Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Hashr 59:10–24
59:10Page 547
وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ ١٠
And [there is a share for] those who come after them, saying, "Our Lord, forgive us and our brothers who preceded us in faith and put not in our hearts [any] resentment toward those who have believed. Our Lord, indeed You are Kind and Merciful."
قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي أتوا المدينة بعد الأنصار، فإنهم نزلوها بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبل وألف بين قلوبنا ولا تجعل فيها غمرًا [[الغِمْرُ والغَمَرُ: الحقد والغل، والجمع غُمور. وقد غَمِرَ صدرهُ عليّ بالكسر يَغْمُر غِمْرًا وغَمَرًا. "اللسان" 2/ 1015 (غمر).]] للذين آمنوا، أي: حسدًا للأنصار، وذكره الفراء [["معاني القرآن" للفراء 3/ 145، و"جامع البيان" 28/ 31، ذكراه دون نسبة لقائل.]]، والصحيح ما عليه الناس لقوله: ﴿سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ والأنصار لم يسبقوا المهاجرين بالإيمان [[قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء وهم المهاجرون ثم الأنصار ثم التابعون لهم بإحسان كما قال في آية براءة ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 339.]]. والأكثرون أيضًا على أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ عطف على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [[قال النحاس: وعلى هذا كلام أهل التفسير والفقهاء، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 399.]] ويؤكد هذا ما روى مالك بن أوس بن الحدثان [[مالك بن أوس بن الحدثان. قديم أدرك الجاهلية، ولكنه تأخر إسلامه، رأى أبا بكر، وروى عن عمر وعثمان. مات بالمدينة سنة (72 هـ).
انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 56، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 170، و"المعارف" ص 427، و"التقريب" 2/ 223.]] أن عمر بن الخطاب ذكر الفيء ثم قرأ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى بلغ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ فقرأها ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثم قال: استوعبت هذه الآية المسلمين عامة، فليس أحد إلا له فيها حق [[مسلم في كتاب: الجهاد، باب: حكم الفيء، الترمذي رقم (1609) والنسائي 7/ 136 في قسم الفيء "تفسير عبد الرزاق" 2/ 283، وانظر: "موسوعة فقه عمر بن الخطاب" لمحمد رواس قلعه جي ص 532 - 533.]].
وروى عن مالك بن أنس أنه قال: من تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله -ﷺ-، أو كان في قلبه عليه غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا هذه الآيات. قال: وهذا نص في الكتاب بين [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 399، و"الكشف والبيان" 13/ 98 ب، 98 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 321، و"زاد المسير" 8/ 216.]].
وقال المقاتلان: قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ ابتدأ كلام في الثناء على الأنصار ثم حين طالت أنفسهم عن الفيء جعل للمهاجرين دونهم، وعلى قولهما: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو﴾ ابتداء، وخبره ﴿يُحِبُّونَ﴾ وكذلك ما بعده [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 247.]]. والأكثرون على القول الأول، وهو أن الله تعالى جعل الفيء لجميع أقسام المسلمين الثلاثة، وهو مما ذكرنا أن الفيء بعد زمان رسول الله يصرف إلى مصالح المسلمين عامة.
ثم أنزل فيما دس المنافقون إلى اليهود أنا معكم في النصر والخروج.
59:11Page 547
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١١
Have you not considered those who practice hypocrisy, saying to their brothers [i.e., associates] who have disbelieved among the People of the Scripture, "If you are expelled, we will surely leave with you, and we will not obey, in regard to you, anyone - ever; and if you are fought, we will surely aid you." But Allāh testifies that they are liars.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [[أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قد أسلم ناس من أهل قريظة والنضير، وكان فيهم منافقون، وكانوا يقولون لأهل النضير: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، فنزلت فيهم هذه الآية ... "الدر" 6/ 199.]] قال المقاتلان: يعني عبد الله بن أبي، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد، كانوا من الأنصار ولكنهم نافقوا وباطنوا اليهود [[انظر: "تفسير مقاتل" 148 ب، و"التفسير الكبير" 29/ 288.]] فقالوا لإخوانهم أي في الدين، إنهم كفار مثلهم يعني اليهود ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ أي من المدينة ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ أي في خذلانكم وإسلامكم ﴿أَحَدًا أَبَدًا﴾ ووعدوهم [[(ك): (ووعدهم).]] النصر أرضًا بقولهم [[(ك): (بقوله).]]: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ ثم كذبهم الله تعالى في ذلك فقال ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر.
59:12Page 547
لَئِنۡ أُخۡرِجُواْ لَا يَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمۡ وَلَئِن نَّصَرُوهُمۡ لَيُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١٢
If they are expelled, they will not leave with them, and if they are fought, they will not aid them. And [even] if they should aid them, they will surely turn their backs; then [thereafter] they will not be aided.
قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ الآية، علم الله تعالى ما هو كائن، وما كان، وما ليس بكائن، إذا كان كيف يكون عز ربنا وجل - وقال أبو إسحاق: وقد بَانَ صدق ما قاله الله في أمر بني النضير الذين عاقدهم المنافقون وقوتلوا فلم ينصروهم. فأظهر الله عز وجل كذبهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 147.]].
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ بعد قوله: ﴿لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ معناه: وإن قدر وجود نصرهم، لأن ما نفاه الله تعالى لا يجوز وجوده، ولكن يجوز أن يقال لو قدر وجوده.
قال الزجاج: معناه أنهم لو تعاطوا نصرهم، يعني أن المنافقين إن قصدوا نصر اليهود لولوا الأدبار منهزمين [[انظر: المرجع السابق 5/ 147.]] عن محمد -ﷺ- وأصحابه، ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ يعني بني النضير لا يصيرون منصورين على محمد وأصحابه إذا انهزم ناصرهم الذين راموا نصرهم.
وقوله: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ بعد قوله: ﴿لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [[عند تفسيره الآية رقم (32) من سورة الأنفال.]] وقد مر.
59:13Page 547
لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٣
You [believers] are more fearful within their breasts than Allāh. That is because they are a people who do not understand.
ثم ذكر أن المنافقين خوفهم من المؤمنين أشد من خوفهم من الله فقال ﴿لَأَنْتُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد هم منكم من أجل أنهم قوم لا يفقهون عظمة الله [[لم أجد هذا الأثر.]]، وقال الفراء: هذا من صفة اليهود. يقول إنهم أهيب في صدورهم من عذاب الله عندهم، وذلك أن أهل النضير كانوا ذوي بأس شديد، فقذف الله الرعب في قلوبهم من المسلمين [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 146.]].
59:14Page 547
لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ١٤
They will not fight you all except within fortified cities or from behind walls. Their violence [i.e., enmity] among themselves is severe. You think they are together, but their hearts are diverse. That is because they are a people who do not reason.
ثم أخبر عن اليهود فقال ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ قال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل أنهم إذا اجتمعوا على قتال المؤمنين لم يبرزوا لحربهم، إنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجدران [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 148.]].
قوله: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ أي لا يصحرون [[أصحر القوم إذا برزوا إلى فضاء لا يواريهم شيء. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 235، و"اللسان" 2/ 411 (صحر).]] لكم ولا يقاتلون حتى يكون بينكم وبينهم حاجز من حصن أو سور.
وقراءة العامة ﴿جُدُرٍ﴾ على الجمع إذ ليس المعنى أنهم يقاتلونكم من وراء حجاب واحد، ولكن من وراء جدر، ولا يقاتلونكم إلا في قرى محصنة، وكما أن القرى جماعة كذلك الجدر ينبغي أن تكون جمعًا، ومن قرأ (جدار) [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو (جِدَار) بكسر الجيم وفتح الدال وألف بعدها على الأفراد. وقرأ الباقون (جُدُر) بضم الجيم والدال من غير ألف على الجمع.
انظر: "حجة القراءات" ص 705، و"النشر" 2/ 386، و"الإتحاف" ص 413.]] فالمراد في الإفراد الجمع أيضًا، لأنه يعلم أنهم لا يقاتلونهم من وراء جدار واحد [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 383 - 384.]].
قوله تعالى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ قال ابن عباس: بعضهم فظ [[الفظُّ: الخَشِنُ الكلام، وقيل: الفظ الغليظ، والفَظَظُ: خشونة في الكلام. ورجل فَظُّ: ذو فظاظةٍ جافٍ غليظُ، في مَنطئِه غِلَظٌ وخشونةٌ. "اللسان" 2/ 1111 (فظظ).]] على بعض، والمعنى أن بعضهم عدو لبعض [[انظر: "الكشف والبيان" 13/ 98 ب، و"التفسير الكبير" 29/ 290، و"غرائب القرآن" 29/ 44.]].
وقال مجاهد ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ قال: بالوعيد، يقولون لنفعلن كذا وكذا [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 29.]]، والمعنى على هذا أنهم يهددون المؤمنين ببإس شديد من وراء الحيطان والحصون، ثم يجبنون عن البروز للقتال، فبأسهم شديد فيما بينهم لا فيما بينهم وبين المؤمنين، فكان القول الأول أظهر.
قال أبو إسحاق: أي أنهم مختلفون لا تستوي قلوبهم ولا يتعاونون بنيات مجتمعة؛ لأن الله عز وجل ناصر حزبه، خاذل أعدائه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 148.]]، وهذا معنى قول قتادة: أهل الباطل مختلفة أهوائهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق [[انظر: "جامع البيان" 28/ 32، و"الكشف والبيان" 13/ 98 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 322.]].
وذهب المقاتلان، ومجاهد في رواية خصيف إلى أن هذا من صفة المنافقين واليهود، قالوا في قوله: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ﴾ يعني المنافقين واليهود [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 665، و"تفسير مقاتل" 148 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 322.]] ﴿جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ﴾ مختلفة.
ثم بين سبب ذلك الاختلاف فقال ﴿ذَلِكَ﴾ أي ذلك التشتت ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ما فيه الحظ لهم، ثم ضرب لليهود مثلاً:
59:15Page 547
كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِيبٗاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٥
[Theirs is] like the example of those shortly before them: they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.
قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾ والمعنى: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، فحذف أحد المثلين، والمراد بالذين من قبلهم كفار مكة الذين قتلوا ببدر [[قال مجاهد ومقاتل: وقال ابن عباس: هم بنو قينقاع، وقيل: مثل قريظة كمثل بني النضير. انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 665، و"تفسير مقاتل" 145 أ، و"جامع البيان" 28/ 32، و"الكشف والبيان" 13/ 98 ب. قال النحاس: اختلف أهل التأويل في الذين من قبلهم، هاهنا، فقال ابن عباس: هم بنو قينقاع، وقال مجاهد: هم أهل بدر، والصواب أن يقال في هذا: إن الآية عامة، وهؤلاء جميعًا ممن كان قبلهم. "إعراب القرآن" 3/ 402.]]، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر [[وهو قول الزهري رحمه الله.]]. وهو قوله: ﴿قَرِيبًا﴾، والمعنى: تقدموا قريبًا، لأن قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يدل على التقدم وعلى هذا تم الكلام [[وبه قال الأخفش، انظر: "القطع والارتفاق" ص 718، و"المكتفى" ص 562.]].
ثم قال ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ قال مقاتل: يعني جزاء ذنبهم، وهو القتل ببدر [[انظر: "تفسير مقاتل" 148 ب.]]، ويجوز أن يكون معنى القرب إلى ذوق العذاب فيكون تمام الكلام عند قوله: ﴿وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعني في الآخرة.
59:16Page 547
كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
[The hypocrites are] like the example of Satan when he says to man, "Disbelieve." But when he disbelieves, he says, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds."
ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلًا فقال قولى تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي مثل المنافقين الذين غروا بني النضير بقولهم: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ الآية، ثم خذلوهم ولم يفوا لهم ما وعدوهم ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ وهو عابد في بني إسرائيل كان يداوي من الجنون، فداوى امرأة فأعجبته فأغواه الشيطان حتى وقع بها، ثم قتلها، ثم صار آخر أمره أن كفر، فلما كفر تبرأ منه الشيطان [[أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، والحاكم، وصححه، عن علي بن أبي طالب، وابن عباس. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 285، و"جامع البيان" 28/ 33 ، و"المستدرك" 2/ 484، وقال هذا حديث صحح الإسناد، ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي، و"تفسير مقاتل" 148 ب، 149 أ.
وقال ابن كثير: وكذا روي عن ابن عباس، وطاووس ومقاتل بن حيان، نحو ذلك، واشتهر عند كثير من الناس أن هذا العابد هو برصيصا، فالله أعلم. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 341.]]، وتلك القصة معروفة سنذكرها في "مسند التفسير" إن شاء الله، فضرب تلك القصة مثلاً للمنافقين حين غروا اليهود ثم تبرؤا منهم عند الشدة وأسلموهم. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: 48] الآية.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ذكرنا تفسيره في سورة الأنفال في قوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ﴾.
59:17Page 548
فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٧
So the outcome for both of them is that they will be in the Fire, abiding eternally therein. And that is the recompense of the wrongdoers.
ثم ذكر أنهما صارا إلى النار بقوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا﴾ أي عاقبة الشيطان والإنسان حين صارا إلى النار.
قوله تعالى: ﴿خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ قال الفراء: نصبه على الحال [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 146.]]. {وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} قال ابن عباس: يريد المكذبين [[لم أجده.]].
ثم رجع إلى موعظة المؤمنين فقال:
59:18Page 548
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨
O you who have believed, fear Allāh. And let every soul look to what it has put forth for tomorrow - and fear Allāh. Indeed, Allāh is Aware of what you do.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ قال ابن عباس: يريد الأعمال التي فيها الثواب والعقاب، والمعنى: لينظر أحدكم أي شيء قدم لنفسه [[(ك): (إيش الذي قدم نفسه).]] أعملاً صالحًا أم سيئًا يوبقه [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 326، ولم ينسبه لقائل.]].
قال ابن إسحاق ﴿لِغَدٍ﴾ أي ليوم القيامة، وقرب على الناس كأنه يأتي غدًا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 149.]]، ومعنى الكلام في غد [[عند تفسيره الآية (12) من سورة يونس. والغدْووُ: أصلُ الغّدِ، وهو اليومُ الذي يأتي بعد يومك فحُذفت لامه ولم يستعمل تامًّا إلا في الشعر، .. وربما كُني به عن الزمن الأخير كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ وقوله: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 170، و"اللسان" 2/ 963 (غدا).]].
59:19Page 548
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١٩
And be not like those who forgot Allāh, so He made them forget themselves. Those are the defiantly disobedient.
قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ قال ابن عباس والمقاتلان، وغيرهم: تركوا أمر الله وذكره ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ فأنساهم حظوظ أنفسهم حتى لم يعملوا لله بطاعته ولم يقدموا خيرًا، هذا معنى قول جماعة المفسرين [[انظر: "تفسير مقاتل" 149 ب، و"جامع البيان" 28/ 35، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 404، و"معالم التنزيل" 4/ 326، و"التفسير الكبير" 29/ 291.]].
قال ابن عباس: يريد قريظة، والنضير، وبني قينقاع [[انظر: "زاد التفسير" 8/ 224.]] وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
59:20Page 548
لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠
Not equal are the companions of the Fire and the companions of Paradise. The companions of Paradise - they are the attainers [of success].
No commentary for this ayah
59:21Page 548
لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٢١
If We had sent down this Qur’ān upon a mountain, you would have seen it humbled and splitting from fear of Allāh. And these examples We present to the people that perhaps they will give thought.
قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الآية. قال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل أن من شأن القرآن وعظمته وبيانه أنه لو جعل في الجبل تمييز كما جعل فيكم وأنزل عليه القرآن لخشع، أي: تطأطأ وخضع وتشقق من خشية الله، هذا كلامه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 150.]].
والمعنى أن الجبل على قساوته وصلابته يتشقق من خشية الله وحذرًا من أن لا يؤدي حق الله في تعظيم القرآن، والكافر مستخف بحقه معرض عما فيه من العبر والذكر كأن لم يسمعها، فهو غافل عما تضمنه القرآن من تمييز الحق من الباطل، والواجب مما لا يجب، والجائز مما لا يجوز، والأولى مما ليس بأولى بأحسن البيان وأوضح البرهان، ومن وقف على هذا أوجب ذلك له الخشوع والخشية.
قال مقاتل: يقول: فالذين هم أضعف من الجبل أولى أن يأخذوا القرآن بالخشية والمخافة [[انظر: "تفسير مقاتل" 149 ب.]]، وهذا كأنه وصف للكافر بالقسوة حيث لم يلن قلبه لمواعظ القرآن الذي لو نزل على جبل لخشع، كما قال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ [البقرة: 74] الآية. وهذه الآية تمثيل، لأن الجبل لا يتصور منه الخشوع إلا أن يخلق الله له تمييزًا يدل على أنه تمثيل ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ قال مقاتل: ضرب الله ذلك مثلاً [[انظر: "تفسير مقاتل" 149 ب.]]، وكذلك قال غيره [[وروى نحوه عن ابن عباس، وقتادة. انظر: "جامع البيان" 28/ 35، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 343.]].
ثم أخبر بربوبيته وعظمته فقال:
59:22Page 548
هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢
He is Allāh, other than whom there is no deity, Knower of the unseen and the witnessed.1 He is the Entirely Merciful, the Especially Merciful.
﴿هُوَ اللَّهُ﴾ وهو ظاهر التفسير ماض فيما سبق [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 6، 19، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ص 57.]] إلى قوله: ﴿الْقُدُّوسُ﴾ قال المفسرون: هو الطاهر من كل عيب، المنزه مما لا يليق به [[انظر: "تفسير مقاتل" 150 أ، و"الكشف والبيان" 13/ 102 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 326.]]، ومضى الكلام فيه عند قوله: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30] وروى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿الْقُدُّوسُ﴾ الذي منه البركات [[وفي "التفسير الكبير" 29/ 293، قال الحسن: إنه الذي كثرت بركاته.]]، وهو قول قتادة، قال: ويقال أرض مقدسة، أي مباركة [[انظر: "جامع البيان" 28/ 36، الكشف والبيان" 102 ب، ولفظه (المبارك).]]، وقوله: ﴿السَّلَامُ﴾ ذكروا فيه قولين:
أحدهما: أنه الذي سلم من النقص والعيب [[انظر:"تفسير غريب القرآن" ص 6، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 1/ 101، و"معالم التنزيل" 4/ 326، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 343، وهو المعتمد عنده، حيث قال: ﴿السَّلَامُ﴾ أي من جميع العيوب، والنقائض لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله.]].
والآخر: أنه الذي سلم خلقه من ظلمه [[قاله قتادة، ومقاتل: انظر: "تفسير مقاتل" 150 أ، و"جامع البيان" 28/ 36، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 150، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 1/ 102.]].
وكلا القولين قد تقدم بيانه عند قوله: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾ [[عند تفسيره الآية (127) من سورة الأنعام.]]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [[عند تفسيره الآية (25) من سورة يونس.]].
59:23Page 548
هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٢٣
He is Allāh, other than whom there is no deity, the Sovereign,1 the Pure,2 the Perfection,3 the Grantor of Security,4 the Overseer,5 the Exalted in Might,6 the Compeller,7 the Superior.8 Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.
قوله تعالي: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ ذكره [[في (ك): (ذكره).]] المفسرون وأهل اللغة فيه قولين: أحدهما: أن المؤمن في صفة الله تعالى معناه الذي آمن أولياءه عذابه [[وهو المروي عن ابن عباس، وابن جريج، وزيد بن علي. انظر: "تنوير المقباس" 6/ 47، و"الكشف والبيان" 13/ 102 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 343.]]، يقال: آمنه يؤمنه فهو مؤمن، ومنه قوله:
والمؤمنِ العائذاتِ الطَّيرَ يَمْسَحُها ... رُكْبانُ مكة بين الغيل والسَّند [[البيت للنابغة الذبياني. انظر: "ديوانه" 25، و"الخزانة" 2/ 315، و"شرح المفصل" 3/ 11، ومعنى العائذات: التي عاذت بالحرم، والغيل، الشجر الملتف، ورواية "الديوان" (نسعد) بدل "السند"، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 1/ 165 - 166.]]
حلف بالله الذي آمن طير مكة فلا ينفر عن أن يمسحها الركبان، وهذا من الإيمان الذي هو ضد التخويف.
قال الكلبي: المؤمن الذي لا يخاف ظلمه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 150، ذكر نحوه ولم ينسبه.]].
وقال مقاتل: هو الذي يؤمن أولياءه [[انظر: "تفسير مقاتل": 150 أ.]].
القول الثاني: أن معنى المؤمن في صفته تعالى: المصدق [[(ك): (المتصدق).]] على معنى أنه يصدق أنبياءه بإظهار المعجزة لهم، ويصدق المؤمنين إذا وحدوه. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء [[ذكره المفسرون عن الضحاك، وابن زيد. وانظر: "جامع البيان" 28/ 36، و"الكشف والبيان" 13/ 102 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 343.]]. وذكرنا الإيمان بمعنى التصديق في مواضع.
قال ابن الأنباري: سمعت أحمد بن يحيى يقول: المؤمن عند العرب المصدق [[في (ك): (المتصدق). وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس" 3/ 407، و"اللسان" 1/ 108 (أمن).]]، فذهب إلى أن الله تعالى مصدق عباده المسلمين يوم القيامة، وذلك أن المفسرين قالوا: إذا كان يوم القيامة سأل الله تعالى الأمم عن تبليغ الرسل فيقولون [[في (ك): (فيقول).]]: يا ربنا ما جاءنا رسول ولا نذير فيكذبون أنبياءهم، ويؤتى بأمة محمد -ﷺ- فيسئلون عن ذلك فيصدقون نبيهم والأنبياء الماضين، فيصدقهم الله تعالى عند ذلك [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 407، و"اللسان" 1/ 109 (أمن).]]، فالمؤمن المصدق لعباده كما قال تعالي ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 61] معناه: يصدق الله ويصدق المؤمنين [[انظر: "اللسان" 1/ 109 (أمن).]].
قوله تعالى: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ قال ابن عباس: الشاهد الذي لا يغيب عنه شيء، وهو قول قتادة، ومجاهد، قالوا: معناه الشهيد على عباده بأعمالهم [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 285، و"جامع البيان" 28/ 36، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 407، و"الكشف والبيان" 13/ 103 أ.]]، وعلى هذا أصله من قولهم: هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيبًا على الشيء [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 334 (همن)، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 407، و"زاد المسير" 8/ 226، و"روح المعاني" 6/ 152.]]. وهو قول الخليل، وأبي عبيد.
وذهب كثير من المفسرين وأهل المعاني على أن المهيمن مؤيمن على الأصل من أمن يؤمن، فيكون بمعنى المؤمن [[انظر: تفسير "غريب القرآن " ص 11 - 12، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 150، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 407.]]، وقد ذكرنا استقصاء هذا عند قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48] قال ابن الأنباري: المهيمن القائم على خلقه برزقه وأنشد: ألا إن خير الناس بعد نبيه ... مهيمنه التاليه في العرف والنكر
قال معناه: القائم على الناس بعده [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 334، و"اللسان" 3/ 833 (همن)، و"التفسير الكبير" 29/ 293.]]. وقال ابن كيسان في المهيمن: الله أعلم بتأويله [[انظر: "الكشف والبيان" 13/ 103 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 327.]].
قوله تعالى: ﴿الْجَبَّارُ﴾ له معان في صفة الله تعالى، قال ابن عباس: هو العظيم، وجبروت الله عظمته [[انظر: "الكشف والبيان" 13/ 103 أ، و"زاد المسير" 8/ 227، و"التفسير الكبير" 29/ 294.]]، وعلى هذا القول: الجبار الملك. والجبابرة الملوك ومنه الحديث "جلد الكافر في النار كثافته أربعون ذراعًا بذراع الجبار"، وهذا كما يقال: كذا ذراعًا بذراع الملك، والجبر في كلام العرب الملك ومنه قول الشاعر:
وانعم صباحًا أيها الجبر [[وصدره:
أسْلَمْ براووُقٍ حُييتَ به
والبيت لعمرو بن أحمر، وقد ورد منسوبًا في "الخصائص" 2/ 21، "المحتسب" 1/ 97، و"تهذيب اللغة" 11/ 59، و"اللسان" 1/ 395 (جبر).]]
أراد: أيها الملك. والعرب تسمي الجوزاء الجبار، تشبيهًا لها بالملك، لأنها في صورة رجل على كرسي وعليه تاج، ويجوز أن يكون الجبار في صفة الله تعالى من جبر إذا أغنى الفقير، وأصلح الكسير.
قال الأزهري: وهو لعمري جابر [[(ك): (على).]] كسير وفقير، وهو جابر دينه الذي ارتضاه كما قال العجاج:
قد جبر الدين الإله فجبر [["ديوان العجاج" ص 15، وصدره:
وعور الرحن من ولى العور
و"الخصائص" 2/ 263، و"اللسان" 1/ 396 (جبر)، و"شرح الأشموني لألفية ابن مالك" 4/ 241.]]
قال اللحياني: يقال جبرت اليتيم والفقير أجْبُرُه جَبْرًا وجُبُورًا، فَجَبَرَ يجْبُرُ جُبُورًا، وانْجَبَرَ، واجْتَبَرَ بمعنى واحد [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 60 (جبر).]].
ويجوز أن يكون الجبار من جبره على كذا إذا أكرهه على ما أراد. قال السدي: هو الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراد [[انظر: " الكشف والبيان" 12/ 103 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 293.]]. ونحو ذلك قال مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 150 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 327.]]، وهو من جبرته على الأمر أجبره جبرًا وجبورًا [[انظر: "اللسان" 1/ 396 (جبر).]].
وكان الشافعي -رحمه الله- يقول: جبره السلطان على كذا بغير ألف [[انظر: " اللسان" 1/ 396، وقال ابن منظور. وهو حجازي وفصيح.]].
وجعل الفراء الجبار بهذا المعنى من أجبر، وهي اللغة المعروفة في الإكراه، فقال: لم أسمع فعالاً من أفعل إلا في حرفين، وهما جبار من أجبر، ودراك من أدرك [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 293 - 294، و"البحر المحيط" 8/ 251.]]. وعلى هذا القول الجبار معناه: القهار الذي يجبر على ما يريد.
قال القرظي: إنما سمي الجبار، لأنه جبر الخلق على ما أراد.
والخلق أرق شأنا من أن يعصوا ربهم طرفة عين إلا بما أراد [[انظر: "الكشف والبيان" 13/ 103 أ، و"الدر" 6/ 202.]] وهذا القول هو اختيار الزجاج، لأنه قال: تأويله الذي جبر الخلق على ما أراد [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 151.]].
وقال ابن الأنباري: الجبار في صفة الله: الذي لا ينال، ومنه قيل للنخلة التي فاتت يد المتناول: جبارة [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 58 (جبر)، و"اللسان" 1/ 395 (جبر)، و"التفسير الكبير" 29/ 294.]].
هذا الذي ذكرنا معاني الجبار في صفة الله تعالى، وللجبار معان في صفة الخلق:
أحدهما: المسلط كقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: 45].
والثاني: القوي العظيم الجسم، كقوله: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: 22].
وقوله: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا﴾ [القصص: 19].
والثالث: التكبر على عبادة الله، كقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32].
والرابع: القتال كقوله: ﴿بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ﴾ [الشعراء: 130].
وقوله: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾، ذكر ذلك ابن الأنباري [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 51، و"اللسان" 1/ 395 (جبر)، وقد نسباه للحياني.]]. ومضى الكلام على كل واحد في موضعه.
قوله: ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ قال ابن عباس: الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 294.]].
وقال مقاتل: المتعظم عن كل سوء [[انظر: "تفسير مقاتل" 150 أ، ولفظه: (المتعظم على كل شيء).]]، وهو قول قتادة: الذي تكبر عن كل سوء [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 285، و"جامع البيان" 28/ 37.]].
وقال أبو إسحاق: الذي تكبر عن ظلم عباده [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 151.]].
قال ابن الأنباري: المتكبر ذو الكبرياء، والكبرياء عند العرب: الملك، ومنه قوله: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [[من آية (78) من سورة يونس. وانظر: "تهذيب اللغة"، و"اللسان" (كبر) عن ابن الأنباري.]].
وقال أهل المعاني: المتكبر في صفة الله تعالى معناه الكبرياء فإنه أجل من أن يتكلف كبرًا، والعرب تضع يفعل في موضع فعل، يقولون: تظلم بمعنى ظلم، ومنه قول الجعدي:
وما يشعر الرُّمْحُ الأصم كُعوبُه ... بثروة رهط الا ثلج المتظلمِ [["ديوان النابغة" ص 144، و"كتاب سيبويه في شرح شواهده" للأعلم 1/ 237، و"الأغاني" 4/ 139، و"السبع الطوال" ص 347، و"شروح سقط الزند" صس 592، و"اللسان" (ظلم).]]
ويقولون لشتم الرجل إذا شتم، قال الشاعر:
فقل لزهيرٍ إن شَتَمْتَ سَرَاتَنا ... فلسنا بشَتَّامين للمُتَشَتِّم [[والبيت لمعبد بن علقمة. انظر: "الحماسة" لأبي تمام 1/ 362.]] سورة الممتحنة
59:24Page 548
هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٤
He is Allāh, the Creator,1 the Producer,2 the Fashioner;3 to Him belong the best names.4 Whatever is in the heavens and earth is exalting Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.5
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences