Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
An-Najm 53:22–36
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. القراء على ترك الهمز من (ضِيزَى)، وقرأ ابن كثير (ضِئزى) بالهمز [[قراْ ابن كثير (ضئْزَىَ) بهمزة ساكنة، وقرأ الباقون (ضيزى) بياء مكان الهمزة. انظر: "حجة القراءات" ص 685، و"النشر" 2/ 379، و"الإتحاف" ص 403.]].
قال ابن السكيت: يقال: ضِزْتُه حَقَّه أي نقصته.
وقال أبو زيد: (ضِيزى) جائرة، يقال: ضاز يضيز ضيزًا، قال: وضأز، يضأز مثله. وأنشد أبو زيد فقال:
إن تَنْأَ عنَّا نَنتَقِصْك، وإن تُقِم ... فحظُّك مَضْؤزُ وأنفُكَ راغِمُ [[البيت للقطامي كما في "جامع البيان" 27/ 36، و"المذكر والمؤنث" ص 175، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 102، و"تهذيب اللغة" 12/ 53، (ضاز)، و"اللسان" 2/ 503 (ضأز).]] وقال أبو الهيثم: ضِزْتُ فلانًا أضيزه ضيزا: جُرت عليه.
وقال ابن الأعرابي: تقول العرب: قسمةٌ ضُؤْزَى بالضم والهمز وضُوزى بلا همزٍ وضِيئِزَى بالكسر والهمز [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 53 (نضم).]].
قال الفراء: ضيزى فعلى وإن رأيت أولها مكسورًا وهي مثل بيض وعين، كان أولها مضمومًا فكرهوا أن يترك على ضمته فيقال: بوضٌ وعونٌ، والواحدة بيضاء وعيناء فكسروا أولها ليكون بالياء ويتألف الجمع والاثنان والواحد، كذلك كرهوا أن يقولوا ضُوزى فتصيرُ بالواو وهي من الياء وإنما قضيت على أولها بالضم لأن النعوت للمؤنث تأتي إما بفتح أو بضم نحو سَكْرى وعطشى وحُبْلى، والمكسور يكون اسما ولا يكون نعتًا كالذكرى والدِّفْلى [[في (ك): (الدفري) والصواب ما أثبته. والدِّفْلىَ: شجر مر أخضر حسن المنظر يكون في الأودية. "اللسان" 1/ 994 (دفل).]] والشِّعْرَى، انتهى كلامه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 98 - 99، و"اللسان" 2/ 559 (ضيز).]].
وقال أبو إسحاق: أجمع النحويون أن أجل ضيزى ضوزى فنقلت من فُعْلَى إلى فِعْلَى لتسلم الياء كما قالوا أبيض وبيضٌ، وأصله بُيْضُ فنقلت الضمة إلى الكسرة، وإنما لم يقل النحويون إنها على أصلها لأنهم لم يعرفوا الكلام فُعْلَى صفةً، ونظير ضيزى في الكلام قولهم: مِشْيِةً حيكى، وهي مشية يحيك فيها صاحبها. فحِيكى عندهم فُعْلَى أيضًا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 73، و"المذكر والمؤنث" ص 175. ومشية حيكىَ إذا كان فيها تبختر. "اللسان" 1/ 771 (حيك).]].
وشرح أبو علي الفارسي هذا الفصل فقال: قولهم قسمة ضيزى ومشية حِيكَى فإن النحويين يحملوه على أنه في الأصل فُعْلَى وإن كان اللفظ علي فِعْلَى كما أن البيوت والعِصيَّ في الأصل فعولٌ وإن كانت الفاء مكسورة وإنما حملوها على أنها فُعْلى دون ما عليه اللفظ؛ لأنهم لم يجدوا في الصفات شيئًا على فُعلى وكان القياس أن يقال ضوزى وأن لا يُحْفَل بانقلاب الياء إلى الواو وكأنهم آثروا الكسرة والياء على الضمة والواو من حيث كانت الكسرة والياء أخف عليهم، ولم يخافوا التباسًا حيث لم يكن في الصفة شيء على فِعْلى فإن قلت: كيف قالوا: إن فِعلى لا تكون في أبنية الصفات وقد قال أحمد بن يحيى: رجل كِيصى إذا يأكل وحده، وقد كاص طعامه إذا أكله وحده؟ قيل إن سيبويه قال: لم تجئ فِعْلَى صفة [[انظر: "الكتاب" 2/ 371.]]. والذي حكاه أحمد بن يحيى [[انظر: "مجالس ثعلب" 2/ 323 - 324، و"تهذيب اللغة" 10/ 309، و"اللسان" 3/ 20 (كأص).]] بالتنوين فليس هو ما قاله سيبويه ولا يمتنع أن يجيء الألف آخرًا للإلحاق بِهجرَع [[الهِجْرَعَ: من صنف الكلاب السلوقية الخفاف، والهِجْرَعَ، الطويل الممشوق. "اللسان" 3/ 774 (هجرع).]] ونحوه، وأما قراءة ابن كثير فلا ينبغي أن يكون أراد بضيزى فُعْلى، لأنه لو أراد ذلك لكان ضوزى ولم يرد به أيضًا فِعلى صفة؛ لأن هذا البناء لم يجيء صفة ولكن ينبغي أن يكون أراد به المصدر مثل: الذِّكرَى فكأنه قال: قسمة ذات ظلم، فعلى هذا يكون وجه قراءته [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 234، و"التكملة" لأبي علي ص 317 - 318.]].
وأما التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقتادة: ضيزى جائرة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 295، و"جامع البيان" 27/ 36، و"البغوي" 4/ 250.]]. وقال مجاهد، ومقاتل: عوجاء [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 631، و"تفسير مقاتل" 130 ب.]].
وقال الحسن: غير معتدلة [[انظر: الكشف والبيان" 12/ 11 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 250.]]، وقال الضحاك: ناقصة [[(ك): (ناقة) ولعل الصواب ما أثبته، وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: جائزة. "الدر" 6/ 127، و"الكشف والبيان" 12/ 11 ب.]]، وقال سفيان: منقوصة [[انظر: "جامع البيان" 27/ 36، و"روح المعاني" 27/ 57.]].
والمعنى: تلك القسمة التي قسمتم من نسبة البنات إلى الله وإيثاركم بالبنين قسمة غير عادلة.
53:23Page 526
إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ ٢٣
They are not but [mere] names you have named them - you and your forefathers - for which Allāh has sent down no authority. They follow not except assumption and what [their] souls desire, and there has already come to them from their Lord guidance.
قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ﴾ أخبر الله تعالى أن هذه الأصنام سموها بهذه الأسامي لا معاني تحتها، لأنه لا ضر عندها ولا نفع فهي تسميات ألقيت على جمادات.
قوله: ﴿إِنْ هِيَ﴾ يعني اللات والعُزّى ومناة. يقول: ما هي إلا أسماء، أي أنها لا تنبئ عن معنى ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ تسمية باطلة لم يقم بها حجة، وهو قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، ويجوز أن يكون المعنى: ما أنزل الله بعبادتها من سلطان، قال مقاتل: لم ينزل بذلك كتابًا لكم فيه حجة بما تقولون إنها آلهة [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 251.]].
ثم رجع عن الخطاب إلى الخبر فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ يقول: ما لهم من علم أنها آلهة إلا ظنًا يتبعون في عبادتها الظن وهوى النفس، وهو ما زين لهم الشيطان ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ أي البيان والرشاد بالكتاب والرسول.
وهذا تعجيب من حالهم حيث لم يتركوا عبادتها مع وضوح البيان.
ثم أنكر على الكفار تمنيتهم شفاعة الأصنام فقال:
﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ﴾ يعني الكافر (مَا تَمَنَّى) من شفاعة الأصنام [[ذكر بعض المفسرين هذا القول ومنهم من فسر التمني بما كانوا يشتهونه من نزول القرآن على رجل من إحدى القريتين عظيم، وقيل غير ذلك.
قال الألوسي: ويفهم من كلام بعض المحققين أن المراد السلب الكلي، والمعنى: لا شيء مما يتمناه الإنسان مملوكًا له مختصًا به يتصرف فيه حسب إرادته، ويتضمن ذلك نفي أن يكون للكفرة ما ذكر وليس الإنسان خاصًا بهم كما قيل. "روح المعاني" 27/ 58.
وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 254، و"البحر المحيط" 8/ 163.]].
53:25Page 526
فَلِلَّهِ ٱلۡأٓخِرَةُ وَٱلۡأُولَىٰ ٢٥
Rather, to Allāh belongs the Hereafter and the first [life].
﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ أي لا يملك فيهما ولا منهما أحد شيئًا إلا بإذنه؛ لأنهما [[في (ك): (كأنهما) والصواب ما أثبته.]] له. وفي هذا إبطال ما يتمنى الكافر.
ثم أكد هذا بقوله تعالى:
53:26Page 526
۞ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ ٢٦
And how many angels there are in the heavens whose intercession will not avail at all except [only] after Allāh has permitted [it] to whom He wills and approves.
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ﴾ جمع الكناية لأن المراد بقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَك﴾ الكثرة، وذلك أن كم يخبر بها عن العدد الكثير فدل ﴿كَمْ﴾ على أنه أراد جمعًا، قاله الفراء، والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 99، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 73 - 74.]].
قوله: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ في الشفاعة ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ يعني أنهم لا يشفعون إلا لمن يرضي الله من أهل التوحيد.
قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه [[انظر: "الوسيط" 4/ 200، و"معالم التنزيل" 4/ 251.]]، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28].
قال أبو علي: قوله: ﴿لِمَن يشَآءُ﴾ المعنى: لمن يشاء شفاعته على إضافة المصدر إلى المفعول به الذي هو مشفوع له، ثم حذف المضاف فصار اللفظ لمن شاءه، أي: يشاء شفاعته، ثم حذف الهاء من الصلة [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 307.]].
ثم ذم الله تعالى صنيع الكفار.
53:27Page 527
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ ٢٧
Indeed, those who do not believe in the Hereafter name the angels female names,
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس: لا يصدقون بالثواب والعقاب [[وفي "تنوير المقباس" 5/ 297، قال: (بالبعث بعد الموت، يعني كفار مكة) والمعنى متقارب.]].
﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ حين زعموا أنهم بنات الله، والأنثى تسمى بنتًا فإذا وصفوا الملائكة بالبنات فقد سموها تسمية الإناث، وتسمية الأنثى من باب إضافة المصدر إلى المفعول.
53:28Page 527
وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا ٢٨
And they have thereof no knowledge. They follow not except assumption, and indeed, assumption avails not against the truth at all.
﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ﴾ ذلك التسمية: ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ قال مقاتل: ما يستيقنون بأنها إناث [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 أ.]].
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ قال ابن عباس: يريد ظنًا ليس بيقين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 297.]].
﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ قال عطاء: يريد لا ينتفعون به [[انظر: "جامع البيان" 27/ 37، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 255، وهو المعتمد عندهما ولم ينسباه لقائل.]].
والمعنى لا يقوم مقام الحق ولا يغني من العلم فمعنى الحق هاهنا العلم. وهذا يدل على أن الظان غير عالم، وأن من بني على الظن لم يبن علي أساس [[قال الشوكاني رحمه الله: وهذا من الأمور التي يحتاج فيها إلى العلم، وهي المسائل العلمية، لا فيما يكتفى فيه بالظن، وهي المسائل العلمية ... فإن دلالة العموم والقياس وخبر الواحد ونحو ذلك ظنية، فالعمل بها عمل بالظن، وقد وجب علينا العمل به في مثل هذه الأمور ... "فتح القدير" 5/ 112.]].
وقال الكلبي: أي لا يدفع من عذاب الله شيئًا، وهو اختيار الفراء [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 297، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 100.]]. والحق على هذا القول معناه العذاب.
ثم أمره بالإعراض عنهم:
53:29Page 527
فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٢٩
So turn away from whoever turns his back on Our message and desires not except the worldly life.
قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 297، و"معالم التنزيل" 4/ 251، و"القرطبي" 17/ 105.]]، وهذا مما نسخته آية القتال [[انظر: "الوسيط" 4/ 201، و"نواسخ القرآن" 233.]].
ثم صغر رأيهم وأزرى بهم.
53:30Page 527
ذَٰلِكَ مَبۡلَغُهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ٣٠
That is their sum of knowledge. Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of who is guided.
فقال: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكة بنات الله وأنها تشفع لهم فاعتمدوا ذلك وأعرضوا عن القرآن. هذا معنى قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 251.
ومعنى الآية على ما ذكر ابن كثير ورجحه الشوكاني، والآلوسي: أن التولي وقصر الإرادة على الحياة الدنيا هو مبلغهم من العلم ليس لهم غيره، ولا يلتفتون إلى سواه من أمر الدين. انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 255، و"فتح القدير" 5/ 112، و"روح المعاني" 27/ 60.]].
وقال أبو إسحاق: أي إنما يعملون ما يحتاجون إليه في معايشهم، وقد نبذوا أمر الآخرة وراء ظهورهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 74.]]، وهذا معنى قول الكلبي، وذكر الفراء القولين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 297، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 100.]].
ثم عزّى نبيه -ﷺ-، قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي أنه عالم بهم فهو يجازيهم بما يستحقون ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾، قال ابن عباس: يريد قبل أن يخلق الخلائق [[لم أجده.]]. والمعنى أنه أعلم بالفريقين لأنه علمهما قبل خلقهما فلا يذهب عليه جزاؤهما.
ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال صاحب النظم: هذا فصل معترض.
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ متعلق بمعنى الآية وهو قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية. والمعنى أنه أعلم بهم فإذا كان أعلم بهم جازى كلاًّ بما يستحقه.
واللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ لام العاقبة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 105.]]، وهو أن علمه بالفريقين أدى إلى جزائهم باستحقاقهم.
53:31Page 527
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى ٣١
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth - that He may recompense those who do evil with [the penalty of] what they have done and recompense those who do good with the best [reward] -
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إخبار عن قدرته وسعة ملكه؛ وهذا فيما يؤكد الجزاء، لأنه إنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان كثير الملك واسع المقدرة، ثم أن هذه المعاني، وهي علمه وقدرته وسعة ملكه إلى جزاء المطيع بطاعته والمسيء بإساءته، فذلك قلنا إن اللام في ﴿لِيَجْزِيَ﴾ لام العاقبة، هذا معنى ما ذكره صاحب النظم [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 5 - 6.]].
قال ابن عباس، ومقاتل: ليجزي في الآخرة ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ قالوا لا إله إلا الله (بِالْحُسْنَى) بالجنة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 298، و"تفسير مقاتل" 131 أ.]]. ثم نعت المحسنين.
53:32Page 527
ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِۚ هُوَ أَعۡلَمُ بِكُمۡ إِذۡ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَإِذۡ أَنتُمۡ أَجِنَّةٞ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡۖ فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢
Those who avoid the major sins and immoralities, only [committing] slight ones. Indeed, your Lord is vast in forgiveness. He was most knowing of you when He produced you from the earth and when you were fetuses in the wombs of your mothers. So do not claim yourselves to be pure; He is most knowing of who fears Him.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ وقد تقدم الكلام في تفسير الكبائر في سورة النساء [[عند تفسيره لآية (31) من سورة النساء.
ومما قال: اختلفوا في الكبائر ما هي ... قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كل شئ عصي الله فيه فهو كبيرة .. وقال في رواية علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه الله -عز وجل- بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، وهذا قول الحسن وسعيد بن جبير والضحاك. والصحيح أنه ليس لها حد يعرفه العباد وتتميز به الصغائر يتميز إشارة ولو عرف ذلك لكانت الصغائر مباحة ولكن الله تعالى يعلم ذلك وأخفاه عن العباد ليجتهد كل أحد في اجتناب ما نهى عنه رجاء أن يكون مجتنب الكبائر.]].
قال مقاتل: كبائر الإثم، يعني: كل ذنب ختم بالنار، والفواحش يعني: كل ذنب فيه الحد [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 أ. وفي "شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 525 قال: واختلف العلماء في الكبائر على أقوال .. وقيل إنها ما يترتب عليها حد، أو تُوعِّد بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، وهذا أمثل الأقوال.
قال الألوسي: والفواحش ما عظم قبحه من الكبائر فعطفه على ما تقدم من عطف الخاص على العام. وقيل: الفواحش والكبائر مترادفان. "ررح المعاني" 27/ 61. وانظر: "تهذيب اللغة" 4/ 188، و"اللسان" 2/ 1056 (فحش).]].
وقرأ حمزة والكسائي: (كبير الإثم) [[قرأ حمزة، والكسائي، وخلف (كبير) بكسر الباء من غير الألف ولا همزة على التوحيد. وقرأ الباقون (كَبَائِرَ) بفتح الباء والف وهمزة مكسورة بعدها.
انظر: "حجة القراءات" ص 686، و"النشر" 2/ 367، و"الإتحاف" ص 403.]].
وفعيل قد جاء يعني به الكثرة كما أن فعولا كذلك في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: 92]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: 112].
ومن فعيل الذي أريدَ به الكثرة قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: 100 - 101]، وقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]، وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: 17]، وقول الشاعر [[الشاعر هو السموأل بن غريض بن عادياء اليهودي، وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق بتيماء.
انظر: مقدمة "ديوانه" ص 67، و"الأعلام" 3/ 140، و"الأصمعيات" ص 82، و"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" ص 156.]]:
وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ ...... البيت [[والبيت ورد في "ديوانه" 90، و"الحماسة" لأبي تمام 1/ 80، و"شرح حماسة المرزوقي" 1/ 112، و"الحجة" 6/ 235 والبيت بتمامه:
وما ضرنا أنا قليلٌ، وَجَارُنَا ... عَزِيزٌ، وَجَارُ الأَكْثَرينَ ذَلِيلُ]]
فمن حيث كان لفظ الإفراد والمراد به الكثرة في هذا الموضع كذلك أفرد فعيل في قوله: (كبير الإثم) وإن كان المراد به الكبائر.
ويحسن الإفراد من وجه آخر، وهو أن المصدر المضاف فعيل إليه واحد في معنى الكثرة، ألا ترى أنه [[(أنه) زيادة من "الحجة".]] ليس يراد به إثم بعينه، إنما يراد به الآثام، فكذلك يكون المراد بالمضاف الكثرة، وإذا كان كذلك فالإفراد فيه يفيد ما يفيد الجمع.
فإن قيل: فهلا أُفْردا في النساء كما أفردا في هذه السورة؟ قيل: إذا أتيا به على قياس ما جاء في التنزيل في غير هذا الموضع لم يكن لقائل مقال، ألا ترى أنه قد جاء ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: 92] وقال: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُو﴾ [الكهف: 50]، فأفرد، وجمع في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ [فصلت: 19]، و ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ [الممتحنة: 2] فلم صنع من إفراد ذلك جمعه في المواضع التي جمع فيها [[(فيها) ساقطة من (ك).]]، كذلك الإفراد هاهنا لا يمنع الجمع في سورة النساء، وأما من جمع فقال: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ فلأنه في المعنى جمعٌ، والإثم يراد به الكثرة إلا أنه أفرد كما تفرد المصادر وغيرها من الأسماء التي يراد بها الكثرة والأجناس [[من قوله: "وفعيل قد جاء يعني به الكثرة .. " إلى هنا من كلام أبي علي.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 235 - 237.]].
قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ اختلفوا فيه على قولين:
أحدهما: أن اللمم صغار الذنوب، مثل النظرة والغمزة والقبلة.
قال عطاء، عن ابن عباس: إلا ما كان دون الزنا [[انظر: "الوسيط" 4/ 201، و "معالم التنزيل" 4/ 252.]]. وقال الكلبي عنه: اللمم النظرة عن غير تعمد، فإن أعاد النظر فليس بلمم وهو ذنب [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 100، و"تهذيب اللغة" 15/ 348، و"الكشف والبيان" 12/ 14 ب، و"معالم النزيل" 4/ 253، عن الحسين بن الفضل.]].
وعن نافع بن جبير بن مطعم: هو ما دون الوقاع، وهذا قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي، وطاووس، قالوا: ما دون الزنا [[انظر: "جامع البيان" 17/ 39، و"الكشف والبيان" 12/ 13 أ، و"الوسيط" 4/ 201، و"معالم التنزيل" 4/ 252، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 255.]].
واحتجوا بما روى أبو هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "إن الله -عز وجل- كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدركه ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان المنطق، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" [[أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج 4/ 67، ومسلم في كتاب القدر، باب: قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره 4/ 2046، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 253، والإمام أحمد في "المسند" 2/ 317.]].
فإن تقدم فرجه كان زانٍ وإلا فهو اللمم.
وقال ابن الزبير، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: هو ما بين الحدين، حد الدنيا، وعذاب الآخرة، وكل ذنب ليس فيه حد في الدنيا ولم يتوعد عليه بعذاب في الآخرة فهو اللمم، وهي رواية العوفي، والحكم عن ابن عباس، وهؤلاء قالوا: اللمم تكفره الصلوات وهو مغفور لمن اجتنب الكبائر [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 أ، و"جامع البيان" 27/ 40، و"الكشف والبيان" 12/ 13 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 252.]].
القول الثاني في اللمم: أنه الذنب يلم به الرجل ثم يتوب، روى عمرو بن دينار عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال: يلم بالذنب مرة ثم يتوب منه ولا يعود [[انظر: "جامع البيان" 27/ 40، و"الكشف والبيان" 12/ 12 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 107.]]. قال: وكان النبي -ﷺ- يقول:
"إنْ تَغْفِر اللَّهمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وأَيُّ عَبْدٍ لك لا أَلَمَّا" [[رواه ابن جرير في "جامعه" 27/ 39، والترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب (ومن سورة النجم) 5/ 370، وقال عنه: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق. وقال ابن كثير في "تفسيره" 4/ 256، وكذا قال البزار: لا نعلمه يروى متصلاً إلا من هذا الوجه، وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل، وإنما ذكره البغوي في تفسير سورة المزمل، وفي صحته مرفوعًا نظر. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 115، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. وقال القرطبي: قال النحاس: هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادًا. "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 107.
والبيت لأمية بن أبي الصلت، كما في "تهذيب اللغة" 15/ 347، و"اللسان" 3/ 397 (لمم)، و"الخزانة" 2/ 295، و"المقتضب" 4/ 242، و"الأغاني" 3/ 183، وليس في "ديوانه".]]
وقال الحسن: هو الرجل يلم المرة ثم ينزع [[انظر: "حامع البيان" 27/ 39، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 256.]].
وروى السدي عن أبي صالح، قال: سألني رجل عن اللمم، فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم [[في (ك): (اللمم الخطيئة ثم) ولا معنى لها هنا.]] لا يعاود، قال: فحدثت بذلك ابن عباس قال: لقد أعانك عليها ملك كريم [[أخرجه عبد بن حميد. انظر: "معالم التنزيل" 4/ 252، و"الدر" 6/ 118.]]، وهذا قول مجاهد والسدي [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 631، و "الوسيط" 4/ 202.]].
ومعنى اللمم على هذا القول ما تيب منه وإن عظم وكبر، وأصل معنى القولين في اللغة واحد.
وقال المبرد: يقال: أَلَمَّ فلان بكذا إذا قاربه ولم يخالطه [[انظر: "فتح القدير" 5/ 113.]]، وأَلَمَّ به إذا لم يمعن فيه ولكن نال منه حظًا، وهما من أجل واحدة لأنه يقال ذلك لمن لم يستحوذ على الشيء.
فعلى ما ذكر اللمم ما قارب به من الكبيرة كالنظر والقبلة واللمس، واللمم ما ألم به مرة من زنا وشرب خمر، ثم لم يمعن فيه وتاب منه والعرب تقول: ألممت بفلان إلمامًا، وما يزورنا إلا لمامًا.
قال جرير:
بنفسي من تجنبه عزيزٌ ... عليَّ ومن زيارته لمام [["ديوانه" ص 512، و"القطع والائتناف" ص 691، و"البحر المحيط" 8/ 155.]]
قال أبو عبيدة: معناه الأحيان على غير مواظبة ولا وقت معلوم، قال الأزهري: والعرب تستعمل الإلمام في المقاربة والدنو، يقال: ألَمَّ بفعل كذا، في معنى كاد يفعل، قال أبو زيد: كان ذلك منذ شهرين أو لمامهما، ومنذ شهر أو لممه، أي قراب شهر، ومنه قوله -ﷺ-: "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يُلِمَّ" [[جزء من حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: فضل النفقة في سبيل الله 4/ 32، وكتاب: الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والمتنافس فيها 8/ 113، ولفظه: " .. وإن كل ما أثبت الربيع يقتل حبطًا أو يُلمُّ" وفي لفظ: " .. وإنه كلُّ .. " ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا 2/ 727، وأحمد في "المسند" 3/ 7، 21. والحبط أن تأكل الماشية فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها.]] قال أبو عبيدة: معناه أو يقرب إليه.
وقال أبو زيد: في أرض بني فلان من الشجر المُلِمّ كذا وكذا، وهو الذي قارب أن يَحْمل.
وقال المبرد: فلان ميت أو ملم، أي قد قارب الموت، ونخل مُلِمُّ قد قارب الإطعام وأنشد:
وزَيْدٌ مَيّتٌ كَمَدَ الحُبَارَى ... إِذَا بَانَتْ لَطِيفَةُ أَو مُلِمُّ [[ورد في "الجمهرة" لابن دريد 1/ 121، و"مقاييس اللغة" 2/ 128، و"الحيوان" 5/ 455. وهو لأبي الأسود الدؤلي.]]
قال: يعني أو مدانٍ للموت، واللمة من الشعر التي ألمت أن تبلغ أذن، أي قاربت [[لم أقف على كلام المبرد.]].
وقوله: أَلْمِم، معناه اجعل لنا من زيارتك أدنى حظ، ومنه قول الشاعر:
أَلْمِمْ بِسَلُّومَةَ أَلْمِمْ ألْمِمِ ... خَلونَهَا مِن الخَليلِ والحَمِي [[لم أجده.]]
وأمَّا الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ على القولين جميعًا استثناء خارج.
قال أبو عبيدة: لم يؤذن لهم في اللمم وليس اللمم من الفواحش ولا من كبائر الإثم، وقد يستثنى الشيء من الشيء وليس منه، والتقدير: إلا أن يلم ملم بشيء من الفواحش [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 237.]]، فهذا على القول الأول.
وقال المبرد: لم يبحهم اللمم، ومعناه استثناء ليس من الأول، وتفسيره: لكن إن ألموا تابوا كما قال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: 19 - 20]. فابتغاء وجه ربه من نعمة لأحد.
والمعنى، ولكنه يبتغي، قال: وقال ابن أحمر-وأراد أن يخدع من يخاطبه- فقال:
قد قلتُ في بعضِ مَا أَقولُ لَهَا ... قَولةَ نَزْرِ الكَلامِ مُحْتَشِمِ
قَد حَرَّمَ اللهُ كلَّ فَاحشةٍ ... ورَخَّصَ اللهُ منكِ في اللَّمَمِ
قال: وإنما قال ذلك بخلاعته لا لأنه لم يعرف أن اللمم لم يرخص فيه، الدليل على ذلك أنه قال:
فأنكرت ذاك وهي صالحةٌ ... مِنْ نِسوةٍ لا يَجُدْنَ بالتُّهَمِ
انتهى كلامه [[لم أقف على كلام المبرد هذا. ولا على أبيات ابن أحمر.]].
وقال قوم: اللَّمَمُ على القول الثاني من جنس الفواحش والاستثناء وقع من الجنس، ومعنى الآية: إلا أن يلم بالفاحشة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي، واسم اللممِ يدل على التوبة والانتهاء، لأنه إنما يسمى لمما إذا لم يمعن فيه، والصحيح هو الأول؛ لأن هذا يؤدي إلى إباحة اللمم [[قال ابن جرير: (وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: إلا بمعنى الاستثناء المنقطع، ووجه معنى الكلام: إلا الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم بما دون كبائر الإثم، ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا والعذاب في الآخرة ...) "جامع البيان" 27/ 41. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 271، و"فتح القدير" 5/ 113، ونسبه للجمهور.]]. وذكر في الآية قولان آخران: أحدهما: أن اللمم ما سلف في الجاهلية من الذنوب، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين، إنما كنتم بالأمس تعملون معنا ما نعمل، فأنزل اقه هذه الآية، وهو [[(ك): (على) والصواب ما أثبته.]] قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم، ورواية عن علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ إلا ما قد سلف في الجاهلية [[انظر: "جامع البيان" 27/ 38، و"الكشف والبيان" 12/ 12 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 252.]]، واللمم على هذا القول ما ألموا به من الذنوب والفواحش في الجاهلية.
القول الثاني: هو قول عبد الله بن عمرو قال: اللمم ما دون الشرك [[انظر: "جامع البيان" 27/ 40، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 108.]]، وعلى هذا القول: الكبائر والفواحش موجبات الشرك.
والناس على القولين الأولين، واختار أبو إسحاق الثاني منهما، قال: اللمم هو أن يكون الإنسان قد ألم بالمعصية ولم يصر ولم يُقم على ذلك، والإلمام في اللغة يوجب أنك تأتي الشيء في الوقت ولا تقيم عليه. فهذا معنى اللمم في هذا الموضع [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 75.]] يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قال ابن عباس: لمن فعل ذلك وتاب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 298، و"معالم التنزيل" 4/ 253.]]، وتم الكلام هاهنا [[انظر: "القطع والائتناف" ص 692 قال: والتمام عند يعقوب وجماعة معه بعد قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾، و"المكتفى في الوقف والابتداء" ص 543.]].
ثم قال قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: هو أعلم بكم قبل أن يخلقكم: ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال: يريد ما كان من خلق آدم ميت تراب [[انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"معالم التنزيل" 4/ 253.]].
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنة جمع جنين، وهو الولد ما دام في البطن، سمي جنينًا لأنه مستور، ومنه سمي المدفون جنينًا لأنه مستور بالتراب، قال عمرو:
وَلاَ شَمْطَاءُ لم يترك شقَاها ... لَهَا من تسعةٍ إلا جَنينا [[ورد في "ديوانه" 367، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 98.]]
أي إلا دفينًا في قبره.
قال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي عاملة وما هي صانعة وإلى ما هي صائرة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 253، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 110.]]، وقال الفراء: هو أعلم أولاً وآخرًا [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 100.]].
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال الكلبي، ومقاتل: كان ناس يقولون: صلينا وصمنا وفعلنا وفعلنا، فأنزل الله ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 14 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 253.]]، قال الفراء: لا يقولن أحدكم عملت كذا وفعلت كذا [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 100.]]، فعلى هذا معناه النهي عن الاعتداد بالأعمال.
وقال آخرون: معناه لا تبرؤوها ولا تمدحوها، يدل على هذا ما روى أن زينب بنت أبي سلمة [[زينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومة، ربيبة النبي -ﷺ- وأخت عمر، == ولدتهما أم المؤمنين بالحبشة، ماتت سنة (73 هـ) وحضر ابن عمر جنازتها.
انظر: "طبقات ابن سعد" ص 461، و"الإصابة" 4/ 317، و"أسد الغابة" 5/ 468، و"تقريب التهذيب" 2/ 600، و"أعلام النساء" 2/ 67.]] قالت: سميت برة فقال النبي -ﷺ-: "لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بالبر منكم. قالوا: ما نسميها؟ قال: سموها زينب" [["صحيح البخاري"، كتاب: الآداب، باب: تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه 8/ 53، و"صحيح مسلم" كتاب: الأدب، باب: استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن 3/ 1688.]].
والمعنى: لا تزكوها بما ليس فيها. ويجوز أن يكون المعنى على العموم وذلك أنه أقرب إلى النسك والخشوع وأبعد من الرياء والعجب ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ أي بر وأطاع.
وقال الحسن: أخلص العمل [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 110، و"فتح القدير" 5/ 113.]].
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة وهو قول مجاهد، ومقاتل، وابن زيد، قالوا: كان قد أَتبع رسول الله -ﷺ- فعيره بعض المشركين وعاتبه على الإسلام فقال: إني خشيت عذاب الله، فقال: إني أضمن لك أن أتحمل عنك عذاب الله إن أنت أعطيتني كذا وكذا من مالك، فأرجع إلى ما كنت عليه، فرجع إلى الشرك وأعطى الذي عاتبه بعض المال الذي شرط إذ هو أعطاه أن يتحمل عنه العذاب ومنعه تمام ذلك، فأنزل الله فيه [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 631، و"تفسير مقاتل" 131 ب، "جامع البيان" 27/ 42.]] ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: أدبر عن الحق والإسلام [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب، و"الوسيط" 4/ 203.]].
﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾ يعني أعطى صاحبه الذي عاتبه (وَأَكْدَى) قال الفراء: أمسك من العطية وقطع [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 101.]].
روى عمرو عن أبيه: أكْدى مَنَعَ وأكْدى قطع، وأكْدَى إذا انقطع، وأكْدى إذا حفر فبلغ الكُدى وهي الصخور [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 324، و"اللسان" 3/ 232 (كذا).]].
والمفسرون قالوا في (أَكْدَى) قطع وانقطع وأمسك، وذكر سعيد بن جبير الأصل فيه فقال: ألا ترى إلى القوم إذا حفروا الوهدة فأفضوا إلى الصخرة قالوا: أكدينا [[انظر: "جامع البيان" 27/ 42 عن أبي زيد. والوهدة الحفرة وهي النقرة المنتقرة في الأرض أشد دخولًا في الأرض من الغائط وليس لها حرف.]].
قال أبو إسحاق: معنى (أَكْدَى) قطع، وأصله من الحفر في البئر، يقال للحافر إذا بلغ إلى حجر لا يمكنه الحفر معه قد بلغ إلى الكدية، وعند ذلك يقطع الحفر [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 75.]].
وقال المبرد: (أَكْدَى) أي منع منعًا شديدًا [[انظر: "الوسيط" 4/ 203، و"معالم التنزيل" 4/ 253.]]. وذكر مثل قول أبي إسحاق.
وقال ابن قتيبة: أكدى من كدية الركَّية وهي الصلابة فيها وإذا بلغها الحافر يئس من حفرها فقطع الحفر فقيل لكل من يطلب شيئًا فلم يبلغ آخره أو أعطى ولم يتم أكدى ومعنى أكدى هاهنا منع صاحبه تمام ما ضمن له؛ وقال عطاء ومقاتل إن الوليد بن المغيرة كان قد مدح القرآن ثم أمسك عنه فنزل فيه ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾ أي: من الخير بلسانه، وأكدى أي قطع ذلك أمسك عنه [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 429.]]. وهذا تعيير له. ثم زاد في التعيير والتوبيخ فقال:
53:35Page 527
أَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡغَيۡبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ ٣٥
Does he have knowledge of the unseen, so he sees?1
﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ يعني ما غاب عنه من أمر العذاب ﴿فَهُوَ يَرَى﴾ أن صاحبه يتحمل عنه عذابه.
قال الزجاج: (فهو يرى) معناه فهو يعلم، والرؤية تكون بمعنى العلم كالمكفوف، يقول: رأيت زيدًا عاقلاً، فلو كان من رؤية العين لم يجز ذلك [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 14 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 111.]]، والمعنى فهو يعلم علم الغيب حتى علم أنه غير معذب بتحمل صاحبه عنه العذاب.
53:36Page 527
أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ٣٦
Or has he not been informed of what was in the scriptures of Moses
﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ لم يحدَّث ولم يخبر ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ يعني: أسفار التوراة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences