Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Ar-Rahman 55:56–78
55:56Page 533
فِيهِنَّ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ ٥٦
In them are women limiting [their] glances,1 untouched2 before them by man or jinnī -
وقوله ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي حور ونساء قاصرات الطرف، وقد تقدم تفسيرها عند قوله ﴿وَعِندَهُم قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [[انظر: "جامع البيان" 27/ 87، و"الكشف والبيان" 12/ 44 ب، و"البغوي" 4/ 275.]].
قال ابن عباس: قصرت طرفها على زوجها فلا ترى أن خلقًا أكرم على الله منه ولا أجمل ولا أحسن [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 247.]]، وقال ابن زيد: إنها لتقول لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك فالحمد لله الذي جعلني زوجك وجعلك زوجي.
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ قال أبو عبيدة: لم يمسهن، يقال: ما طمث هذا البعير حبل قط أي ما مسه.
ونحو ذلك أخبرني العروضي [[هو أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي الصفار، تقدمت ترجمته.]] عن الأزهري قال: أخبرني المنذري، عن ابن فهم، عن محمد بن سلام، أنه سأل يونس عن قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ فقال: تقول العرب هذا جمل ما طمثه حبل قط أي لم يمسه [[انظر: "اللسان" 2/ 612 (طمث) ذكر المعنى ولم يورد الرواية، ولم أقف عيها في "تهذيب اللغة".]].
وروى سلمة عن الفراء قال: الطمث الافتضاض، وهو النكاح بالتدمية، والطمث هو الدم، وفيه لغتان: طَمَثَ يَطْمُثُ ويَطْمِثُ [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 119، و"اللسان" 2/ 612 (طمث).]]. وقال الليث: طمثت الجارية إذا افترعتها، والطامث في اللغة هي الحائض، قال أبو الهيثم: يقال للمرأة طمثت تطمث أي أدميت بالافتضاض، وطَمَثَتْ على فعلت تطمث، إذا حاضت أول ما تحيض وهي طامث، وقال في قول الفرزدق [[انظر: "ديوان الفرزدق".]]:
خرجن إليّ لم يطمثن قبلي ... وهن أصحُّ من بيض النعامِ
أي: لم يمسسن [[انظر: "اللسان" 2/ 612 (طمث).]].
قال المفسرون: لم يطأهن ولم يغشهن ولم يجامعهن، هذه ألفاظهم [[وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس وعكرمة وابن زيد والكلبي وغيرهم. == انظر: "جامع البيان" 27/ 87، و"الكشف والبيان" 12/ 44 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 275، و"زاد المسير" 8/ 122.]]، وهم مختلفون في هؤلاء فبعضهم يقول: هن اللواتي أنشئن في الجنة من حورها وبعضهم يقول يعني نساء الدنيا أنشئن خلقًا آخر أبكارًا كما وصفن.
قال الشعبي: نساء من نساء الدنيا لم يمسسن منذ أنشئن خلقًا [[أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر.
انظر: "الدر" 6/ 148، و"معالم التنزيل" 4/ 275.]].
وقال مقاتل: لأنهن خلقن في الجنة [[قاله مقاتل ومجاهد. انظر: "تفسير مقاتل" 136 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 181.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: هن الآدميات اللاتي متن أبكارًا [[لم أقف عليه.]].
وقال الكلبي: لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان [[انظر: "الوسيط" 4/ 227، و"معالم التنزيل" 4/ 275، و"روح المعاني" 27/ 119.]].
قال أبو إسحاق: وفي هذه الآية دليل أن الجني يغشى كما أن الإنسي يغشى [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 103.]]، وهذا مذهب ضمرة بن حبيب [[هو ضمرة بن حبيب بن صهيب الزُبيدي، أبو عتبة الحمصي، ثقة، مات سنة ثلاثين ومائة، أخرج له الجماعة. انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 464، و"تقريب التهذيب" 1/ 374، و"تهذيب التهذيب" 4/ 459.]] سئل: هل للجن من ثواب؟ فقال: نعم، وقرأ هذه الآية. ثم قال: الإنسيات للإنس، والجنيات للجن [[انظر: "جامع البيان" 27/ 88، و"الكشف والبيان" 12/ 45 أ، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 278، و"الدر" 6/ 148.]].
وقال مجاهد في هذه الآية: إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه [[انظر: "جامع البيان" 27/ 88، و"الكشف والبيان" 12/ 44 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 181.]].
والضمير في قوله: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ للمعنيين بقوله ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وهم أزواج هؤلاء النسوة.
55:57Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٧
So which of the favors of your Lord would you deny? -
No commentary for this ayah
قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ قال عامة المفسرين [[وممن قال بهذا عمرو بن ميمون، والحسن، وقتادة، وابن زيد، والسدي، ومقاتل. انظر: "تفسير مقاتل" 136 أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 265، و"جامع البيان" 27/ 88، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 278.]]: أراد صفاء الياقوت في بياض المرجان، شبههن في صفاء اللون وبياضه بالياقوت والمرجان، يدل على هذا ما قال عبد الله: إن المرأة من نساء أهل المجنة لتلبس عليها سبعين حلة من حرير فيرى بياض ساقيها من ورائهن، ذلك بان الله يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ألا وإن الياقوت حجر لو جعلت فيه سلكًا ثم استصفيته نظرت إلى السلك من وراء الحجر [[أخرجه الترمذي في صفة الجنة، باب في صفة نساء أهل الجنة، وابن جرير في "تفسيره" 27/ 88، وابن أبي حاتم، كما ذكر ابن كثير في "تفسيره" 4/ 278، وغيرهم، عن ابن مسعود عن النبي -ﷺ- كلهم من طريق عبيدة بن حميد عن عطاء بن السائب، وأخرجه الترمذي وابن جرير من طرق أخرى، وفيها عطاء بن السائب موقوفاً. وقال الترمذي: هو أصح، وعطاء بن السائب اختلط في آخر عمره. وذكر الطحاوي أن حديثه الذي كان منه قبل تغيره يؤخذ من أربعة لا من سواهم وهم شعبة وسفيان الثوري وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد. انظر: "الكواكب النيرات" ص 325.
وهذا الحديث ليس من طريق هؤلاء، وهو ضعيف بهذا الإسناد. وفي معناه ورد == أحاديث صحيحة منها ما أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة، وأنها مخلوقة، 4/ 141، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها. والله أعلم. وانظر: "العظمة" 3/ 1082 - 1083.]].
55:59Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٩
So which of the favors of your Lord would you deny?
No commentary for this ayah
55:60Page 533
هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ ٦٠
Is the reward for good [anything] but good?
قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ هذا استفهام معناه النفي، أي: ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة، قاله الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 103.]].
قال ابن عباس: هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد -ﷺ- إلا الجنة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 325، و"الوسيط" 4/ 227، و"معالم التنزيل" 4/ 276.]]، وقال مقاتل: هل جزاء التوحيد إلا الجنة [[انظر: "تفسير مقاتل" 136 ب.]].
وقال السدي: هل جزاء الذين أطاعوني في الدنيا إلا الكرامة في الجنة [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 46 أ.]].
هذا معنى قول الجميع [[قال الرازي: وفيه -أي الآية- وجوه كثيرة حتى قيل: إن في القرآن ثلاث آيات في كل آية منها مائة قول. ومنها هذه الآية.
انظر: "التفسير الكبير" 29/ 131.]]، وروي هذا المعنى مرفوعًا رواه ابن عمرو وابن عباس أن رسول الله -ﷺ- قال في هذه الآية: "يقول الله تعالى: هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلا أن أسكنه جنتي وحضرة قدسي برحمتي" [[رواه ابن جرير في "تفسيره" 27/ 89، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 123، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 276، قال محقق "زاد المسير": رواه البغوي في تفسيره وفي إسناده ضعف. وقال السيوطي في "الدر" 6/ 148: أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ- ... وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 278، والألفاظ تختلف عما ذكره المؤلف. وطريقته كما هو معلوم الرواة بالمعنى، ولكثرتها لم أتطرق إلى ذكر الاختلاف فيها، والله أعلم.]].
55:61Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦١
So which of the favors of your Lord would you deny?
No commentary for this ayah
55:62Page 533
وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ٦٢
And below them both [in excellence] are two [other] gardens -
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ قال ابن عباس: يريد أدنى من الأوليين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 325، و"معالم التنزيل" 4/ 276.]]. قال ابن جريج: هي أربع: جنتان للمقربين السابقين كما وصفنا وجنتان لأصحاب اليمين والتابعين [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 46 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 276، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 183.]] كما وصفنا فيما بعد. ونحو هذا قال مقاتل [[انظر: "نفسير مقاتل" 137 أ.]]، وهو قول أكثر المفسرين أن هاتين دون الأوليين في الفضل، ذكر ذلك ابن زيد والكلبي وغيرهما [[انظر: "جامع البيان" 27/ 89، و"الكشف والبيان" 12/ 46 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 276.]].
وذهب الضحاك إلى ضد ما ذكر هؤلاء فقال: الجنتان الأوليان من ذهب وفضة، والآخريان من ياقوت وزمرد، وهما أفضل من الأوليين [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 276، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 184.]].
وعلى هذا قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ أي ومن أمامهما وقبلهما وهو قول الكسائي وذكرنا معاني (دون) عند قوله: ﴿شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 23].
55:63Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٣
So which of the favors of your Lord would you deny? -
No commentary for this ayah
ثم نعتهما فقال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال أبو عبيدة: من خضرتهما قد اسودتا من الري [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246.]]. قال أبو إسحاق: وكل نبت اخضر، فتمام خضرته وريّه أن يضرب إلى السواد [[انظر: "معانى القرآن" 5/ 103.]].
ومعنى الدَّهْمَةَ في كلام العرب السواد، يقال: أدهم بيّن الدهمة وادْهامَّ ادْهيمامًا، وقال الليث: ادْهامَّ الزرع إذا علاه السواد رِيًّا [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 224، و"اللسان" 1/ 1026 (دهم).]].
قال ابن عباس: شديد الخضرة إلى السواد [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 184.]].
وقال الكلبي: خضراوان قد علاهما سواد من شدة الخضرة والري [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 325، و"معالم التنزيل" 4/ 276.]]، وهذا معنى قول الجميع، والأصل في ذلك أن الخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد، وسميت العرب الأخضر أسود والأسود أخضر، قال ابن الأعرابي: الخضرة عند العرب سواد، وأنشد القطامي:
يا ناق خُبِي خَبَبَاَ زِوَرَّا ... عارضي الليلَ إذا ما اخْضَرَّا
ومنه قيل لليل المظلم أخضر، قال ذو الرمة:
في ظِلّ أخضر يَدْعُو هامَة البُومُ [[وصدره:
قد أعْسِفً النازحَ المجهولَ مَعْسِفُهُ
وانظر: "الديوان" 1/ 401، و"الحيوان" 6/ 175، و"تهذيب اللغة" (خضر).
والعسف: ركوب الأمر بلا تدبير ولا روية 7/ 99 ورواية الديوان:
في ظل أعصف يدعو هامهُ اليوم]]
ومن هذا يقال أباد الله خضراءهم أي سوادهم هذا في الأسود الذي وصف بالخضر، وأما الأخضر الذي وصف بالسواد فهو قول ذي الرمة أنشده ابن قتيبة في تفسير هذه الآية يصف غيثًا:
كسا الأكم بهمى غَضَّةَ حَبَشِيَّةً ... توامًا ونُقعانُ الظَّهورِ الأقارعِ [[البيت في "ديوانه"، و"اللسان" 3/ 66 (قزع).
والبُهمى: نبت تجد به الغنم وجدًا شديدًا ما دام أخضر، والقعان: جمع (نقع) وهو مجتمع الماء. والظهور القوارع: الأراضي المرتفعة الشديدة الصلبة.]] فجعلها حبشية لما اشتدت خضرتها [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 442 - 443.]]. وكذلك قوله أيضا أنشد أبو علي في تفسير هذه الآية:
حواء قرحاء أَشْرَاطِيَّةُ وكفت ... فيها الذَهابُ وَحَفَّتْها البراَعِيمُ [[انظر: "الكامل" 3/ 36.]]
يصف روضة بشدة الخضرة فجعلها حواء.
قال أبو علي: وعلى ضد هذا وصف الجدب البياض فقيل سنة شهداء من ذلك قول أوس:
علي دبر الشهر الحرام بأرضنا ... وما حولها جدب سنون تلمع [[تقدم تخريجه.]]
فقوله: تلمع؛ معناه أنه لا خصب فيها ولا نبات.
55:65Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٥
So which of the favors of your Lord would you deny?
No commentary for this ayah
وقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ قال أبو عبيدة: فوارتان. قال الليث: النضخ فور الماء من العين [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 111 (نضخ).]]. وقال المبردت النضاخة الرفاعة بالماء.
واختلفوا في الذي تنضخ به العينان، فقال عطاء عن ابن عباس وابن مسعود وأنس: تنضخ على أولياء الله المسك والعنبر والكافور، وفي دور أهل الجنة كما ينضخ طش المطر [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 46 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 276، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 185.]]، وقال الحسن وعطاء الخراساني: تنبعان ثم تجريان [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 46 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 185.]]، وهو قول سعيد بن جبير، وزاد فقال: نضاختان بالماء وألوان الفواكه [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 185، و"الدر" 6/ 15.]].
وقال الكلبي: نضاختان بالخير والبركة على أهل الجنة، وهو قول قتادة ومقاتل والضحاك [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 325، و"تفسير مقاتل" 137 أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 266، واختار الطبري قول من قال بأن المراد تنضخان بالماء؛ لأنه المعروف بالعيون إذ كانت عيون ماء. "جامع البيان" 27/ 91، وأخرج البخاري عن ابن عباس في قوله ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ قال فياضتان. "صحح البخاري"، كتاب: التفسير، سورة الرحمن 6/ 181. قلت: ولا تعارض بين ما رواه البخاري، وما رجحه ابن جرير؛ لأن الماء هو مصدر الخير كله والله أعلم.]].
55:67Page 533
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٧
So which of the favors of your Lord would you deny?
No commentary for this ayah
55:68Page 534
فِيهِمَا فَٰكِهَةٞ وَنَخۡلٞ وَرُمَّانٞ ٦٨
In both of them are fruit and palm trees and pomegranates.
قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ قال المفسرون: يعني ألوان الفاكهة وألوان الرمان.
قال ابن عباس: والرمانة مثل جلد البعير المقتب [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 47 أ، من رواية أبي هارون العبدي عن أبي سعيد، عن النبي -ﷺ- وأبو هارون اسمه عمارة بن حديث، ضعيف جدًّا، و"تخريجات العراقي لإحياء علوم الدين" 4/ 542، وذكره القرطبي 17/ 186، وابن كثير في 4/ 279، من حديث أبي سعيد الخدري يرفعه، ونسبا تخريجه لابن أبي حاتم.]]، وثمر النخلة والرمان من جملة الفاكهة غير أنهما ذكرا على التفصيل للتفضيل فأخرجا من الجملة بالذكر كقوله ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238] فأعاد الوسطى بعد أن ذكرها في الجملة تشديدًا لها. كذلك أعيد النخل والرمان ترغيبًا لأهل الجنة هذا قول الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 119.]].
وقال أبو إسحاق: قال يونس النحوي -وهو يتلو الخليل في القدم والحذق- أن الرمان والنخل من أفضل الفاكهة، وإنما فصل بالواو لفضلهما، واستشهد في ذلك بقوله جل وعز ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] قال فصل بالواو لفضلهما [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 103.]].
وغلط أهل العراق حين لم يجعلوا الحالف أن لا يأكل الفاكهة حانثا بأكل الرمان والتمر وظنوا أنهما لما ذكرا بعد الفاكهة ليسا من الفاكهة [[قال أبو حنيفة وأبو ثور: وحجتهم أن المعطوف يغاير المعطوف عليه، وخالفهم في ذلك الجمهور من الفقهاء وأهل اللغة. انظر: "المغني" 13/ 591 - 592.]] وهو خلاف قول جميع أهل اللغة ولا حجة لهم في الآية.
قال الأزهري: ما علمت أحدًا من العرب قال في النخيل والكُروم وثمارها إنها ليست من الفاكهة، وإنما قال من قال ذلك لقلة علمه بكلام العرب وعلم اللغة وتأويل القرآن العربي المبين، والعرب تذكر أشياء جملة ثم تخص شيئًا منها بالتسمية تنبيهًا على فضل فيه، قال الله -عز وجل-: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَمِيكَالَ﴾ فمن قال إنهما ليسا من الملائكة لإفراد الله إياهما بالتسمية فهو كافر، ومن قال: إن ثمر النخل والرمان ليس من الفاكهة لإفراد الله إياهما بالتسمية بعد ذكر الفاكهة فهو جاهل، هذا كلامه [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 25 (فكه).
قلت: غفر الله للأزهري في كلامه هذا، إن كان ينبغي له وهو أهل فضل وعلم أن يعرف لأهل الفضل فضلهم فأصحاب هذا القول -رحمهم الله- وإن جانبهم الصواب فيه، فلهم من السبق والرسوخ ما يرفع من قدرهم ومكانتهم عند من جاء بعدهم، عفا الله عن الجميع وجمعنا وإياهم في جنته.]].
55:69Page 534
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٩
So which of the favors of your Lord would you deny?
No commentary for this ayah
قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ يعني في الجنان الأربع التي جرى ذكرهما [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 120، و"الكشف والبيان" 12/ 47 أ، ونسبه للكسائي، و"جامع البيان" 27/ 91.
وقال الشوكاني: قيل: وهذه الصفة عائدة إلى الجنان الأربع، ولا وجه لهذا فإنه قد وصف نساء الجنتين الأوليين بأنهن قاصرات الطرف كأنهن الياقوت والمرجان، وبين الصفتين بنون بعيد. "فتح القدير" 5/ 143.]].
وخيرات جمع خَيْرة، وهي في الأصل بالتشديد ثم خفف، كما قيل: هَيْنٌ وليْنٌ، وذكر الفراء فيها ثلاث لغات: خَيْرَة وخِيْرَةٌ وخَيِّرة [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 12.]] وكذلك في الجمع.
وقال المبرد: الخيرة الفاضلة المقدمة ولقال رجل خَيِّرٌ وامرأة خَيِّرةٌ [[يقال: رجل خَيْرٌ وخَيِّرٌ، مشدد ومخفف. وامرأة خَيْرَةٌ وخَيِّرَةٌ. انظر: "اللسان" 1/ (926) (خير).]] وأنشد أبو عبيدة: [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246. والبيت لرجل من بني عَدِي تيم، تميمي جاهلي. انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 546، و"اللسان" 1/ 926 (خير).]]
ولقد طَعَمْتُ بجامع الرَّبلات ... رَبَلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلِكاتِ
وأنشد ابن السكيت:
تأبري يا خيرة النسيل
وفرق الليث بين الخَيِّرة والخَيْرَة، قال: خَيِّرَةٌ صالحة وخَيْرَةٌ في جمالها ومَيسَمِها [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 546، (خار).= وميسمها أي: حسنها من الوسامة، و"اللسان" 3/ 928 (وسم).]]. قال الأزهري: ولا فرق عندي بينهما في المخففة من المشددة [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 546 (خار) وعبارته (عند أهل المعرفة باللغة) بدلاً من قول المؤلف (عندي).]].
قال جماعة المفسرين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 91، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 28.]] يعني خيرات الأخلاق حسان الوجوه، وهو تفسير النبي -ﷺ- فيما روت عنه أم سلمة [[والحديث رواه ابن جرير 27/ 92، والثعلبي 12/ 47 ب، والبغوي 4/ 277، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 116. وقال محقق "زاد المسير": رواه ابن جرير الطبري، وفي سنده ضعف.]].
55:71Page 534
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧١
So which of the favors of your Lord would you deny? -
No commentary for this ayah
قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ تقدم تفسير الحور [[عند تفسيره الآية (54) من سورة الدخان. والحَوَرُ: أن يشتد بياض العين وسواد سوادها، وتستدير حدقتها، وترق جفونها ويبيض ما حواليها. وإنما قيل للنساء حور العين؛ لأنهن شبههن بالظباء والبقر. "اللسان" 1/ 750 (حور).]]، والمقصورات المحبوسات، ويجوز أن يكون محبوسات في الخيام، وهو معنى قول أبي عبيدة: خدرن [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246، ومعناه: سترن في الخيام. والخدرُ سِتْرٌ يمد للجارية في ناحية البيت. "اللسان" 1/ 736 (خدر).]] في الخيام، ونحوه قال مقاتل: محبوسات في الخيام [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 أ.]]، ويجوز أن يكون محبوسات على أزواجهن، ولا يرون غيرهم وهن في الخيام، وهذا معنى قول المفسرين: قصرن على أزواجهن فلا يردن غيرهم، ولا يطمحن إلى سواهم، ذكره الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 120.]].
وقال مجاهد: مقصورات قلوبهن على أزواجهن في خيام اللؤلؤ [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 644، و"جامع البيان" 27/ 92، 93.]].
والخيام جمع خَيم وخيم: جمع خيمة، وهي أعواد تنصب وتظلل بالثياب في القيظ فيكون أبرد من الأخبية [[انظر: "اللسان" 1/ 933 (خيم)، و"فتح القدير" 5/ 143.]]، ذكره ابن السكيت.
وقال ابن الأعرابي: الخيمة لا تكون إلا أربعة أعواد ثم تسقف بالثُّمام ولا تكون من ثياب [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 607، و"اللسان" 1/ 933 (خيم).
والثُّمامُ: شجر واحدته ثمامة وثمة، وهو نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص. "اللسان" 1/ 375 (ثمم).]]، ومنه قول النابغة:
فلم يبقَ إلا آلُ خَيْمٍ منصدٍ وسُفْعٌ ... على آسٍ وَنُؤْيٌ مُعَثْلِبُ
ويقال خيم فلان خيمته إذا بناها من جريد النخل ويخيم فيها إذا أقام، وتظلل بها قال زهير: [[وصدر البيت:
فلما وردن الماء زرقاً جمامه
انظر: "الديوان" 78، و"اللسان" 1/ 993 (خيم).]]
وَضَعْنَ عِصِى الحَاضِرِ المتَخَيَّمِ
هذا معنى الخيام في اللغة، قال أبو عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246.]]: والهوادج أيضًا خيام وأنشد للبيد فقال:
شاقتك ظعن الحي يوم تحمَّلوا ... فتكنَّسُوا قطنًا تَصرُّ خِيامُها [[البيت ورد في معلقة لبيد. انظر: "شرح المعلقات السبع" للزوزني 75.]] وأما خيام الجنة فقال المفسرون: إنها من در مجوف، قال عطاء عن ابن عباس: يريد خيام الدر والياقوت والزبرجد، يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، الخيمة ما بين بصرى إلى صنعاء [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 267، وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس وأبي الأحوص. انظر: "جامع البيان" 27/ 93، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 28.]].
وروى قتادة عن ابن عباس قال: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب [["صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: حور مقصورات في الخيام، 6/ 182، و"صحيح مسلم"، كتاب: الجنة، باب (33). "مسند أحمد" 3/ 103.]].
وروي عن النبي -ﷺ- "والخيمة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" [[انتهى كلام صاحب النظم ولم أجده فيما اطلعت عليه، وكتابه مفقود كما تقدم بيانه.]].
قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ قال صاحب النظم: قال الله تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّنَانِ﴾ ولم يذكر لهما أهلًا كما ذكره لما قبلهما من الجنتين فلما قال (متكئين) دل أنه أراد أهلهما، وإنما كف عن ذكر أهلها اقتصارًا على ذكر أهل الجنتين اللتين قبلهما، واكتفاء بالذكر الأول عن الثاني، كما قال -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: 5]. قال في فصل آخر متصل بهذا الفصل ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: 7]، والتأويل: بعثناهم ليسوؤا فكف عن ذكره اكتفاء بالأول (¬4).
وأما الرفرف فقال الليث: الرفرف ضرب من الثياب خضر تبسط، والواحدة رفرفة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 190، و"فتح القدير" 5/ 143.]]، وقال أبو عبيدة: الرفارف البسط [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 171، و"اللسان" 1/ 12 (رفف).]]، وأنشد قول مقبل فقال:
وإنا لنزالون تغشى فعالنا ... سواقط من أصناف ربط ورفزف [[لم أجده عند أبي عبيدة. وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 19.]]
وقال أبو إسحاق: قالوا الرفرف هاهنا رياض الجنة. وقالوا: الرفرف الوسائد. وقالوا: الرفرف المحابس، وقالوا: الرفرف فضول المحابس للفرش. [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 105.]] واختاره المبرد فقال: هو فضول الثياب التي تتخذ الملوك في الفرش وغيره، وكأن الأقرب هذا، لأن العرب تسمي كسر الخباء والخرقة التي تحيط في أسفل الخباء رفرفا. ومنه الحديث في وفاة النبي -ﷺ- "فرفع الرفرف فرأينا وجهه كأنه ورقة" [[انظر: " النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 242) رفرف).]].
قال ابن الأعرابي: الرفرف هاهنا طرف الفسطاط [[انظر: "تهذيب اللغة"، و"اللسان" 1/ 1200 (رف، رفف).]]، فشبه ما فضل من المجالس عما تحته بطرف الفسطاط فسمى رفرفًا يؤكد هذا ما روى هارون بن عنترة، عن أبيه [[هو عنترة بن عبد الرحمن الكوفي، ثقة، وهم من زعم أن له صحبة. انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 89.]]، عن ابن عباس، قال في قوله:
55:73Page 534
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٣
So which of the favors of your Lord would you deny? -
No commentary for this ayah
55:74Page 534
لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ ٧٤
Untouched before them by man or jinnī -
No commentary for this ayah
55:75Page 534
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٥
So which of the favors of your Lord would you deny? -
No commentary for this ayah
55:76Page 534
مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ ٧٦
Reclining on green cushions and beautiful fine carpets.
﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ فضول المجالس، والبسط والفرش [[انظر: "جامع البيان" 27/ 95، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 19.
والمحبس: المقرمة: يعني الستر، وهي التي تبسط على وجه الفراش للنوم، و"اللسان" 1/ 551 (حبس).]] وهو قول الضحاك، ومقاتل، والحسن. قالوا: المحابس والبسط [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 أ، و"الوسيط" 4/ 23، و"الجامع" للقرطبي 17/ 19.]].
قال الحسن: كان أهل الجاهلية يقولون هي البسط [[انظر: "جامع البيان" 27/ 95، وفيه: هي البسط. أهل المدينة يقولون: هي البسط.]].
قال سعيد بن جبير: وهي الرياض، وهو قول الكلبي. [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 327، و"جامع البيان" 27/ 94، و"معالم التنزيل" 4/ 978، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 19.]]
وقوله: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾ قال أبو عبيدة: كل وشى من البسط عبقري قال ويروى أنها أرض يَوشى فيها [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246. وقوله: (أرض يوشَّى فيها) هو ما ذكر أن عَبْقَر قرية تسكنها الجن فيما زعموا فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريباً. قالوا: عبقري. ومنه عبقري للبسط التي فيها الأصباغ والنقوش وشيت بها. اللسان (عبقر).]].
وقال الليث: عبقر موضع بالبادية كثير الجن يقال في المثل: كأنهم جن عبقر، وقال أبو عبيدة في حديث النبي -ﷺ- حينما ذكر عمر "فلم أر عبقريًّا يفري فريه" [[جزء من حديث أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه منها، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب، 5/ 13، ومسلم في "صحيحه"، كتاب: فضائل الصحابة (19)، وأحمد في "المسند" 2/ 28، 39.]].
قال أبو عبيدة: وإنما أصل هذا فيما يقال إنه نسب إلى عبقر، وهي أرض يسكنها الجن فصارت مثلًا لكل منسوب إلى شيء رفيع، وأنشد لزهير [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246، و"تهذيب اللغة"، و"اللسان" 2/ 672 (عبقر). والبجت في "ديوان زهير" ص 103، و"المحتسب" 2/ 306.]]:
يخيل عليها جِنّةٌ عَبْقَرّيةٌ ... جَدِيرون يوما أن ينالوا فيستعلوا وهذا القول هو الصحيح في العبقري، وذلك أن العرب إذا بالغت في وصف شيء نسبته إلى الجن أو شبهته بهم ومنه قول لبيد [[وصدره:
غُلِبَ تَشَذو بالذَّخُولِ كانَّها
ومعناه: أنهم رجال غلاظ الأعناق كالأسود يهدد بعضهم بعضًا بسبب الأحقاد التي بينهم. ثم شبههم بجن هذا الموضع (البدّي) في ثباتهم في الخصام والجدل. وانظر: "ديوانه" ص 177، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 90 ، و"الإنصاف" ص 772، و"الخزانة" 4/ 157.]]:
جِنُّ الْبَدِيٍّ رواسيًا أقدامُها
وقال آخر يصف المرأة:
جنية أو لها جن يعلِّمُها ... رمي القلوب بقوس ما لها وتر
وذلك أنهم يعتقدون في الجن كل صفة عجيبة، وأنهم يأتون بكل أمر عجيب، ولما كان عبقر معروفًا بسكناهم فسموا كل شي مبالغ فيه إليها، ويريدون بذلك أنه من عملهم وصنعتهم هذا هو الأصل [[انظر: "اللسان" 2/ 672، (عبقر) ، و"الجامع" للقرطبي 17/ 192.]]، ثم صار العبقري اسما ونعتا لكل ما بولغ في صفته، ويشهد لما ذكر بيت زهير فإنه نسب الجن إلى عبقر فثبت به أنها مكانهم، ثم رأينا أشياء كثيرة نسبت إلى عبقر غير البسط والثياب، كقوله -ﷺ- في صفة عمر (عبقريًّا).
وروى سلمة عن الفراء قال: العبقري السيد من الرجال، وهو الفاخر من الحيوان والجوهر [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 278، و"المفردات" (عبقر)، و"اللسان" 2/ 672 (عبقر).]].
فلو كانت عبقر مخصوصة بالوشي لما نسب إليها غير الموشى، وإنما نسب إليها البسط الموشاة العجيبة الصنعة لما ذكرنا نسب إليها كلما بولغ في وصفه.
قال ابن عباس في قوله: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ يريد البسط والطنافس [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 12/ 49 أولم ينسبه لقائل.]]، وقال الكلي: هي الطنافس المخملة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 323.]].
وقال قتادة: هي عتاق الزرابي [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 278.]]، وهو قول سعيد بن جبير [[انظر: "جامع البيان" 27/ 95، و"تفسير مجاهد" 2/ 644، ومعنى "عتاق الزرابي" أي كرام الوسائد.]].
وقال مجاهد: الديباج الغليظ [[انظر: "جامع البيان" 27/ 95، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 192.]].
وعبقري هاهنا: جمع، واحده عبقرية، لذلك قال: ﴿حِسَانٍ﴾ فجمع وأما قراءة من قرأ عباقري حسان وهي تروى عن عاصم الجحدري [[هو عاصم بن أبي الصباح الجحدري الضري، أخذ القراءة عرضًا عن سليمان بن قثه عن ابن عباس، وقرأ أيضًا على نصر بن عاصم، والحسن، ويحيى بن يعمر، وقراءته في الكامل والإفصاح فيها مناكير، ولا يثبت سندها، والسند إليه صحيح في قراءة يعقوب من قراءة على سلام عنه، مات قبل الثلاثين ومائة. انظر: "غاية الرواية" 1/ 349.]] ورويت أيضًا مرفوعة [[انظر: "المحتسب" 2/ 305 "مختصر ابن خالويه" ص 15، و"الكشاف" 4/ 55، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 191، و"البحر المحيط" 8/ 199.]]، قال أبو عبيدة: وهذا وجه لا إسناد له ولا أراه محفوظًا ولو كان له أصل لكان على ترك الإجراء؛ لأنه وجه الإعراب [[قال النحاس: (وإسنادها ليس بالصحيح، وزعم أبو عبيد أنها لو صحت لكانت وعَبَقريَّ بغير إجراء، وزعم أنه هكذا يجب في العربية، وهذا غلط بين عند جميع النحويين؛ لأنهم قد أجمعوا جميعًا أنه يقال: رجل مَدَائني، بالصرف.
انظر: "إعراب القرآن" 3/ 317، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 19.]].
قال أبو إسحاق: هذه القراءة لا مخرج لها في العربية لأن كل جمع بعد ألفه حرفان لم ينسب إليه نحو مساجد، ومجاوز الثلاثة لا تجمع بياء النسب لو جمعت عبقريًا كان جمعه عباقرة كما أنك [[في (ك): (أنكر).]] لو جمعت مهلبيا، مهالبة ولم يقل مَهَالبي [[انظر: "معاني الزجاج" 5/ 104 - 105.]].
وقال المبرد: أخطأ القاسم في "عباقري" أنه لو كان له وجه لكان ترك الإجراء وجه الإعراب، لأن ياء النسب تجعله كالواحد كقولك مدائني فينصرف؛ لأنه يصير إلى الواحد ويزول عنه بناء الجمع، ومن نسب إلى عباقر وهو جمع لم يجز إلا عبقري كالنسب إلى مساجد مسجدي، وإلى الفرائض فرضي، وإن كان اسما لواحد قلت عباقري فتصرفه، كما تقول في كلاب [[كذا في (ك)، ولعلها (كلاب كلابي).]]، وفي المدائني مدائني لأنه اسم لواحد، ولو نسب إلى جماعة الكلاب قيل كلبي.
ثم ختم السورة بما ينبغي أن يمجد به ويعظم فقال، قوله -عَزَّ وَجَلَّ-:
55:77Page 534
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٧
So which of the favors of your Lord would you deny?
No commentary for this ayah
55:78Page 534
تَبَٰرَكَ ٱسۡمُ رَبِّكَ ذِي ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٧٨
Blessed is the name of your Lord, Owner of Majesty and Honor.
﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ تقدم تفسير الجلال والإكرام في هذه السورة.
وقرأ ابن عامر: ذو الجلال [[قرأ ابن عامر "ذو الجلال" صفة للاسم، والباقون "ذي الجلال" صفة للرب.
انظر: "حجة القراءات" ص 694، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 253، و"النشر" 2/ 382، و"الإتحاف" ص 407.]] والإكرام بالرفع إجراء على الاسم وذلك دليل ظاهر على أن الاسم هو المسمى؛ لأن ذو الجلال من صفة الله -عَزَّ وَجَلَّ- لا من صفة التسمية.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences