Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
الرحمن
Ar-Rahman
The Beneficent · Medinan · 78 ayahs
﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾: قال و [[كذا في (ك)، ولعل في العبارة سقطًا.]] مقاتل: لما نزل قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: 11] قال كفار مكة: ما نعرف إلا مسيلمة، رحمان اليمامة، وهو قوله تعالى إخبارًا عنهم ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: 60] فأنكروه، فأخبر الله عن نفسه، وذكر صنعه ليعرف فيوحد فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 323، و"تفسير مقاتل" 134 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 152.]] قال صاحب النظم: قوله (علَّم) يقتضي مفعولين ولم يجيء هاهنا إلا واحد. وهذا كما يقال في الكلام: زيد أطعم الطعام، فقد يعلم أن الإطعام لا يقع إلا على من يأكل، فكذلك قوله عز وجل ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ واقع على من يلقن التعليم [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 84.]]، وهذا معنى قول الكلبي: علم القرآن محمدًا وعلمه محمد -ﷺ- أمته [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 313، و"الوسيط" 4/ 217، و"فتح القدير" 5/ 131.]].
قال أبو إسحق: ومعنى ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ يسَّره لأن يُذكر [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 95.]].
ثم نسق على هذا خبرًا آخر مؤكدًا له من غير حرف عطف وهو قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد محمدًا -ﷺ- [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 152]]. ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ قال: يريد أفصح الكلام، يعني القرآن.
والآيتان بهذا التفسير تأكيد لما قبلهما، وهذا قول ابن كيسان في الإنسان أنه محمد -ﷺ- إلا أنه قال في البيان أنه بيان ما كان وما يكون؛ لأنه -ﷺ- كان ينبئ عن الأولين والآخرين وعن يوم الدين [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 33 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 267، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 152، و"فتح القدير" 5/ 131.]].
وقال الكلبي وقتادة: الإنسان آدم -عليه السلام- علمه أسماء كل شيء، وهذا قول مقاتل [[انظر: "نفسير مقاتل" 134 ب، و"جامع البيان" 23/ 67، والثعلبي 12/ 33 ب.]].
وقال آخرون: الإنسان اسم لجنس الناس جميعًا، ومعنى ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ النطق والتمييز، والكتابة والخط، والفهم والإفهام، حتى عرف ما يقول وما يقال له، وعلم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به، وجعله مميزًا حتى انفصل الإنسان من جميع الحيوان، وهذا قول أبي العالية، ومرة، وابن زيد [[(ك): (وبرة بن زيد) وهو خطأ.]]، والحسن، والقرظي، والسدي، ويمان بن رباب. [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 33 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 266، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 152 - 153، ورجحه الرازي والألوسي وغيرهما، انظر: "التفسير الكبير" 29/ 85، و"روح المعاني" 27/ 39.]]
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
وقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ذكرنا معنى الحسبان في قوله ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [[عند تفسيره الآية (96) من سورة الأنعام. والحُسْبانُ: الحساب. قال أبو العباس: حسبانًا، مصدر كما تقول: حسبته أحسبه حسبانًا، وحسبانًا، وجعله الأخفش وأبو الهيثم: جمع حساب. انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 71، و"تهذيب اللغة" 4/ 328، و"اللسان" 1/ 629 (حسب).]]، قال جماعة المفسرين: يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 262، و"جامع البيان" 27/ 67، و"الكشف والبيان" 12/ 33 ب، أ، و"معالم التنزيل" 4/ 267.]]، والمعنى فيه أنهما يدلان على عدد المشهور والسنين وجميع الأوقات، قال أبو إسحق: وخبر الابتداء يدل عليه قوله ﴿بِحُسْبَانٍ﴾؛ لأن المعنى: يجريان بحساب [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 95.]].
وروى السدي عن أبي مالك في هذه الآية قال: لهما حساب وأجل أجل الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا [[أخرجه عبد بن حميد، وابن المنذر. انظر: "الدرر" 6/ 140، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 12/ 34 أ، والقرطبي في "تفسيره" أيضًا 17/ 153.]]، وعلى هذا معنى الحساب حساب أيام جريهما إلى الإنقضاء، والقول هو الأول. [[وهو اختيار ابن جرير، والمعتمد عند ابن كثير. انظر: "جامع البيان" 27/ 68، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 27، و"تفسير القاسمي" 15/ 5613.]]
قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ قال عامة أهل اللغة والمفسرين: النجم: النبت على الأرض ليس له ساق، والشجر: ما كان على ساق، يبقى شتاء والنجم لا يبقى على الشتاء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 112، و"مجاز القرآن" 2/ 242، و"جامع البيان" 27/ 68، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 96.]].
قال ابن الأعرابي: النجمة نبتة صغيرة وجمعها نَجْمٌ [[انظر: "اللسان" (نجم).]]، ويقال: نجم النبات إذا طلع، ونجم القرن، ونجم النجم، ونجم السن، كل ذلك بمعنى طلع، وأنشد أبو عبيدة للحارث بن ظالم [[أبو ليلى. محمد بن مرة بن ذبيان، تقدمت ترجمته.]]:
أَخُصْيَيْ حِمارٍ ظَلَّ يَكْدِمُ نَجْمةً ... أَتُؤْكَلُ جاراتي وجارُك سالمُ [[ورد البيت منسوبًا في "المفضيات" ص 313، و"اللسان" 3/ 59 (نجم)، و"المنصف" 2/ 131.]]
قال الأزهري: وإنما قال ذلك لأن الحمار إذا أراد أن يقلع النجمة من الأرض وكدمها ارتدت خصياه إلى مؤخره. [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 129 (نجم).]]
وأنشد الليث:
مُوزَرٌ بعميم النَّجْم تنسجهُ ... ريحُ الخريف لضاحي مائه حُبُكُ [[البيت لزهير بن أبي سلمى. كما في "ديوانه" ص 176، و"المحتسب" 2/ 217، و"اللسان" 3/ 59 (خبك) وفي الألفاظ بعض الاختلاف والشاهد فيه أن النجم هو نبت يمتد على وجه الأرض بلا ساق.]]
ذكر المفسرون في تفسير النجم: هو ما أنجمت الأرض، يعنون أنبتت، ولم أر لأهل اللغة أنجم، بمعنى: أنبت.
وقوله: ﴿يَسْجُدَانِ﴾ قال الفراء والكسائي: العرب إذا جمعت جمعين من غير الناس مثل السدر والنخل جعلوا فعليهما واحدًا، فتقول: السدر والنخل تنبت، والإبل والغنم مقبلة، ويجوز ينبتان ومقبلتان، والأول كلامهم، وذكر في الآية على لفظ التثنية لوفاق الفواصل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 112.]]، هذا معنى كلامهما، وقال أهل التفسير في معنى سجود النجم والشجر أنه سجود أظلالهما [[جمع الظَّلَّ: أظلال وظِلال وظلول. "اللسان" 2/ 647 (ظلل).]].
وقد ذكرنا ذلك في قوله: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [[عند تفسيره الآية (48) من سورة النحل.]].
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَالنَّجْمُ﴾ قال نجوم السماء ﴿وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ بكرة وعشيًا: وهو قول قتادة في النجم [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 639، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 262.]].
قال أبو إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 96.]]: وهذا جائز أن يكون الله أعلمنا أن النجم يسجد كما قال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ إلى قوله ﴿وَالنُّجُومُ﴾ [النحل: 12].
55:7Page 531
وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ ٧
And the heaven He raised and imposed the balance
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ قال مقاتل وغيره: رفعها فوق الأرض مسيرة خمسمائة عام وأمسكها أن تقع على الأرض [[انظر: "تفسير مقاتل" 134 ب.]].
﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ تفسير الميزان: الآلة التي يوزن بها، وفي معناه هاهنا قولان، أحدهما: أنه أريد به الميزان الذي نعرفه بيننا.
قال مقاتل: يعني الذي يزن به الناس وضعه عدلًا بينهم لينتصف بعض الناس من بعض، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك [[انظر: "تفسير مقاتل" 135 أ، و"جامع البيان" 69/ 27، و"الكشف والبيان" 12/ 34 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 267.]]، قالوا: هو الذي يوزن به ليوصل به إلى الإنصاف والانتصاف.
قال أهل المعاني: وهذا تنبيه على النعمة فيه والهداية إليه، ولولا الميزان لتعذر الوصول إلى كثير من الحقوق.
القول الثاني: أن المراد بالميزان العدل، وعبر عنه بالميزان؛ لأنه آلته.
قال عطاء عن ابن عباس: يعني العدل في الأرض بين الناس، وهو قول مجاهد [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 64، ولم أقف عليه عن ابن عباس.]].
قال أبو إسحق: الميزان هاهنا العدل؛ لأن المعادلة موازنة الأشياء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 96.]]. قال صاحب النظم: على هذا القول: تأويله أمر بالعدل يدل هذا قوله تعالى:
﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ أي لا تجاوزوا العدل.
و (أن لا تطغوا) يحتمل وجهين، أحدهما: لئلا تطغوا كقوله ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176]، والثاني: أن معنى (أن) التفسير، فيكون المعنى أن لا تطغوا كقوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: 6] [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 9، و"القرطبي" 17/ 154، و"فتح القدير" 5/ 137.]] وقد مر.
وعلى القول الأول يكون (تطغوا) في محل النصب بأن، وعلى القول الثاني يكون تطغوا جزمًا على النهي. ذكر ذلك الفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 96.]]، قال الفراء: والنهي أحب إلى؛ لقوله:
55:9Page 531
وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ ٩
And establish weight in justice and do not make deficient the balance.
﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 113.]]، وهذا أيضًا يدل على أن المراد بقوله ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ أي في الذي يوزن به، قال عطاء عن ابن عباس: يريد لا تخونوا من وزنتم له [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 155.]].
ومعنى ﴿لا تطغوا﴾ لا تظلموا ولا تنقصوا ولا تجاوزوا القدر، قاله أبو عبيدة والزجاج [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 242، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 96.]].
وقال أهل المعاني [[انظر: "الكشاف" 4/ 5.]]: إنما قيل لا تطغوا؛ لأن ما لا يضبط في الوزن موضوع عنهم ما لم يتعمدوا البخس فإذا تعمدوا فقد طغوا، وإنما قال: ﴿لا تطغوا في الميزان﴾ ولم يقل فيه بالكناية وقد سبق ذكره لكي يكون قائمًا بنفسه في النهي عنه، ولا يكون الثاني متضمنًا بالأول.
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ قال المفسرون: أقيموا لسان الميزان بالقسط، أي: بالعدل، وهو قول مجاهد والكلبي ومقاتل [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314، و"تفسير مقاتل" 135 أ، و"الدر" 6/ 141.]].
والأحسن إذا وزن أن يقيم اللسان بالقسط كما أمر الله تعالى ثم يرجح إن أراد ذلك وتبرع به، وقد روي عن علي -رضي الله عنه- أنه مر على رجل وهو يزن الزعفران وقد أرجح فكفأ الميزان ثم قال: أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت [[لم أقف عليه عن علي، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي المغيرة عن ابن عباس نحوه. انظر: "فتح الباري" 8/ 621.]].
وقوله: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: لا تنقصوا ولا تبخسوا [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314، و"جامع البيان" 27/ 7.]]. وهذا كقوله تعالى ذكره ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 3] أي ينقصون. وروى أهل اللغة: أخسرت الميزان وخسرته ومنه قراءة بلال بن أبي بردة [[هو بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قاضي البصرة، مقل، مات سنة نسِف وعشرين ومائة. انظر: "تقريب التهذيب" 1/ 19.]] ﴿وَلَا تُخْسِرُوا﴾ بفتح التاء [[انظر: "مختصر ابن خالوية" ص 149، و"الكشف والبيان" 34/ 12 ب، و"الكشاف" 4/ 5، و"البحر المحيط" 8/ 189.]]، وهذا كقوله ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: 84] [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 162، و"اللسان" 1/ 829 (خسر).]] وذكرنا معنى نقص الميزان وكيفيته في سورة هود.
قوله: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ قال الكلبي: بسطها على الماء للأمام [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314.
قال الألوسي: ثم إن كونها على الماء مبني على ما اشتهر أنه -عز وجل- خلق الماء قبلها وخلقها سبحانه من زبدة. "روح المعاني" 27/ 13.]]. قال الليث: الأنام ما ظهر على الأرض من جميع الخلق ويجوز في الشعر الأنيم [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 75 (أنم).]].
واختلف المفسرون في تفسير الأنام، فروى عكرمة عن ابن عباس ﴿لِلْأَنَامِ﴾ للناس [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 155، و"الدر" 6/ 141.]]، وعن مجاهد وقتادة والضحاك: للخلق والخلائق، وعن عطاء: لجميع الخلق.
وقال الكلبي: للخلق كلهم الذين بثهم فيها، وهذه الأقوال تدل على أن المراد با لأنام كل ذي روح، وهو قول الشعبي [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 64، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 262، و"جامع البيان" 27/ 7، و"الكشف والبيان" 12/ 35 أ.]]، وقال الحسن: للجن والإنس [[انظر:، جامع البيان" 27/ 7، و"الكشف والبيان" 12/ 34 ب، و"الدر" 6/ 141.]]، وهو اختيار أبي إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 97، قلت: ولعل الصواب أن المراد بالأنام جمع ذوات الأرواح من الجن والإنس وغيرهم، فقد روى البخاري في "صحيحه"، كتاب بدء الخلق، باب في النجوم، قال: قال ابن عباس: ﴿الأنام﴾ الخلق، وأخرجه ابن جرير في "جامعه" 7/ 17، من طريق علي بن أبي طلحة.]].
قوله: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أي في الأرض فاكهة، يعني كل ما يتفكه من ألوان الثمار. وذكر ابن عباس منها العنب والتين والخوخ والتفاح [[لم أجده.]].
﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ معنى الكم في اللغة ما ستر شيئًا وغطاه، ومنه كم القميص، ويقال للقلنسوة كمة، وأكمام الزرع: غلفها، وذكرنا ذلك عند قوله ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ [[عند تفسيره للآية (47) من سورة فصلت. وانظر: "تهذيب اللغة" 9/ 465، و"اللسان" 3/ 196 (كمم)]] قال ابن عباس: يريد الطلع [[انظر: "جامع البيان" 7/ 27، و"معالم التنزيل" 4/ 267، عن ابن زيد.]]، قال الكلبي: ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ ذات الغلف، وثمرها في غلف الكُفُرَّاه: ما لم تنشق وهي كمه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314، والكافور: وعاء الطلح قبل أن ينشق. وهو الكَفَرُ، والكُفُرَّي، والكِفِوى، والكَفَرَّى، والكُفَرَّي.]]، فإذا انشقت منها الكفراه فليست أكمامها. وقال الحسن وقتادة: أكمامها ليفها [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 262، و"جامع البيان" 27/ 7، و"الثعلبي" 12/ 35 أ.]].
قال أبو إسحق: ما غطى جمَّارهما من السعف والليف فهو من أكمام النخلة [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 97، والجُمَّارُ: بضم الجيم وفتح الميم مع تشديدها، هو جمار النخلة وهو لحمتها التي في قمة رأسها تقطع قمته ثم تكشط عن جمارة في جوفها بيضاء كأنها قطعة سنام ضخمة وهي رَحْحَةٌ تؤكل بالعسل. انظر: "اللسان" (جمر).]].
والمفسرون على أن الأكمام أوعية الثمر كما ذكرنا، قال الليث: ولكل شجرة مثمرة كم، وهو برعومه [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 466 (كمم).]].
قوله: ﴿وَالْحَبُّ﴾ قال عطاء: يريد القمح [[لم أجده.]]، وقال مقاتل والضحاك: يعني الشعير والحنطة [[انظر: "تفسير مقاتل" 135 أ، و"جامع البيان" 27/ 71.]]، وقال الكلبي: هو الحبوب كلها مما يحرث في الأرض من الحنطة والشعير وغير ذلك [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314.]].
والوجه الرفع في قوله:
55:11Page 531
فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَامِ ١١
Therein is fruit and palm trees having sheaths [of dates]
No commentary for this ayah
﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ نسقًا على قوله: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ﴾ وقرأ ابن عامر ﴿والحب ذا العصف﴾ نصبًا [[قرأ ابن عامر: ﴿والحبَّ ذا العصف﴾ بالنصب وقرأ الباقون ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ انظر: "حجة القراءات" ص 69، و"النشر" 2/ 38، و"الإتحاف" ص 45.]]، حمله على قوله ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾ مثل خلقها للأنام، وخلق الحب ذا العصف.
واختلفوا في تفسير العصف، فقال الليث: العصف ما على حب الحنطة ونحوها من قشور التبن، قال: والعصف أيضًا ما على ساق الزرع من الورق الذي يبس فيتفتت، كل ذلك من العصف [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 41، و"اللسان" 2/ 796 (عصف).]].
وقال الفراء: العصف: بقل الزرع، يعني أول ما ينبت منه وهو ورق بعد، قال: والعرب تقول: خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه شيئًا قبل إدراكه فذلك العصف [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 113.]].
وقال النضر: يقال: عصفنا الزرع نعصفه، أي: جززنا ورقه ليكون أخف للزرع، وإن لم يفعل مال بالزرع. [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 41 (عصف).]]
وقال ابن عباس: العصف والعصيفة ورق السنبل. [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 157 ونسبه للهروي.]]
وقال أبو إسحق: العصف ورق الزرع، ويقال للتبن عصف وعصيفة، وأنشد أبو عبيدة:
يُسقي مذانبَ قد مالتْ عَصيفَتُها ... حدودها من أتيّ الماء مطموم [[البيت لعلقمة بن عبدة، والمذانب الجداول التي يسيل فيها الماء، وطَمَّ الماء يَطِمُّ طَمًّا وطُمُومًا. علا وغمر، وكل ما كَثُرَ وعَلا حتى غَلَب فقد طَمَّ يَطِمُّ.
انظر: "ديوان علقمة" ص 117، و"مجاز القرآن" 2/ 242، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 97، و"جامع البيان" 27/ 71، و"اللسان" 1/ 18 (ذنب)، 2/ 615 (طم)، 2/ 796 (عصف).]]
فحصل من هذا الأقوال أن العصفَ ورق الزرع، ثم إذا يبس وديس صار تبنًا. وعلى هذا يدور كلام المفسرين.
قال مجاهد: هو ورق الزرع، وهو قول مقاتل، وابن عباس في رواية الكلبي والعوفي [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314، و"تفسير مقاتل" 135 أ، و"جامع البيان" 27/ 71.]].
وقال قتادة: ﴿الْعَصْفِ﴾ التبن، وهو قول الضحاك، ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 262، و"جامع البيان" 27/ 71، و"الكشف والبيان" 12/ 35 أ.]].
وروى السدي عن أبي [[في (ك): (ابن).]] مالك قال: هو أول ما ينبت [[انظر: "صحيح البخاري"، كتاب التفسير، سورة الرحمن، 6/ 18.، قال: وقال أبو مالك: العصف أول ما ينبت. قال ابن حجر: وليس له -أي لابن مالك- في البخاري إلا هذا الموضع. "فتح الباري" 8/ 621، و"جامع البيان" 27/ 71، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك.]].
قال ابن كيسان: العصف: ورق كل شيء خرج منه الحب يبدو أولًا ورقًا، ثم يكون سوقًا، ثم يحدث الله فيه أكمامًا، ثم يحدث في الأكمام الحب [[انظر: "الوسيط" 4/ 218، و"معالم التنزيل" 4/ 268، و"فتح القدير" 5/ 132.]].
قوله تعالى: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ قال أبو زيد: الريحان كل بقلة طيبة الريح، يقال للطاقة منها ريحانة، سميت ريحانة: لأن الإنسان يراح له رائحة طيبة إذا مسها، أي يدركها. قال: رحت الشيء أراح إذا أردت رائحته وهو فَعْلان من الرائحة والريح، وأصل الياء فيه واو قلبوها ياء فرقًا بينه وبين الروحان، وهو شيء له روح، ويقال: شيء ريحاني وروحاني، حكاهما ابن الأعرابي، وما يتركب من الراء والواو والحاء كثير، والأصل في ذلك الحركة والاهتزاز فالرائحة فاعلة من راحت الريح تروح روحانًا إذا تحركت، ذكر هذا كله أبو القاسم الزجاجي.
وقال أبو علي: ويجوز أن يكون الريحان فَيْعِلانا، والعين محذوفة كأنه كان في الأصل ريوحان فلما اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون أدغم أحدهما في الآخر فقيل ريحان، ثم خفف كما قلنا في سيد وميت وهين [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 245 - 246، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 157.]].
قال أبو القاسم: وسمت العرب الرزق ريحانا؛ لأن الإنسان يرتاح له [[كذا في (ك)، ولم تتبين ليّ.]] ويقوى به روحه، واللغة العرفية في الريحان أنه يطلق على ما له رائحة من الأنوار، وقال أبو عبيدة: الريحان الحب الذي يؤكل، ومنه يقال: سبحانك وريحانك، أي: رزقك، وأنشد للنمر بن تولب:
سلام الإله وريحانُه ... ورحمتُه وسماءٌ دِرَرْ [[انظر: "المنصف" 2/ 11، و"مجاز القرآن" 2/ 243، و"تفسير غريب القرآن" ص 437، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 97، و"اللسان" 1/ 1247 (روح).]]
وقال الفراء: والريحان في كلام العرب: الرزق، تقول: خرجنا نطلب ريحان الله ورزقه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 113 - 114.]].
وقال أبو إسحق: والعرب تقول: سبحان الله وريحانه.
قال أهل اللغة: واسترزاقه، وأنشد بيت النمر، قال: معنى ريحانه: رزقه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 97.]].
قال مجاهد: الريحان الرزق. وهو رواية عكرمة والكلبي عن ابن عباس [[اظر: "تفسير مجاهد" 2/ 64، و"جامع البيان" 27/ 71، و"الكشف والبيان"
12/ 35 أ، و"صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، سورة الرحمن 6/ 73، قال: وقال مجاهد: العصف ورق الحنطة، والريحان الرزق.]].
قال المقاتلان: هو بلغة حمير [[انظر: "تفسير مقاتل" 135 أ، و"الكشف والبيان" 12/ 25 أ، ونسبه لمقاتل بن حيان.]].
وقال الحسن وابن زيد: هو ريحانكم الذي يشم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 71، و"الكشف والبيان" 12/ 35 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 268.]].
واختلفوا في إعراب (الريحان) فقرأ الأكثرون بالرفع على معنى: وفيها الحب والريحان، وقرأ حمزة والكسائي بالخفض حملًا على (ذو) كأنه والحب ذو العصف وذو الريحان، أي: من الحب الرزق، وأريد بالريحان الرزق إذا خرج وخلص من لفائفه وهو رزق للناس، والعصف رزق للدواب، فذكر قوت الناس والأنعام كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: 53] وقال: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: 73، عبس: 32] فكذلك العصف يختص بأنه رزق الأنعام، والريحان يعم الأناسي وغيرهم، ولا يجوز على هذه القراءة أن يكون الريحان المشموم [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 245 - 246.]]، واختار أبو عبيد هذه القراءة. قال: لأن الريحان في التفسير الرزق، والعصف الورق فيكون المعنى أن الحب ذو ورق ورزق، ومن رَفع الريحان على الابتداء صار التأويل في الحب أنه ذو ورق لا غير، ولا أحب هذا المعني.
قال المبرد: الذي قال أبو عبيد يجوز، ولكن فيه بعد؛ لأن الحب هو الرزق نفسه ليس غيره فيبعد أن يقال للرزق ذو الرزق، إلا أن يحمل على ما قال مقاتل أن الريحان الرزق بلغة حمير، وهو ما يخرج من الحب من دقيق أو سويق أو غيره، قال: والوجه الرفع في الريحان؛ لأنه إن أريد بالريحان الرزق كان المعنى فيها: الحب ذو العصف: أي: الذي معه ورقه، وتم الكلام ثم قال: ﴿الرَّيْحَانُ﴾ أي الرزق المنفرد، وإن أريد بالريحان المشموم، ولذلك فهذه القراءة تحتمل القولين في تفسير الريحان.
قال: والظاهر أن الريحان في هذا الموضع هو الذي يشم؛ لأن الريحان إذا جاء مطلقًا وقع على ما يشم، وهذا هو الأحسن في التفسير، لأنه لما قيل: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ كان ذلك جامعًا لأكثر المأكولات ثم ذكر بعدها ما يشم مما يخرج من الأرض؛ لأن النعمة على الناس عظيمة جليلة في المأكول والمشموم، والريحان إذا جاء بلا دليل انطلق على المشموم لأنه اسمه الخاص، وإذا عني بالريحان الرزق احتيج إلى أن يكون في الكلام ما يدل عليه كما قال سيبويه، يقال: سبحان الله وريحانه. تقديره: تسبيحًا واسترزاقًا [[انظر: "الكتاب" 1/ 322.]].
وقرأ ابن عامر: (والريحانَ) نصبًا اتباعًا لقوله: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ على قراءته [[قرأ ابن عامر ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ بالنصب، وقرأ حمزة والكسائي وخلف ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ في بخفض النون. وقرأ الباقون برفع النون ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾. انظر: "حجة القراءات" ص 69، و"النشر" 2/ 38، و"الإتحاف" ص 45.]].
قال أبو علي: وانتصب ريحان فيما حكاه سيبويه انتصاب المصادر، وذكرنا في وزنه قولين، فإن قلنا وزنه فيعلان كان هذا اسمًا موضوعًا موضع المصدر؛ لأنه ليس في أبنية المصادر شيء على هذا الوزن فيكون كقولهم: تربا وجندلًا، ونحو ذلك مما وضع موضع المصادر، أو يجعله مصدرًا اختص به المعتل كما اختص بكينونةٍ [[قال ابن منظور: وكان الخليل يقول: كيْنونة فيعولة هي في الأصل كيونونة، التقت منها ياء وواو والأولى منهما ساكنة فصيرتا ياء مشددة مثل ما قالوا الهيّن من هُنْتُ، ثم خففوها فقالوا: كينونة كما قالوا: هَيْنٌ لَيْنٌ، انظر: "اللسان" 3/ 316 (كون).]] وإن جعلته فعلًا بيكون مثل الكيان وليس هذا كما لزمه الانتصاب من المصادر نحو معاذ الله وسبحان الله ألا ترى أنه قد جاء مرفوعًا في بيت النمر ومجرورًا في قراءة حمزة [[تقدم توثيقها، وانظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 246.]].
قال أبو إسحق: وقد ذكر الله -عز وجل- في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان وتعليم البيان ومن خلق الشمس والقمر والسماء والأرض.
ثم خاطب الجن والإنس فقال:
55:13Page 531
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣
So which of the favors of your Lord would you deny?1
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة؛ لأنها كلها مُنعم بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته وفي رزقه إياكم ما به قوامكم والوصلة إلى حياتكم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 98.]]. وتقدم الكلام في تفسير الآلاء في سورة الأعراف [[عند تفسيره الآية (69) من سورة الأعراف وآلاء: النعم، واحدها أَلىّ بالفتح، وإليٌّ، وإلى. "اللسان" (ألا).]]، قال الكلبي: فبأي آلاء ربكما يريد الإنس والجن [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314]].
فإن قيل: على هذا إنما تقدم ذكر الإنس في قوله ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ ولم يجر للجن ذكر حتى يدخل في الخطاب، والجواب عن هذا ما ذكره الفراء قال: العرب تخاطب الواحد بفعل الاثنين فيقال: ارجلاها وازجراها [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 114، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 16.]] وقد ذكرنا هذا عند قوله ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ وهذا الوجه اختيار ابن الأنباري.
وقال صاحب النظم: خاطب الجن مع الإنس، وإن لم يجر لهم ذكر كما أن يكنى عن الشيء، وإن لم يجر له ذكر كقوله تعالى ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [[من آية (32) من سورة ص، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 158.]].
وذكر الأزهري قولين آخرين: أحدهما: أنه قد جرى ذكر الأنام وهحناه الجن والإنس، والثاني: أن الله تعالى خاطبهما قبل ذكرهما ثم ذكرهما معا بعقب الخطاب، وهو قوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ كما قال المثقب العبدي [[هو عائذ بن محصن بن ثعلبة، أبو عَدِيّ الملقب المثقَّب. من بني نُكْرَة. تقدمت ترجمته. والأبيات وردت في "مغني اللبيب" وشرح شواهده للسيوطي / 69، و"شرح المفصل" 9/ 138، و"المفضليات" ص 292، و"شرح شواهد الشافعية" ص 188.]]:
وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
فقال أيهما، ولم يجر للشر ذكر إلا بعد تمام البيت الثاني [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 58 (نأم).]].
وهذا الوجه معنى قول أبي عبيدة والكسائي [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 243.]].
وأما معنى تكرير هذه الآية في هذه السورة فقال أصحاب المعاني: معنى التكرير التقرير بالنعمة عند ذكرها على التفصيل نعمة نعمة، كأنه قيل: بأي هذه الآلاء تكذبان، ثم ذكرت آلاء أخر، واقتضت من التقرير بها ما اقتضت الأولى ليتأمل كل واحدة في نفسها وفيما تقتضيه صفتها وحقيقتها التي تنفصل بها من غيرها.
وشرح ابن قتيبة هذه الجملة شرحًا شافيًا فقال: إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه وذكّر عباده آلاءه، ونبههم على قدرته ولطفه بخلقه، ثم أتبع ذكر كل خلة وصفها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ليفهمهم النعم، ويقررهم بها، وهذا كقولك لرجل أحسنت إليه دهرك وتابعت عليه الأيادي وهو في ذلك ينكرك ويكفرك: ألم أبوئك منزلًا وأنت طريد أتنكر هذا؟ ألم أحجج بك وأنت صرورة؟ ألم أحملك وأنت راجل؟ أفتنكر هذا [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 35 ب، 34 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 16، و"فتح القدير" 5/ 133، والصرورة الذي لم يحج.]]؟
وقال صاحب النظم: إن من عادة العرب الإيجاز والاختصار في بعض الأماكن والإشباع والتوكيد في بعض، والتكرير والإعادة إذا أرادوا الإبلاغ بحسب العناية بالأمر كما قال الحارث بن عباد [[الحارث بن عباد البكري، كان من حكام ربيعة وفرسانها المعدودين، ولد له عقب. توفي سنة 55 م. انظر: "الشعر والشعراء" ص 262، و"الكامل" 2/ 231، و"الأغاني" 5/ 4، و"الخزانة" 1/ 225، و"الأعلام" 2/ 156، والبيت ورد في "الحيوان" 1/ 22، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 27، و"المنصف" 3/ 59.]]:
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل من حيال
وكرر ذكر قول (قربا مربط النعامة) في رؤوس أبيات كثيرة عناية بالأمر، وإرادة للإبلاغ في التثنية والتحذير وكذلك الجعفي [[مرثد بن أبي حمران الجعفي، ولكنى أبا حمران. شاعر جاهلي. انظر: "الاشتقاق" ص 243، و"المؤتلف" ص 47، البيت ورد في "الأصمعيات" ص 142، ولفظه: وكتيبة وجهتها لكتبه حتى نقول سرائهم هذا الفتى.]] في قصيدته التي يقول فيها:
وكتيبة لبستها بكتيبة حتى ... تقول نساؤهم هذا فتى فكرر هذه الكلمة في رؤوس أبيات منها، لأنه ذهب مذهب الحارث ابن عباد في العناية والتأكيد، وقال غيرهما:
كم نعمة كانت لكم ... كم كم وكم [[ورد البيت في "تأويل مشكل القرآن" ص 236، و"أمالي المرتضى" 1/ 84، و"الصباحي" ص 177، ولم ينسب لقائل.]]
فكرر كم في بيت واحد أربع مرات تأكيدًا لفرط العناية بهذه الكلمة، فكذلك قوله -عز وجل- ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)﴾، وقوله في ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [[[القمر: 17، 22، 32، 40، 51].]]، وقوله ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [[[المرسلات: 15، 19، 24، 28، 34، 37، 40، 45، 47، 49].]] جاء هذا كله في التكرير والإعادة في الإبلاغ والتوكيد؛ لأنها كلها تحرير وتذكير وتنبيه [[قلت: كلام الجرجاني هذا توضيح وبيان لما قاله أهل المعاني، وشرحه ابن قتيبة. وانظر: "روح المعاني" 27/ 97.]].
55:14Page 531
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ ١٤
He created man from clay like [that of] pottery.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ تقدم تفسيره في سورة الحجر [[عند تفسيره الآية (26) من سورة الحجر. والصلصال من الطين ما لم يجعل خزفاً، سمي به لتصلصله. والصلصال الطين اليابس الذي لم تصبه النار، فإذا مسته النار فهو حينئذٍ فخار. "اللسان" 2/ 467 (صلل).]].
قال أبو إسحاق: اختلفت الألفاظ فيما بدأ منه خلق آدم فقيل في موضع: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59]، وفي آخر ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: 11]، وفي آخر ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: 26]، وفي آخر من صلصال، وهذه الألفاظ راجعة في المعنى إلى أصل واحد، وهو التراب الذي هو أصل الطين، أعلم الله -عز وجل- أنه خلق آدم من تراب جعل طينًا، ثم انتقل فصار كالحمأ المسنون، تم انتقل فصار صلصالًا كالفخار [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 98.]]. فهذا كله أصله التراب وليس في شيء ينقض بعضه بعضا، قال أبو عبيدة: والفخار ما طبخ بالنار [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 243.]]، وقال المبرد: الفخار الخزف، كأنه والله أعلم طين من يبسه كالخزف [[انظر: "الوسيط" 4/ 22، و"فتح القدير" 5/ 133.]].
55:15Page 531
وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ ١٥
And He created the jinn from a smokeless flame of fire.
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ تفسير الجان قد سبق في سورة الحجر [[عند تفسيره لآية (27) من سورة الحجر. وجَنَّ الشي يجنه جناً ستره. وكل شيء ستر عنك فقد جن عنه، والجّانُّ: أبو الجن، خلق من نار ثم خلق منه نسله.
والجانُّ: الجنُّ. وهو اسم جمع كالجامل والباقر. انظر: "اللسان" 1/ 517 (جنن).]]، قال أبو عبيدة: مارج من خلط [[(ك): (خالص) وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 243.]] من نار.
وقال الليث: المارج من النار: الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 71، و"اللسان" 3/ 461 (مرج).]].
واختلف المفسرون في المارج فذكر الكلبي أنه نار لا دخان لها، منها تكون الصواعق [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 315.]]، والأكثرون قالوا إنه الصافي من لهب النار، وهو قول ابن عباس ومقاتل وعكرمة ومجاهد، قالوا: إنه اللهب الذي يعلو النار فيختلط بعضه ببعض أحمر وأصفر وأخضر [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 64، و"تفسير مقاتل" 135 أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 232، و"جامع البيان" 27/ 74، و"الكشف والبيان" 12/ 36 أ.]].
قال المبرد: المارج كل ما أرسلِ غير ممنوع [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 161، و"فتح القدير" 5/ 133.]]، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ في سورة الفرقان [[عند تفشره الآية (53) من سورة الفرقان.]] وقوله: ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ في سورة ق.
والمارج معناه في اللغة: المرسل والمختلط [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 71، و"اللسان" 3/ 461، (مرج).]]، وكلاهما يحسن في صفة لهب النار وهو فاعل بمعنى مفعول كقوله -عز وجل- ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] و ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21، القارعة: 7] والمعنى: ذو مرج [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 161.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences