباس" 5/ 293.]].
وروى عكرمة عن ابن عباس عن كعب قال: جنة المأوى فيها طير خضر ترتع فيها أرواح الشهداء. وهذا قول أكثر المفسرين [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253، و"جامع البيان" 27/ 33، و"معالم التنزيل" 4/ 248.]]. وقالت عائشة رضي الله عنها هي جنة من الجنان [[لم أجده.]]، وهو قول زر بن حبيش.
53:16Page 526
إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ ١٦
When there covered the Lote Tree that which covered [it].1
قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ إذ متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ واختلفوا في الذي كان يغشى السدرة في ذلك الوقت فروي أن النبي -ﷺ- سئل ما غشيها؟ قال: "فراش من ذهب" [[قلت: الذي عند الترمذي في كتاب التفسير 5/ 367 (3276) قال ابن مسعود: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: السدرة في السماء السادسة، قال سفيان: فراش من ذهب ..) الحديث. قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.
وتقدم في الحديث الذي رواه البخاري وغيره أنه -ﷺ- قال: (وغشيها ألوان لا أدري ما هي.). والأقوال المروية عن الأئمة إن صحت نسبتها إليهم في تفسير الآية اجتهادات منهم، ربما لم يبلغهم الحديث الصحيح، والله تعالى أعلم.]] وهو قول عبد الله، وسعيد بنُ جبير، ورواية عكرمة عن ابن عباس [[انظر: "جامع البيان" 27/ 33، و"الكشف والبيان" 12/ 9 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 248، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 252.]].
وروى الضحاك عنه: قال رسول الله -ﷺ-: "رأيتها حتى استثبتها ثم حال دونها فراش من ذهب" [[أخرجه ابن جرير، انظر: "جامع البيان" 27/ 33.]] وهو قول مسروق وأبي العالية [[انظر: "جامع البيان" 27/ 33، و"معالم التنزيل" 4/ 248.]].
وقال مقاتل: غشيتها الملائكة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 48، و"القرطبي" 17/ 96، ولم أجده في "تفسير مقاتل".]]، وروي عن الحسن: غشيتها الملائكة مثل الغربان حين يقعن علي الشجر [[انظر: "الوسيط" 4/ 198، وذكر غيره من المفسرين هذا القول منسوبًا للربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة. وذكروا قول الحسن بلفظ: (غشيها نور رب العالمين فاستنارت). انظر: "الكشف والبيان" 9/ 12 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 248، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 96، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 252.]].
وروي أن النبي -ﷺ- قال: "رأيت على كل ورقة من ورقها ملكًا قائمًا يسبح الله -عز وجل-" [[قال ابن حجر: أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: قيل يا رسولى الله: أي شيء رأيت يغشى تلك الشجرة، فذكره وأتم منه. وعبد الرحمن ضعيف، وهذا معضل. "تخريجات الكشاف" 4/ 335، وأخرجه الثعلبي بلفظ: == ويروى أن رسول الله -ﷺ- .. بدون سند. "الكشف والبيان" 12/ 9 ب.
وانظر: "جامع البيان" 27/ 33، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 252.]].
وقال إبراهيم، ومجاهد: رفرف أخضر [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 97، و"فتح القدير" 5/ 107.]].
وقال السدي: غشيها طيور من فوقها [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 248.]].
وروي مرفوعًا: "غشيها نور من الله حتى ما يستطيع أحد ينظر إليها" [[لعل مراد المؤلف رحمه الله ما ورد في الصحيح وقوله -ﷺ-: "فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها .. " "صحيح مسلم"، كتاب: الإيمان" باب: الإسراء برسول الله -ﷺ- .. 1/ 146.]].
53:17Page 526
مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ١٧
The sight [of the Prophet (ﷺ)] did not swerve, nor did it transgress [its limit].
قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد النبي -ﷺ-؛ لأن الله تعالى أعطاه من القوة ما قوي به على النظر إلى الآيات [[لم أقف عليه]].
فعلى هذا القول معنى الآية ما ملَّ بصره من رؤية الآيات خوفًا وجزعًا.
وروى مسلم عن ابن عباس: ما زاغ البصر يمينًا ولا شمالًا ولا جاوز ما أمر به [[انظر: "جامع البيان" 27/ 34، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 97، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 469 عن مجاهد عن ابن عباس وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وزاد الذهبي وعلى شرط مسلم أيضًا.]]. ونحو ذلك روى الكلبي، وهو قول مجاهد، والمفسرين، قال الكلبي: ما قلب بصره يمينًا ولا شمالاً، وما جاوز ما رأى [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 293، و"الوسيط" 4/ 198، و"معالم التزيل" 4/ 249، و"تفسر القرآن العظيم" 4/ 252.]].
وعلى هذا معنى الآية وصف أدب النبي -ﷺ- في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبًا ولم يمد بصره إلى غير ما أري من الآيات واستقبله من العجائب، فمعنى زيغ البصر: التفاته من الجانبين وطغيانه أنه يمد بصره أمامه إلى حيث ينتهي يقول: لم يفعل ذلك.
53:18Page 526
لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ ١٨
He certainly saw of the greatest signs of his Lord.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ يجوز أن تكون الكبرى من صفة الآيات وحدت لتوافق الفواصل، ويجوز نعت الجماعة بنعت الأنثى الواحدة، كقوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: 18] وهذا معنى قول عطاء، والكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 294، و"التفسير الكبير" 28/ 295، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 98.]]، يعني الآيات العظام التي رآها تلك الليلة، وقال مقاقل: يعني ما رأى تلك الليلة [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 249.]]. ويدل على صحة التأويل قوله: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسر اء: 1].
ويجوز أن تكون ﴿الْكُبْرَى﴾ نعت محذوف على تقدير: لقد رأى من آيات ربه الكبرى [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 99. ولعل في العبارة سقط واستقامتها: لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى. والله أعلم.]].
واختلفوا في تلك الآية فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: رأى جبريل قد طبق الأفق في صورته التي خلق فيها له ستمائة جناح [[انظر: "الوسيط" 4/ 198، و"فتح القدير" 5/ 107.]]، وهذا قول ابن زيد، وابن حيان، ومحمد بن كعب، قالوا: جبريل من آيات ربه الكبرى [[انظر: "جامع البيان" 27/ 34، و"الكشف والبيان" 12/ 10 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 98.]].
قال عبد الله: رأى رفرفًا أخضر [[انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ 6/ 176، و"جامع البيان" 27/ 34، و"معالم التنزيل" 4/ 249، وروى النسائي == والحاكم عن ابن مسعود قال: (أبصر نبي الله -ﷺ- جبريل -عليه السلام- على رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض). قال ابن حجر: فيجتمع من الحديثين أن الموصوف جبريل، والصفة التي كان عليها. "فتح الباري" 8/ 611، و"المستدرك" 2/ 469.
قلت: وبهذا تجتمع الأقوال في أن المراد بالآيات "الكبرى" هو جبريل -عليه السلام-، حين رآه النبي -ﷺ- في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض. وانظر: "سنن الترمذي" 5/ 370، وقال: هذا حديث حسن صحيح.]].
وقال الضحاك: هي سدرة المنتهى [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 10 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 98، و"فتح القدير" 5/ 107.
قلت: لعل ما ذكر عن السلف في تفسير هذه الآية هو من باب ذكر بعض ما رآه -ﷺ-. قال القرطبي: وقيل: هو ما رأى تلك اليلة في مسراه في عوده وبدئه، وهو أحسن، دليله ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ "الجامع" 17/ 98.
ونحوه ذكر ابن كثير في "تفسيره" 4/ 252 وحمل الآية على عموم ما رآه أولى.
قال ابن جرير: لقد رأى محمد هنالك من أعلام ربه وأدلته الأعلام والأدلة الكبرى."جامع البيان" 27/ 34.]].
قال أبو إسحاق: لما قص الله هذه الأقاصيص قال للمشركين: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ كأن المعنى والله أعلم: أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله، هل لها من هذه القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة شيء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 72.]].
ومعنى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ على ما ذكر السؤال والاستفتاء كقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ وقد مر [[من آية (50) من سورة يونس.]].
وتنتظم الآية بما قبلها على المعنى الذي ذكره.
قال صاحب النظم: معنى الآية أفرأيتم هذه الآلهة التي تعبدونهن أأوحَين شيئًا إليكم كما أوحي إلى النبي -ﷺ- [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 99.]]؟ والتقديران اللذان ذكراهما يستدل عليهما بفحوى الكلام، وقد قال أبو إسحاق أيضًا: أفرأيتم هذه الإناث أَلله هي وأنتم تختارون الذكران وذلك قوله: ألكم الذكر وله الأنثى [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 72، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 268.]]، وهذا الوجه أجود الثلاثة وسنزيده وضوحًا عند قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾ إن شاء الله.
قال أبو علي الفارسي: أرأيتم هنا بمنزلة أخبروني لتعدي أرأيت إلى المفعول ووقوع الاستفهام في موضع المفعول الثاني، والمعنى: أرأيتم جعلكم اللات والعزى بنات الله، ألكم الذكر؟ وجاز الحذف لأن هذا قد تكرر في القرآن كقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ [النحل: 57] ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: 19] فكان الحذف بمنزلة الإثبات، ألا ترى أن سيبويه جعل كُلاًّ في قوله:
ونارٍ توقَّدُ بالليلِ نَارا [[البيت لأبي دواد الإيادي، وهو جارية بن الحجاج.
انظر: "ديوانه" 353، و"الكتاب" 1/ 66، و"الكامل" 1/ 287، و"الإنصاف" 743، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 21، و"الأصمعيات" 191. وصدره:
أكل امرئ تحسبين أمرأً]]
بمنزلة المذكور في اللفظ للعلم به وإن كان محذوفًا وقد دل قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ على المحذوف، وادعوا هذا في هذه الآلهة كما ادعوه في الملائكة [[انظر: "المسائل الحلبيات" ص 78 - 79، و"الكتاب" 1/ 66.]].
فأما اللات فروى عطاء عن ابن عباس قال: هي صنم [[لم أقف على هذه الرواية، والجمبع على أن اللات اسم لصنم.]].
قال قتادة: هي بالطائف [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253، "الكشف والبيان" 12/ 10 أ.]]، قال الكلبي: هي صخرة كانت بالطائف لثقيف [[ثقيف: بطن من هوازن من العدنانية، اشتهروا باسم أبيهم فيقال لهم ثقيف، وكانت منازلهم بالطائف على مرحلتين من مكة. انظر: "نهاية الأرب" ص 186.]] يعبدونها [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 10 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 249، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 100.]].
وقال ابن زيد: اللات بيت بنخلة [[نخلة: موضع بين مكة والطائف. قال البكري: على ليلة من مكة وهي التي ينسب إليها بطن نخلة.
انظر: "معجم البلدان" 1/ 449، و"فتح الباري" 8/ 674.]] كانت قريش تعبده [[انظر: "جامع البيان" 27/ 35.]].
وقال أبو عبيدة: هي صنم في جوف الكعبة لقريش [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 236، ولفظه (أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها). قال ابن حجر: (وكانت اللات بالطائف، وقيل بنخلة، وقيل بعكاظ، والأول أصح).
"فتح الباري " 8/ 612.]].
واختلفوا في اشتقاق اللات، فأكثر المفسرين [[ومنهم ابن عباس، ومجاهد، والربيع بن أنس، وأبو صالح، والكلبي. انظر: "جامع البيان" 27/ 35، و"معالم التنزيل" 4/ 249، و"الجامع" للقرطبي 17/ 100.]] ذكروا أنه بتشديد التاء من اللَّت، وهو خلط السويق بالسمن ودلكه به.
روى أبو الجوزاء، عن ابن عباس قال: اللات رجل كان يلت السويق للمشركين فمات فعكفوا على قبره فعبدوه [["صحيح البخاري"، كتاب التفسير، باب ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ 6/ 176 ولفظه: (كان اللات رجلاً يلت سويق الحاج).
قال ابن حجر: وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء == عن ابن عباس، ولفظه فيه زيادة (كان يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه) "فتح الباري" 8/ 612.]]، ونحو ذلك روى السدي، وذكر أنه كان بالطائف [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 294، و"الكشف والبيان" 12/ 10 أ.]].
وزاد الكلبي بيانًا فقال: كان رجل من ثقيف يقال له صِرمة بن غنم كان يسلأ [[قال الأصمعي: سَلأتُ السَّمْنَ أسْلأُه سَلأً. قال: والسِّلاء الاسم وهو السَّمن. "تهذيب اللغة" 13/ 70 (سلأ).]] السمن فيضعه على صخرة ثم تأتيه العرب فيلت به أسوقتهم فلما مات الرجل حولت ثقيف تلك الصخرة إلى منازلها فعبدتها [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 10 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 249، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 100.]].
ويدل على صحة هذا التأويل قراءة ابن عباس، ومجاهد، وأبي صالح: (الَّلاتَّ) بتشديد التاء [[قرأ رويس (الَّلاتَّ) بتشديد التاء وبمدٍ للساكنين، وهي قراءة ابن عباس، ومجاهد، ومنصور ابن المعتمر، وطلحة، وأبي الجوزاء. والقراءة المتواترة (اللَّاتَ) بالتخفيف. انظر: "النشر" 2/ 379، و"الإتحاف" 403، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 100، و"البحر المحيط" 8/ 160.]].
ووجه قراءة العامة على هذا الاشتقاق ما ذكره الفراء قال: القراءة بالتخفيف، والأصل بالتشديد؛ لأن الصنم إنما سمي باسم اللاَّتِ الذي كان يلت السويق عنده، وجعل اسمًا للصنم، وعلى هذا الوقف على اللات يكون بالتاء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 97، و"تهذيب اللغة" 14/ 253 (لت)، و"اللسان" 3/ 340 (لتت).]] وهو اختيار أبي إسحاق، قال: لاتباع المصحف فإنها كتبت بالتاء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 73.]].
وقال جماعة من المفسرين: اللات من الله، وكان المشركون يسمون أوثانهم بأسماء الله فقالوا: من الله اللات، ومن العزيز العزَّى [[انظر: "جامع البيان" 27/ 34، و"الوسيط" 4/ 199، و"معالم التنزيل" 4/ 249.]]، وهو اختيار الأزهري قال: كأن المشركين الذين عبدوها عارضوا باسمها اسم الله تعالى علوًا كبيرًا عن إفكهم ومعارضتهم والحادهم في اسمه العظيم، ويدل على صحة هذا التأويل أن الكسائي كان يختار الوقف عليها بالهاء، وهذا يدل على أنه لم يجعلها من اللَّت [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 253 (لت).]].
قال أبو علي الفارسي: اشتقاق اللات من لويت على الشيء، أي: أقمت عليه، ولذلك أنهم كانوا يلوون على آلهتهم وبعكفون عليها عبادة لها وتقرئا إليها، ولذلك تواصوا فيما بينهم فيما أخبر الله به عنهم في قوله: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: 6] فاشتق اسمها من هذا المعنى الذي كانوا يعتقدون فيها ويتدينون به لها، فهو على هذا مثل شاه وذات، والتاء للتأنيث في قول من خفف، ومعنى التأنيث فيها تأنيث اللفظ، إذ التأنيث الحقيقي لا يصح فيهاة لأنها جماد، والدليل على صحة هذا أن سيبويه قال في النسبة إليها لاي [[انظر: "الكتاب" 1/ 371.]]، فحذف التاء، فدل على أنها للتأنيث، وذلك أن تاء التأنيث تحذف في النسبة، ولما حذف التاء شبه بقلة التصرف الحروف فزاد على الحرف حرفًا مثله كما فعل ذلك بـ (ذا) إذا سُمي به رجل فقال: ذآء، فلما زيدت همزة على (ذا) لما سمي به كذلك زيدت هاهنا همزة، وكذلك يفعلون بـ (ما) و (لا) عند التسمية بهما، والوقف على هذا بالهاء كما اختاره الكسائي.
وقول أبي إسحاق الأجود الوقف بالتاء لاتباع المصحف. فيجوز أن تكون كتبت فيه بالتاء على الوصل دون الوقف كما كتب ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: 24] ونحوه بغير الواو، فلما كتب هذا ونحوه على الوصل كذلك يجوز أن يكون كتب في المصحف على الوصل، انتهى كلامه [[لم أقف عليه.]].
وأما الألف واللام في اللَّات والعزّى فذهب أبو الحسن [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 158.]] إلى أن اللام فيهما زائدة.
والذي يدل على صحة مذهبه أن اللّات والعزَّى [[(والعزى) ساقطة من (ب).]] علمان بمنزلة يغوث [[يغوث: صنم كان لمذحج. وهو اسم صنم كانن لقوم نوح كما هو في سورة نوح.]] ويعوق [[يعوق: اسم صنم لكنانة. وقيل: كان لقوم نوح.]] ونسر [[نسر: صنم كان لذي الكلاع بأرض حمير. وهذه الأصنام ذكرها الله تعالى في سورة نوح فهي بلا شك لقومه. وأخذ المشركون منها أسماء آلهتهم.]] ومناة [[مناة: صنم كان لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة.]] وغير ذلك من أسماء الأصنام. فهذه كلها أعلام وغير محتاجة في تعريفها [[في (ك): (تعرفها).]] إلى اللام، وليست من باب الحارث والعباس من الأوصاف التي نقلت فصارت أعلامًا وأقرت فيها لام التعريف على ضرب من توهم روائح الصفة فيها فيحمل على ذلك، فوجب أن تكون اللام فيها زائدة كما ذكرنا في الذي وبابه، وهذا الذي ذكرنا كلام أبي الفتح الموصلي [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 359، و"الكتاب" 1/ 267.]].
وأما العُزّى قال عطاء: هي صنم [[انظر: "فتح القدير" 5/ 108، و"روح المعاني" 27/ 55، ولم ينسباه لقائل.
وقيل العزى: شجرة قديمة قدسها العرب في بلدة نخلة الثامية إلى الشمال من مكة، وكانت قريش وبعض قبائل الحجاز مثل غني، وباهلة تعظمها. انظر: "أطلس تاريخ الإسلام".
وقال ابن كثير: كانت بيتًا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر، و"البداية والنهاية" 4/ 316.]]، وقال مجاهد، والكلبي: هي سمرة من الشجر كانت بنخلة لغطفان [[غطفان: بطن عظيم متسع، كثير الشعوب والأفخاذ، من قيس عيلان من العدنانية، كانت لهم منازل بنجد مما يلي وادي القرى، وجبل طىء.
انظر: "معجم البلدان" 3/ 888.]] يعبدونها، وهي التي بعث إليها رسول الله -ﷺ- خالد بن الوليد فقطعها ويقول:
يا عز كفرانك لا سبحانكِ ... إني رأيت الله قد أهانكِ
فخرجت منها شيطانة تجر شعرها واضعة يديها على رأسها تدعو بالويل فضربها خالد بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى رسول الله -ﷺ- فأخبره فقال: "تلك العزى ولن تعبد أبدًا" [[اقتصر البيهقي في "دلائل النبوة" 5/ 77 على قوله -ﷺ-: "تلك العزى". وفي "الطبقات" 2/ 146 بلفظ: "نعم تلك العزى وقد يئست أن تعبد ببلادكم أبدًا"، وكذا الواقدي في "المغازي" 3/ 874.]].
وقال قتادة: كاذت العزى لقريش [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253، و"الدر" 6/ 127.]]، وهو قول الحسن واختيار أبي عبيدة قالوا: هذه أصنام من حجارة كانت قريش توجه إليها العبادة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 236، و"روح المعاني" 27/ 55.]].
وقال الضحاك: هي صنم من حجر لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 10 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 249.]].
وأما تفسير العزى فإنها تأنيث الأعز مثل الكبرى والأكبر، والأعز يكون بمعنى العزيز والعزى بمعنى العزيزة [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 361 - 363.]].
قوله تعالى: ﴿وَمَنَاةَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: أصنام المشركين [[لم أقف على هذه الرواية. وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 250.]]. يعني هذه وما ذكر قبلها، وهو اختيار أبي عبيدة على ما ذكرنا.
وقال قتادة: وكاذت مناة للأنصار [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253، و"فتح الباري" 8/ 613.]]، وقال الضحاك والكلبي: مناة صنم كانت لهذيل وخزاعة [[انظر: "معاني القرآن" للفراء، 3/ 98، و"الكشف والبيان" 12/ 11 ب، و"الوسيط" 4/ 199، و"معالم التنزيل" 4/ 250.
وهذيل: ابن مدركة بطن من مدركة بن إلياس، من العدنانية، كانت ديارهم بالسروات، وسراتهم متصلة بجبل غزوان المتصل بالطائف، ثم تفرقوا بعد الإسلام. انظر: "معجم قبائل العرب" 3/ 1213. == وخزاعة: قبيلة من الأزد من القحطانية، وكانوا بأنحاء مكة في مر الظهران وما يليه من جبالهم الأبواء، وهو جبل شامخ مرتفع ليس عليه شيء من النبات. "معجم قبائل العرب" 1/ 238.]].
ولم يذكروا لمناة اشتقاقًا [[وفي "الصحاح" .. من قولك منوت الشيء. "اللسان" 3/ 541 (مني).
وقال النحاس: من مَنَى الله -عز وجل- عليه الشيء: أي قدَّره. "إعراب القرآن" 3/ 26. وقيل: من مني يمني: صب؛ لصب دماء النحائر عندها. "الإتحاف" ص 403. وانظر: "الكشاف" 4/ 39، و"محاسن التأويل" 15/ 5571.]]. وكان ابن كثير يقرؤها بالمد والهمز [[قرأ ابن كثير (ومَنَاءَةَ) بهمزة مفتوحة بعد الألف فيمد مدًا متصلاً. وقرأ الباقون "مناة" انظر: "حجة القراءات" ص 685، و"النشر" 2/ 379، و"الإتحاف" ص 403.]].
قال أبو علي الفارسي: لعل (مناءة) بالمد لغة ولم أسمع بها من أحد من رواة اللغة، وقد سمّوا زيد مناة، وعبد مناة ولم أسمع بالمد، قال جرير:
أزيدَ مناةَ توعِدُ يَابْنَ تيم ... تَبَيَّنْ أَيْنَ تَاهَ بكَ الوَعيدُ [[انظر: "ديوان جرير" 1/ 332، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 232، "البحر المحيط" 8/ 161، و"المُحرر" 15/ 267.]]
﴿الثَّالِثَةَ﴾ نعت لمناة؛ يعني الثالثة للصنمين اللذين ذكرهما، وهذه ثالثتهما في الذكر، و ﴿الْأُخْرَى﴾ نعت لمناة أيضًا.
قوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ مذهب جماعة من المفسرين أن هذه الآية وما بعدها معترضة بين قصة الأصنام، فإن هذه لا تعلق لها بما قبلها [[قال النحاس: يجوز أن يكون مقدمًا ما ينوي به التآخير. "إعراب القرآن" 3/ 268.]]، ومعناها الإنكار عليهم حيث جعلوا الملائكة بنات الله.
قال عطاء عن ابن عباس: وذلك أن المشركين قالوا: الملائكة بنات الله، وجعلوا لأنفسهم البنين كما قال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: 62] وهذا مذهب السدي ومقاتل [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 295، و"تفسير مقاتل" 130 ب.]].
قال الكلبي: قال مشركو مكة: الأصنام والملائكة بنات الله فنحلوه البنات، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره ذلك، فقال الله تعالى منكرًا عليه ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾ يعني البنين، ﴿وَلَهُ الْأُنثَى﴾ يعني ما نحلوه من الأصنام -وهي إناث في أسمائها- والملائكة [[انظر: "الوسيط" 4/ 199، و"معالم التنزيل" 4/ 250.]]، وهذا اختيار الزجاج والفراء وابن قتيبة [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 98، و"تفسير غريب القرآن" 428، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 72 - 73.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences