Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:59–66
6:59Page 134
۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٥٩
And with Him are the keys of the unseen; none knows them except Him. And He knows what is on the land and in the sea. Not a leaf falls but that He knows it. And no grain is there within the darknesses of the earth and no moist or dry [thing] but that it is [written] in a clear record.
قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية. المفاتح جمع مِفْتح وَمَفْتحٍ، فالمفتح بالكسر: المفتاح الذي يفتح به، والمفتح بفتح الميم الخزانة، وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مَفْتح [[انظر: "العين" 3/ 194، و"الجمهرة" 1/ 386، و"تهذيب اللغة" 3/ 2732 ، و"الصحاح" 1/ 389، و"مجمل اللغة" 3/ 710، و"مقاييس اللغة" 4/ 469 ، و"المفردات" ص 621، و"اللسان" 6/ 3339 (فتح).]].
قال الفراء في قوله تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: 76] (يعني: خزائنه) [["معاني القرآن" 2/ 310.]].
قال السدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 212، وابن أبي حاتم 4/ 1304 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 277.]] والحسن [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 52، عن ابن عباس والضحاك ومقاتل والسدي والحسن. وقال القرطبي في "تفسيره" 2/ 7: (قيل: المراد بالمفاتح خزائن الرزق، عن السدي والحسن) ا. هـ]]: (و ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾: خزائن الغيب)، وخو ذلك قال ابن عباس [[ذكره الماوردي 2/ 121، والواحدي في "الوسيط" 1/ 52، وابن الجوزي 3/ 53، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 213 بسند ضعيف عن عطاء الخرساني عن ابن عباس ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ قال: هن خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34]، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 28.]] [والضحاك [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 178 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 52، والبغوي 3/ 150، والقرطبي 7/ 2.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 564.]] (في المفاتح أنها الخزائن).
واختلفوا في معنى ﴿الْغَيْبِ﴾ هاهنا، فقال ابن عباس] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] في رواية عطاء: (يريد: ما غاب عنكم من الثواب والعقاب، وما يصير إليه أمري وأمركم) [[لم أقف عليه.]].
وقال مقاتل: (يعني: خزائن غيب العذاب متى ينزل بكم ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾) [["تفسير مقاتل" 1/ 564.]].
وروي عن ابن عباس: (خزائن الأرض والرزق ونزول العذاب) [[ذكره الماوردي 2/ 121، وابن الجوزي 3/ 53، وأبو حيان 4/ 144، وفي "تنوير المقباس" 2/ 26 نحوه.]] ، وهو قول الضحاك [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 178 ب، والبغوي 3/ 150، والقرطبي 7/ 2.]].
وقال أبو إسحاق: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ (أي: عنده الوصلة إلى علم الغيب قال: وكل ما لا يعلم إذا استعلم يقال فيه: افتح عليَّ) [["معاني القرآن" 2/ 257، ونحوه ذكره النحاس في "معانيه" 2/ 435.]]، فعلى هذا المفاتح جمع [المفتح] [[في (أ): (المُفتح)، بالضم، وفي (ش): (المَفتَح)، بسكون ثم فتح، وقال السمين في "الدر" 4/ 660، وابن حجر في "الفتح" 8/ 291: (جوز الواحدي أنه جمع مفتح بفتح الميم على أنه مصدر) ا. هـ. زاد ابن حجر: (وهو بمعنى: الفتح، أي: عنده فتوح الغيب، أي: يفتح الغيب على من يشاء من عباده، ولا يخفى بعد هذا التأويل للحديث المذكور في الباب، وأن مفاتح الغيب لا يعلمها أحد إلا الله سبحانه وتعالى) ا. هـ والحديث المقصود هو ما أخرجه البخاري في صحيحه (4627)، كتاب التفسير باب (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: "مفاتح الغيب خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34]، وانظر: الأحاديث في هذا الباب في مرويات الإمام أحمد في "التفسير" 3/ 371 - 374.]] بمعنى الفتح، كأن المعنى عنده فتوح الغيب أي: هو يفتح الغيب على من يشاء من عباده بذكره والبيان عنه والدلالة عليه، فيفتح لعباده ما [يشاء] [[في (أ): (ما شاء).]] من ذلك بإعلامهم إياه ويغلق عنهم ما شاء منه بترك دلالتهم عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال مجاهد: (البر: القفار، والبحر: كل قرية فيها ماء) [[ذكره الثعلبي 178 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 53، وابن الجوزي 3/ 54. وقال الماوردي 2/ 121: (الجمهور وهو الظاهر أن: ما في البر ما على الأرض، وما في البحر ما على الماء. وقال مجاهد: البر: القفر، والبحر: القرى لوجود الماء فيها، فلذلك سميت بحرًا) ا. هـ. بتصرف.]] وهذا عام في كل ما في المياه والأرضين من البوادي والقفار، لا يحدث فيها شيء إلا بعلم الله عز وجل.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ قال أبو إسحاق: (المعنى: أنه يعلمها ساقطة وثابتة، كما تقول: ما يجيئك أحد إلا وأنا أعرفه، فليس تأويله إلا وأنا أعرفه في حال مجيئه فقط) [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 257، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 2/ 436.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ تقديره: ولا من ﴿حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ قالوا: يعني: في الثرى تحت الأرض [[انظر: "الدر المصون" 4/ 661.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾، قال ابن عباس: (يريد: ما ينبت وما لا ينبت) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 53، وذكره الثعلبي في "الكشف" 178 ب، والبغوي 3/ 151، عن عطاء فقط.]]، وروي عنه أنه قال: (الرطب: الماء، واليابس: البادية) [["تنوير المقباس" 2/ 62، وذكره الثعلبي 178 ب، والبغوي 3/ 151، وانظر: "زاد المسير" 3/ 54.]].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ قال صاحب "النظم" [[كتاب "نظم القرآن" للجرجاني مفقود، وذكر قوله السمين في "الدر" 4/ 662، ورجح الزمخشري 2/ 24 - 25، وأبو حيان في "البحر" 4/ 146، كونه استثناء بعد استثناء للتأكيد قال أبو حيان: (هذا الاستثناء جار مجرى التوكيد؛ لأن قوله:== ﴿وَلَا حَبَّةٍ﴾ ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ معطوف على قوله: ﴿مِنْ وَرَقَةٍ﴾ والاستثناء الأول منسحب عليها كما تقول: ما جاءني من رجل إلا أكرمته ولا امرأة، أي: إلا كرمتها، ولكنه لما طال الكلام أعيد الاستثناء على سبيل التوكيد وحسنه كونه فاصلة) ا. هـ ملخصًا، وجعل بعضهم الاستثناء الثاني بدلاً من الأول. انظر: "غرائب الكرماني" 1/ 363، و"البيان" 1/ 324، و"التبيان" 1/ 337، و"الفريد" 2/ 161.]]: (تم الكلام عند قوله ﴿وَلَا يَابِسٍ﴾ ثم استأنف خبراً آخر بقوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ بمعنى: وهو ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أيضًا؛ لأنك لو جعلت قوله ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ متصلًا بالكلام الأول فسد المعنى)، وبيان فساده [[قال السمين في "الدر" 4/ 662: (فساد المعنى من حيث اعتقد أنه استثناء آخر مستقل، ولو جعله استثناء مؤكدًا للأول لم يفسد المعنى، وكيف يتصور تمام الكلام على قوله: ﴿وَلَا يَابِسٍ﴾ ويبتدأ بإلا، وكيف تقع إلا هكذا؟) ا. هـ. ملخصًا.]] في فصل طويل ذكرناه في سورة يونس في قوله: ﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [[لفظ: ﴿وَلَا أَكْبَرَ﴾ ساقط من (أ).]] [يونس: 61]، [ومعنى قوله ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]] قال أبو إسحاق: (يجوز أن يكون الله عز وجل أثبت ذلك في كتاب من قبل أن يخلق كما قال جل وعز: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: 22]، فأعلم جل وعز أنه قد أثبت ما خلق من قبل خلقه) [["معاني القرآن" 2/ 257، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 437: (أي: إلا يعلمه علمًا يقينًا، ويجوز أن يكون المعنى: إلا قد كتبه قبل أن يخلقه، والله أعلم بما أراد) ا. هـ.]].
قال ابن الأنباري وغيره [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 213، و"معاني النحاس" 2/ 437، و"تفسير الرازي" 13/ 10 - 11.]]: (وفائدة كتب الله ذلك في اللوح المحفوظ مع علمه وأنه لا يفوته شيء هو أنه عز وجل كتب هذه الأشياء وأحصاها قبل أن تكون [[في النسخ (يكون) بالياء، والأولى تكون بالتاء.]] لتقف [[في (ش): (ليقف).]] الملائكة على نفاذ علمه، وأنه لا يغيب عنه مما في السماوات والأرض شيء، فيكون في ذلك عبرة للملائكة الموكلين باللوح؛ لأنهم يقابلون به ما يحدث من الأمور فيجدونه موافقًا له، قال أبو بكر: ويجوز أن يقال: إن الله تبارك وتعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تعظيمًا على خلقِه أمر الحساب، وإعلامًا أنه لا يفوته من جميع ما يصنعون في الدنيا شيء؛ لأن الذي يثبت ويكتب مما لا ثواب فيه ولا عقاب كان مما فيه الثواب والعقاب أولى بالكتب.
فذكر ما ذكر تبارك وتعالى: [من هذا [[لفظ: (من هذا) ساقط من (أ).]]] معظمًا ومخوفًا ودالًا على أنه لا يغيب عنه من أعمال العباد شيء) [[ذكره ابن الجوزي 3/ 54 - 55.]]، وهذا معنى قول الحسن: (يكتبه الله رطبًا، ويكتبه يابسًا، لتعلم يا ابن آدم أن عملك أولى بالإحصاء) [[لم أقف عليه.]].
6:60Page 135
وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٦٠
And it is He who takes your souls by night1 and knows what you have committed by day. Then He revives you therein [i.e., by day] that a specified term2 may be fulfilled. Then to Him will be your return; then He will inform you about what you used to do.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ قال ابن عباس: (يقبض أرواحكم في منامكم) [["تنوير المقباس" 2/ 26، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 54، وابن الجوزي 3/ 55.]]. قال أبو إسحاق: (معنى: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أي: ينيمكم فيتوفى نفوسكم التي بها تميزون [[في (ش): (يميزون).]] كما قال جل وعز: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42]) [["معاني القرآن" 2/ 257، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 2/ 437.]]، فالله جل وعز يقبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت.
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما كسبتم من العمل بالنهار) [["تنوير المقباس" 2/ 26، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 54، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 214، وابن أبي حاتم 4/ 1305 بسند جيد عن ابن عباس قال: (ما اكتسبتم من الإثم)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 30.]]، ومضى الكلام في معنى الجرح عند ذكر الجوارح [[انظر: "البسيط" نسخة جامعة الإمام 3/ 11 ب.]].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ قال ابن عباس: (يرد عليكم أرواحكم في النهار) [["تنوير المقباس" 2/ 26، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 54.]]، وقال قتادة: (البعث هاهنا: اليقظة) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 1/ 208، والطبري 7/ 215، وابن أبي حاتم 4/ 1306 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 30.]]، وقال الزجاج: (أي: ينبهكم في نومكم في النهار) [["معاني القرآن" 2/ 258.]].
وقوله تعالى: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي: أعماركم المكتوبة، وهو قوله: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2].
قال السدي: يعني: أجل الحياة إلى الموت) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 215 بسند جيد.]]، وهو قول المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 7/ 215، و"معاني النحاس" 2/ 438، و"تفسير السمرقندي" 1/ 490.]] قال الزجاج: (أي: يبعثكم من نومكم إلى أن تبلغوا آجالكم) [["معاني القرآن" 2/ 258.]]، ومعنى القضاء: فصل الأمر على تمام، ومعنى قضاء الأجل: فصل مدة العمر من غيرها بالموت [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2986 (قضى).]]، وفي هذه الآية حجة على النشأة الثانية؛ لأن منزلتها بعد الأولى كمنزلة اليقظة بعد النوم في أن من قدر على أحدهما فهو قادر على الآخر [[ذكر هذا المعنى الثعلبي في "الكشف" 178 ب، والقرطبي في "تفسيره" 7/ 6.]].
6:61Page 135
وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ ٦١
And He is the subjugator over His servants, and He sends over you guardian-angels until, when death comes to one of you, Our messengers [i.e., angels of death] take him, and they do not fail [in their duties].
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ الآية. ﴿فَوْقَ﴾ يستعمل في كل ما يستحق أن يوصف بأفعل، ولا يراد به المكان العالي، كما يقال: هو فوقه في القدرة، أي: أقدر منه، و [هو] [[لفظ: (هو) ساقط من (أ).]] فوقه في العلم، أي: أعلم [منه] [[لفظ: (منه) ساقط من (ش)، وتكرر فيها لفظ (هو فوقه في العلم أي أعلم).]]، و [هو] [[لفظ: (هو) ساقط من (أ).]] فوقه في الجود [[في (ش): (الجيد)، وهو تحريف.]]، أي: أجود يعبر عن تلك الزيادة بهذه العبارة للبيان عنها [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2724 (فوق)، وابن عطية 5/ 225، والقرطبي 7/ 6، وهذا تأويل وقول نفاة العلو، والحق أنها تستعمل في فوقية المكان والمكانة، والله سبحانه وتعالى مستعل على كل شيء بذاته وقدره وقهره، وقد سبق الكلام على ذلك.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾، قال ابن عباس: (من الملائكة يحصون أعمالكم كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: 10]) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 55، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 55، وفي "تنوير المقباس" 2/ 27 نحوه.]].
وقال قتادة: (يحفظون عليك أجلك ورزقك) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 216، وابن أبي حاتم 4/ 1306، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 30.]]، وروي عن السدى: (يحفظون العبد من أمر الله الذي لم يُقدر له إلى الأمر الذي قُدر له) [[لم أقف عليه. وقد أخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 216، وابن أبي حاتم 4/ 1306 بسند جيد عن السدي قال: (هي المعقبات من الملائكة يحفظونه ويحفظون عمله) وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 30، وانظر: "زاد المسير" 4/ 312.]]
قال الزجاج: (الحفظة: الملائكة، واحدهم حافظ) [["معاني القرآن" 2/ 258، وفيه: (والجمع حفظة مثل: كاتب، وكتبة، وفاعل، وفعلة) ا. هـ.]].
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ يعني: أعوان ملك الموت، عن ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 216، وابن أبي حاتم 4/ 1307 بسند جيد، عن إبراهيم النخعي عن ابن عباس، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 30، وفي "تهذيب التهذيب" 1/ 92 (النخعي لم يسمع من ابن عباس لكن مراسيله جيدة) ا. هـ.]] والحسن [[قال أبو حيان في "البحر" 4/ 148 - 149 (قال الحسن: إذا احتضر الميت احتضره خمسمائة ملك يقبضون روحه فيعرجون بها) ا. هـ. وقال ابن عطية في "تفسيره" 5/ 225. قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ يريد به على ما ذكر ابن عباس وجميع أهل التأويل ملائكة مقترنين بملك الموت يعاونونه ويأتمرون له) ا. هـ.]] وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 1/ 209، والطبري 7/ 217، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 211، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 30.]] وإبراهيم [[أخرجه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 108، وعبد الرزاق 2/ 1/ 209، والطبري 7/ 217، وابن أبي حاتم 4/ 1307، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 211، بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 30.]] والربيع [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 217، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 200 - 201، بسند لا بأس به، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 300.]].
وقال أبو إسحاق: (﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أي: هؤلاء الحفظة؛ لأنه قال: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾) [["معاني القرآن" 2/ 258.]]، فجعل أبو إسحاق رسل الموت من الحفظة المرسلة للحفظ، وعلى هذا يجب أن يكون؛ لأن تقدير اللفظ: وهو الذي يرسل الحفظة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ توفوه، يريد: أن يرسلهم للحفظ في الحياة والتوفية عند مجيء الممات [[قال الفخر الرازي في "تفسيره" 13/ 16: (الأكثرون أن الذين يتولون الحفظ غير الذين يتولون أمر الوفاة، ولا دلالة في لفظ الآية تدل على الفرق) ا. هـ. وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 148: (الأكثرون على أن ﴿رُسُلُنَا﴾ عين الحفظة يحفظونهم مدة الحياة، وعند مجيء أسباب الموت يتوفونهم) ا. هـ]]، و ﴿حَتَّى﴾ هاهنا هي التي يقع بعدها الابتداء [[انظر: "الفريد" 2/ 163.]] والخبر، وقد بينا شرح [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 80 ب.]] ذلك عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: 110].
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ قال ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 218، وابن أبي حاتم 4/ 1307 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 310.]] والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 218 بسند جيد.]]: (لا يضيعون). وقال الزجاج: (لا يغفلون ولا يتوانون، قال: ومعنى التفريط: تقدمة العجز، والمعنى: أنهم لا يعجزون) [["معاني القرآن" 2/ 258، وقال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 194: (أي: لا يتوانون ولا يتركون شيئاً ولا يخلفونه ولا يغادرون) ا. هـ. وانظر: "معاني النحاس" 2/ 439، وقد تقدم بحث معنى فرط.]].
6:62Page 135
ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ ٦٢
Then they [i.e., His servants] are returned to Allāh, their true Lord. Unquestionably, His is the judgement, and He is the swiftest of accountants.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: العباد يردون بالموت إلى الله ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾. قد مضى الكلام في معنى المولى عند قوله: ﴿أَنتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: 286]، ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: القضاء فيهم، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ يقول: إذا حاسب فحسابه سريع، ومضى الكلام في معنى سرعة حساب الله تعالى عند قوله: ﴿والله سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ [البقرة: 202] في سورة البقرة.
6:63Page 135
قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٣
Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.'"
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية. قرئ [[قرأ أبو عمرو في رواية ويعقوب: (قُلْ مَن يُنْجِيكُم) مخففة الجيم ساكنة النون، وقرأ الباقون بفتح النون وتشديد الجيم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي (قُلِ الله يُنَجَّيكُم) بفتح النون وتشديد الجيم، وقرأ الباقون بإسكان النون مع تخفيف الجيم.
انظر: "السبعة" 259، و"المبسوط" ص 169، و"التذكرة" 2/ 400، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 258.]] قوله: ﴿يُنَجِّيكُمْ﴾ بالتشديد، وكذلك قوله: ﴿قُلِ الله يُنَجِّيكُمْ﴾ [(والتشديد والتخفيف لغتان منقولتان من نجا، فإن شئت نقلت بالهمز، وإن شئت نقلت بتضعيف العين نحو: أفرحته وفرحته وأغرمته وغرمته وما أشبه ذلك، وفي التنزيل: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ [العنكبوت: 24] ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: 64] وفيه [[لفظ: (فيه) ساقط من (ش).]]: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [فصلت: 18]، فإذا جاء التنزيل باللغتين جميعًا تبيّنت استواء القراءتين في الحسن) [[ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 3/ 322 - 323، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 362، و"الحجة" لابن خالويه ص 141، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 159 - 160، و"الحجة" لابن زنجلة ص 255.]].
غير أن الاختيار التشديد؛ لأن ذلك كان لهم من الله غير مرةٍ [[قال مكي في "الكشف" 1/ 436: (القراءتان متعادلتان، غير أن التشديد فيه معنى التكرير للفعل على معنى نجاة بعد نجاة) اهـ. وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 258، و"تفسير الفخر الرازي" 13/ 20.]].
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ سؤال توبيخ لهم وتقرير أن الله يفعل ذلك [[انظر: "الفريد" 2/ 164، "الدر المصون" 4/ 669.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال ابن عباس: (من أهوالهما وكرباتهما قال: وكانت قريش تسافر في البر والبحر فإذا ضلوا الطريق وخافوا الهلاك دعوا الله مخلصين فأنجاهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 56، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 58، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 219، وابن أبي حاتم 4/ 1308 بسند ضعيف من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: (يقول: إذا أضل الرجل الطريق دعا الله: ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.]]. قال أبو إسحاق [["معاني الزجاج" 2/ 259.]]: (﴿ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ شدائد البر والبحر، والعرب تعبر عن الشدة بالظلمة، يقولون لليوم الذي يلقى فيه شدة: يوم مظلم، حتى أنهم يقولون: يوم ذو كواكب، أي: قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل، وأنشد [[البيت لعمرو بن شأس الأسدي شاعر مخضرم، في "الكتاب" 1/ 47، وبلا نسبة في "معاني النحاس" 2/ 440، و"الكشاف" 1/ 404، والقرطبي 7/ 8، و"البحر" 4/ 122، ورواية الأكثر: أَشْنَعَا: مكان مظلم، ويروى: أشهب، وانظر: "المعاني الكبير" 2/ 973.]]:
بَنِي أسَدٍ هَلْ تَعْلمُونَ بَلاَءَنا ... إذاً كَانَ يَوْمَ ذَا كَواكِبَ مظلم) وقال غيره: (أراد ظلمة الليل وظلمة الغيم في البر والبحر، فجمع لفظه ليدل على معنى الجميع) [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 565، والطبري 7/ 219، والأولى العموم، قال ابن عطية 5/ 228: (التخصيص لا وجه له، وهو لفظ عام لأنواع الشدائد) ا. هـ. ملخصًا، وانظر: "البحر" 4/ 150.]].
وقوله تعالى: ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ تقديره: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ داعين ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [[أي في محل نصب على الحال من مفعول ﴿يُنَجِّيكُمْ﴾ و ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ مصدر في موضع الحال. انظر: "الفريد" 2/ 165، و"الدر المصون" 4/ 669.]] وقرِئ ﴿وَخُفْيَةً﴾ [[قرأ عاصم في رواية أبي بكر (خِفْيَة) بكسر الخاء، وقرأ الباقون بضمها.
انظر: "السبعة" ص 259، و"المبسوط" ص 170، و"التذكرة" 2/ 400، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 259.]] وهما لغتان [[انظر: "معاني القراءات" 1/ 362، و"إعراب القراءات" 1/ 159، و"الحجة" لابن خالويه ص 141، ولأبي علي 3/ 317، ولابن زنجلة ص 255، و"الكشف" 1/ 435.]]، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 27، وقال السيوطي في "الدر" 3/ 31، أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55]، قال: (السر).]] والحسن [[ذكره أبو علي الفارسي في "الحجة" 3/ 317، قال: (روي عن الحسن: التضرع العلانية والخفية بالنية) ا. هـ]]: (﴿تَضَرُّعًا﴾ علانية ﴿وَخُفْيَةً﴾ سرًّا بالنية).
قال أبو إسحاق: (المعنى: تدعونه مظهرين الضراعة، وهو شدة الفقر إلى الشيء والحاجة، وتدعونه خفية أي: في أنفسكم تضمرون [[في (ش): (يضمرون).]] فقركم وحاجتكم إليه كما تظهرون) [["معاني القرآن" 2/ 259، ونحوه ذكر النحاس في "معانيه" 2/ 440.]].
وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ وقرأ الكوفيون [[قرأ: عاصم وحمزة والكسائي ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ بألف بعد الجيم من غير تاء ولا ياء وأمال الجيم، حمزة والكسائي، وفتح عاصم، وقرأ الباقون (لَئِنْ أَنجَيْتَنَا] بالياء والتاء من غير ألف.
انظر: "السبعة" ص 259، و"المبسوط" ص 169، و"التذكرة" 2/ 401، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 259.]]: ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ حملوه على الغيبة لقوله قبله: ﴿تَدْعُونَهُ﴾ ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ [[جاء في (ش): تكرار قوله: (حملوه على الغيبة؛ لقوله قبله ﴿تَدْعُونَهُ﴾ ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾).]] ، وقوله بعده: ﴿قُلْ الله يُنَجِّيكُمْ﴾ [الأنعام:64] ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ [الأنعام:65] فأنجانا أولى من ﴿أَنْجَيْتَنَا﴾ لكونه على ما قبله وما بعده [من لفظ الغيبة، وفيه إضمار على تقدير: يقولون: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ في موضع الحال مثل ﴿تَدْعُونَهُ﴾، ومن قرأ: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ فالتقدير عنده: داعين وقائلين ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾، فواجه بالخطاب، ولم يراع ما راعاه الكوفيون من المشاكلة بما قبله وما بعده] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]. ويقوي هذه القراءة قوله في آية أخرى: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: 22]. وأمال [[في (أ): (وأما حمزة)، وهو تحريف.]] حمزة والكسائي ﴿أَنْجَانَا﴾ وهو مذهب حسن؛ لأن هذا النحو من الفعل إذا كان على أربعة أحرف استمرت فيه الإمالة لانقلاب الألف إلى الياء في المضارع [[هذا قول أبي علي الفارسي في "الحجة" 3/ 323 - 324، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 362، و"إعراب القراءات وعللها" 1/ 160، و"الحجة" لابن خالويه ص 141/ 142، و"الحجة" لابن زنجلة ص 255، و"الكشف" 1/ 435، وانظر: "تعريف الإمالة" ومراجعها فيما سبق.]].
وقوله تعالى: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ قال ابن عباس: (من المؤمنين) [["تنوير المقباس" 2/ 27 - 28، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 58.]]، وقال عطاء عنه: (يريد: من الطائعين) [[لم أقف عليه.]]،
6:64Page 135
قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٦٤
Say, "It is Allāh who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ (الكَرْبُ: الغم الذي يأخذ بالنفس [[في (ش): (يأخذ النفس).]]، يقال: كرَبه الغم، وإنه لمكروب، والكربة: الاسم، والكريب: المكروب، وأمر كارب، ذكر ذلك الليث) [[ذكره عن الليث الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3119، وهو في "العين" للخليل 5/ 360، وانظر: "جمهرة اللغة" 1/ 327، و"الصحاح" 1/ 211، و"مجمل اللغة" 3/ 783، و"مقاييس اللغة" 5/ 174، و"المفردات" 706، و"اللسان" 7/ 3845 (كرب).]].
قال أبو إسحاق: (أعلمهم الله تعالى أن الله الذي دعوه وأقروا به هو ينجيهم ثم هم يشركون معه الأصنام التي قد علموا أنها من صنعتهم [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ش).]] أنها لا تضر ولا تنفع ولا تقدر أن تنجي من كربة ويله [[(ويله) غير واضحة في النسخ ولم ترد عند الزجاج.]]. ثم أعلمهم أنه قادر على تعذيبهم فقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:65] [["معاني الزجاج" 2/ 259 بتصرف.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: من السماء كما حُصب قوم لوط وكما رمي أصحاب الفيل، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يريد: كما خُسف بقارون) [["تنوير المقباس" 2/ 28، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 58، وابن الجوزي 3/ 59.]].
وهو قول السدي [[أخرجه الطبري 7/ 220 بسند جيد.]] وابن جريج [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 58.]] ومجاهد [[ذكره السيوطي في "الدر" 3/ 283، وأخرج الطبري 7/ 220 بسند جيد عنه قال: (﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: الخسف).]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 565.]]، قالوا: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الصيحة والحجارة والريح والغرق بالطوفان وكل عذاب من السماء، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الرجفة والخسف.
وقال في رواية عكرمة: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الأمراء ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ السفلة [[ذكره الرازي 13/ 22، عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرج الطبري 7/ 220 بسند جيد عنه قال: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: من أمرائكم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: سفلتكم) اهـ، وأخرج الطبري وابن أبي حاتم 4/ 1310 - 1311 بسند جيد عنه قال: (﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: أئمة السوء، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: خدم السوء) ا. هـ. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 31.]]، وهو قول الضحاك: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ (من قبل كباركم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: من أسفل منكم) [[ذكره النحاس في "معانيه" 2/ 440، والثعلبي 179 أ، والبغوي 3/ 153.]]، ونحو هذا روى عبد الوهاب بن مجاهد [[عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر المخزومي القرشي، روى عن أبيه وعطاء، وروى عنه عبد الرزاق وغيره، وهو متروك، وقيل: لم يسمع من أبيه، انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 69، و"ميزان الاعتدال" 2/ 682، و"تهذيب التهذيب" 6/ 453، و"تقريب التهذيب" ص 368 (4263).]] عن أبيه: (﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: السلاطين الظلمة، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: العبيد السوء) [[ذكره الثعلبي 179 أ، والبغوي 3/ 153، والقرطبي 7/ 9، والظاهر: أن المراد بالعذاب من فوق الرجم وما أشبهه، ومن تحت الخسف وما أشبهه؛ لأنه == هو المعروف عند العرب من معنى فوق وتحت، فحمله على الأغلب والأشهر أولى، وإن كان غيره له وجه من الصحة، وهذا اختيار أكثرهم، وقال ابن عطية 5/ 231: (الأقوال في الآية كلها أمثلة لا أنها هي المقصودة؛ إذ هي وغيرها داخلة في عموم اللفظ) ا. هـ. بتصرف. وانظر: "معاني الفراء" 1/ 338، و"تفسير غريب القرآن" ص 164، والطبري 7/ 220، وابن كثير 2/ 159، و"البحر" 4/ 151.]].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ الشيع [[انظر: "العين" 2/ 190، و"معاني الزجاج" 2/ 308، و"تهذيب اللغة" 2/ 1808، و"الصحاح" 3/ 1240، و"مقاييس اللغة" 3/ 235، و"المفردات" ص 470، و"اللسان" 4/ 2377 (شيع).]]: جمع شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، والجمع شِيع وأشياع، قال الله عز وجل: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: 54]، وأصله من التشييع، وهو التتبع، ومعنى الشيعة: الذين يتتبع بعضهم بعضًا.
قال الربيع بن أنس: (يخلطكم [[في (أ): (يخلكم)، ثم كتب فوقها: يجعلكم.]] فرقًا) [[لم أقف عليه]] وقالوا [[يعني المفسرين، قال ابن عطية 5/ 231: (قال المفسرون: هو افتراق الأهواء والقتال بين الأمة) ا. هـ.]] جميعًا: (يعني: يبث فيكم الأهواء المختلفة فتصيرون فرقًا يقاتل بعضكم بعضًا ويخالف بعضكم بعضًا)، وهو قول ابن عباس [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 221، وابن أبي حاتم 4/ 1311 بسند جيد، قال: (يعني بالشيع: الأهواء المختلفة). وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 32.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 216 - 217، قال: (يعني: ما فيهم من الاختلاف والفتن)، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 221، وابن أبي حاتم 4/ 1311 بسند جيد، وفي رواية عند الطبري قال: (الأهواء المفترقة).]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 565، قال: (يعني: فرقًا أحزابًا أهواء مختلفة كفعله بالأمم الخالية) ا. هـ.]] والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 221، وابن أبي حاتم 4/ 1312 بسند جيد، قال: (يفرق بينكم).]]
قال أبو إسحاق: (معنى ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾: يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق، فيجعلكم فرقًا لا تكونون فرقة واحدة، فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضًا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 260، وفيه زيادة قال: (يقال: لبَسْت الأمر ألبسه: لم أبينه، وخلطت بعضه ببعض. ويقال: لبِستُ الثوب ألبَسه) اهـ، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 194، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 164، و"معاني النحاس" 2/ 441.]].
وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ﴾ نبين لهم الآيات في القرآن، ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ يَعلمون [[انظر:"تفسير السمرقندي" 1/ 492، وابن عطية 5/ 232، والقرطبي 7/ 11.]].
6:65Page 135
قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ ٦٥
Say, "He is the [one] Able to send upon you affliction from above you or from beneath your feet or to confuse you [so you become] sects1 and make you taste the violence of one another." Look how We diversify the signs that they might understand.
No commentary for this ayah
6:66Page 135
وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوۡمُكَ وَهُوَ ٱلۡحَقُّۚ قُل لَّسۡتُ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ ٦٦
But your people have denied it while it is the truth. Say, "I am not over you a manager [i.e., authority]."
قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 28.]] والحسن [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 128، والهمداني في "الفريد" 2/ 166.]] والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 227، وابن أبي حاتم 4/ 1313 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 37.]]: (يريد: بالقرآن)، ﴿وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ قال الحسن: (لست عليكم بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وأعمالكم، إنما أنا منذر، والله المجازي لكم بأعمالكم) [[ذكره الماوردي 2/ 128، والواحدي في "الوسيط" 1/ 60، وابن الجوزي 3/ 612.]].
وقال [أبو] [[لفظ: (أبو) ساقط من (أ).]] إسحاق: (أي إنما أدعوكم إلى الله وإلى شريعته، ولم أؤمر بحربكم ولا أخذكم بالإيمان كما يأخذ الموكل بالشيء الذي يلزم بلوغ آخره) [["معاني القرآن" 2/ 260.]]، وقيل: (لست [[في (ش): (ليست)، وهو تحريف.]] عليكم بحفيظ: يمنعكم من أن تكفروا كما يمنع الوكيل على الشيء من إلحاق الضرر به) [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 128 عن بعض المتأخرين، وانظر: "البحر المحيط" 4/ 152.]]. قال ابن عباس [[أخرجه النحاس في "ناسخه" 2/ 317 بسند ضعيف، وذكره مكي في "الإيضاح" ص 242، وابن العربي في "ناسخه" 2/ 211، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 324، والسيوطي في "الدر" 3/ 37.]] والمفسرون [[وهو قول مقاتل 1/ 566، وابن سلامة في "ناسخه" ص 67، وابن العربي 2/ 211، وحكاه الرازي 13/ 24، عن ابن عباس والمفسرين. وقال ابن عطية 5/ 233: (النسخ متوجه؛ لأن اللازم من اللفظ لست الآن، وليس فيه أنه لا يكون في المستأنف) ا. هـ. وانظر: القرطبي 7/ 11.]]: (نسختها آية [[آية السيف عند الجمهور وهو أصح الأقوال في سورة التوبة آية (5) قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية، انظر: "النسخ في القرآن" لمصطفى زيد 2/ 504، والظاهر عدم النسخ؛ لأن المعنى: لست عليكم حفيظًا إنما أطالبكم بالظواهر من الإقرار والعمل لا بالإسرار، فهي خبر محكم، والخبر لا يجوز نسخه، ولعدم التعارض فهذه الآية تحصر وظيفة الرسول ﷺ في التبليغ والإنذار، وآية السيف تبين الوظيفة الأخرى وهي القتال إذا تعين وسيلة للدعوة، وهذا قول الأكثر، انظر: "ناسخ النحاس" 2/ 318، و"الإيضاح" لمكي ص 242، و"النواسخ" لابن الجوزي ص 324، و"المصفى" لابن الجوزي ص 31 ، و"تفسير الرازي" 13/ 24، و"النسخ" لمصطفى زيد 1/ 426 - 429.
وينبغي التنبيه على أن النسخ عند السلف رضي الله عنهم في الإطلاق أعم منه عند == الأصوليين، فالسلف يسمون كل رفع نسخًا، سواء كان رفع حكم أو رفع دلالة ظاهرة، فيستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق أو غير ذلك، ويطلقون على تقييد المطلق وتخصيص العموم وبيان المبهم والمجمل ورفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخًا، سواء كان ذلك بدليل متصل أو منفصل كل ذلك عندهم عام ومجمل ومشترك في معنى واحد، وهو مطلق التغيير، وهو في كلام الأصوليين رفع حكم شرعي بدليل شرعي آخر متأخر عنه، أفاده شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 13/ 272 - 273، 14/ 101، والشاطبي في "الموافقات" 3/ 108، والدكتور مصطفى زيد في "النسخ في القرآن" 1/ 73.]] القتال).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences