Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
At-Tahrim 66:8–12
66:8Page 561
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٨
O you who have believed, repent to Allāh with sincere repentance. Perhaps1 your Lord will remove from you your misdeeds and admit you into gardens beneath which rivers flow [on] the Day when Allāh will not disgrace the Prophet and those who believed with him. Their light will proceed before them and on their right; they will say, "Our Lord, perfect for us our light and forgive us. Indeed, You are over all things competent."
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قال أبو إسحاق: معناه توبة بالغة في [[في (ك): (من).]] النصح [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 194.]].
وقال الفراء: ﴿نَصُوحًا﴾ من صفة التوبة، ومعناه يحدث نفسه إذا تاب من ذلك الذنب ألا يعود إليه أبدًا. هذا كلامه [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 168.]]. والمعنى: توبة تنصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب منه. وهذا معنى قول قتادة وسعيد بن المسيب قالا [[في (س): (هذا قالا).]]: هي الصادقة الناصحة، ينصحون بها أنفسهم [[انظر: "جامع البيان" 28/ 108، و"الكشف والبيان" 12/ 151 أ، و"الدر" 6/ 245.]].
وروي عن عاصم (نصوحًا) بضم النون [[قرأ عاصم ﴿نُصُوحًا﴾ بضم النون، وقرأ الباقون ﴿نَّصُوحًا﴾ بفتحها. انظر: "حجة القراءات" ص 714، و"النشر" 2/ 388، و"الاتحاف" ص 419.]]. قال الفراء: أراد المصدر مثل القعود. ونحو ذلك قال المبرد [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 168، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 303، و"الكشف والبيان" 12/ 151 أ.]] والزجاج. يقال: نصحت لهم نصحًا ونصاحة ونصوحًا [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 194.]]، ويحتمل المصدر هاهنا معنيين:
أحدهما: أنه أراد توبة ناصحة، يسمى الفاعل باسم المصدر.
ويجوز أن يريد به توبة ذات نصوح. وقال أبو زيد نصحته: صدقته، وتوبة نصوح: صادقة [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 250، و"اللسان" 3/ 646 (نصح).]]. وأما قول المفسرين فإنهم كلهم على أن التوبة النصوح هي التي لا يعاود صاحبها بعدها الذنب.
قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: التوبة النصوح أن يجتنب الرجل عمل السوء ثم لا يعود إليه أبدًا [[أخرجه ابن جرير 28/ 108، وابن أبي حاتم، والحاكم 2/ 495، وصححه، وعبد الرزاق. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، و"الدر" 6/ 245.]].
وقال مقاتل بن حيان [[في (س): (بن حيان) زيادة.]]: التوبة النصوح أن يتوب العبد من ذنبه صادقًا في ذلك لا يريد مراجعته ولا يعود فيه [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 367، عن عمر، وأبي، ومعاذ.
وهو المعنى الذي ذكره مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 160/ ب، وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن مجاهد 13/ 568.]]. ووعدهم إذا فعلوا ذلك أن يكفر عنهم سيئاتهم ويدخلهم الله الجنة [[(الجنة) ساقطة من (س).]]، وهو قوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: لا يعذبهم الله بدخول النار، قاله مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب.]]. وذكرنا تفسير الإخزاء عند قوله: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: 192] [[قال: الإخزاء يرد على معان يقرب بعضها من بعض. قال الزجاج: أخزى الله العدو أي أبعده. وقال غيره: الخزي: الهوان، وأخزاه الله، أي: أهانه. وقال شمر: أخزيته: فضحته، وفي القرآن: ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾. وقال ابن الأنباري: معنى الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة، أو بوقوع في بلاء.
وانظر: "تهذيب اللغة" 7/ 490، و"اللسان" 1/ 829، و"المفردات" (147) (خزي).]].
وقوله: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ مفسر في سورة الحديد.
قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ إذا رأى المؤمنون نور المنافقين يطفأ سألوا الله أن يتم لهم نورهم ويبلغهم به الجنة. وهذا معنى قول ابن عباس: لا تطفئه كما أطفأت نور المنافقين [[وهو قول مجاهد، والضحاك، والحسن. انظر: "تنوير المقباس" 6/ 100، و"تفسير مجاهد" 2/ 684، و"جامع البيان" 28/ 108، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 392، و"المستدرك" 2/ 496.]].
قوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال: يريد: من إطفاء نور المنافقين وإثبات نور المؤمنين.
66:9Page 561
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٩
O Prophet, strive against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ مفسر في سورة براءة [[عند تفسيره الآية (73) من سورة التوبة قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: أمره الله بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان. وزاد عطاء عنه بيانًا فقال: يريد جاهد الكفار بالسيوف والرماح والنبل، والمنافقين باللسان وشدة الانتهار وترك الرفق.
﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ يقال: غلظ الشيء يغلط غلظًا في الخلقة، ثم يقال: رجل غليظ إذا كان فظًّا، وغلظ له القول وأغلظ إذا لم يرفق به .. والغلظة قوة في القلب على إحلال الألم بصاحبه، كما أن الرفق ضعف القلب عن ذلك. قال ابن عباس: يريد شدة الانتهار والنظر بالبغضة والمقت. وقال ابن مسعود: هو أن يكفهر في وجوههم.]].
66:10Page 561
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمۡرَأَتَ نُوحٖ وَٱمۡرَأَتَ لُوطٖۖ كَانَتَا تَحۡتَ عَبۡدَيۡنِ مِنۡ عِبَادِنَا صَٰلِحَيۡنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمۡ يُغۡنِيَا عَنۡهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَقِيلَ ٱدۡخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ ١٠
Allāh presents an example of those who disbelieved: the wife of Noah and the wife of Lot. They were under two of Our righteous servants but betrayed them,1 so they [i.e., those prophets] did not avail them from Allāh at all, and it was said, "Enter the Fire with those who enter."
قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ قال صاحب النظم: نظمه: ضرب الله امرأة نوحٍ وامرأة لوط للذين كفروا مثلًا. ثم بين حالهما فقال: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ يعني نوحًا ولوطًا.
وقوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون، وكانت امرأة لوط إذا نزل به الضيف بالليل أوقدت النار حتى يعلم قومه أنه قد نزل به ضيف، وإذا نزل به بالنهار [[في (ك): (النهار) والصواب ما أثبته.]] دخنت [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 368، و"زاد المسير" 8/ 315، وأخرجه الحاكم وصححه، وابن جرير، وعبد الرزاق نحوه.
انظر: "جامع البيان" 28/ 109، و"المستدرك" 2/ 496، و"الدر" 6/ 245.]].
وروى الضحاك عنه قال: ما بغت امرأة نبي قط، إنما كانت خيانتهما في الدين [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 101، و"جامع البيان" 28/ 109، و"الكشف والبيان" 12/ 152 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 393.]]. وقال عكرمة: فخانتاهما في الدين [[انظر: "جامع البيان" 28/ 109، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 393.]].
وروى أن ابن عباس سئل عن قوله ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال: ليس بالزنا، ولكن كانت امرأة نوح تخبر الناس أنه مجنون، وكانت امرأة لوط تدل على الأضياف [[أخرجه ابن جرير، وذكره الثعلبي بألفاظ مقاربة لما هنا.
انظر: "جامع البيان" 28/ 109، و"الكشف والبيان" 12/ 152 ب.]].
وقال مقاتل: كانتا مخالفتين لدينهما [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب.]].
وقال الكلبي: أسرتا النفاق وأظهرتا الإيمان [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 101، و"معالم التنزيل" 4/ 386، و"زاد المسير" 8/ 315.]].
هذا ما ذكره المفسرون في تفسير خيانة امرأة نوح وامرأة لوط، وقد حصل من هذا أن خيانتهما لم تكن في بغاء، لأن الأنبياء عليهم السلام لا يبتليهم الله في نسائهم بفساد، وإنما كانت في الدين [[قال القرطبي: وهذا إجماع من المفسرين فيما ذكره القشيري. انظر: "الجامع" 18/ 202، و"أضواء البيان" 8/ 381.]].
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لم يدفعا عنهما عذاب الله مع كفرهما. وقال مقاتل والكلبي [[في (س): (وقوله وقال الكلبي ومقاتل).]]: يخون عائشة وحفصة في تظاهرهما على الرسول. أي إن عصيا ربهما لم يغن محمد عنهما من الله شيئاً [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 467، و"الكشف والبيان" 12/ 152 ب.]].
وقال صاحب النظم: أي أن من كان كافرًا وكان زوجه ووليه مؤمنًا لم ينفع الكافر إيمان وليه ولا [[(ولا) ساقطة من (س).]] زوجه، ولا الصالح صلاح غيره [[انظر: " التفسير الكبير" 30/ 51، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 393، و"البحر المحيط" 8/ 294.]].
قال أبو إسحاق: أعلم الله أن الأنبياء لا يغنون عمن عمل بالمعاصي شيئًا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 195.]]. وقال المفسرون: قطع الله بهذه الآية طمع من ركب المعصية ورجا أن ينفعه صلاح غيره [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 169، و"معالم التنزيل" 4/ 368.]].
66:11Page 561
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱمۡرَأَتَ فِرۡعَوۡنَ إِذۡ قَالَتۡ رَبِّ ٱبۡنِ لِي عِندَكَ بَيۡتٗا فِي ٱلۡجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرۡعَوۡنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١١
And Allāh presents an example of those who believed: the wife of Pharaoh, when she said, "My Lord, build for me near You a house in Paradise and save me from Pharaoh and his deeds and save me from the wrongdoing people."
ثم أخبر أن معصية الغير لا تضره إذا كان مطيعًا [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 153/ أ.]]، وهو قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾، وهي آسية بنت مزاحم، كانت قد آمنت بموسى، وسألت الله بيتًا في الجنة.
فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ ومعنى عندك أي لا يتصرف فيه إلا بإذنك، وهو الجنة [[قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار. انظر: "البحر المحيط" 8/ 194، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 394.
قلت: لعل مراد المؤلف -رحمه الله- قرب المنزل من الله تعالى، وأنها أرادت ارتفاع الدرجة في الجنة، فتكون في الجنان القريبة من العرش، أما إذا كان مراده تأويل معنى ﴿عِنْدَكَ﴾ بنفي العلو عن الله تعالى، فهو قول ترده آيات كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-، وهو مخالف لما عليه سلف الأمة. والله أعلم.]]. قال المفسرون: كانت تعذب في الله لأجل إيمانها، فسألت الله بيتًا في الجنة، فاستجاب الله لها، فنظرت إلى بيتها في الجنة قبل موتها [[انظر: "جامع البيان" 28/ 110، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 394، وأخرج أبو يعلى، والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة نحوه، و"الدر" 6/ 245.]].
قوله: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ قال مقاتل: وعمله الشرك [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 368.]]. وروى أبو صالح [[في (س): (أبو صالح) زيادة.]] عن ابن عباس: ﴿وَعَمَلِهِ﴾ قال: جماعه [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 153 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 203.]]. ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال الكلبي ومقاتل: المشركين أهل مصر [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 203.]].
قال صاحب النظم: وتأويل الآية أن من كان مؤمنًا وعمل صالحًا لم يضره كفر حميمه ووليه وفساده [[لم أجده، وهو ما ذكره غيره من المفسرين. انظر: "جامع البيان" 28/ 110.]].
قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض على الله وأبعدهم من الله. فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا، أن الله حكم عدل لا يؤاخذ عبدًا إلا بذنبه [[انظر: "جامع البيان" 28/ 109، و"الدر" 6/ 245، ونسب إخراجه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]].
وقال مقاتل: يقول لعائشة وحفصة: لا تكونا بمنزلة امرأة نوح وامرأة لوط في المعصية. وكونا بمنزلة امرأة فرعون ومريم [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 202، عن يحيي ابن سلام.]].
66:12Page 561
وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ ١٢
And [the example of] Mary, the daughter of ʿImrān, who guarded her chastity, so We blew into [her garment] through Our angel [i.e., Gabriel], and she believed in the words of her Lord and His scriptures and was of the devoutly obedient.
قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ وقد تقدم تفسيره في سورة الأنبياء [[عند تفسيره الآية (91) من سورة الأنبياء.]].
قال مقاتل: أحصنت فرجها عن الفواحش، وإنما ذكرت بذلك لأنها قذفت بالزنا [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 50.]]. وقال الكلبي: يعني فرجها ثوبها [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 103، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 169، ونسبه للمفسرين.]].
قال الزجاج: والعرب تقول للعفيف: هو نقي الثوب وهو طيب الحُجْزة. تريد أنه عفيف، وأنشد للنابغة [["ديوان النابغة الذبياني" ص 49، و"تهذيب اللغة" 4/ 124، و"اللسان" 1/ 574 (حجز)، و"الخزانة" 4/ 393.
والسباسب والبسابس: القفار، واحدها: سبسب وبسبس، ومنه قيل للأباطيل: الترهات البسابس. "تهذيب اللغة" 12/ 315 (سب).]]:
رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب
ونحو هذا قال الفراء، وهو مستقصى فيما تقدم [[في (س): (ونحو هذا قال الفراء وهو مستقصي فيما تقدم) زيادة، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 169.]]، والدليل على القول الثاني قوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ أي في فرج ثوبها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 196.]].
قال مقاتل: يعني في الجيب، وذلك أن جبريل مد حبيب درعها بإصبعه ثم نفخ في جيبها، فحملت [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 أ.]]. وهذا قول جماعة المفسرين [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، و"جامع البيان" 28/ 110، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 394.]]. ومن حمل الفرج على حقيقته في هذه الآية جعل الكناية في قوله: (فيه) من غير مذكور، وهو حبيب الدرع [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 203.]].
قوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ قال مقاتل: يعني بعيسى أنه نبي الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 55.]]، ويدل على هذا قراءة الحسن (بكلمةِ ربها) على الواحد [[قرأ بها الحسن، وأبو العالية، وأبو مجلز، وعاصم الجحدري، وغيرهم. انظر: "زاد المسير" 8/ 316، و"البحر المحيط" 8/ 295.]]. وعيسى سمي كلمة الله في مواضع من القرآن [[وردت بهذا المعنى في الآيتين (39، 45) من سورة آل عمران، (171) من سورة النساء.]]، وجمعت تلك الكلمة هاهنا فذكرت باسم الجمع.
وقال أبو علي الفارسي: الكلمات تكون الشرائع التي شرع لها دون القول، لأن ذلك قد استغرقه.
قوله تعالى: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ وكأن المعنى: صدقت بالشرائع التي ابتلي بها إبراهيم فأخذت بها وصدقت الكتاب فلم تكذب بها، وإنما سميت الشرائع كلمات كما سميت الشرائع [[(س): (كلمات كما سميت الشرائع) زيادة.]] التي ابتلي بها إبراهيم كلمات في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124] وقد مر. وهذا الذي ذكرناه قول أبي علي [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 50.]]. وهو معنى قول ابن عباس بكلمات ربها التي جاء بها جبريل. وقوله: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ قال: التي أنزل على إبراهيم وموسى وداود وعيسى [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 103، و"الوسيط" 4/ 324.]].
وقرئ، (وكتابِهِ) على الواحد [[قرأ أبوعمرو وحفص ويعقوب ﴿وَكُتُبِهِ﴾ بالجمع، وقرأ الباقون (وكتابه) بالانفراد. انظر: "حجة القراءات" ص 715، و"النشر" 2/ 389، و"الإتحاف" ص 419.]].
والمراد به الكثرة [[في (ك): (الكثير).]] والشياع أيضًا. وقد يجيء ذلك في الأسماء المضافة كما جاء في المفردة التي بالألف واللام، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]، فكما أن المراد بنعمة الله الكثرة، كذلك في قوله: (وكتابه) [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 304.]].
قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ قال ابن عباس: من الطائعين لله عز وجل [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 104، و"التفسير الكبير" 30/ 50.]].
قال مقاتل: من المطيعين لربها [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 368.]]. وقال عطاء: من المصلين [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 368، و"التفسير الكبير" 30/ 55.]].
قيل: كانت تصلي بين المغرب والعشاء.
وقال قتادة: كانت من القوم المطيعين [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، "جامع البيان" 28/ 110.]]. ولهذا قال: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ دون القانتات: لأنه أراد القوم، وهو عام، كقوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]، ومعنى من القوم القانتين أي من الذين [[(س): (أي من الذين) زيادة.]] هم مقيمون على طاعة الله. ويجوز أن يراد قومها، وذلك أن رهطها الذين كانت منهم مريم مطيعون، وكانوا أهل بيت من الله بمكان [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 368.]]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences