Al-Wahidi (al-Basit)An‑Najm · 53:37–59

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

An-Najm 53:37–59

53:37Page 527

وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ ٣٧

And [of] Abraham, who fulfilled [his obligations] -

﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: وفي صحف إبراهيم ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ معنى التوفية في اللغة الإتمام والإكمال، يقال: وفيته أجره، قال الله تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ [فاطر: 30].

واختلفوا في معنى (وفي) هاهنا. فقال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: بلغ ما أُمر به قومه، وهو قول مقاتل، واختيار الفراء، وابن قتيبة، وهو قول سعيد بن جبير، وإبراهيم، ومجاهد، وأبي العالية، وعكرمة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 75.]] كل هؤلاء قالوا: بلغ قومه وأدى إليهم عن الله هؤلاء الكلمات، وهي قوله تعالى:

53:38Page 527

أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ ٣٨

That no bearer of burdens will bear the burden of another

﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وأَنْ على هذا القول في محل النصب بقوله: (وفي) [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 300، و"تفسير مجاهد" 2/ 632، و"تفسير مقاتل" 131 ب، و"جامع البيان" 27/ 42 - 43، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 101، و"تفسير غريب القرآن" ص 429.]].

وقال آخرون: معنى: (وفي) أكمل ما يجب لله تعالى عليه بالطاعة في كل ما أمر وامتحن به من ذبح الولد والإلقاء في النار والكلمات التي ابتلي بها في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 124] الآية، والاختتان، ومناسك الحج التي أمر بها، وفاها كلها وأتمها بالطاعة والصبر، فأثنى الله تعالى عليه لقيامه بجميع ذلك بقوله: (وفي)، وهذا قول جماعة من المفسرين [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 101.]]، وهو اختيار أبي إسحاق، وعلى هذا موضع أَنْ في قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾ خفض على البدل من قوله: ﴿بِمَا في صُحُفِ﴾، والمعنى: ألم ينبأ بأن لا تزر، وقال: يجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار هو، كأنه لما قيل: بما في صحف موسى، قيل: ما هو؟ فقيل: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ومعناه: أن لا تؤخذ نفس بإثم غيرها [[انظر: "جامع البيان" 24/ 43 عن ابن عباس، وإبراهيم النخعي والقرظي، و"الكشف والبيان" 12/ 15 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 254، و"الدر" 6/ 129.]].

قال عكرمة عن ابن عباس: لا يؤخذ الرجل بذنب غيره [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 75، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 273، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 694.]]، وفي هذا إبطال لقول من قال للوليد بن المغيرة: أعطني شيئًا وأحمل عنك ذنوبك. أخبر الله تعالى أنه لا يؤخذ أحد بجناية غيره، وأن هذا مما أنزل على إبراهيم وموسى [[انظر: "جامع البيان" 27/ 42، و"الدر" 6/ 129.]].

وذكره [[في (ك): (وذكر).]] المفسرون [[وهو المروي عن ابن عباس، وعمرو بن أوس، والنخعي. انظر: "جامع البيان" 27/ 42، و"معالم التنزيل" 4/ 254.]] فقالوا: كان من لدن نوح إلى زمان إبراهيم يؤخذ الرجل بذنب أخيه وابنه حتى بلّغهم إبراهيم ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وهذا عام في الدنيا والآخرة، وقد أخبر الله تعالى بذلك [[(بذلك) ساقطة من (ك).]]، وذكره رسولنا محمد -ﷺ- أن من دعا إلى ضلالة كان عليه مثل أوزار من اتبعه، وذلك في قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ [النحل: 25].

قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: 13] وهذا في رؤساء الكفر والضلالة يزاد لهم الوزر بسبب إضلالهم، فأما أن تحمل نفس ذنب أخرى حتى يصير المحمول منها كأنها لم تأت بذنب، فليس ذلك في شريعة.

53:39Page 527

وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩

And that there is not for man except that [good] for which he strives

قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ عطف على قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾ وهذا أيضًا مما في صحف إبراهيم وموسى، والمعنى: ليس للإنسان في الآخرة إلا ما عمل في الدنيا، قاله مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب.]].

قال أبو إسحاق: معناه: ليس له إلا جزاء سعيه، إن عمل خيرًا أُجزي خيرًا، وإن عمل شرًا أُجزي شرًا [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 76.]]. هذا معناه في الظاهر.

ثم المفسرون مختلفون في حكم الآية، فروى الوالبي عن ابن عباس أن هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: 21] الآية، أدخل الله تعالى الأبناء بصلاح الآباء الجنة [[انظر: "جامع البيان" 27/ 44، و"الكشف والبيان" 12/ 16 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 254.]]، ورفع درجاتهم وإن لم يستحقوها بأعمالهم، ونحو هذا قال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمة فلهم ما سعى غيرهم نيابة عنهم [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 16 أ، و"الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 254.]]، بدليل حديث المرأة التي قالت لرسول الله -ﷺ-: إن أبي مات ولم يحج، قال: "فحجي عنه" [[جزء من حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، وباب: حج المرأة عن الرجل 3/ 23، ومسلم في كتاب: الحج، باب: الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت 2/ 974.]]. وقال العلماء من أصحابنا: هذه الآية تدل على منع النيابة في الطاعات إلا ما قام عليه الدليل كالحج [[انظر: "الأم" 2/ 104، و"الحاوي الكبير" 4/ 17.]]، وهذا إذا قلنا إنه غير منسوخ الحكم، وعلى ما ذكر الوالبي وعكرمة: الآية منسوخة الحكم في شرعنا.

وقال الحسين بن الفضل [[تقدمت ترجمه في سورة البقرة.]]: هذا من طريق العدل ليس للإنسان إلا ما سعى ولله أن يتفضل عليه بما يشاء من تضعيف الحسنات [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 17 أ، و"البحر المحيط" 8/ 168، و"روح المعاني" == 27/ 66. قال مكي: والبين في هذا الذي يوجبه النظر وعليه أكثر العلماء أنه ليس بمنسوخ وأنه محكم "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 423.

وانظر: "نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 233، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 114، و"فتح القدير" 5/ 114.]].

53:40Page 527

وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ ٤٠

And that his effort is going to be seen -

قوله: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ يُرَى من أريته الشيء، والمعنى أن سعيه يرى يوم القيامة حتى ينظر إليه، أي يرى عمله في ميزانه؛ وهذا قول مقاتل والزجاج [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 76.]]، وقال ابن قتيبة ﴿يُرَى﴾ يعلم، والمعنى يعلمه الناس [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 429.]].

53:41Page 527

ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ ٤١

Then he will be recompensed for it with the fullest recompense -

﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ﴾ أي يجرْى الإنسان سعيه، والضمير للسعي يقال: جزيت فلانًا عمله وسعيه، أي قضيته.

قال الشاعر [[لم أجده.]]:

إن أُزِ علقمة بن سعد سعيه ... لا أجزه ببلاء يوم واحد

و ﴿الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ الأكمل والأتم، قال أبو إسحاق: أي يجزى عمله أوفى جزاء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 76.]].

53:42Page 527

وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلۡمُنتَهَىٰ ٤٢

And that to your Lord is the finality

قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ أي إليه منتهى العباد ومرجعهم، هذا قول المفسرين. وروي تفسير آخر لهذه الآية مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- قال: "لا فكرة في الرب" [[أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" 1/ 218 عن سفيان الثوري في قوله -عز وجل-: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ قال: لا فكرة في الرب -عز وجل-، وأخرجه الدارقطني في الأفراد، == والبغوي في "تفسيره" 4/ 255 مرفوعًا.

وأورده ابن كثير، وذكر رواية البغوي له ثم عقب عليه بقوله: وليس بمحفوظ بهذا اللفظ، وإنما الذي في الصحيح: يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ .. وذكر الحديث ثم قال: والحديث الآخر الذي في "السنن": (تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذات الله ..)، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 259، وانظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 4/ 396.]].

ومعنى هذا أن الإنسان يتفكر في كل شيء فيحيط به علمًا ويقف على كنهه وكيفيته حتى ينتهي إلى الله تعالى فلا يحيط به علمًا ولا يدركه بفكرته، فإليه المنتهى من هذا الوجه، ويؤكد هذا المعنى ما روى أنس أن النبي -ﷺ- قال: "إذا ذكر الله فانتهوا" [[أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 17 ب، وذكره بعض المفسرين عن أنس بدون سند، وفي بعض الألفاظ: "إذا ذكر الله تعالى فاتته".

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 115، و"البحر المحيط" 8/ 168، و"روح المعاني" 27/ 68.]].

وقال -ﷺ-: "تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق" [[ذكره البغوي في "تفسيره" 4/ 255، وعقب عليه ابن كثير بما سبق ذكره.

وأخرجه أبو الشيخ في "العظمة" 1/ 216، وزاد فيه "فإنكم لا تقدرون قدره" وأخرجه أبو القاسم الأصفهاني في "الترغيب والترهيب" 2/ 174، بسندين فيهما انقطاع، وأورده السيوطي في "الجامع الصغير" 1/ 132، وعزاه إلى أبي الشيخ ورمز له بالضعف، وفي تخريجات "إحياء علوم الدين" قال: أخرجه أبو نعيم في الحلية بالمرفوع مه بإسناد ضعيف، ورواه الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" من وجه آخر أصح منه، ورواه الطبراني في "الأوسط"، والبيهقي "الشعب" من حديث ابن عمر وقال: هذا إسناد فيه نظر. قلت: فيه الوازع بن نافع متروك. انظر "الإحياء" 4/ 424، و"ضعيف الجامع" 3/ 38 (2469).]].

والمنتهى معناه الانتهاء.

53:43Page 527

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَضۡحَكَ وَأَبۡكَىٰ ٤٣

And that it is He who makes [one] laugh and weep

قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ أكثر المفسرين على أن هذا عام في كل ضحك وبكاء، يدل عليه ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: مر النبي -ﷺ- على قوم يضحكون فقال: "لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلاً" فنزل عليه جبريل فقال: إن الله -عز وجل- يقول: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ فرجع إليهم، فقال: "إن الله هو أضحك وأبكى" [[أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 18 أ، والواحدي في "أسباب النزول" ص 461. وأخرجه ابن مردويه عنها. انظر: "إحياء علوم الدين" 4/ 450، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 116، و"الدر" 6/ 300.]].

وهذا يدل على أن كل ما يعمله الإنسان بقضائه وإرادته وخلقه حتى الضحك والبكاء، وكذلك ما روي عن جبار الطائي [[جبار بن القاسم الطائي، روى عن ابن عباس، وعنه أبو إسحاق، ضعفه الأزدي وذكره ابن حبان في "الثقات" بروايته عن ابن عباس. انظر: "لسان الميزان" 2/ 120.]] قال: شهدت جنازة أم مصعب [[هي الرباب بنت أنيف الكلبية انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 182، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 141.]] وفيها ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وابن عباس يقاد على أتان له، فمرا وفي الجنازة صوارخَ فقلت: يا أبا عباس: تفعل هذا؟ قال: دعنا منك يا جبار فإن الله هو أضحك وأبكى [[لم أجده.]].

ومن المفسرين من خصَّ؛ وهو قول الكلبي. قال: أضحك أهل الجنة وأبكى أهل النار [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 101، و"جامع البيان" 27/ 44، و"البغوي" 4/ 255.]]، ومنهم من حمل الضحك والبكاء على المجاز، وهو قول عطاء بن أبي مسلم قال: معناه أفرح وأحزن؛ لأن الضحك يجلبه السرور والفرح، والبكاء يوجبه الحزن والنزح [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 18 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 255.]]، ومنهم من حمل الآيهَ على الاستعارة وهو قول الضحاك.

قال: المعنى أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر [[(بالمطر) ساقطة من (ك)، والتصحيح من "الوسيط".

انظر: "الكشف والبيان" 12/ 18 ب، و"الوسيط" 4/ 204، و"معالم التنزيل" 4/ 255، قلت: وهذا التفسير يخالف ما يفهم من ظاهر الآية، وحمله على الضحك والبكاء المعروفين أولى، والله أعلم.]].

53:44Page 527

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحۡيَا ٤٤

And that it is He who causes death and gives life

قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ المتقدمون من المفسرين حملوا هذا [[في (ك): (على هذا).]] على الإماتة في الدنيا والإحياء للبعث [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 255، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 117.]]، والمتأخرون منهم ذكروا وجوهًا أخرى، منها: أنه أمات الآباء، وأحيا الأبناء، كما ذكرنا في قوله: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: 24] ومنها أنه أمات النطفة وأحيا النسمة، وأمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن بالإيمان، والوجهان ذكرا في قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: 19]. ويدل على الوجه الثاني قوله: ﴿أَوَ وَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: 122].

53:45Page 528

وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ ٤٥

And that He creates the two mates - the male and female -

No commentary for this ayah

53:46Page 528

مِن نُّطۡفَةٍ إِذَا تُمۡنَىٰ ٤٦

From a sperm-drop when it is emitted

قوله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الجماع، وقال في رواية الكلبي: تهراق في الرحم، وهو قول الضحاك، قال: تصب في الرحم، ويقال: مني الرجل، وأمنى من المني [[انظر: المراجع السابقة.]]، وقيل في مني [[مِنَى: المكان المعروف من مهبط العقبة إلى محسر. سميت بذلك لما يمنى من الدماء. وقيل لأن الكبش مُني بها أي ذبح. انظر: "معجم البلدان" 5/ 229.]] مكة سميت مني؛ لما يمنى من الدماء أي: يراق [[قاله الليث، وقال ابن شميل: سمي مني؛ لأن الكبش مُنِي به، أي: ذبح.

وانظر: "تهذيب اللغة" 15/ 530 (منا).]]، وقال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: 58] هذا قول المفسرين. وقال أبو عبيدة، والمبرد، وابن قتيبة: ﴿تُمْنَى﴾ أي تقدر، ويقال: إنك لا تدري ما يَمني لك الماني أي ما يقدر لك المقدر [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 238، و"تفسير غريب القرآن" ص 429.]]، والقولان أصلهما واحد وهو التقدير، يقال: مني الله لك ما يسرك أي قدر، والاسم من المنى.

وأنشد الفراء فقال:

ولا تقولنَّ لشيء سوف أفعله ... حتى تبين ما يَمني لك الماني [[البيت لأبي قلابة الهذلي، وقيل: لأبي المثلم الهذلي، كما في "ديوان الهذليين" 3/ 39، ولم أجده عند الفراء.

وانظر: "تهذيب اللغة" 15/ 530، و"اللسان" 3/ 538 (مني).]]

والمني الماء الذي يخلق ويقدر منه الولد، ثم يقال منه: مني وأمنى إذا أصب ذلك الماء.

فمعنى قوله: ﴿إِذَا تُمْنَى﴾ إذا تُصَب وتلقى على تقدير ولد في الرحم، هذا هو الأصل، ثم يقال: أمنى ومنى بمعنى صب من غير تقدير [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 531، و"اللسان" 3/ 538 (مني).]]. قوله تعالى: ﴿يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [[عند تفسيره لآية (20) من سورة العكبوت. انظر: "البسيط" 4/ 121 أحيث قال: أي ثم الله الذي خلقها وبدأ خلقها ينشئها نشأة ثانية ...]].

53:47Page 528

وَأَنَّ عَلَيۡهِ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰ ٤٧

And that [incumbent] upon Him is the other [i.e., next] creation.

No commentary for this ayah

53:48Page 528

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَغۡنَىٰ وَأَقۡنَىٰ ٤٨

And that it is He who enriches and suffices

قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ أي أغنى الناس بالأموال ومولهم (وأقنى) اختلفوا فيه، فقال أبو صالح: أعطى القنية وأصول الأموال التي تقتنى [[انظر: "جامع البيان" 27/ 45، و"معالم التنزيل" 4/ 256.]].

والاكثرون قالوا: أقنى قنّع ورضّى بما أعطى الفقير، وهو قول مجاهد، ومقاتل، ورواية عكرمة عن ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 301، و"تفسير مجاهد" 2/ 632، و"تفسير مقاتل" 132 أ. وفي "صحيح البخاري" قال: ابن عباس: (أغنى وأقنى) أعطى وأرضى، و"كتاب التفسير" سورة النجم 6/ 175.

قال ابن حجر: وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، و"فتح الباري" 8/ 606.]]، والقول الأول اختيار أبي عبيدة، والمبرد، وابن الأعرابي، قال أبو عبيدة، والمبرد: أغنى أقوامًا وجعل لهم قنية وهي أصل المال [[في (ك): (مال) وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 238.]] من أي مال كان.

وقال ابن الأعرابي: أقنى أعطاه ما يدخر بعد الكفاية [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 313، و"اللسان" 3/ 177 (قنا).]]، وأبو إساق ذكر القولين [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 76.]]، وهما يرجعان إلى أصل واحد.

قال الليث: يقال: قنيت به، أي: رضيت، وأقنيت لنفسي مالاً، أي: جعلته قنية أرتضيه، وأنشد للمتلمس:

وألقيته بالثّني من جَنْبِ كافرٍ ... كذلك أقْنُو كلَّ قِطّ مُضَلِّلِ [[البيت ورد في "تهذيب اللغة" 9/ 312، و"اللسان" 3/ 177 (قنا)، و"الخزانة" 3/ 23، و"المذكر والمؤنث" ص 416.]]

قال: أقنو بمعنى أرضى. وقال غيره: أقنو ألزم وأحفظ [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 314 (قنا).]]، فالاقتناء يتردد بين أصلين.

أحدهما: الرضا، وذلك أن الإنسان لا يقتني إلا ما يرتضيه، فعلى هذا أصل القولين الرضا، والآخر: الحفظ واللزوم، ومنه يقال: قنا الحياء، إذا لزمه، ومنه قول الشاعر: فأقْنَى حياءَك لا أبالَكِ إنني ... في أرض فارس موثقٌ أحوالًا [[انظر: "اللسان" 3/ 177 (قنا) وقال أنشده ابن بري ولم ينسبه لقائل.]]

والقنية ما يلزمها الإنسان ويحفظها. وعلى هذا الأصلان مختلفان. قال الضحاك، والحسن، وقتادة: أغنى في المال وأقنى في الخدم [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 254، و"جامع البيان" 27/ 45.]]، وهؤلاء خصوا الاقتناء بإعطاء الخدم.

وأما ما روي عن ابن زيد أنه قال: أغنى أكثر وأقنى أقل [[انظر: "جامع البيان" 27/ 45، وفي "معالم التنزيل" 4/ 256، و"الجامع" للقرطبي 17/ 119، نسبه للأخفش وهو قول الحضرمي أيضًا.

وقال ابن كثير معقبًا على هذا القول: وهما بعيدان من حيث اللفظ، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 259. وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 169: وقد تكلم المفسرون على ذلك فقالوا اثني عشر قولًا كقولهم: أغنى نفسه وأفقر خلقه إليه، وكل قول منها لا دليل على تعيينه، فينبغي أن تجعل أمثلة.]]، ولا وجه لقوله أقنى أقل في اللغة، إلا أن يقال: معناه رضي بالفليل كما ذكره الأكثرون فترك ذلك الرضا واقتصر على القلة.

53:49Page 528

وَأَنَّهُۥ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعۡرَىٰ ٤٩

And that it is He who is the Lord of Sirius1

قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ قال جماعة المفسرين: هي كوكب خلف الجوزاء يقال لها مرزم الجوزاء، وهي الشعرى العبور، وكانت خزاعة تعبدها، فقال الله: أنا رب الشعرى فاعبدوني، وإنما سميت العبور لأنها عبرت المغيرة فقطعت عرضًا وهما الشعرتان، يقال لأحدهما: العبور وللأخرى الغميضاء، وسميت الغميضاء؛ لأن العرب تقول: إن سهيلًا والشعرتين كانت مجتمعة فانحدر سهيل فصار يمانيًا فتبعته الشعرى العبور فعبرت المغيرة وأقامت الغميضاء فبكت لفقد سهيل حتى غمضت عيناها فسميت الغميضاء [[انظر: "الجمهرة" 2/ 342، و"الكفش والبيان" 12/ 19 أ - ب، قال الآلوسي في == "روح المعاني" 27/ 69: وقيل زعموا أن سهيلًا والشعرى ... -وذكر ما هاهنا ثم قال-: وكل ذلك من تخيلاتهم الكاذبة التي لا حقيقة لها والمتبادر عند الإطلاق وعدم الوصف: العبورة لأنها أكبر جرمًا وأكثر ضياء، وهي التي عبدت من دون الله في الجاهلية.]].

53:50Page 528

وَأَنَّهُۥٓ أَهۡلَكَ عَادًا ٱلۡأُولَىٰ ٥٠

And that He destroyed the first [people of] ʿAad

قوله ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ ذكر أبو إسحاق وغيره من النحويين في (الأولى) ثلاث لغات:

أحدها: (الأولى) بسكون لام المعرفة.

والثانية: (الُولَى) على تخفيف الهمزة ونقل حركتها إلى لام المعرفة.

الثالثة: الولى) بطرح همزة الوصل؛ لأن اللام تحركت فاستغني عنها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 77.]].

ومثله الأحمر والحمر ولحمر، وقراءة العامة (عادًا الأولى) [[قرأ نافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب (عادًا لولى) موصولة مدغمة، وذلك بإدغام التنوين في اللام بعد نقل حركة الهمزة إليها وصلًا. وقرأ الباقون (عادًا الأولى) بكسر التنوين وسكون اللام وتخفيف الهمزة من غير نقل. انظر: "حجة القراءات" ص 687 و"النشر" 1/ 411 - 412، و"الإتحاف" ص 403 - 404.]] أجود اللغات الثلاثة، وذلك أن التنوين اجتمع مع لام المعرفة وهما ساكنان فحرك التنوين بالكسر.

وقرأ أبو عمرو (عادًا لولى)، قال أبو عثمان: أساء عندي أبو عمرو في قراءته (عادًا لولى)؛ لأنه أدغم النون في لام المعرفة، واللام إنما تحركت بحركة الهمزة، وليست بحركة لازمة، والدليل على ذلك أنك تقول: اَلَحْمَر. فلا تحذف ألف الوصل وإن حركت اللام؛ لأنها ليست بحركة لازمة، قال: ولكن كان أبو الحسن روى عن بعض العرب أنه يقول هذا لَحْمَر قد جاء، بحذف ألف الوصل لحركة اللام [[قلت: قول أبي عثمان -المازني: أساء أبو عمرو في قراءته .. إلى أن قال: ولكن == كان أبو الحسن -أي الأخفش- فيه إساءة وتجاوز، فالقراءة تواترها عن أفصح العرب -ﷺ- وكان الأولى إثباتها وإن خالفت ما وضعه النحاة من قواعد، وما أثر عن العرب من لغتهم، أما أن تصوب القراءة لنقل الأخفش أو غيره وجهًا لها عن العرب فرأي مردود على صاحبه وإن بلغ ما بلغ من علم وفهم كالمازني، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا الصادق المصدوق -ﷺ-، والله أعلم.]].

قال أبو علي: الإساءة التي نسبها أبو عثمان إلى أبي عمرو في قراءة: (عادًا لولى) لا تلزمه من وجهين:

أحدهما: أنه يقول: (لُوْلَى) قبل الإدغام على لغة من يقول لَحْمَرْ فيحذف همزة الوصل، وعلى هذا القول اللام في حكم المتحرك، وخرجت من حكم السكون بدلالة حذف همزة الوصل وإذا خرجت من حكم السكون حسن الإدغام كما حسن في مَنْ لك؟ ومَنْ لُوهُ؟ [[(ك): (لزم) والتصويب من "الحجة".]] فالإدغام في حرف متحرك غير ساكن.

والوجه الآخر: أن يكون أدغم على قول من يقول (الُولى) الحَمْرَ، فلم يحذف همزة الوصل مع إلقاء الحركة على لام المعرفة؛ لأنه في تقدير السكون فلا يمتنع أن يدغم فيه، وإن كان في حكم السكون كما لم يمتنع أن يدغم في نحو رُدَّ وفِرَّ وغَضَّ، وإن كانت لاماتهن سواكن، وتحركها للإدغام، وإذا جاز الإدغام في الوجهين جميعًا ثبتت صحته.

وروي عن نافع (عاد لوْلَى) بالإدغام والهمز، ووجه الإدغام ما ذكرنا، ووجه الهمز أن الضمة لقربها من الواو وأنه لم يحجز بينهما شيء صارت كأنها عليها فهمزها كما يهمز الواو إذا كانت مضمومة نحو أدؤُر والغؤور [[أدؤر جمع دار، والهمز لكراهه الضمة على الواو. يقال: ثلاث أدؤر: همزت لأن الألف التي كانت في الدار صارت في أَفْعُل في مواضع تحرك فأُلقِي عليها == الصرف ولم ترد إلى أصلها. وغار القوم غورًا وغؤورًا، أتوا الغور، وغار في الشيء غؤورً دخل. وغار الماء غؤورًا. ذهب في الأرض. انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 180، و"اللسان" 2/ 1026 (غور).]]، وما أشبه ذلك، وهذه لغة قد رويت وحكيت وإن لم تكن بتلك الفاشية.

قال أبو عثمان: ومن قرأ (عادًا لولى) فأظهر النون فقد أخطأ؛ لأن النون لا تظهر على اللسان إلا مع حروف الحلق [[من قوله: قال أبو عثمان. إلى هنا: نقله من كتاب "الحجة" لأبي علي مع تصرف يسير. انظر: "الحجة" 6/ 237 - 240، و"البغداديات" ص 190 - 194.]].

قال المفسرون: عاد الأولى، قوم هود، وهم أولى عاد أهلكوا بريح صرصر، وكان لهم عقب، وكانوا عادًا الأخرى.

53:51Page 528

وَثَمُودَاْ فَمَآ أَبۡقَىٰ ٥١

And Thamūd - and He did not spare [them] -

قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ﴾ أهلك الله ثمود وهم قوم صالح بالصيحة ﴿فَمَا أَبْقَى﴾ منهم أحدًا.

53:52Page 528

وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ هُمۡ أَظۡلَمَ وَأَطۡغَىٰ ٥٢

And the people of Noah before. Indeed, it was they who were [even] more unjust and oppressing.

﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ أهلك الله قوم نوح من قبل عاد وثمود.

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ قال ابن عباس وقتادة ومقاتل، وغيرهم: إنما وصف بأنهم كانوا أظلم وأطغى من غيرهم لطول دعوة نوح إياهم، وعتوهم على الله في المعصية والتكذيب، ولم يطل مقام أحد من الأنبياء في دعوة قومه كما طال مقامه [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 254، و"جامع البيان" 27/ 46.]]، وقد ذكر الله تعالى ذلك في قوله: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14] وكان الرجل منهم يأخذ ابنه فينطلق به إلى نوح فيقول له: احذر هذا فإنه كذاب، وإن أبي قد مشى بي إلى هذا وأنا مثلك فاحذره فيموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على وصية أبيه [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 120، و "الدر" 6/ 131.]].

53:53Page 528

وَٱلۡمُؤۡتَفِكَةَ أَهۡوَىٰ ٥٣

And the overturned towns1 He hurled down

قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ قال الفراء: كل شيء انهوى وانخسف فقد ائتفك [[لم أقف عليه في "معاني القرآن" للفراء، وما قاله أبو عبيدة يؤيده.]].

وقال أبو عبيدة: المؤتفكة المخسوف بها ائتفكت بأهلها [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 239.]]، وقد تقدم تفسير المؤتفكات [[عند تفسيره لآية (70) من سورة التوبة. ومما قال: المؤتفكات، قال المفسرون: يعني قرى قوم لوط وهي جمع مؤتفكة، ومعنى الائتفاك في اللغة: الانقلاب. وتلك القرى ائتفكت بأهلها أي انقلبت فصار أعلاها أسفلها.]].

وهي قرى قوم لوط رفعها جبريل بجناحه إلى السماء حتى سمعت ملاكة سماء الدنيا أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم قلبها فهوت من السماء إلى الأرض مقلوبة [[انظر: "تاريخ الأمم والملوك" 1/ 180، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 77، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 120.]]، فذلك قوله: (أهوى) أي: أهلك، وتفسيره: أسقط، هوى إذا سقط، وأهواه أسقطه [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص430.]]، وقد مر في قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، والمعنى: أهواها جبريل إلى الأرض بعد أن رفعها، وقال المبرد: جعلها تهوي [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 120، و"فتح القدير" 5/ 117.]].

وقال الفراء: رفعها إلى السماء، ثم أهواها وأتبعهم الله بالحجارة، فذلك قوله تعالى:

53:54Page 528

فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ ٥٤

And covered them by that which He covered.1

﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 103.]]، أي: فغشاها الله وألبسها ما غشى، يعني: الحجارة في قول جميع المفسرين.

وأيهم ذكر ما غشاهم؛ لأنه ذكر ذلك في قوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: 74].

وقال ابن الأنباري [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 121، و"فتح القدير" 5/ 117.]]: تأويله فغشى الله المؤتفكات الذي غشي غيرهم من الأمم السالفة؛ لأنه قد تقدم ذكر عاد وثمود، وقوم نوح ممن أهلك بالعذاب، وكأن التأويل ما غشى الأمم السالفة، فحذف الأمم لتقدمهم وبيان معناهم.

53:55Page 528

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ٥٥

Then which of the favors of your Lord do you doubt?

قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ قال أبو إسحاق: هذا خطاب للإنسان، لما عدد الله عليه ما فعله مما يدل على وحدانيته قال: بأي نعم ربك التي تدلك على أنه واحد تتشك؛ لأن المرية الشك [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 78.]].

قال أهل المعاني: وإنما قيل بعد تعديد النقم ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ﴾؛ لأن النقم التي تحدث نعم علينا لما لنا فيها من المزاجر، مع أنه نالهم بكفر النعم [[انظر: "الكشاف" 4/ 43، و"التفسير الكبير" 29/ 25، و"فتح القدير" 5/ 117.]]، والمعنى: فبأي نعم ربك أنت أيها المخاطب تتمارى حتى تكون مقارنًا لهم في سلوك بعض مسالكهم [[في (ك): (مسالكه) والصواب ما أثبته.]]، وهذا معنى قول قتادة: بأي نعم ربك تتمارى [[(تتمارى) ساقطة من (ك).]] يا ابن آدم [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 255، و"جامع البيان" 27/ 47.]].

وقال ابن عباس: يريد تكذب يا وليد [[انظر: "الوسيط" 4/ 205.]]، يعني: الوليد بن المغيرة الذي نزل فيه قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ وهذه الآيات كلها نزلت في شأنه، إلى قوله:

53:56Page 528

هَٰذَا نَذِيرٞ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلۡأُولَىٰٓ ٥٦

This [Prophet (ﷺ)] is a warner from [i.e., like] the former warners.

﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾ يعني: محمدًا -ﷺ- ﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ من الرسول قبله.

قال قتادة: يقول أنذر محمد -ﷺ- كما أنذر الرسل من قبله [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 254.]].

قال أبو إسحاق: أي النبي -ﷺ- مجراه في الإنذار مجرى من تقدمه من الأنبياء عليهم السلام، وذكر قولًا آخر هو قول أبي مالك، ومقاتل، وهو أن يكون النذير مصدرًا بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار، والمعنى: هذا إنذار لكم كما أنذر من قبلكم وقد أعلمتم ما قص الله عليكم من حال من كذب بالرسل وما وقع بهم من الإهلاك [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 78.]]، وهذا معنى قول مقاتل، يقول: هذا خبر من خبر هلاك الأمم الخالية [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 أ.]].

53:57Page 528

أَزِفَتِ ٱلۡأٓزِفَةُ ٥٧

The Approaching Day has approached.

قوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ قال المفسرون: دنت القيامة واقتربت الساعة، وقد ذكرنا ما في هذا عند قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [[عند تفسيره لآية (18) من سورة غافر. ومما قال: يقال أزف الشيء يأزف أزفًا إذا دنا، ومنه يقال للقصير: متأزف؛ لتداني أعضائه بعضها من بعض ... قال عامة المفرين الأزفة القيامة. قال ابن عباس: أزف أمرها. وقال مقاتل: يعني: اقتربت الساعة. وهذا معني قول الضحاك سميت آزفة لقربها. قال أبو إسحاق: قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس مداها وما هو كائن قريب ... انظر: "البسيط" ص 172 بتحقيق السحيباني.]] قال أبو إسحاق والمبرد: معناه: قربت القريبة [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 78.]]، وهذا كما يقال: قتل القاتل، وضرب الضارب، والآزفة من أسماء القيامة، سميت بذلك لدنوها من الناس؛ لأن كل ما هو آت دان، وإن استبعدت.

53:58Page 528

لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ ٥٨

Of it, [from those] besides Allāh, there is no remover.

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ ذكر المفسرون فيه قولين: قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ليس أحد من شركائكم من يرد ذلك، ونحو هذا قال الضحاك: ليس من دون الله من آلهتهم كاشفة [[انظر: "الوسيط" 4/ 205، و"معالم التنزيل" 4/ 257، و"الدر" 6/ 131.]].

ومعنى الكشف في اللغة رفع الشيء عما يواريه، والمعنى على هذا القول أن القيامة إذا غشيت الخلق بشدائدها وأهوالها لم يكشفها أحد من آلهتهم، أي: أنها لا تنجيهم منها، ويدل على صحة هذا المعنى أن القيامة سميت غاشية فلما كانت في غاشية كان ردها كشفًا كما يقال في الدعاء: اللهم اكشف عنا الهموم والأحزان، والكاشفة على هذا القول نعت مؤنث محذوف على تقدير: نفس كاشفة، أو جماعة كاشفة، وهذا معنى قول قتادة: ليس لها من دون الله راد [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 20 أ، و "معالم التنريل" 4/ 257، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 122.]].

ويجوز أن تكون الكاشفة مصدرًا كالخائنة والعاقبة والعافية، فإذا قدرتها مصدرًا كان المعنى ليس لها من دون الله كشف، أي: لا يكشف عنها غيره. بمعنى لا يبديها ولا يظهرها ولا يزيل عنها ما يسترها، وهو معنى قول مقاتل: لا يكشفها أحد إلا الله، قال: يعني الساعة الله الذي يكشفها.

ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: 187] وهذا القول اختيار الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 78.]] والفراء، وهو قول الكلبي، قال: ليس لها من يكشف عن علمها إلا الله [[لم أجد هذا القول، وهو ظاهر المعنى.]]، وإذا كشف عن علمها فقد كشف عنها.

قال الفراء: وتأنيث كاشفة كقولك له: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [[في "معاني القرآن" للفراء: ما لفلان باقية، وما ذكره المؤلف هو قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [سورة الحاقة: 80].]] يريد من بقاء. والعافية والعاقبة، كل هذا في معنى المصدر [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 103.]].

53:59Page 528

أَفَمِنۡ هَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ تَعۡجَبُونَ ٥٩

Then at this statement do you wonder?

قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ قال جماعة المفسرين: يعني: القرآن.

قال أبو إسحاق: أي مما يتلى عليكم من كتاب الله تعجبون [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 78.]].

قال مقاتل: تعجبون تكذيبًا به [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب.]]، والمعنى: تعجبون من إنزاله على محمد -ﷺ- فتكذبون به كما قال: ﴿بَلْ عَجِبُوا ...﴾ الآية [ق: 2].

وقال أهل المعاني: يجوز أن يكون معنى الحديث هاهنا ما ذكر من حديث القيامة [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 27.]]، والكفار كانوا يكذبون بها ويعجبون من وقوعها، أي: وقعت عندهم يدل على هذا قوله:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском