Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
At-Talaq 65:6–12
65:6Page 559
أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأۡتَمِرُواْ بَيۡنَكُم بِمَعۡرُوفٖۖ وَإِن تَعَاسَرۡتُمۡ فَسَتُرۡضِعُ لَهُۥٓ أُخۡرَىٰ ٦
Lodge them1 [in a section] of where you dwell out of your means and do not harm them in order to oppress them.2 And if they should be pregnant, then spend on them until they give birth. And if they breastfeed for you, then give them their payment and confer among yourselves in the acceptable way; but if you are in discord, then there may breastfeed for him [i.e., the father] another woman.3
قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ قال الكسائي: ﴿مِّن﴾ صلة، والمعنى: أسكنوهن حيث [[في (س): (من حيث).]] سكنتم من وجدكم [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 144 أ، وعند الزمخشري أنها للتبعيض، والمعنى: أي بعض مكان سكناكم، و"الكشاف" 4/ 110.]].
قال أبو عبيدة: من سعتكم من الجدة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 260.]].
وقال الفراء: يقول: على قدر طاقتكم، على قدر [[في (س): (قدر) زيادة.]] ما يجد، فإن كان موسعًا وسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان فقيرًا مقترًا [[في (س): (مقترًا) زيادة.]] فعلى قدر ذلك [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 163.]].
وقال أبو إسحاق: يقال: وجدت في المال وجدًا -أي صرت ذا مال- ووجدًا وجدةً [[في (ك): (ووجدة). وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 186.]]. وقال الأخفش: الوجدُ المقدرة، أي: من حيث سكنتم مما تقدرون عليه [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 710.]].
قال المقاتلان: يعني من سعتكم في المسكن والنفقة [[انظر: "تفسير مقاتل" 159 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 359.]].
وقال الضحاك: أنفقوا عليهن بقدر ما عندكم من السعة. وقال السدي: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ أي من ملككم [[لم أجدها. وعند ابن جرير عن السدي: (المرأة يطلقها فعليه أن يسكنها وينفق عليها)، و"جامع البيان" 28/ 94، وما ذكره المؤلف عنهما لا يخرج عن أقوال المفسرين المذكورة.]].
قال قتادة: إن لم تجد إلا ناحية بيتك فأسكنها فيه [[انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 383، و"الدر" 6/ 237.]].
قال أصحابنا [[أي الشافعية. وانظر: "المجموع" 18/ 162، و"الحاوي الكبير" 11/ 249.]]: السكنى تكون في مسكن النكاح، ولا يجوز للزوج أن يخرجها منه، ولا لها أن تخرج.
جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: يا أبا عبد الرحمن: ما ترى في امرأة طلقت ثم أصبحت غادية إلى أهلها؟ فقال عبد الله: ما أحب أن لي دينها بتمرة.
فإن كان للزوج المطلق مسكن واحد ودار واحدة؛ لم يجز للمرأة أن تساكنه فيها ساعة إلا مع محرم بالغ من محارمها، ولكن على الزوج أن يخرج منها لتخلو الدار لها، وإن كانت الدار واسعة مشتملة على مرافق فإن أمكنها أن تنفرد في بعض مرافق الدار جاز أن تساكنه [[في (س): من قوله (فيها ساعة) إلى (تساكنه) زيادة. وانظر: "المجموع" 18/ 162، و"المغني" 11/ 302.]]، وكل مطلقة مستحقة للسكنى [[وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، وعائشة، وسعيد بن المسيب، والشافعي، وأصحاب الرأي، وغيرهم.
انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 459، و"المغني" 11/ 300.]].
وفي المتوفى عنها قولان:
أحدهما: أنها تستحق السكنى.
والثاني: أنها لا تستحق وليس لها نفقة العدة بحال [[في (س): (بحال) زيادة.
وانظر: "المغني" 11/ 292، وقال: (قال أصحابنا: ولا سكنى للمتوفى عنها إذا كانت حائلاً، رواية واحدة، دن كانت حاملًا فعلى روايتين، وللشافعي في سكنى المتوفى عنها قولان ...).
وقال الجصاص: قد اتفق الجميع على أن لا نفقة للمتوفى عنها زوجها غير الحامل. "أحكام القرآن" 3/ 462.]].
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ نهى الله عن مضارتهن بالتضييق عليهن في المسكن والنفقة.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وهذا بيان حكم المطلقة البائنة؛ لأن الرجعية تستحق النفقة وإن لم تكن حاملاً، وان كانت مطلقة ثلاثًا، أو مختلعة فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا فتستحق النفقة [[انظر: "الأم" 5/ 97، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 459، و"المغني" 11/ 301، و"شرح النووي على مسلم" 10/ 95، و"المحلى" 10/ 288، و"فتح الباري" 9/ 480، وهو قول الجمهور. وقال الأحناف والثوري والحسن بن صالح: لكل مطلقة السكنى والمنفقة ما دامت في العدة حاملًا كانت أو غير حامل.
انظر: "بدائع الصنائع" 4/ 2038، و"شرح فتح القدر" 3/ 339، و"الحاوي الكبير" 11/ 246.]].
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يعني حق الرضاع وأجرته، وللزوج أن يستأجر امرأته لإرضاع الولد كما يستأجر أجنبية، وبيان هذا قد تقدم في سورة البقرة [[عند تفسيره الآية (233) من سورة البقرة.]].
قوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ قال عطاء: يريد بفضل معروف منك [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 37.]].
وقال مقاتل بن حيان: يتراضى الأب والأم على أجل مسمى [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 360.]].
وقال السدي: يعني اصنعوا المعروف فيما بينكم [[انظر: "جامع البيان" 28/ 96.]].
وقال المبرد: ليأمر بعضكم بعضًا بالمعروف. والخطاب للأزواج من الرجال والنساء يأمرهم أن يأتوا المعروف وما هو الأحسن ولا يقصدوا التعاسر والضرر [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 37.]].
قال أبو إسحاق: المعروف هاهنا -والله أعلم- أن لا يقصر الرجل في نفقة المرأة التي ترضع ولده إذا كانت هي والدته؛ لأن الوالدة أرأف بولدها من غيرها، ولا تقصر هي في إرضاع ولدها، والقيام بشأنه، فحق على كل واحد منهما أن يأتمر في الولد بمعروف [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 186.]]. وذكرنا تفسير الائتمار عند قوله: ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [[قال: الائتمار: المشاروة، وهو أن يأمر بعضهم بعضًا.
قال شمر: يقول ائتمرت فلانًا في ذلك الأمر إذا شاورته، وائتمر القوم إذا شاوروا ثم الائتمار يكون مرة مع ذوي العقل والرأي من الناس وهو المحمود المسنون ومرة يكون مع النفس والهوى، وهو المذموم.]] [القصص: 20].
﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾ أي [[في (س): (أي) زيادة.]] في الأجرة ولم يتفق بين الوالدة والولد ما يتراضيان به ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ معناه: فليسترضع له [[(له) ساقطة من (س).]] الوالد غير [[في (ك): (غيره).]] والدة الصبي.
ومعنى ﴿تَعَاسَرْتُمْ﴾ لم تتفقوا على أمر.
ثم بين قدر الإنفاق فقال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ أمر أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات أولادهن على قدر سعتهن ومن كان رزقه بمقدار القوت فلينفق على قدر ذلك. وهذا كقوله [[في (ك): (كله).]] ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236].
قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ أي: ما أعطاها من الرزق، قال السدي: لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني [[انظر: "جامع البيان" 28/ 97، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 456.]]. وذلك أنه لو كلف الفقير أن يوسع فقد كلفه ما لم يؤته، وإذا كلف الغني ذلك لم يكلفه إلا ما آتاه.
قوله: ﴿سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ أي من بعد ضيق وشدة غنى وسعة ورخاء.
قال أبو إسحاق: كان الغالب على أكثرهم في ذلك الوقت الفقر والفاقة فأعلمهم الله عَزَّ وَجَلَّ أنه سيوسر المسلمون، ففتح عليهم بعد ذلك وجعل يسرًا بعد عسر [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 187.]]، والمؤمنون وإن كانوا في حال ضيقة فهم على رجاء اليسر من الله تعالى.
65:7Page 559
لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا ٧
Let a man of wealth spend from his wealth, and he whose provision is restricted - let him spend from what Allāh has given him. Allāh does not charge a soul except [according to] what He has given it. Allāh will bring about, after hardship, ease [i.e., relief].
No commentary for this ayah
65:8Page 559
وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ عَتَتۡ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبۡنَٰهَا حِسَابٗا شَدِيدٗا وَعَذَّبۡنَٰهَا عَذَابٗا نُّكۡرٗا ٨
And how many a city was insolent toward the command of its Lord and His messengers, so We took it to severe account and punished it with a terrible punishment.
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ الكلام في كأين والاختلاف فيها قد تقدم ذكره في سورة آل عمران [[عند تفسيره الآية (146) من سورة آل عمران.
قال أبو الهيثم: كأيّ بمعنى كم، وكم بمعنى الكثرة. والكاف في (كأين) كاف التشبيه دخلت على (أيِّ)، التي هي الاستفهام كما دخلت على (ذا) في (كذا) و (أن في (كأن) ولا معني للتشبيه فيه ... وكثر استعمال هذه الكلمة فصارت ككلمة واحدة موضوعة للتكثير، وفي كأين ثلاث لغات: كأين بوزن كعين، وكائن بوزن كاعِن، وكاين بوزن ماين. وانظر: "اللسان" 3/ 323 (كين). == وفي قوله تعالى (وكأين) خلاف بين القراء، حيث قرأ ابن كثير وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف وبعدها همزة مكسورة. وقرأ الباقون بهمزة مفتوحة بعد الكاف وبعدها ياء مكسورة مثل مشددة
انظر: "حجة القراءات" ص 174، و"النشر" 2/ 242، و"الإتحاف" ص 418.]].
﴿وَكَأَيِّنْ﴾ في هذه الآية مبتدأة في اللفظ فاعل في المعنى كما أن كم رجل قد قام كذلك [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 297.]]. وقد تكون مفعولة كقوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج: 45] فهذه مفعولة بها في المعنى ومبتدأة في اللفظ، وأنث على المعنى كما جعل على المعنى في قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ في السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ﴾ [النجم: 26] والكلام خرج على لفظ القرية في قوله: ﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ والمراد أهلها. قال ابن عباس: عتوا على الله وعلى أنبيائهم [[لم أجده، والآية ظاهرة المعنى.]].
وقال مقاتل: خالفت أمر ربها وخالفت رسله [[انظر: "تفسير مقاتل" 159أ، و"التفسير الكبير" 30/ 38.]].
وقال الضحاك: يعني من أهلك من الأمم بتكذيبهم رسل الله وجحودهم بآياته.
قوله تعالى: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ قال مقاتل: فحاسبها الله بعملها في الدنيا فجازاها بالعذاب [[انظر: "تفسير مقاتل" 159/ أ، و"التفسير الكبير" 30/ 38.]] وهو قوله: ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ [[في (س): (شديدا).]]. ففسر المحاسبة بالتعذيب، ونحو هذا قال الضحاك: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ [[من قوله (قال مقاتل) إلى (شديدا) ساقطة من (ك).]] يقول في الدنيا وهو أن الله تعالى لم يتجاوز عنهم وأخذناهم بالعذاب جزاء لما فعلوا من التكذيب [[لم أجده.]]، فجعل المجازاة بالعذاب محاسبة؛ وذلك لأنهم لما [[(لما) ساقطة من (ك).]] استحقوا العذاب بالتكذيب صار كأنه حاسبهم فعذبهم.
وقال الكلبي: هذا على التقديم والتأخير، والمعنى: فعذبناها في الدنيا وحسابناها في الآخرة حسابًا شديدًا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 164، و"الكشف والبيان" 12/ 145 أ، و"زاد المسير" 8/ 298 ونسبه لابن عباس، و"التفسير الكبير" 30/ 38.]].
65:9Page 559
فَذَاقَتۡ وَبَالَ أَمۡرِهَا وَكَانَ عَٰقِبَةُ أَمۡرِهَا خُسۡرًا ٩
And it tasted the bad consequence of its affair [i.e., rebellion], and the outcome of its affair was loss.
﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ أي: ثقل عاقبة أمرها، قال ابن عباس: يريد عاقبة كفرها [[انظر: "جامع البيان" 28/ 92، و"التفسير الكبير" 30/ 38.]] ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ يقول: كان عاقبة أمرها [[في (ك): (عاقبته).]] الخسران في الدنيا والآخرة.
65:10Page 559
أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ قَدۡ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكُمۡ ذِكۡرٗا ١٠
Allāh has prepared for them a severe punishment; so fear Allāh, O you of understanding who have believed. Allāh has sent down to you a message [i.e., the Qur’ān].1
وهو قوله: ﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قال يخوف كفار مكة أن لا يكذبوا محمدًا فينزل بهم ما نزل بالأمم قبلهم.
ثم قال للذين آمنوا ﴿فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
ثم نعتهم فقال قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا﴾ قال أبو إسحاق: رسولاً منصوب على ثلاثة أوجه، أجودها أن يكون قوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ دليلاً [[في (س): (دليل).]] على إضمار أرسل رسولاً [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 188.]]، والمعنى على هذا: أنزل عليكم [[في (س): (إليكم).]] قرآنًا -والذكر هو القرآن- وأرسل رسولاً، وإنزال الذكر يدل على إرسال الرسول؛ لأن الذكر ينزل على الرسول، وهذا الوجه هو قول الكسائي [[قال أبو حيان: ونحا إلى هذا السدي، واختاره ابن عطيه. انظر: "البحر المحيط" 8/ 286.]].
65:11Page 559
رَّسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ قَدۡ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزۡقًا ١١
[He sent] a Messenger [i.e., Muḥammad (ﷺ)] reciting to you the distinct verses of Allāh that He may bring out those who believe and do righteous deeds from darknesses into the light. And whoever believes in Allāh and does righteousness - He will admit him into gardens beneath which rivers flow to abide therein forever. Allāh will have perfected for him a provision.
قال أبو إسحاق: ويكون ﴿رَسُولًا﴾ منصوبًا بقول: ﴿ذِكْرًا﴾ ويكون المعنى: قد أنزل إليكم أن ذكر رسولاً يعني به النبي -ﷺ-.
قال أبو علي: هذا الوجه ﴿رَسُولًا﴾ [[في (س): (رسولاً) زيادة.]] معمول المصدر والتقدير أن ذكر رسولاً [[في (ك): (يكون رسول).]] لأن يتبعوه فيهتدوا بالاقتداء به، ومثل ذلك من إعمال المصدر قوله: ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ [النحل: 73] فشيء مفعول المصدر [[في (س): (المصدر) زيادة.]].
الوجه الثالث: قال أبو إسحاق: ويكون المعنى قد أنزل الله إليكم ذكرًا رسولاً. بدلاً من: ﴿ذِكْرًا﴾ [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 188.]]، قال أبو علي: هذا يكون على تقدير حذف المضاف إلى الذكر، والذكر على هذا القول يحتمل تأويلين:
أحدهما: ذا شرف وصيت [[في (ك): (وصلب).]] كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44].
الآخر: ذا قرآن كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: 44] والإنزال على هذا القول يكون بمعنى الإنشاء والإحداث، كما ذكرنا في قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: 6]. وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: 25].
قال أبو إسحاق: ويكون يعني به جبريل يريد أن المعنى في قوله: فأنزل الله إليكم ذا ذكر رسولاً، وهو جبريل [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 188.]]؛ لأنه أنزل مع القرآن رسولاً إلى النبي -ﷺ، وهذا محتمل وأن يكون النبي -ﷺ أولى لقوله بعده: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾.
وذكر أبو جعفر [[في (س): (أبو جعفر) زيادة.]] النحاس وجهين آخرين في نصب ﴿رَسُولًا﴾ [[انظر: "القطع والائتناف" ص731.]] لا يصح واحد منهما.
أحدهما: أنه قال: ﴿رَسُولًا﴾ بدل من ﴿ذِكْرًا﴾ بمعنى رسالة [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 458.]]. وهذا لا يجوز لقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ ...﴾ إلى آخر الآية. وهو من صفة الرسول لا الرسالة [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 286، و"روح المعاني" 28/ 141.]].
الثاني: أنه قال: ﴿رَسُولًا﴾ أي مع رسول فيكون مفعولًا معه [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 145 ب.]]. وهذا أيضًا غير جائز؛ لأن المفعول معه لا يكون إلا مع الواو كما تقول: استوى الماء والخشبة، ولا يجوز بغير الواو [[انظر: "النحو الوافي" لعباس حسن 2/ 310.]].
قوله تعالى: ﴿قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقًا﴾ قال الزجاج [[(ك): (الزجال).]]: أي رزقه الجنة التي لا ينقطع نعيمها ولا يزول [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 188.]].
ثم ذكر عَزَّ وَجَلَّ ما يدل على توحيده فقال:
65:12Page 559
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ يَتَنَزَّلُ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنَهُنَّ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عِلۡمَۢا ١٢
It is Allāh who has created seven heavens and of the earth, the like of them.1 [His] command descends among them so you may know that Allāh is over all things competent and that Allāh has encompassed all things in knowledge.
قوله تعالى: ﴿الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قال الكلبي: بعضها فوق بعض مثل القبة [[انظر: "تفسير مقاتل" 159 ب، وهو قول الجمهور.
انظر: "البداية والنهاية" 1/ 21، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 385، و"روح المعاني" 28/ 142.
وقال ابن حجر عند شرحه لحديث البخاري في كتاب: المظالم، باب: إثم من ظلم شيئًا من الأرض 3/ 170: وفيه أن الأرضين السبع طباق كالسموات، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ خلافًا لمن قال: إن المراد بقوله سبع أرضين سبعة أقاليم؛ لأنه لو كان كذلك لم يطوق الغاصب شبرًا من إقليم آخر. "فتح الباري" 5/ 105.]].
﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال مقاتل: وخلق من الأرض مثل عدد السموات [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 40.]] ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ قال عطاء: يريد الوحي بينهن إلى خلقه في كل أرض وفي كل سماء [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 95، ولفظه: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ سبعًا ولكنها منبسطة.]].
وقال الكلبي: يعني الوحي، وفي كل أرض منهن خلق وماء [[في (ك): (ومرض).]].
وقال مقاتل: يعني الوحي [[من قوله (وفي كل أرض) إلى (يعني الوحي) ساقطة من (ك).]] من السماء العليا إلى الأرض السفلى [[انظر: "تفسير مقاتل" 159 ب.]].
وقال مجاهد: يتنزل الأمر بينهن بحياة بعض وموت [[في (ك): (ومرض).]] بعض، وغنى واحد [[في (ك): (بعض واحد).]] وفقر آخر، وسلامة هذا وهلاك ذاك [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 40.]]. قال: وهذه الأرض إلى التي تحتها مثل فسطاط بأرض فلاة، وهذه السماء إلى التي فوقها مثل حلقة في فلاة [[انظر: "جامع البيان" 28/ 99.]].
وقال قتادة: في كل سماء من سمائه، وأرض من أرضه خلق من خلقه وأمر من أمره، وقضاء من قضائه [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 299، و"جامع البيان" 28/ 99، و"الدر" 6/ 238.]].
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ قال: بين الأرض السابعة إلى السماء السابعة [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 682، و"جامع البيان" 28/ 100.]].
وروى مجاهد عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم بها [[أخرجه ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن الضريس. انظر: "جامع البيان" 28/ 99، و"الدر" 6/ 238.]].
وروى أبو الضحى [[هو مسلم بن صبيح الهمداني، العطار، ثقة، فاضل، مشهور بكنيته. وقد تقدم.]] عنه قال: في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى، ونحو ما على الأرض من الخلق) [[أخرجه ابن جرير في "تفسيره" 28/ 99، والحاكم في "المستدرك" 2/ 493، == وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 267، وقال: إسناد هذا عن ابن عباس صحيح، وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا، والله أعلم.
وقال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" 1/ 21، وهو محمول إن صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس -رضي الله عنه- عن الإسرائيليات، والله أعلم.
وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 385.
وقال أبو حيان: وعن ابن عباس من رواية الواقدي الكذاب .. ثم ذكر الحديث وقال: وهذا حديث لا شك في وضعه. انظر: "البحر المحيط" 8/ 287.]].
قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ قال الزجاج: معناه أعلمكم ذلك لتعلموا قدرته على كل شيء وعلمه وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وهو منصوب على المصدر؛ لأن قوله: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ معناه: علم كل شيء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 189.]] والله تعالى أعلم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences