Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Qalam 68:30–52
68:30Page 565
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَلَٰوَمُونَ ٣٠
Then they approached one another, blaming each other.
وقوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30)﴾ يقول [[(ك): (يقولون).]] هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي. ويقول هذا لهذا: أنت [[(ك): (أن).]] منعتنا أن ندخلها المساكين. فكان هذا هو التلاوم بينهم ، قاله عطاء والكلبي [[(س): (قاله عطاء والكلبي) زيادة. وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 123، و"التفسير الكبير" 30/ 90.]].
وقال مقاتل: يلوم بعضهم بعضًا في منع حقوق المساكين [[انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 380.]].
ثم نادوا على أنفسهم بالويل فقالوا: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد طغينا فيما أعطانا الله ولم نأخذه بالشكر كما صنعت الآباء. فدعوا الله وتضرعوا [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 169/ أ، و"الوسيط" 4/ 338، و"معالم التنزيل" 4/ 380، ومن نسبه منهم عزاه لابن كيسان.]]. ثم اجتمع [[(ك): (احتج).]] القوم وتعاقدوا إن أبدلنا الله [[(ك)، (س): (الله أبدلنا).]] بها خيرًا منها لنصنعن كما صنعت الآباء. فدعوا الله وتضرعوا إليه وسألوه ذلك، وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم الله بها خيرًا منها جنة يقال لها: الحيوان، فيها عنب ليس يحمل البغل منها إلا عنقودًا، فذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)﴾ [[أخرجه الثعلبي وغيره عن ابن مسعود -رضي الله عنه-.
انظر: "الكشف والبيان" 12/ 169/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 381، و"غرائب القرآن" 29/ 21.]]، وفي هذا إشارة إلى أنهم لما بلوا بذهاب ما لهم تذكروا فرجعوا إلى الله تعالى بالرغبة. وهو وعظ لأهل مكة بالتذكير والرجوع إلى الله تعالى. فلما بلاهم بالجدب حين دعا عليهم الرسول -ﷺ- فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر [[(ك): (أهل مضر).]]، واجعلها سنين كسنى يوسف" [[متفق عليه. أخرجه البخاري في مواضع من "صحيحه"، كتاب: الجهاد، باب: الدعاء على المشركين 4/ 52، وكتاب: التفسير، سورة النساء 6/ 61، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة 1/ 466، وأحمد في "المسند" 9/ 239.
ولفظ البخاري. "اللهم أنج سلمة بن هشام، الله أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين كسني يوسف".]].
وقال عطاء عن ابن عباس: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر وحلفوا ليقتلن محمدًا وأصحابه وليرجعن إلى مكة حتى يطوفوا بالبيت ويشربوا الخمر ويضرب القيان على رؤوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقطع رجاهم فقتلوا وأسروا وانهزموا [[(س): (وانهزموا) زيادة.]] كأهل هذه الجنة لما انطلقوا إليها عازمين على الصرام وإحراز المال دون المساكين فلما انتهوا إليها وجدوها سوداء محترقة، فخاب ظنهم وأخلف رجاؤهم، فذلك قوله: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ يعني [[(س): (يعني) زيادة.]] كما ذكر من إحراقها بالنار [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 246، و"البحر المحيط" 8/ 313.]]. وتم الكلام هاهنا لتمام قصة أصحاب الجنة [[انظر: "المكتفى في الوقف والابتداء" (582).]].
ثم ذكر عذاب الآخرة فقال: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعني المشركين. قال ابن عباس: يريد أن عذاب الآخرة أكبر من عذاب الدنيا وأعظم [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 123.]].
68:31Page 565
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ ٣١
They said, "O woe to us; indeed we were transgressors.
No commentary for this ayah
68:32Page 565
عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبۡدِلَنَا خَيۡرٗا مِّنۡهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ ٣٢
Perhaps our Lord will substitute for us [one] better than it. Indeed, we are toward our Lord desirous."1
No commentary for this ayah
68:33Page 565
كَذَٰلِكَ ٱلۡعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٣٣
Such is the punishment [of this world]. And the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.
No commentary for this ayah
68:34–38Page 565
إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٣٤
Indeed, for the righteous with their Lord are the Gardens of Pleasure.
أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥
Then will We treat the Muslims like the criminals?
مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٦
What is [the matter] with you? How do you judge?
أَمۡ لَكُمۡ كِتَٰبٞ فِيهِ تَدۡرُسُونَ ٣٧
Or do you have a scripture in which you learn
إِنَّ لَكُمۡ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ٣٨
That indeed for you is whatever you choose?
ثم أخبر بما عنده للمتقين فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34)﴾ قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إنا نعطى في الآخرة أفضل مما تعطون. فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب، و"التفسير الكبير" 30/ 91، و"غرائب القرآن" 29/ 21.]] ثم وبخهم فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾ إذ حكمتم أن لكم من الخير ما للمسلمين ﴿أَمْ لَكُمْ﴾ بل ألكم ﴿كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون ﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ في ذلك الكتاب ﴿لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ تختارون وتشتهون. أي: أعندكم كتاب من الله بهذا و ﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ وكسر إن لمكان اللام في (لَمَا) [[انظر "معاني القرآن" للفراء 3/ 176، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 489.]].
68:39Page 565
أَمۡ لَكُمۡ أَيۡمَٰنٌ عَلَيۡنَا بَٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّ لَكُمۡ لَمَا تَحۡكُمُونَ ٣٩
Or do you have oaths [binding] upon Us, extending until the Day of Resurrection, that indeed for you is whatever you judge?
﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ قال مقاتل: يقول: ألكم عهود على الله بالغة ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ استوثقتم بها منه فلا تنقطع. أعهدكم [[(س): (عهدكم).]] إلى يوم القيامة بأن لكم الذي تقضون لأنفسكم من الخير [[انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب.]].
وقال عطاء: يريد ألكم عهد مني ألا أصيبكم بعذاب ولا عقوبة [[لم أجده.]].
ومعنى ﴿بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: متناهية في التأكيد تنتهي إلى يوم القيامة. فتكون (إلى) من صلة (بالغة). هذا قول الكسائي [[انظر: "التفسير الكبير" 35/ 93.]]. ويجوز أن يكون (إلى) من صلة الأيمان، أي: أيمان إلى يوم القيامة. ويكون معنى (بالغة) مؤكدة، كما تقول جيد بالغ وكل شيء متناه في [[(ك): (فهو في)، والتصحيح من "الوسيط".]] الصحة والجودة فهو بالغ [[انظر: "الوسيط" 4/ 338، و"التفسير الكبير" 30/ 93، و"زاد المسير" 8/ 339.]]. ويدل على هذا المعنى قراءة الحسن (بالغةً) بالنصب [[قرأ الجمهور ﴿بَالِغَةٌ﴾. وقرأ الحسن، وزيد بن علي (بالغة) بالنصب على الحال. انظر: "معانى الفراء" 3/ 176، و"البحر المحيط" 8/ 315، و"الإتحاف" (421).]] على معنى حقًّا. كأنه قيل: أيمان علينا حقًّا بلغت حقيقة التأكيد، هذا كله معنى قول الفراء [[(س): (هذا كله معنى قول الفراء) زيادة. وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 176.]]. وقال أبو إسحاق: أي حلف لكم على ما تدعون في حكمكم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 209.]].
68:40Page 565
سَلۡهُمۡ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ ٤٠
Ask them which of them, for that [claim], is responsible.
ثم قال لرسوله -ﷺ-: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40)﴾ أيهم كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين. وذكرنا معنى الزعيم عند قوله: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [[من آية (72) من سورة يوسف. وانظر: "تفسير غريب القرآن" (480)، و"مفردات الراغب" (213) (زعم).]].
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ يعني بل ألهم شركاء. يعني ما كانوا يجعلونهم شركاء لله ، وهذا كقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: 40]، فأضاف الشركاء إليهم لأنهم جعلوها شركاء لله فأضافها إليهم بفعلهم. والتأويل: أم عندهم لله شركاء فليأتوا بهؤلاء الشركاء ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في أنها شركاء لله.
68:41Page 565
أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَآءُ فَلۡيَأۡتُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٤١
Or do they have partners?1 Then let them bring their partners, if they should be truthful.
No commentary for this ayah
68:42Page 565
يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٤٢
The Day the shin will be uncovered1 and they are invited to prostration but they [i.e., the disbelievers] will not be able,
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ ظرف لهذا الأمر. أي: فليأتوا بها في ذلك اليوم [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 381، و"غرائب القرآن" 29/ 22.]]. وذلك أنها تبطل وتزهق فلا تنفعهم بشيء. يقول الله: ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة لتنفعهم وتشفع لهم. وهذا الذي ذكرنا معنى ما ذكره صاحب النظم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 248.]].
وأما معنى قوله: ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ فروى عكرمة عن ابن عباس قال: عن شدة. ألم تسمع إلى قول الشاعر [[أخرجه الطستي في مسائل عن ابن عباس. انظر: "الدر" 6/ 255، وهو مندرج في الأثر الآتي. ولم أجد للبيت قائلاً.]]:
وقامتِ الحربُ بنا على ساقْ
قال: وسئل ابن عباس عن هذه الآية فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب. أما سمعتم قول الشاعر:
سن لنا قومك ضرب الأعناق ... وقامت الحربُ بنا على ساق ثم قال [[(ك): (قال) زيادة.]]: هو يوم كرب وشدة [[أخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 499، وابن جرير في "جامعه" 29/ 24، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وفي "الدر" 6/ 254 نسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وحسن إسناده الحافظ في "فتح الباري" 13/ 428، وانظر: "الأسماء والصفات" للبيهقي وما ذكره محققه وقد بين ضعف إسناده. فليراجع 2/ 183.]].
وروى عطاء عنه قال: يريد شدة في الآخرة.
وروى إبراهيم عنه أيضًا: عن شدة الأمر [[(س): من قوله (وروى عطاء) إلى هنا زيادة. وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 381 عن سعيد بن جبير.]].
قال [[(ك): (وقال ابن عباس: يريد شدة في الآخرة. قال).]]: وقال ابن عباس يكشف عن أمر عظيم [[انظر: "جامع البيان" 29/ 24، و"الدر" 6/ 254، ونسب تخريجه للفريابي، والبيهقي في "الأسماء والصفات"، وابن منده، وسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي، ولم أجده عند البيهقي.]].
وروى مجاهد عنه قال: هو أشد ساعة في القيامة. فهذا ما روي عن عباس في هذه الآية [[(س): (فهذا ما روي عن ابن عباس في هذه الآية) زيادة. وقال البيهقي بعد ذكره الروايات: هذا ما روينا عن ابن عباس في المعنى يتقاربان، وقد روي عن ابن عباس بهذا اللفظ، وروي بمعناه. "الأسماء والصفات" 2/ 184.]]. ونحو هذا [[(ك): (ونحوه).]] قال سعيد بن جبير ومجاهد [[س: (ومجاهد) زيادة.]] وقتادة. قالوا: عن شدة الأمر وبلاء عظيم [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 310، و"جامع البيان" 29/ 24، و"الدر" 6/ 255.]]. وهذا قول جميع أصحاب اللغة [[(س): (وهذا قول جميع أصحاب اللغة) زيادة.]].
قال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر والحرب قيل: قد كشف الأمر عن ساقه، وأنشد لقيس بن زهير [[(س): (القيس بن زهير) زيادة. وهو قيس بن زهير بن جذيمة، يكنى أبا هند، شاعر وفارس جاهلي، كان سيد عبس، وله أخبار مشهورة يوم داحس والغبراء. انظر: "الأغاني" 17/ 187، و"المؤتلف والمختلف" (255)، و"الخزانة" 3/ 536، و"شرح شواهد المغني" (113)، و"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" (287).]] فقال:
فإذ شمرت [[(ك): (شمر).]] لك عن ساقها ... فويهًا ربيع ولا تسأم [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 266، وورد البيت منسوبًا في "اللسان" 3/ 998 (ويه) وقوله فويها أصلها (ويه) من أدوات الإغراء فَنَوَّنَها فقال: فويهًا.]]
وروى الفراء بإسناده [[(س): (والفراء بإسناده) زيادة.]] عن ابن عباس [[أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 185، بإسناد صحيح. وصححه الحافظ في "الفتح" 428/ 13.]] أنه قال: يريد يوم القيامة والساعة لشدتها. قال الفراء أنشدني بعض العرب لجد [[(ك): (وأنشد الفراء لجد).]] طرفة [[(ك)، (س): (أبي طرفة)، والصواب ما أثبته. وهو سعد بن مالك، جد طرفة بن العبد. شاعر جاهلي، واحد سادات بكر بن وائل وفرسانها.
انظر: "طبقات فحول الشعراء" (49)، و"المؤتلف والمختلف" (198)، و"شرح الحماسة" للتبريزى 73/ 2، و"الحماسة" لأبي تمام 1/ 265، و"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" (148).]]:
كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشرِّ الصراح [[والبيت ورد في "معاني القرآن" للفراء 3/ 177، و"الخصائص" 3/ 252، و"اللسان" == 2/ 243 (سوق)، و"الحماسة" لأبي تمام 1/ 266، و"المحتسب" 2/ 326. والصراح والصراح: الخالص من كل شيء.]] وقال أبو إسحاق: معنى ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ كشف عن الأمر الشديد. وأنشد:
قد شمرت عن ساقها فشدوا [[(ك): (وشدوا).]] ... وجدت الحربُ بكم [[(ك): (الحرب بكم) ساقطة.]] فجدوا
والقوس فيها وتر عردُّ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 210.
والبيت ورد في خطبة الحجاج أول ما قدم أميرًا على العراق. والأبيات لحنظلة بن ثعلبة. انظر: "الكامل" 1/ 224، و"اللسان" 2/ 827 (عرد)، و"العقد الفريد" 4/ 121، و"شرح شواهد الشافية" (300).
والعُرُدُّ: هو الشديد في كل شيء. يقال: إنه لقوي شديد عرد. "اللسان" 2/ 728 (عرد).]]
وقال ابن قتيبة: أصل هذا أن الرجل إذا وقع [[(ك): (وقع) ساقطة.]] في أمر عظيم يحتاج إلى معاناته والجد [[(س): (والجد) زيادة.]] شمر عن ساقه. فاستعيرت الساق والكشف عنها في موضع الشدة [[انظر: "تأويل المشكل" (137).]]. قال دريد يرثي رجلاً:
كميش الإزار خارج نصف ساقهِ ... جسور على الجلاء طلاع أنجد [[البيت من قصيدة قالها في أخيه عارضة بن الصمة. ويروى:
بعيد عن الآفات طلاع أنجد
انظر: "ديوانه" (49)، و"الحماسة" لأبي تمام 1/ 398، و"الأصمعيات" (108)، و"جمهرة أشعار العرب" (223)، و"تهذيب اللغة" 9/ 231 (سوق)، و"الخزانة" 1/ 260. == وقوله: (طلاع أنجد) أي: أنه يعلو الأمور فيقهرها بمعرفته وتجاربه. والأنجد: جمع النجد، وهو الطريق في الجبل وكذلك الثية. "اللسان" 2/ 605 (طلع)، و"القاموس المحيط" (كمش، طلع).]] وقال الهذلي:
وكنت إذا جاري دعا لمضوفةٍ ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري [[انظر: "ديوان الهذليين" 3/ 92، و"المحتسب" 1/ 214، و"الخزانة" 7/ 417، و"اللسان" 2/ 561 (ضيف).]]
وأنشد أيضًا فقال [[ورد في البيت غير منسوب في "تفسير غريب القرآن" (481)، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 248، و"البحر المحيط" 8/ 316، و"الدر المصون" 1/ 417.]]:
في سنةٍ قدكشفت عن ساقها ... حمراء تبرى اللحم عن عراقها
وزاد غيره بيانًا فقال: تأويل الآية: يوم يشتد الأمر كما يشتد ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن ساق. وقد كثر هذا في كلام العرب حتى صار كالمثل في شدة الأمر [[قال ابن القيم -رحمه الله-: والصحابة متنازعون في تفسير الآية، هل المراد الكشف عن الشدة، أو المراد بها أن الرب تعالى يكشف عن ساقه ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر من الصفات أم لا في غير هذا الموضع، وليس في ظاهر القرآن ما يدل على أن ذلك صفة الله؛ لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه، وإنما ذكره مجرداً عن الإضافة منكرًا، والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته. وهو حديث الشفاعة الطويل وفيه: فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجدًا: ومن حمل الآية على ذلك قال قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ مطابق لقوله -ﷺ- ... نكيره للتعظيم والتفخيم كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة جلت عظمتها وتعالى شأنها .... وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه، فإن لغة القوم في مثل == ذلك أن يقال: كشفت الشدة من القوم لا كشف عنها كما قاله الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50)﴾ .. فالعذاب، والشدة هو المكشوف لا المكشوف عنه. "الصواعق المرسلة" 1/ 252 - 253. وانظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 2/ 127، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 2/ 181، 183.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ قال مقاتل: وذلك أنه تدمج أصلاب الكفار يومئذ فيكون عظمًا واحداً مثل صياصي [[صياصي البقر: أي قرونها واحدتها صيصية بالتخفيف. انظر: "النهاية" 3/ 9 (صيص).]] البقر، لأنهم لم يسجدوا لله في الدنيا.
وهذا قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"جامع البيان" 29/ 24، و"معالم التنزيل" 4/ 382، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 408.]]. قالوا: إذا كان ذلك سجد [[(ك)، (س): (سجدوا).]] الخلق كلهم لله سجدة واحدة. ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا [[(ك): (يسجد).]] فلا يستطيعون؛ لأن أصلابهم أيبس فلا تلين للسجود.
قال ابن مسعود: وأما المؤمنون فيخرون سجدًا، وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقًا كأن فيها السفافيد [[أخرجه ابن جرير وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا. وقال القرطبي: قلت: معنى حديث أبي موسى وابن مسعود ثابت في "صحيح مسلم" من حديث أبي سعيد الخدري وغيره. انظر: "صحيح مسلم" كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية 1/ 168 - 169.
قلت: ورواه البخاري في كتاب: التفسير، سورة القلم 6/ 198 من حديث أبي سعيد أيضًا. == انظر: "جامع البيان" 29/ 25، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 250.
والسفافيد: جمع سفود. وهو حديدة ذات شُعب معقفة، معروفة، يشوى بها اللحم. "اللسان" (سفد).]].
قوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني حين أيقنوا بالعذاب وعاينوا النار [[انظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"جامع البيان" 29/ 27.]]. وهي حال من قوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ قال ابن عباس: يلحقهم ذل الندامة والحسرة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 383.]].
قوله: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ يعني في الدنيا حين كانوا يدعون إلى الصلاة المكتوبة ويؤمرون بها وهم معافون [[(ك): (معاقبون).]] ليس في أصلابهم مثل سفافيد الحديد. ومعنى قوله: ﴿يُدْعَوْنَ﴾ أي بالأذان والإقامة. وهذا الذي ذكرنا قول ابن عباس ومقاتل وإبراهيم التيمي [[(س): (إبراهيم التيمي) زيادة. وانظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"جامع البيان" 29/ 27، و"معالم التنزيل" 4/ 383.]]. قال سعيد بن جبير: كانوا يسمعون حيّ على الفلاح فلا يجيبون. وفي هذا وعيد لمن قعد عن الجماعة ولم يجب الأذان إلى إقامة الصلاة في الجماعة [[انظر: "جامع البيان" 29/ 27، و"معالم التنزيل" 4/ 383، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 251.]].
قوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يريد القرآن. قاله ابن عباس. وقال مقاتل: يقول لمحمد: خل بيني وبين من يكذب بهذا القرآن فأنا أنفرد بهلكتهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 251، و"البحر المحيط" 8/ 317.]].
قال أبو إسحاق: معناه لا تشغل قلبك به، كله إليّ فإني أكفيك أمره [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 211.]].
قوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: نأخذهم قليلاً قليلاً فلا نباغتهم. قال ابن عباس: أمكر بهم من حيث لا يعلمون [[انظر: "الجامع لاحكام القرآن" 18/ 251.]]. وهذا مفسر في سورة الأعراف مع الآية التي بعدها [[عند تفسيره الآية (182 - 183) من سورة الأعراف.]].
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ مع الآية التي بعدها مفسر في سورة الطور [[عند تفسيره الآية (40 - 41) من سورة الطور.]].
68:43Page 566
خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ وَقَدۡ كَانُواْ يُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمۡ سَٰلِمُونَ ٤٣
Their eyes humbled, humiliation will cover them. And they used to be invited to prostration while they were sound.1
No commentary for this ayah
68:44Page 566
فَذَرۡنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِۖ سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٤
So leave Me, [O Muḥammad], with [the matter of] whoever denies this statement [i.e., the Qur’ān]. We will progressively lead them [to punishment] from where they do not know.1
No commentary for this ayah
68:45Page 566
وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ٤٥
And I will give them time. Indeed, My plan is firm.
No commentary for this ayah
68:46Page 566
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٦
Or do you ask of them a payment, so they are by debt burdened down?
No commentary for this ayah
68:47Page 566
أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤٧
Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?
No commentary for this ayah
68:48Page 566
فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومٞ ٤٨
Then be patient for the decision of your Lord, [O Muḥammad], and be not like the companion of the fish [i.e., Jonah] when he called out while he was distressed.
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ قال مقاتل: اصبر على الأذى لقضاء ربك الذي هو آت [[انظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 384، و"التفسير الكبير" 30/ 98.]]. ﴿وَلَا تَكُنْ﴾ في الضجر والعجلة ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ يعني يونس بن متى. قال الكلبي ومقاتل: يقول: لا تضجر كما ضجر، ولا تعجل كما عجل، ولا تغضب كما غضب [[انظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 310، و"جامع البيان" 29/ 29.]]. ثم أخبر عن عقوبة يونس حين لم يصبر وعجل بقوله: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾، والعامل في (إذ) معنى قوله: ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 317.]] يريد: لا تكن كمن صحب الحوت إذ نادى، وليس العامل فيه (تكن) لأنه ليس المعنى: لا تكن مثله إذ نادى ربه من بطن الحوت بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. وقوله ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي مملوء غمًّا وكربًا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 211.]]. ومثله ﴿كَظِيمٌ﴾، وقد مر [[عند تفسيره الآية (84) من سورة يوسف. قال: الكظيم: الساكت على غيظه، يقال: ما يكظم فلان على حرة إذا كان لا يحتمل شيئًا وفلان كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئًا حزنًا ممسكًا عليه.
وانظر: "اللسان" 3/ 265، و"المفردات" (432) (كظم).]].
قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: رحمة من ربه [[(ك): (ربك).]]، وهو أن رحمه وتاب عليه [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 126، و"تفسير مقاتل" 164/ ب، و"جامع البيان" 29/ 29، و"الكشف والبيان" 12/ 173/ أ.]] ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض. وذكرنا تفسير هذا عند قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [[عند تفسيره الآية (145) سورة الصافات. قال: العراء: المكان الخالي. قال أبو عبيدة: وإنما قيل له: عراء، لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه. وقال الليث: العراء: الأرض الفضاء التي لا تستر بشيء.]]، وقوله: ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ قال ابن عباس والحسن [[(س): (والحسن) زيادة.]]: مذنب [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 126، وذكر ابن كثير في "تفسيره" 4/ 408 عن ابن عباس ومجاهد والسدي قوله: (وهو مغموم).]].
وقال الكلبي: (مذموم) ملوم مبعد من كل خير [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 254.]].
وقال مقاتل: يذم ويلام [[انظر: "تفسير مقاتل" 164/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 384.]]. ولكن ربه منَّ عليه فنبذ بالعراء وهو سقيم، وليس بمذموم للنعمة التي تداركه.
قال أبو إسحاق: المعنى أنه قد نبذ بالعراء وهو غير مذموم؛ لأن النعمة قد شملته [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 211.]]. ويدل على ذلك قوله: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ قال ابن عباس: فاستخلصه واصطفاه الله [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 126، و"معالم التنزيل" 4/ 384، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 254.]]، ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس: رد إليه الوحي وشفعه في قومه وفي نفسه [[انظر: "زاد المسير" 8/ 343، و"التفسير الكبير" 30/ 99.]].
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال الأخفش: (إن) مخففة من الثقيلة كما تقول: إن كان عبدُ الله لظريفًا. فمعناه [[(ك): (معناه).]]: إن عبد الله لظريف قبل اليوم [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 712.]].
وقوله: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ من أزلقه عن موضعه إذا رماه ونحاه، وهذه [[(ك): (بهذه).]] قراءة العامة. وقرأ نافع بفتح الياء [[قرأ الجمهور ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بضم الياء، وقرأ نافع وأبو جعفر ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بفتح الياء. وهما لغتان، يقال: أزلق يزلق، وزلق يزلق، والمعنى واحد.
انظر: "حجة القراءات" (718)، و"النشر" 2/ 389، و"الإتحاف" (422).]]. يقال: زلق هو وزلقته. مثل: شترت عينه وشترتها أنا [[الشتر: انقلاب في جفن العين قلما يكون خلقة. والشتر مخففة: فعلك بها. "اللسان" 2/ 268 (شتر).]] وحزن وحزنته [[لغتان: تقول: حزنني يحزنني حزنًا فأنا محزون. ويقولون: أحزنني فأنا محزن وهو محزن. "اللسان" 1/ 627 (حزن).]] ، والأول أكثر وأوسع؛ لأنه يقال: زلق من موضعه وأزلقته أنا فينقل الفعل بالهمزة. والمفسرون بعضهم علي أن هذه الآية نزلت في قصد الكفار أن يصيبوا رسول الله -ﷺ- بالعين، وكانوا ينظرون إليه نظرًا شديدًا ويقولون [[(ك): (قال ويقولون).]]: ما رأينا مثله ولا مثل حججه، يريدون أن يصيبوه [[(ك): (يصيبونه).]] بالعين. وهذا قول الكلبي ومن تابعه [[وهو قول قتادة، والنضر بن شميل، والأخفش، والسدي، وغيرهم.
انظر: "جامع البيان" 29/ 30، و"الكشف والبيان" 12/ 173/ ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 409، ورجحه.]].
قالوا: ذكر الله شدة نظرهم إليه للإصابة بالعين. وأما أهل التحقيق من المفسرين وأصحاب العربية فإنهم ذهبوا إلى غير هذا. قال الفراء: إن كادوا ليزلقونك. أي ليرمونك ويزيلونك [[(ك): (ويزلقونك).]] عن موضعك بأبصارهم، كما يقال: كاد يصرعني لشدة نظره إليّ. وهو بين من كلام العرب كثير [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 179.]].
وقال المبرد: أي يحدون النظر إليك حتى يكاد يزلقك نظرهم. وهذا كلام معروف عند العرب.
وقال أبو إسحاق: مذهب أهل اللغة والتأويل أنهم من شدة إبغاضهم وعداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك. وهذا مستعمل في الكلام. يقول القائل: نظر إلى فلان نظرًا يكاد يصرعني [[(س): من قوله (لشدة نظره إلى وهو بين) إلى هنا زيادة.]] ونظرًا يكاد يأكلني. وتأويله أنه نظر إليَّ نظرًا لو أمكنه معه [[(ك): (معه)، (س): (معي).]] أكلي، أو أن يصرعني لفعل. وهذا واضح [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 212.]].
وقال ابن قتيبة: ليس يريد الله عز وجل في هذا الموضع أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرًا شديدًا بالعداوة والبغضاء، يكاد يزلقك أي يسقطك كما قال الشاعر [[البيت ورد غير منسوب في "تفسير غريب القرآن" (482)، و"مشكل القرآن" (170 - 171)، و"البيان والتبيين" 1/ 11، و"الكشاف" 4/ 478، و"زاد المسير" 8/ 344، و"اللسان" 3/ 60 (قرض)، و"البحر المحيط" 8/ 317 ومعنى (يتقارضون) أي: ينظر بعضهم إلى بعض نظر عداوة وبغضاء.]]:
يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرًا يزيل مواطئ الأقدام
وقال أبو علي: معنى ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ أنهم ينظرون إليك نظر البغضاء كما قال: ينظر الأعداء المنابذون، وأنشد البيت الذي أنشده ابن قتيبة [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 312 - 313، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 256.]]. والدليل على صحة ما ذهب إليه هؤلاء أن الله تعالى قرن هذا النظر بسماع القرآن. وهو قوله: ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾، وهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهية فيحدون إليه النظر بالبغضاء، والإصابة بالعين إنما تكون مع الإجاب والاستحسان، ولا تكن مع الكراهية والبغض، ويدل على ما ذكرناه قوله: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أي: ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن [[نسبه الرازي إلى الجبائي ثم قال: واعلم أن هذا السؤال ضعيف؛ لأنهم وإن كانوا يبغضونه من حيث الدين لعلهم كانوا يستحسنون فصاحته وايراده للدلائل. انظر: "التفسير الكبير" 30/ 100، ونسبه القرطبي في "جامعه" 18/ 255 للقشيري.
قلت: بل حال المشركين في مكة مع القرآن والنبي -ﷺ- يدل على غاية الاستحسان ونهاية التعجب ولم ينسبوه -ﷺ- إلى السحر والكهانة وغير ذلك إلا لشدة تأثيره على السامع، وقد بذلوا كل ما في وسعهم لصد القادمين إلى مكة من ملاقاة النبي -ﷺ- أو سماعه وما ذاك إلا خشية دخول الناس في هذا الدين وصدق الله إذ يقول: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]، وليس في الآية ما يمنع الجمع بين نظر العداوة والبغضاء، ونظر الحسد والإصابة بالعين، والله أعلم.]] ، فقال الله: ﴿وَمَا هُوَ﴾ يعني القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: موعظة للمؤمنين [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 385.]]. والله تعالى أعلم.
68:49Page 566
لَّوۡلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعۡمَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ مَذۡمُومٞ ٤٩
If not that a favor [i.e., mercy] from his Lord overtook him, he would have been thrown onto the naked shore while he was censured.1
No commentary for this ayah
68:50Page 566
فَٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٥٠
And his Lord chose him and made him of the righteous.
No commentary for this ayah
68:51Page 566
وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونٞ ٥١
And indeed, those who disbelieve would almost make you slip with their eyes [i.e., looks] when they hear the message, and they say, "Indeed, he is mad."
No commentary for this ayah
68:52Page 566
وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٥٢
But it is not except a reminder to the worlds.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences