Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:143–145
7:143Page 167
وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٤٣
And when Moses arrived at Our appointed time and his Lord spoke to him, he said, "My Lord, show me [Yourself] that I may look at You." [Allāh] said, "You will not see Me,1 but look at the mountain; if it should remain in place, then you will see Me." But when his Lord appeared to the mountain, He rendered it level,2 and Moses fell unconscious. And when he awoke, he said, "Exalted are You! I have repented to You, and I am the first [among my people] of the believers."3
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾، قال الزجاج: (أي: في الوقت الذي وقتنا له) [["معاني الزجاج" 2/ 372، ونحوه قال الطبري 9/ 49، والنحاس في "معانيه" 3/ 74.]]، ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾. قال المفسرون: (خص الله تعالى [[لفظ: (تعالى) ساقط من (ب).]] موسى عليه السلام بأن أسمعه كلامه من غير أن يكون بينهما أحد، فلما سمع كلام الله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 49 - 50، وقد أخرجه من طرف جيدة عن السدي وابن إسحاق والربيع بن أنس وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 373، والسمرقندي 1/ 567.]].
قال الزجاج: (المعنى: أرني نفسك انظر إليك) [["معاني الزجاج" 2/ 373.]]، وهذا يقطع بأن موسى سأل رؤية الباري، ولو كانت الرؤيا لا تصح في وصفه ما سأل موسى ذلك؛ لأنه كان أعلم بالله من أن يسأله ما يستحيل في وصفه، وليس يحتمل قوله: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ إلا أنه سأله أن يريه نفسه لينظر إليه، وليس يصح أن يقال: إنه سأل أمرًا عظيما على تقدير: أرني أمرًا، أنظر إلى أمرك، ثم حذف المفعول والمضاف؛ لأن سياق الآية يدل على بطلان هذا، وهو قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾. ولا يجوز أن يحمل جميع هذا على حذف المضاف، ولأنه لو سأل آية وأمرًا لأعطاه الله تعالى ما سأل كما أعطاه سائر الآيات، وأي معنى لإحالته على استقرار الجبل ووقوعه مغشيًا عليه، وتوبته بعد ذلك، هذا كله لا يكون في سؤاله أمرًا وعلامة [[انظر: "بدائع التفسير" 2/ 264 - 266.]].
قال أبو إسحاق: (ليس في الكلام دليل على أن موسى أراد أن يرى أمرًا عظيما من أمر الله عز وجل؛ لأن الله تعالى أراه من الآيات ما لا غاية بعده: العصا، واليد، وفرق البحر، فكان يستغنى بما أراه عن أن يطلب أمرًا من أمر الله عز وجل عظيما ، ولكنه لما سمع كلام الله تعالى [[لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).]] {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}، أي: قد سمعت كلامك فأنا أحب أن أراك) [["معاني الزجاج" 2/ 374 وزاد فيه: (وهذا خطأ لا يعرفه أهل اللغة) اهـ.]]
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾. هذا [[في (ب): (في هذا أيضًا دليل).]] أيضًا دليل على جواز الرؤية، لأنه لو كان مستحيل الرؤية لقال: لا أرى، ألا ترى أنه لو كان في يد رجل حجر فقال له إنسان: ناولني هذا لآكل، فإنه يقول: (هذا لا يؤكل)، ولا يقول: لا تأكل، ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة لقال: لا تأكل، أي: هذا مما يؤكل ولكنك لا تأكل.
وفي قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ إبطال قول من يقول: إن موسى سأل الرؤية لقومه؛ لأنهم [[انظر: "الكشاف" 2/ 113.]] قالوا ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: 153]، فسأل موسى الرؤية ليتبين لهم أن ذلك لا يجوز، وذلك أنه لو كان سؤال الرؤية لقومه لقال [[في (أ): (قال)، وهو تحريف.]]: لن يروني، ولقال موسى: أرهم [[في (ب): (أراهم)، وهو تحريف.]]، فلما قال ﴿أَرِنِي﴾ وقيل له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ بطل أن يكون السؤال لقومه، وقول من قال: إن (لن) [[لفظ: (لن) ساقط من (ب).]] للتأبيد دعوى على أهل اللغة، وليس يشهد لذلك كتاب ولا نقل ولا إسناد ولا أصل [[لن: حرف يدل على النفي في المستقبل، قال ابن هشام في "المغني" 1/ 284: (لن حرف نفي واستقبال ولا تفيد توكيد النفي ولا تأبيده خلافا للزمخشري وكلاهما دعوى بلا دليل) اهـ. انظر: "العين" 8/ 350، و"الكتاب" 4/ 220، و"حروف المعاني" ص 8، و"تهذيب اللغة" 4/ 3303، و"معاني الحروف" ص 100، و"رصف المباني" ص 355، و"اللسان" 7/ 4082 (لن).]]، ولكن معنى قول: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أي: في الدنيا كما قال عبد العزيز بن يحيى الكناني: قال: (قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ جواب قول موسى ﴿أَرِنِي﴾ فلا يقع على الآخرة؛ لأن موسى لم يقل: أرني في الآخرة، إنما سأل الرؤية في الدنيا فأجيب عما سأل) [[(ولا أصل) ساقط من (ب)، ونقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 14/ 233.]]، والجواب يكون على وفق السؤال؛ كيف وقد نص ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾. قال: (لن تراني في الدنيا) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 196 أ.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾. قال مقاتل: (لما قال موسى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ قال له ربه: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولكن اجعل بيني وبينك ما هو أقوى منك، وهو الجبل ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ أي: سكن وثبت ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، وإن لم يستقر مكانه فإنك لا تطيق رؤيتي، كما أن الجبل لا يطيق رؤيتي) [["تنوير المقباس" 2/ 125. وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 236، وابن الجوزي 3/ 256، وهذا هو الحق ومذهب أهل السنة والجماعة.
قال ابن كثير 2/ 272: (استدل المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة بهذه الآية وهذا أضعف الأقوال؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة) اهـ.
وانظر: "الإبانة" للأشعري ص 13 - 21، و"تفسير الماوردي" 2/ 257، وابن عطية 6/ 68، وابن الجوزي 3/ 256، والقرطبي 7/ 278.]].
قال الكلبي [["تفسير مقاتل" 2/ 61.]] وغيره [["تنوير المقباس" 2/ 125، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 237.]]: (والجبل في قوله: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ أعظم جبل بمدين [[ذكره ابن الجوزي 3/ 257، عن ابن عباس، ذكره الثعلبي في "عرائس المجالس" ص 201، عن السدي، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 567، والماوردي 2/ 258.]] يقال [[مدين: مدينة على بحر القلزم محاذية لتبوك. انظر: "معجم البلدان" 5/ 77.]] له: زبير [[في (ب): (فقال زبير)، وهو تحريف.]]) [[الزبير، بفتح الزاء وكسر الباء: اسم للجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام. انظر: "معجم البلدان" 3/ 132، و"اللسان" 3/ 1806 (زبر).
وقد أجمع أهل التفسير على أن جبل المناجاة هو الطور، فكأن الزبير اسم آخر له أو لموضع معين من الطور والله أعلم. انظر: "تفسير مبهمات القرآن" للبلنسي 2/ 727 - 728.]].
قال أصحابنا: (علَّقَ الله تعالى جواز الرؤية على استقرار الجبل، واستقراره كان جائزًا ، ولكن لم يفعل الله، كذلك الرؤية كانت جائزة، ولكن الله لم يخلقها لموسى، وضدّ هذه الآية قوله: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40]. علق دخولهم الجنة بما يستحيل وجوده فلا يدخلونها قط).
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾. قال الزجاج [[ذكره الثعلبي في "الكشف" ص 196 عن المتكلمين من أهل السنة، وانظر: "زاد المسير" 3/ 256.]] وجميع أهل اللغة [["معاني الزجاج" 2/ 373، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 624، قال الزجاج: (أي: ظهر وبان وهو قول أهل السنة والجماعة) اهـ.]]: (أي: ظهر وبان، ومنه يقال: جلوت العروس إذا أبرزتها، وجلوت المرآة والسيف إذا أخرجته من الصدى) [[انظر: "العين" 6/ 180، و"الجمهرة" 1/ 492، و"الصحاح" 6/ 2303، و"المجمل" 1/ 193، و"مقاييس اللغة" 1/ 468، و"المفردات" ص 200، و"اللسان" 2/ 670 (جلا).]].
وقوله تعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال أبو إسحاق: (يجوز ﴿دَكًّا﴾ بالتنوين و ﴿دَكًّاءَ﴾ بغير تنوين، أي: جعله مدقوقًا مع الأرض، يقال: دككت الشيء إذا دققته، أدكه دكا، والدكاء والدكاوات الروابي التي مع الأرض ناشزة عنها لا تبلغ أن تكون جبلًا) [[هذا قول ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص180، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 52، و"نزهة القلوب" ص 158، و"تفسير المشكل" ص 87.]]، فعلى هذا الدك مصدر والدكاء [["معاني الزجاج" 2/ 373.]] اسم.
أخبرني العروض رحمه الله عن الأزهري قال: أخبرني المنذري عن أحمد بن يحيى أنه قال: (قال الأخفش في قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [[الدّك - الدق وكسر الشيء وتفتيته، ومنه الناقة الدكاء وهي التي لا سنام لها. انظر: "العين" 5/ 274، و"الجمهرة" 1/ 114، و"الصحاح" 4/ 1583، و"المجمل" 2/ 318، و"مقاييس اللغة" 2/ 258، و"المفردات" ص 316، و"اللسان" 3/ 1404 (دك).]] بالتنوين، كأنه قال: دكه دكًا مصدر مؤكد [[في (ب): (مؤكدة).]]، قال: ويجوز جعله ذا [[في "تهذيب اللغة" 2/ 1212: (ويجوز جعله أرضًا ذات دك) اهـ.]] دك كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82].
قال: ومن قرأ [[قرأ حمزة والكسائي ﴿دَكًّاءَ﴾ بالمد والهمز من غير تنوين، وقرأ الباقون: ﴿دَكًّا﴾ بالقصر والتنوين من غير مد ولا همز. انظرة "السبعة" ص 293، و"المبسوط" ص 185، و"التذكرة" 2/ 425، و"التيسير" ص 113، و"النشر" 2/ 271 - 272.]] ﴿دَكًّاءَ﴾ ممدودة أراد جعله مثل دكاء فحذف (مثل)، قال: والدكاء الناقة التي لاسنام لها) [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 309.]]، فمعنى [[في (ب): (ومعنى).]] قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّاءَ﴾ أي: مثل دكاء في أنه بقي أكثره.
قال أبو العباس: (ولا حاجة به إلى إضمار (مثل)، والمعنى: جعل الجبل أرضًا دكاء) [["تهذيب اللغة" 2/ 1212 (دك).]].
فحصل من هذه الأقوال أن من قرأ ﴿دَكًّا﴾ بالتنوين كان الدك مصدرًا بمعنى المفعول على قول [[لفظ: (قول) ساقط من (ب).]] أبي إسحاق، وعلى قول الأخفش ويكون مصدرًا مؤكدًا؛ لأنه يقول معنى قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾. أي: دكه دكًا، ويجوز على قوله أيضًا أن يكون بمعنى: ذا دكٍ، أي: ذا كسر فحذف المضاف، ومن قرأ بالمدّ فعلى قول الأخفش (الدكاء) الناقة الذاهبة السنام، والمضاف محذوف، وعلى قول أبي العباس (الدكاء) الأرض غير الغليظة المرتفعة، ولا حاجة إلى تقدير المضاف [[أكثرهم على أن من قرأ بالمد جعله صفة أي: جعل الجبل أرضًا ملساء دكاء ومن قرأ بالقصر والتنوين جعله مصدرًا.
انظر: "الحجة" لأبي علي 4/ 75، و"معاني القراءات" 1/ 422، و"إعراب القراءات" 1/ 205، و"الحجة" لابن خالويه ص 163، و"الكشف" 1/ 475.]].
فأما التفسير فقال المفسرون [[أكثرهم على أن معنى جعله: ﴿دَكًّا﴾ أي: مستويًا ألصقه بالأرض. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 228، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 150، و"تفسير غريب القرآن" ص 180، و"نزهة القلوب" ص 227، و"تفسير المشكل" ص 87]]: (ساح في الأرض فهو يذهب حتى الآن). وهو قول الحسن [[ذكره الماوردي 2/ 258، عن الحسن وسفيان الثوري.]] وسفيان [["تفسير سفيان الثوري" ص 113، وأخرجه الطبري 9/ 53، وابن أبي حاتم 5/ 1561 من طرق جيدة عن سفيان الثوري.]]، وأبي بكر [[أبو بكر الهذلي البصري مشهور بكنيته وهو سلمى بن عبد الله بن سلمى، وقيل اسمه: روح، روى عن الحسن البصري والشعبي وعكرمة وغيرهم، وهو علامة إخباري متروك الحديث، توفي سنة 167 هـ. انظر: "ميزان الاعتدال" 4/ 497، و"المغني" في الضعفاء 2/ 773، و"تهذيب التهذيب" 4/ 498.]] الهذلي [[أخرجه الطبري 9/ 53 بسند جيد.]]، وهذا على قراءة من قرأ بالمد، وقال الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 225، وذكره الثعلبي 196 ب، والبغوي 3/ 278.]]: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: كسرا جبالا صغارًا) [[في (ب): أي: (كسرا جبالا لا صغار)، وهو تحريف.]].
وروي هذا المعنى مرفوعًا عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال في قوله ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾: (صار لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة، أحد وورقان، ورضوى [[أحد، بالضم: جبل أحمر بالمدينة المنورة في شمالها بينه وبينها قرابة ميل، انظر: "معجم البلدان" 1/ 109، وورقان بالفتح ثم الكسر جبل عظيم أسود على يمين المصعد من المدينة إلى مكة، انظر: "معجم البلدان" 5/ 372، ورضوى -بالفتح ثم السكون- جبل بالمدينة قرب ينبع، انظر: "معجم البلدان" 3/ 51.]]، ووقع ثلاثة بمكة ثور [[ثور، بالفتح ثم السكون: جبل مشهور بمكة خلفها على طريق اليمن، انظر: "معجم البلدان" 2/ 86، وثبير، بالفتح ثم الكسر وسكون الياء: جبل بمكة. انظر: "معجم البلدان" 2/ 72، وحراء، بالكسر والتخفيف والمد: جبل مشهور على ثلاثة أميال من مكة انظر: "معجم البلدان" 2/ 233.]] وثبير وحراء) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1560، والواحدي في "الوسيط" 2/ 237 - 238 بسند ضعيف جدًّا، فيه، الجلد بن أيوب البصري متروك الحديث، انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 420، و"المغني" في الضعفاء 1/ 135 "لسان الميزان" 2/ 133، وذكر الحديث ابن كثير في "تفسيره" 2/ 272، وقال: (هذا حديث غريب بل منكر) وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 24، نحوه عن ابن عباس عن النبي ﷺ وقال: (وراه الطبراني في "الأوسط" وفيه طلحة بن عمرو المكي وهو متروك) اهـ. وذكره الشوكاني في "فتح القدير" 2/ 358، وزاد نسبته إلى (أبي الشيخ وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية والديلمي) وانظر: "الدر المنثور" 3/ 221 - 222.]].
وهذا التفسير يقوي قراءة من قرأ بالتنوين، والتفسير الموافق للقراءتين مما روي عن [[في (ب): (ما روي عن أنس عن ابن عباس)، وهو تحريف.]] ابن عباس أنه قال: (جعله ترابًا) [[أخرجه الطبري 9/ 53، وابن أبي حاتم 5/ 1560 بسند جيد.]]. ونحو ذلك قول مسروق: (صار صحراء [[في: (ب): (صر صخرا ترابا) وهو تحريف.]] ترابًا) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 196 ب.]].
وقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. قال الليث: (الصعق مثل الغشي يأخذ الإنسان) [["تهذيب اللغة" 2/ 2018، وانظر: "العين" 1/ 128، و"تأويل مشكل القرآن" ص 501.]].
والصعقة الغشية، يقال: صعِق الرجل وصعَق، فمن قال: صعِق، قال: فهو صعِق، ومن قال: صعَق قال: فهو مصعوق، ويقال أيضا: صعق إذا مات، ومنه قال: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: 68] فسروه الموت، ومنه قوله: ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: 45] أي: يموتون، ويقال: أصعقته الصيحة أي: قتلته.
وأنشد الفراء:
أُحَادَ وَمَثْنَى أَصْعَقتها صوَاهِلُهْ [[الشاهد لابن مقبل في "ديوانه" ص 252 وصدره:
ترى النُّعَرات الزرق تحت لَبَانه
وهو في: "إصلاح المنطق" ص 205، و"المعاني الكبير" ص/ 606، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 302، و"الصحاح" 4/ 1507 (صعق)، و"المخصص" 8/ 184، و"اللسان" 4/ 2450 (صعق)، وبلا نسبة في "معاني الفراء" 1/ 255، 345، و"مجالس ثعلب" ص 128، و"التكملة" لأبي علي ص 425، والنُّعَرَات جمع نُعَرَة؛ ذباب يسقط على الدواب، واللبان الصدر، وصواهلة جمع صاهلة، وهو الصهيل والشاعر يصف فرسا بشدة صهيله وأنه يقتل الذباب.]]
أي: قتلها صوته [[النص كله من "تهذيب اللغة" 8/ 2012 - 2019، وانظر: "الجمهرة" 2/ 885، و"المجمل" 2/ 533؛ و"مقاييس اللغة" 3/ 285، و"المفردات" ص 484 (صعق).]].
فأما التفسير: فقال ابن عباس [[أخرجه الطبري 9/ 53، وابن أبي حاتم 5/ 1561 من طرق جيدة.]]، والحسن [[ذكره الماوردي 2/ 258، وابن الجوزي 3/ 257 عن ابن عباس والحسن وابن زيد، وذكره البغوي 3/ 278 عن ابن عباس والحسن.]]، وابن زيد [[أخرجه الطبري 9/ 53 بسند جيد.]]: (مغشيًّا عليه). وقال قتادة: (ميتًا) [[أخرجه الطبري 9/ 53، وابن أبي حاتم 5/ 1561 بسند جيد، وذكر النحاس في "معانيه" 3/ 75 عن قتادة أنه قال: (أي: مغشيًا عليه) اهـ.]].
والذي يدل على صحة قول ابن عباس قوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾.
قال الزجاج: (ولا يكاد يقال للميت: قد أفاق من موته، ولكن يقال للذي يغشى عليه والذي قد ذهب عقله: قد أفاق من علته؛ لأن الله عز وجل قال في الذين ماتوا: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 373 ومثله ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 2018 (صعق)، وهذا القول أظهر وهو اختيار الجمهور، قال ابن الأنباري في "الزاهر" 2/ 121: (فيه قولان: أحدهما: قد غُشي عليه، والقول الآخر قد مات. والأول هو الكثير المشهور) اهـ. وانظر: "تفسير غريب القرآن" ص 180، والطبري 9/ 53، وابن عطية 6/ 71، وابن الجوزي 3/ 257، والرازي 14/ 235.]] [البقرة: 56].
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾. أي: تنزيهًا لك [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 374.]] من السوء. ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾. أي: من مسألتي الرؤية. قاله [[في (ب): (قال)، وهو تحريف.]] الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 125.]] ومجاهد [[أخرجه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 113، عبد الرزاق 1/ 2/238، والطبري 9/ 55، وابن أبي حاتم 5/ 1562 من طرق جيدة.]]، والمعنى: من مسألتي الرؤية في الدنيا؛ لأن هذه القصة وقعت من مسألته الرؤية في الدنيا.
وقال أهل العلم: (إن الرؤية وإن كانت جائزة فإن موسى سألها من غير استئذان من الله تعالى، فلذلك [[في (ب): (فكذلك)، وهو تحريف.]] تاب لأنه كان بغير إذن، وهذا إجماع من الأمة أن توبته لم تكن عن معصية؛ لأن عندنا سأل الرؤية لنفسه، ولا يكون هذا [[في (ب): (لهذا)، وهو تحريف.]] السؤال عندنا معصية [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 55، وابن عطية 6/ 71.]]، وعند من خالفنا [[انظر: "الكشاف" 2/ 112 - 116.]]: سأل الرؤية لقومه مع علمه أن ذلك لا يكون، أو سأل أمرًا عظيمًا، وكل واحد من هذين لا يكون معصية) [[انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 259، وابن الجوزي 3/ 257، وقال القرطبي 7/ 279: (أجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية، فإن الأنبياء معصومون، وأيضًا عند أهل السنة والجماعة الرؤية جائزة، وعند المبتدعة سأل لأجل القوم ليبين لهم أنها غير جائزة وهذا لا يقتضى التوبة، فقيل: أي تبت إليك من قتل القبطي، وقيل: قالها على جهة الإنابة إلى الله والخشوع له عند ظهور الآيات) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال مجاهد: (وأنا أول قومي إيماناً) [[أخرجه الطبري 9/ 56، وابن أبي حاتم 5/ 1562، من طرق جيدة.]]، وقاله السدي أيضًا [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 أ، والواحدي في "الوسيط" 2/ 238، والبغوي 3/ 279، عن مجاهد والسدي، وأخرجه الطبري 9/ 56، من طرق جيدة عن السدي عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرج الطبري 9/ 55، وابن أبي حاتم 5/ 1562، من طرق جيدة عن ابن عباس قال: (أنا أول من آمن أنه لا يراك أحد من خلقك في الدنيا) اهـ.]].
وقال أبو العالية: (وأنا أول من آمن أنه لا يراك أحد قبل يوم القيامة) [[أخرجه الطبري 9/ 55، بسند لا بأس به، وذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 568.]]. واختاره الزجاج فقال: (أي: أول المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا) [["معاني الزجاج" 2/ 374، وهذا هو الظاهر وهو اختيار الطبري 9/ 56، وقول الإِمام أحمد رحمه الله تعالى قال في الرد على الجهمية ص 96: (يعني: أول المصدقين أنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات)، وانظر: "مرويات الإِمام أحمد في التفسير" 2/ 197، وقال ابن كثير 2/ 273: (وهذا قول حسن له تجاه) اهـ. وانظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 281.]].
7:144Page 168
قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤
[Allāh] said, "O Moses, I have chosen you over the people with My messages and My words [to you]. So take what I have given you and be among the grateful."
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾. الاصطفاء [[الصَّفْو والصفاء: ممدود خلوص الشيء من الشوب نقيض الكدر وصفوة كل شيء خالصه وخيره، والاصطفاء الاختيار وتناول صفوة الشيء، افتعال من الصفوة: واستصفيت الشيء إذا استخلصته. انظر: "العين" 7/ 162، و"الجمهرة" 2/ 893، و"تهذيب اللغة" 2/ 2022، و"الصحاح" 6/ 2401، و"مقاييس اللغة" 3/ 292، و"المجمل" 2/ 535، و"المفردات" ص 487، و"اللسان" 14/ 2468 (صفو).]]: استخلاص الصفوة لما لها من الفضيلة.
ومعنى ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: فضلتك على الناس) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 236.]].
وقال الزجاج: (أي: اتخذتك صفوة على الناس) [["معاني الزجاج" 2/ 374.]].
﴿بِرِسَالَاتِي﴾، وقرئ [[قرأ نافع وابن كثير (برسالتي) بغير ألف بعد اللام على التوحيد، وقرأ الباقون ﴿بِرِسَالَاتِي﴾ بألف بعد اللام على الجمع. انظر: "السبعة" ص 293، و"المبسوط" ص 163، و"التذكرة" 2/ 425، و"التيسير" ص 113، و"النشر" 2/ 272.]] ﴿برسالتي﴾، والرسالة تجري مجرى المصدر، فيجوز إفرادها في موضع الجمع وإن لم يكن المصدر من (أرسل) [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 77، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 336، و"إعراب القراءات" 1/ 207، و"الحجة" لابن خالويه ص 163، ولابن زنجلة ص 295، و"الكشف" 1/ 467.]]، وقد تقدم الكلام في هذا [[انظر: "البسيط" نسخة جامعة الإمام 3/ 58 ب.]].
وقوله تعالى: ﴿وَبِكَلَامِي﴾. هذا يدل على أنه سمع كلام الله عز وجل من غير واسطة؛ لأن ما يكون بواسطة يدخل في حد الرسالة، وأشار أبو إسحاق إلى أن معنى اصطفائه: هو تخصيصه بكلامه من غير واسطة؛ لأنه قال: (لأن الملائكة تنزل إلى الأنبياء بكلام الله عز وجل) [["معاني الزجاج" 2/ 375.]] أي: تفضيله موسى [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 279، والرازي 14/ 192.]] أنه سمع كلام الله من غير ملك، وإنما كان كلام الله تعالى لموسى من غير واسطة بينه وبينه فضيلة وشرفًا؛ لأن من أخذ العلم عن العالم المعظم كان أجلّ رتبة ممن أخذه عن واحد عنه، كما نقول في الأسانيد إلى النبي ﷺ؛ فإن أقربها إليه أعزها وأجلها [[انظر: "معرفة علوم الحديث" للحاكم ص 112 - 113، وقال ابن الصلاح في "علوم الحديث" ص 256: (طلب العلو سنة وتستحب الرحلة فيه، وهو يبعد من الخلل وأجل أنواع العلو القرب من رسول الله ﷺ بإسناد نظيف غير ضعيف) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ما فضلتك وكرمتك). وقوله ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. (يعني: لأنعمي والطائعين لي) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 239.]].
7:145Page 168
وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٤٥
And We wrote for him on the tablets [something] of all things - instruction and explanation for all things, [saying], "Take them with determination and order your people to take the best of it. I will show you the home of the defiantly disobedient."1
قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ألواح التوراة) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1563 بسند جيد، وذكره السمرقندي 1/ 569، والواحدي في "الوسيط" 2/ 239 والبغوي 3/ 280 - 281، والخازن 2/ 287.]].
واختلفوا في الألواح [[قال محمد أبو شهبة في كتاب "الإسرائيليات والموضوعات" في كتب التفسير ص 201 - 203: (ذكر في الألواح مم هي وما عددها، أقوالًا كثيرة، وفيها ما يخالف المعقول والمنقول وهي متضاربة يرد بعضها بعضًا مما نحيل أن يكون مرجعها المعصوم ﷺ وإنما هي من الإسرائيليات حملها عنهم بعضهم بحسن نية وليس تفسير الآية متوقفا على كل هذا الذي رووه والذي يجب أن نؤمن به أن الله أنزل الألواح على موسى وفيها التوراة وما ذكروه لا يجب علينا الإيمان به والأولى عدم البحث فيه؛ لأنه لا يؤدي إلى فائدة ولا يوصل إلى غاية) اهـ. ملخصًا.]] من أي شيء كانت، وكيف كانت الكتابة. فقال الربيع [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 ب، والبغوي 3/ 281، وأخرجه الطبري 9/ 66، وابن أبي حاتم 5/ 1563 بسند جيد عن الربيع بن أنس عن أبي العالية.]]: (كانت الألواح من بُرْد) [[البُرْد، بالضم: ثَوْب مخطط وأكسية يتلحف بها. انظر: "القاموس" ص 341 (برد).]].
وقال الحسن: (كانت من خشب نزلت من السماء) [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 260، والبغوي 3/ 281، وابن عطية 6/ 74، وابن الجوزي 3/ 258، والرازي 14/ 236، والخازن 2/ 287.]].
وقال وهب: (كانت من صخرة صماء لينها الله لموسى فقطعها منها بيده) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 ب، والبغوي 3/ 281، وابن الجوزي 3/ 258، والرازي 14/ 236، والخازن 2/ 287.]].
وقال ابن جريج: (كانت من زمرد [[انظر: "القاموس" ص 285 (زمرد)، وص 325 (ورد).]] أمر الله جبريل حتى جاء بها من عدن) [[أخرجه الطبري 9/ 66، بسند جيد، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ص 197/ ب، والبغوي 3/ 281، والخازن 2/ 287، والسيوطي في "الدر" 3/ 224.]]. ونحو ذلك قال مجاهد [[أخرجه الطبري 9/ 66، من طرق جيدة بلفظ: من زمرد وفي رواية (من زمرد أخضر).]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 63، وفيه: (كانت من زمرد وياقوت).]].
وقال الكلبي [[ذكره الثعلبي 197 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 239، والبغوي 3/ 281، والخازن 2/ 287.]]: (كانت من زبرجدة [[الزَّبَرْجَد، بالفتح جَوْهر. انظر: "القاموس" ص 364 (زبرجد).]] خضراء).
وأما الكتابة، فقال: ابن جريج: (كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور فكتب به الألواح) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" ص 197/ ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 239، والبغوي 3/ 281، والرازي 14/ 236، والخازن 2/ 287.]].
وقال مقاتل: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ كنقش الخاتم) [["تفسير مقاتل" 2/ 62، وفيه: (نقرا كنقش الخاتم) اهـ.]].
قال عطاء عن ابن عباس: (وكانت الألواح يومئذ ستة، ثم صارت أربعة وعشرين مِمّ ضُمَّ إليها من الوصايا والمواعظ) [[لم أقف عليه.]].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، قيل: من كل شيء يحتاج إليه في دينه من الحلال والحرام، والمحاسن والقبائح [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 57، و"معاني الزجاج" 2/ 375، والنحاس 3/ 76.]]. وهذا معنى قول ابن عباس: (يريد: مما افترض وأحلّ وحرّم ونهى وأمر) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 239، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1563 بسند جيد عن ابن عباس قال: (كان الله عز وجل كتب في الألواح ذكر محمد ﷺ وذكر أمته وما ادخر لهم عنده ولا يسر عليهم في دينهم وما وسع عليهم فيما أحل لهم) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، قال ابن عباس: (يريد: هداية إلى كل أمر هو لله رضي) [[في "تنوير المقباس" 2/ 126، نحوه، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 240 دون نسبة، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1565 بسند جيد عن ابن عباس في قوله: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (قال: تبيانًا لكل شيء) اهـ.]].
وقال الكلبي: ﴿مَوْعِظَةً﴾ نهي عن الجهل ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [من الحلال والحرام [[قال الماوردي في "تفسيره" 2/ 260: (قيل الموعظة: النواهي، والتفصيل: الأوامر وهو معنى قول الكلبي) اهـ.]].
وقال مجاهد:] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مما أمروا به ونهوا عنه [["تفسير مجاهد" 1/ 246، وأخرجه الطبري 9/ 57 من طرق جيدة.]] والتفصيل معناه: التبيين [[قال محمد أبو شهبة في كتاب "الإسرائيليات والموضوعات" في كتب التفسير ص 203: (المحققون من المفسرين سلفًا وخلفًا على أن المراد: أن فيها تفصيلًا لكل شيء مما يحتاجون إليه في الحلال والحرام والمحاسن والقبائح مما يلائم شريعة موسى وعصره وإلا فقد جاء القرآن الكريم بأحكام وآداب وأخلاق لا توجد في التوراة قط) اهـ.]]، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [[لفظ: ﴿سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ ساقط من (ب).]] [الأنعام: 55].
وقوله تعالى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾. قال ابن عباس [[أخرجه الطبري 9/ 58 بسند ضعيف، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1565 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (بجد وحزم).]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 63، وفيه: (يعني: التوراة بالجد والمواظبة عليه) اهـ.]] والكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 126.]]: (بجد)، وقال الزجاج: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ في دينك وحجتك) [["معاني الزجاج" 2/ 375، ومثله قال النحاس في "معانيه" 3/ 77.]].
وقال أهل المعاني: (بصحة عزيمة؛ لأنه لو أخذه بضعف نية لأداه إلى فتور العمل به) [[ذكره البغوي 3/ 281، والخازن 2/ 288.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: يحلّوا حلالها ويحرموا حرامها ويتدبروا أمثالها ويعملوا بمحكمها، ويقفوا عند متشابهها) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 240، والبغوي 3/ 281، والخازن 2/ 288، وأخرج الطبري 9/ 58 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (أمر موسى أن يأخذها بأشد مما أمر به قومه) اهـ.]].
وذكر أبو إسحاق في هذا وجهين: (أحدهما: أنهم أُمروا بالخير ونهوا عن الشرّ، وعرّفوا ما لهم في ذلك، فقيل: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾.
قال: ويجوز أن يكون ما أمرنا به؛ من الانتصار بعد الظلم، ونحو القصاص في الجروح؛ فهذا كله حسن، والعفو أحسن من القصاص، والصبر أحسن من الانتصار، ونظير هذه الآية قوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: 55]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 375، ونحوه الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 823 (حسن).]] [الزمر: 18].
وقال قُطرب [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 240، والبغوي 3/ 281، وابن الجوزي 3/ 259، والرازي 14/ 237.]]: ﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾، أي: بحسنها وكلها حسن؛ كقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]).
وقول الفرزدق: بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ [["ديوانه" 2/ 155، و"الكامل" 2/ 308، والصاحبي ص 434، وابن الجوزي 3/ 259، والرازي 14/ 237، و"اللسان" 6/ 3808 كبر، و"الدر المصون" 5/ 454، و"الخزانة" 8/ 242، وأوله: (إن الذي سمك السماء بني لنا) والشاهد فيه (أعز وأطول) حيث استعمل صيغتي التفضيل في غير التفضيل إذ لو كانتا للتفضيل لكان الفرزدق يعترف بأن لمهجوه وهو جرير بيتا دعائمه عزيزة طويلة وهذا لا يقصده الشاعر.]]
وقال أهل المعاني: (أحسنها الفرائض والنوافل وهي ما يستحق عليها الثواب، وأدونها في الحسن المباح؛ لأنه لا يستحق عليه حمد ولا ثواب) [[انظر: "معاني النحاس" 3/ 77، و"تفسير السمرقندي" 1/ 569، والماوردي 2/ 260 - 261، والبغوي 3/ 281، وابن عطية 6/ 75، وابن الجوزي 3/ 259، وقال الطبري في معنى الآية 9/ 58: (يقول: يعملوا بأحسن ما يجدون فيها والعمل بالمأمور به أحسن من العمل بالمنهي عنه) اهـ. وانظر: "الفتاوى" لشيخ الإسلام 6/ 16، و12/ 17.]].
وقوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 126، وذكره الرازي 14/ 238، عن ابن عباس ومجاهد والحسن، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 240 عن عطاء والحسن ومجاهد، وذكره البغوي 3/ 281 - 282، والخازن 2/ 289، عن عطاء والحسن، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1566 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (دار الكفار) اهـ.]] في رواية عطاء والحسن [[أخرجه الطبري 9/ 59، وابن أبي حاتم 5/ 1566 من طرق جيدة، وذكره النحاس في "معانيه" 3/ 77، والثعلبي 197 ب.]] ومجاهد [[ذكره الماوردي 2/ 261، وابن عطية 6/ 77، وابن الجوزي 3/ 260، والقرطبي 7/ 282 عن مجاهد والحسن، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 246 قال: (مصيرهم في الآخرة) اهـ، وأخرجه الطبري 9/ 59، وابن أبي حاتم 5/ 1566 من طرق جيدة، وهذا القول ظاهر وهو اختيار الطبري 9/ 59، وابن كثير 2/ 275؛ لأن الجملة == متصلة بما قبلها، فهي من تمامها، وأولى الأمور أن يختم الأمر بالعمل بالوعيد على من ضيعه.
وقال ابن كثير: (هذا أولى والله أعلم لأن هذا كان بعد إنفصال موسى وقومه عن مصر وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه والله أعلم) اهـ.]]: (هي جهنم). أي: فلتكن منكم على ذُكْر لتحذروا أن تكونوا منهم، وهي [[في (ب): (وهو).]] تتضمن وعيدًا وتهديدًا لمن خالف أمر الله، كما تقول لمن تخاطبه: سأريك غدًا إلى ما يصير حال من خالف أمري [[هذا قول الطبري 9/ 59.]].
وقال قتادة: (سأدخلكم الشام فأريكم [[في (ب): (وأيكم).]] منازل الكافرين الذين كانوا سكانها من الجبابرة والعمالقة، أي: لتعتبروا بها، وما صاروا إليه من النكال فيها) [[ذكره الثعلبي 197 ب، والماوردي 2/ 261، والواحدي في "الوسيط" 2/ 241، والبغوي 3/ 282، وابن عطية 6/ 77، وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 236، والطبري 9/ 59، وابن أبي حاتم 5/ 1566 من طرق جيدة عن قتادة قال: (منازلهم) اهـ. وقال ابن الصلاح في "علوم الحديث" ص 281: (بلغنا عن أبي زرعة الرازي أن يحيى بن سلام المفسر حدث عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال: مصر، واستعظم أبو زرعة هذا واستقبحه وذكر أنه في تفسير سعيد عن قتادة: مصيرهم) اهـ.]]. وهذا معنى قول الكلبي: ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا) [[ذكره الثعلبي 197 ب، والبغوي 3/ 282، وابن عطية 6/ 77، والرازي 14/ 238، والخازن 2/ 289، وذهب الزمخشري في "تفسيره" 2/ 117، وابن عطية 6/ 77، والقرطبي 7/ 282 إلى أن المراد: منازل القرون الذين أهلكوا ومنها مصر دار فرعون وقومه، ويمكن الجمع بين القولين بأن الآية تضمنت الوعد للمؤمنين بدخول الأرض الموعودة ومنازل القرون الماضية والوعيد للفاسقين بهلاكهم ودخولهم جهنم. والله أعلم.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences