Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:155–159
7:155Page 169
وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَاۖ فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِيَّٰيَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآۖ إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ ١٥٥
And Moses chose from his people seventy men for Our appointment.1 And when the earthquake seized them,2 he said, "My Lord, if You had willed, You could have destroyed them before and me [as well]. Would You destroy us for what the foolish among us have done? This is not but Your trial by which You send astray whom You will and guide whom You will. You are our Protector, so forgive us and have mercy upon us; and You are the best of forgivers.
قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾، الاختيار: افتعال من لفظ الخير، يقال: اختار الشيء أي: أخذ خيره وخياره [[في (ب): (وختاره).]]، وأصل اختار (اختير)، فلما تحركت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفًا نحو: قال وباع، وفي الأسماء (دار) و (ناب)، أصلهما [[في (ب): (أصلها).]] دَوَرٌ ونَيَبٌ، ولهذا استوى لفظ الفاعل والمفعول فقيل فيهما: (مختار) والأصل (مُختَيِر) و (مُختَيَر)، فقلبت الياء فيهما ألفًا فاستويا في اللفظ [[انظر: "العين" 4/ 301، و"البارع" ص224، و"تهذيب اللغة" 1/ 959، 960، == و"الصحاح" 2/ 651، و"المجمل" 2/ 308، و"مقاييس اللغة" 2/ 233، و"المفردات" ص 301، و"اللسان" 3/ 1299 (خير).]].
قال جماعة النحويين [[انظر: "الكتاب" 1/ 37، و"معاني الأخفش" 2/ 312، و"المقتضب" 4/ 330، و"معاني الزجاج" 2/ 380، و"إعراب النحاس" 2/ 154.]]: (معناه: واختار موسى [من] [[لفظ: (من) ساقط من (ب).]] قومه، فحذفت (من) ووصل الفعل فنصب، يقال: اخترت من الرجال زيدًا [واخترت الرجال زيدًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]].
وأنشدوا قول الفرزدق [["ديوانه" 2/ 418، و"الكتاب" 1/ 39، و"الكامل" 1/ 33، و"تفسير الطبري" 9/ 74، و"الأمالي" لابن الشجري 2/ 131، و"اللسان" (3/ 1299 (غير)، و"الدر المصون" 5/ 474 وبلا نسبة في "معاني الأخفش" 2/ 312، و"المقتضب" 4/ 330، و"معاني الزجاج" 2/ 380، و"إعراب النحاس" 1/ 642، وانظر شرحه في "الخزانة" 9/ 123 - 125.]]:
منَّا الذي اختير الرِّجالَ سماحة ... وجودًا إذا هبَّ الرِّياح الزَّعازعُ
قال الفراء: (وإنما استجيز وقوع الفعل عليهم إذا طُرحت (من)؛ لأنه مأخوذ من قولك: هؤلاء خير القوم، وخير من القوم، فلما جازت الإضافة مكان (من) ولم يتغير المعنى استجازوا أن يقولوا: اخترتكم رجلاً، واخترت منكم رجلاً) [["معاني الفراء" 1/ 395.]] وأنشد للراعي [[الرّاعي: هو عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل النميري أبو جندل البصري، شاعر أموي، لقب بالراعي؛ لكثرة وصفه الإبل، وتوفي بعد سنة 90 هـ. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 298، و"الشعر والشعراء" ص 265، و"الأغاني" 24/ 168، و"الأعلام" 4/ 188.]]: فقلت [["ديوانه" ص 259، و"الدر المصون" 5/ 473، وبلا نسبة في "معاني الفراء" 2/ 395، و"تفسير الطبري" 9/ 75، والقلوص: الفتية من الإبل، والناب: المسنة، والحيا: الخصب والمطر لإحيائه الأرض فتخصب، والحيا: الشحم والسمن، وصدره في الديوان، و"طبقات فحول الشعراء" 2/ 521:
فقلت لرب الناب خذها ثنية]] له [[في (أ): (فقلت لها)، وهو تحريف.]] اخترها قلوصًا سمينه ... وناب علينا مثلُ نابك في الحيا
أراد: اختر منها، قال أبو علي: (والأصل في هذا الباب أن من الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر، ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى الفعل إلى المفعول الثاني، من ذلك قولك: اخترت من الرجال زيدًا [[النص في "الإيضاح العضدي" 1/ 200 وفيه: (فمن ذلك قولك: اخترت زيدًا من الرجال ..).]]، ثم يُتسع فيقال: اخترت الرجال زيدًا، وأستغفر الله من ذنبي، [وأستغفر الله ذنبي] [[لفظ: (واستغفر الله ذنبي) ساقط من (ب)، وفي "الإيضاح": (واستغفرت الله ذنبي).]]، وكذلك أمرت زيدًا الخير، وأمرته بالخير.
قال الشاعر:
أستغفر الله ذنبًا لست مُحْصِيَه [[لم أعرف قائله وهو في "الكتاب" 1/ 37، و"معاني الفراء" 1/ 233، و"أدب الكاتب" ص 419، و"تأويل مشكل القرآن" ص 229، و"المقتضب" 4/ 331، و"الأصول" 1/ 178، و"الخصائص" 3/ 247، و"الصاحبي" ص 291، و"المخصص" 14/ 71، و"اللسان" 6/ 3274 (غفر)، و"الدر المصون" 5/ 474، وعجزه:
ربُّ العباد إليه الوجه والعمل == والشاهد: أستغفر الله ذنبًا حيث حذف حرف الجر من ثاني مفعولي (استغفر) الذي تعدى إليه بواسطة الحرف، والأصل: أستغفر الله من ذنب. انظر: "الخزانة" 3/ 111.]] وقال آخر:
أمرتُك الخير فافعل [[في (أ): (وافعل).]] ما أُمِرت به) [[الشاهد مختلف في نسبته وهو في ديوان عمرو بن معد يكرب ص 63، والعباس بن مرداس ص 131، و"خفاف بن ندبة" ص 126، ونسب إلى زرعة بن السائب أو أعشى طرود، وهو في "الكتاب" 1/ 37، و"معاني الأخفش" 2/ 312، و"الكامل" للمبرد 1/ 33، و"المقتضب" 4/ 331، و"تفسير الطبري" 9/ 74، و"الأصول" 1/ 178، و"البغداديات" ص 283، و"المحتسب" 1/ 51، و"المخصص" 14/ 71، و"الأمالي" لابن الشجري 2/ 558، و"الدر المصون" 5/ 474 وعجزه:
فقد تركتك ذا مالٍ وذا نشب
والنشب: المال الثابت كالضياع ونحوها، والشاهد (أمرتك الخير)، حيث حذف الجار، والأصل أمرتك بالخير. انظر: "الخزانة" 9/ 124.]]
وقوله تعالى: ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾. قال السدي: (أمر الله موسى أن يأتيه [[لفظ: (في) ساقط من (ب).]] [في] ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدًا، فاختار موسى سبعين رجلاً ليعتذروا) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 72 بسند جيد.]].
وقال ابن يسار [[ابن يسار: هو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، إمام تقدمت ترجمته.]]: (اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوا، ويسألوه التوبة على [[في (ب): (عن من ورائهم).]] من ورائهم من قومهم) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 72 بسند جيد.]].
وقال وهب: (إنهم لم يصدقوا موسى أنه يسمع كلام الله وقالوا: يحضرك طائفة منا حتى يكلمك، فيسمعوا كلامه فنؤمن، وتذهب التهمة) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ.]]
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ماتوا) [["تنوير المقباس" 2/ 130، وذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 573.]]. قال الزجاج: (والرجفة الحركة الشديدة، يقال: إنهم رجف بهم الجبل فماتوا) [["معاني الزجاج" 2/ 380، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 86.]].
قال ابن يسار، والسدي: (إنما أخذتهم الرجفة لأنهم قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾) [[أخرجه الطبري 9/ 72 بسند جيد عن السدي وابن إسحاق.]] [النساء: 153]. وقال ابن عباس: (إنهم قالوا في دعائهم: اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدًا قبلنا ولا تعطيه أحدًا بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة) [[أخرجه الطبري 9/ 72، وابن أبي حاتم 5/ 1574 بسند جيد.]].
وروى أبو الجوزاء [[أبو الجوزاء البصري: هو أوس بن عبد الله الربعي. تقدمت ترجمته.]] عنه قال: (إنما أخذتهم الرجفة لأنهم كانوا [لم] [[لفظ: (لم) ساقط من (ب).]] ينهوا عن عبادة العجل) [[أخرجه الطبري 9/ 73، 74 من طرق جيدة]].
ونحو ذلك قال قتادة وابن جريج [[أخرجه الطبري 9/ 74 بسند جيد عن قتادة وابن جريج.]] والقرظي [[ذكره الثعلبي 198 ب، والبغوي 3/ 286 عن قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب القرظي.]] قالوا: (إنهم لم يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل، ولم يأمروهم بالمعروف، ولم ينهوهم عن المنكر).
وقال وهب: (لم تكن تلك الرجفة موتًا ، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أخذتهم الرعدة ورجفوا حتى كادت أن تبين منهم مفاصلهم، وتنقص ظهورهم، وخاف موسى عليهم الموت، فعند ذلك بكى ودعا فكشف الله عنهم تلك الرجفة) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 ب، والبغوي 3/ 286، والخازن 2/ 294.]].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾. قال الزجاج: (أي: لو شئت أمتهم من قبل أن تبتليهم بما أوجب عليهم الرجفة) [["معاني الزجاج" 2/ 380.]].
وقال السدي: (قال موسى: يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم، وليس معي رجل واحد، فما الذي يصدقونني به أو يأمنوني [[في (ب): (أو يأمنونني علي).]] عليه بعد هذا، فأحياهم الله) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 76، وفي "التاريخ" 1/ 428 بسند جيد، وذكره الثعلبي 198 ب، والرازي 15/ 18.]].
فمعني قوله: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ﴾ ﴿وَإِيَّايَ﴾ أن موسى خاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين إذا عاد إليهم، ولم يصدقوه أنهم ماتوا، فقال لربه: لو شئت أهلكتنا قبل خروجنا للميقات، وكانوا [[في (ب): (وكان).]] بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهمونني.
وقوله تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. قال الفراء: (ظن موسى أنهم أُهلكوا باتخاذ [أصحابه] [[لفظ: (أصحابه) ساقط من (ب).]] العجل، [فقال: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾، يعني: عبدة العجل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، وإنما أهلكوا لمسألتهم الرؤية، وقولهم [[في (ب): (وقوله تعالى).]]: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [["معاني الفراء" 1/ 395.]] [النساء: 153]، و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] هذا قول الكلبي [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 49، والخازن 2/ 295.]] وجماعة.
وقال قوم: (لا يجوز أن يُظن بموسى أن الله -عز وجل- يهلك قومًا بذنوب غيرهم، ولكن قوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ استفهام على تأويل الجحد، وأراد: لست تفعل ذلك كما تقول: أتهين من يكرمك؟ أي: لست تهين من يكرمك)، وهذا قول ابن الأنباري [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 249، وابن الجوزي 3/ 269، والسمين في "الدر" 5/ 476.]] ، [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] على هذا أنكر موسى أن يكون سبب إهلاكهم فعل السفهاء، وكأنه لم يعلم سبب إهلاكهم، وأنكر أن يكون فعل السفهاء سبب الإهلاك [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 642، و"معاني النحاس" 3/ 87]].
[و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قال المبرد: (هذا استفهام استعطاف أي: لا تهلكنا) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 249، والبغوي 3/ 287، وابن الجوزي 3/ 269، والرازي 15/ 19.]].
وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾. الكناية في قوله ﴿هِيَ﴾ تعود إلى الفتنة، [كما تقول: إن هو إلا زيد، وإن هي إلا هند، والمعنى: إن تلك الفتنة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] التي وقع فيها السفهاء لم تكن ﴿إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ أي: اختبارك، وابتلاؤك، وهذا تأكيد لقوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ لأن معناه: لا تهلكنا بفعلهم، فإن تلك الفتنة كانت اختبارًا منك وابتلاءً أضللت بها قوماً فافتتنوا، وهديت قومًا فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 76، و"معاني النحاس" 3/ 88، و"إعراب النحاس" 1/ 642، و"تفسير السمرقندي" 1/ 573.]]، فذلك معنى قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [[لفظ: (﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾) ساقط من (ب).]]. وهذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر [[انظر: "تفسير الرازي" 15/ 19، والقرطبي 7/ 296، والخازن 2/ 295.]].
7:156Page 170
۞ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ ١٥٦
And decree for us in this world [that which is] good and [also] in the Hereafter; indeed, we have turned back to You." [Allāh] said, "My punishment - I afflict with it whom I will, but My mercy encompasses all things." So I will decree it [especially] for those who fear Me and give zakāh and those who believe in Our verses-
قوله تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. أي: أوجب لنا، والكتابة تذكر بمعنى الإيجاب، وقد مضى ذلك، وسؤالهم الحسنة في الدنيا والآخرة كسؤال المؤمنين من هذه الأمة حيث أخبر الله عنهم في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201]. ومضى تفسير هذه الآية.
و [[(الواو) ساقطة من (ب).]] قال ابن عباس في الآية في هذه السورة: (يريد: اقبل وفادتنا وردنا بالمغفرة والرحمة)، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾، قال: (يريد: حسنة، يعني: الجنة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 250.]]. وقول ابن عباس: (يريد: حسنة)، يعني: إن تقدير الآية: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ حسنة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. قال جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 77، 78، وأخرجه من طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم التيمي وقتادة والسدي والضحاك وأبي العالية، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 573، والماوردي 2/ 266.]] وأهل المعاني [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 229، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 151، و"تفسير غريب القرآن" ص 181، و"معاني الزجاج" 2/ 380، و"نزهة القلوب" ص 478، و"معاني النحاس" 3/ 88، و"تفسير المشكل" ص 87.]]: (تبنا ورجعنا إليك بتوبتنا). قال الليث: (الهَوْد التوبة) [["تهذيب اللغة" 4/ 3689، وانظر: "العين" 4/ 76، (هود)، و"الزاهر" 2/ 214]].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: على الذنب اليسير) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 250.]].
وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قد ذكرنا [[انظر: "البسيط" تفسير (بسم الله الرحمن الرحيم) أول الكتاب.]] قديمًا أن رحمة الله تعالى إرادته الخير [[الرحمة: صفة من صفات الله تعالى تثبت له كما أثبتها لنفسه ولا يلزم من إثباتها مشابهة صفة المخلوقين ولا نؤولها بإرادة الخير كما يفعل أهل التأويل. انظر: "تفسير الطبري" 9/ 80، و"مختصر الصواعق" لابن القيم 3/ 869.]]، وإرادته الخير تنقسم إلى أقسام كثيرة، وكل خيرٍ من خير الدنيا والآخرة أصاب أحدًا فذلك من رحمته، ثم من تلك الخيرات ما هو أعم وأوسع، ومنها ما هو أخصّ.
والأحسن في تفسير هذه الآية ما ذهب إليه الحسن وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 243، الطبري 9/ 80، وابن أبي حاتم 5/ 1578 بسند جيد عن الحسن وقتادة.]]، وهو: (أن رحمته وسعت في الدنيا البار والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة)، وقد بين [عطية العوفي] [[لفظ: (عطية العوفي) ساقط من (ب).]] هذا أحسن بيان فقال: (إن الكافر يرزق ويدفع عنه بالمؤمن لسعة رحمة الله للمؤمن، فيعيش فيها، فإذا صار إلى الآخرة وجبت للمؤمن خاصة كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 250، والبغوي 3/ 287.]]. وهذا اختيار الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 380.]]، وذكر أبو بكر بن الأنباري وجهين في هذه الآية:
أحدهما: (أن الرحمة يراد بها الصنع والأفضال، وما يخلو من صنع الله وأفضاله مؤمنٌ ولا كافر، كالمطر يسمى الرحمة، وما خرج منه كافر ولا غيره)، وهذا معنى ما ذكرنا عن المفسرين أنهم قالوا: (رحمته وسعت في الدنيا البار والفاجر).
الوجه الثاني: (أن رحمته [[في (ب): (أن رحمته وسعت تسع)، وهو تحريف.]] تسع كل شيء يجوز أن يدخل فيها، وأن يكون مستحقًا لها [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 213.]]، كقولهم: فلان يحسن كل شيء، يريدون من الأشياء التي يحسنها أمثاله، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 44]، يعني: مما يجوز أن يفتح عليهم، وكذلك [[في (ب): (وكذلك في).]]: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23]. معناه: من الأشياء التي يمكن أن يؤتاها مثلها.
وهذا مذهب جماعة المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 80، والسمرقندي 1/ 573، والماوردي 2/ 267.]]، وهو أنهم قالوا: هذا من العام الذي أريد به [[في (ب): (منه).]] الخاص) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 271، وفيه قال ابن الأنباري: (أن الرحمة تسع
كل الخلق إلا أن أهل الكفر خارجون منها، فلو قدر دخولهم فيها لوسعتهم) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، يعني: فسأوجبها في الآخرة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، وهذا معنى قول المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 80]]: (وهي يوم القيامة للمتقين خاصة)، وهذا تخصيص بعد التعميم باللفظ. وبيان [ذلك] [[لفظ: (ذلك) ساقط من (ب).]] أن ذلك يجب في الآخرة لمن اتصف بما ذكر في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى آخر الآية. قال ابن عباس: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (يريد: أمة محمد ﷺ) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 79، 80، 82، وابن أبي حاتم 5/ 1580 من عدة طرق جيدة.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: صدقات الأموال عند محلها) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1580 بسند ضعيف، وقال الماوردي في "تفسيره" 2/ 267، وابن الجوزي 3/ 271 (هذا هو قول الجمهور) اهـ. ورجحه ابن عطية 6/ 99.]].
وروي أيضًا عنه أنه قال في قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: (يطيعون الله ورسوله) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 81، وابن أبي حاتم 5/ 1580 بسند جيد، ولفظ ابن أبي حاتم قال: (يعني: طاعة الله والإخلاص).]]، كأنه ذهب إلى ما يزكي النفس ويطهرها من الأعمال [[هذا توجيه الطبري 9/ 81، وانظر الماوردي 2/ 267 ، وابن الجوزي 3/ 271.]]، وبه قال الحسن [[ذكره الماوردي 2/ 267، وابن الجوزي 3/ 271.]].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: (يريد: بما أنزلت [[كذا في (النسخ): (بما أنزلت) والأولى (بما أُنزل).]] على محمد والنبيين قبله يصدّقون) [["تنوير المقباس" 2/ 132.]].
قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 81، وقد أخرجه من عدة طرق جيدة عن قتادة، وابن جريج، وأبي بكر الهذلي ونوف البكالي.]]: (إن وقد بني إسرائيل سألوا الله تعالى فقالوا: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. فسألوه النعمة في الدنيا والآخرة، وتقربوا إليه بالتوبة من المعاصي، فأخبرهم الله تعالى أنه واسع الرحمة بقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فكانوا هم من جملة من وسعتهم الرحمة، ثم خص أمة محمد ﷺ بذكرهم وأوجب لهم الرحمة بقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾).
ولهذا قال نوف [[نوف بن فضالة الحميري البكالي أبو يزيد الشامي. تقدمت ترجمته.]] البكالي: (ألا تحمدون ربًّا [[في (ب): (ربنا).]] حفظ غيبتكم وأخذ لكم بسهمكم [[في (ب): (لسهمكم).]]، وجعل وفادة بني إسرائيل لكم) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 237 - 238 والطبري 9/ 83 من عدة طرق جيدة.]].
وروى عطاء أيضًا عن ابن عباس أيضاً في هذه الآية أنه قال: (هذه الوفادة صارت للصالحين من أمة محمد) [[أخرجه الطبري 9/ 82، 83، وابن أبي حاتم 5/ 1580، من عدة طرق جيدة.]]، ثم زاد في البيان أن المراد بقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ هذه الأمة، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾. [والأمي] [[لفظ: (والأمي) ساقط من (ب).]] الذي لا يكتب ولا يقرأ في قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 80، و"معاني النحاس" 3/ 89، والسمرقندي 1/ 574.]]، قال الزجاج: (معنى ﴿الْأُمِّيَّ﴾: الذي هو على خِلْقَة الأُمَّة، لم يتعلم الكتاب فهو على جبلته) [["معاني الزجاج" 2/ 381، والأُمَّة -بضم الهمزة وفتح الميم المشددة-، انظر: "اللسان" 1/ 138 (أمم) وجبلته -بالكسر- أي خلقته، وقال الزجاج في "معانيه" 1/ 159: (معنى الأمي في اللغة: المنسوب إلى ما عليه جبلة أُمَّته أي: لا يكتب فهو في أنه لا يكتب على ما ولد عليه) اهـ.
وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 204: (قيل للذي لا يكتب: أمي؛ لأن الكتابة مكتسبة فكأنه نُسب إلى ما ولد عليه أي: هو على ما ولدته أُمه عليه) اهـ.]]. وقد قال ﷺ: "إنا أمّة أمّية لا نكتب ولا نحسُب" [[أخرجه البخاري رقم (1913) في كتاب الصوم، باب: قول النبي ﷺ: "لا نكتب ولا نحسب"، مسلم رقم (1080) كتاب الصيام، باب: وجوب صوم رمضان، عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما.]].
قال الأزهري: ([وقد] [[لفظ: (قد) ساقط من (ب).]] قيل للنبي ﷺ: الأمي؛ لأن أمة العرب لم تكن تكتب ولا تقرأ المكتوب، وبعثه الله رسولاً وهو لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وكانت هذه الخلة إحدى آياته المعجزة؛ لأنه تلا عليهم كتاب الله منظومًا تارة بعد تارة بالنظم الذي أنزل عليه فلم يغيره ولم يبدل ألفاظه، وكان الخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها زاد فيها أو نقص، فحفظه الله على نبيّه كما أنزله وأبانه من سائر من بعثه إليهم بهذه الآية، وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ الآية [["تهذيب اللغة" 1/ 204 (أم).]] [العنكبوت: 48]. وقد مضى صدر من الكلام في معنى الأمّي عند قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ [البقرة:78].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾. أي: يجدونه بنعته وصفته، وهو مذكور في الكتابين بنعوته وصفاته، قد عرف ذلك أهلهما.
وقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال الزجاج: (يجوز أن يكون ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ استئنافًا، ويجوز أن يكون المعنى ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ أنه ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾) [["الإغفال" لأبي علي ص 817، وفي "معاني الزجاج" 2/ 381، قال: (قوله: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يجوز أن يكون ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾ مستأنفًا) اهـ.]]. وعلى هذا يكون الأمر بالمعروف، وما ذكر بعده، من صفته التي [[في (ب): (الذي).]] ذكرت في الكتابين.
وقال أبو علي فيما استدرك عليه: إلا وجه لقوله ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ أنه ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾ إن كان يعني: إن ذلك مراد؛ لأنه لا شيء يدل على حذفه، ولأنا لم نعلمهم حذفوا هذا في شيء.
قال: وتفسير الآية: إن وجدت فيها المتعدي إلى مفعولين و ﴿مَكْتُوبًا﴾ مفعول ثانٍ، والمعنى: يجدون ذكره أو اسمه مكتوبًا.
قال سيبويه: (تقول إذا نظرت في هذا الكتاب [[في "الكتاب" 3/ 269، و"الإغفال" ص 818: (تقول إذا نظرت في الكتاب).]]: هذا عمرو، وإنما المعنى: هذا اسم عمرو، وهذا ذكر عمرو، وقال: إن هذا يجوز على سعة الكلام) [["الكتاب" 3/ 269.]]، فالمفعول الأول في الآية قائم مقام المضاف إليه، يدل على [[في (ب): (يدل على أن هذا أن)، وهو تحريف.]] هذا أن المكتوب عندهم الاسم والذكر لا الرسول نفسه، ألا ترى أن المفعول الثاني هاهنا يجب أن يكون الأول كقوله: وجدت زيدًا منطلقًا، فالمنطلق في المعنى هو الأول، فلو جعلت الهاء في قوله ﴿يَجِدُونَهُ﴾ المفعول الأول دون تقدير حذف المضاف لم يكن المفعول الثاني هو الأول فلا يستقيم ذلك، فأما قوله [[في النسخ: (قولهم)، وهو تحريف.]]: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فهو عندي تفسير لما كُتب، كما أن قول: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 9]. تفسير لوعدهم، وكما أن قوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] تفسير للمثل، ولا يجوز أن يكون حالاً من المفعول الأول، ألا ترى أنه إذا كان المعنى: يجدون ذكره أو اسمه، لم يجز أن يكون يأمرهم حالاً منه، لأن الاسم والذكر لا يأمران إنما يأمر المذكور والمسمى) [["الإغفال" ص 817 - 820، وانظر: "الدر المصون" 5/ 479 - 481، وذكر رد الفارسي على الزجاج، وقال: (وهذا الرد تحامل منه عليه لأنه أراد تفسير المعنى وهو تفسير حسن) اهـ.]].
فأما تفسير المعروف، فقال عطاء عن ابن عباس: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يريد: مكارم الأخلاق وخلع الأنداد، وصلة الأرحام) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 253، وابن الجوزي 3/ 272، وذكره الثعلبي 199 أ، والبغوي 3/ 289، والقرطبي 7/ 299، الخازن 2/ 298، عن عطاء فقط.]]. وقال الكلبي: (أي: بالتوحيد وشرائع الإِسلام) [["تنوير المقباس" 2/ 132.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. قال عطاء: (يريد: عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام، والكفر بما أنزل الله على النبيين) [[ذكره الثعلبي 199 أ، والبغوي 3/ 289، والقرطبي 7/ 299، والخازن 2/ 298، وجعله الواحدي في "الوسيط" 2/ 253، وابن الجوزي 3/ 272، من قول ابن عباس.]].
وقال الكلبي: (هو ما لا يعرف في شريعة ولا سنة) [[ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 574، بلا نسبة.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾. قال عطاء: (يريد: ما حُرّم عليهم في التوراة والإنجيل من لحوم الإبل وشحوم الضأن والمعز والبقر) [[لم أقف عليه، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 381، النحاس 3/ 89.]]. وقيل [[هذا هو قول الطبري 9/ 84، والثعلبي 199 أ، والماوردي 2/ 269، والبغوي 3/ 289.]]: (هي الحلالات التي كان أهل الجاهلية تحرمها من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي).
وقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. قال عطاء عن ابن عباس [[ذكره الرازي في "تفسيره" 15/ 24، وأخرج الطبري 9/ 84، وابن أبي حاتم 5/ 1583 بسند جيد عن ابن عباس قال: (هي لحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله) اهـ.]]: (يريد: ﴿المَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ وما ذكر [[في (ب): (وما ذكره) وهو يريد قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: 3]]] في المائدة [3] إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾.
[و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾. ذكرنا معنى (الإصر) في آخر سورة البقرة. واختلف [[في (ب): (واختلفوا).]] القراء هاهنا، فقرءوا: ﴿إِصْرَهُمْ﴾ ﴿وآصَارهم﴾ [[قرأ ابن عامر: (آصَارهم) -بفتح الهمزة والصاد، وألف بعدها على الجمع- وقرأ الباقون: ﴿إِصْرَهُمْ﴾ -بكسر الهمزة وسكون الصاد من غير ألف بعدها على الإفراد-، انظر: "السبعة" ص 295، و"المبسوط" ص 185، و"التذكرة" 2/ 426، و"التيسير" ص 113، و"النشر" 2/ 272.]]، قال أبو علي الفارسي: (الإصر مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه، ويدل على ذلك إضافته وهو مفرد إلى الكثير، كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [[في (ب): (فلو شاء)، وهو تحريف.]] [البقرة: 20]. ومن جمع أراد ضروبًا من العهود [[في "الحجة" لأبي علي 4/ 94: (أراد ضروبًا من المآثم مختلفة).]]. مختلفة، والمصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها كما تجمع سائر الأجناس) [["الحجة" لأبي علي 4/ 93، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 425، و"إعراب القراءات" 1/ 210، و"الحجة" لابن خالويه ص 165، ولابن زنجلة ص 298، و"الكشف" 1/ 479.]].
قال ابن عباس: (يريد: العهد [[في: (أ): (يريد: بالعهد).]] الثقيل الذي كان أخذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة) [[أخرجه الطبري 9/ 85، ابن أبي حاتم 5/ 1583 من عدة طرق جيدة.]].
وهو قول الحسن والضحاك والسدي ومجاهد [[أخرجه الطبري 9/ 85، من عدة طرق عن مجاهد والحسن والسدي والضحاك، وذكره الثعلبي 199 أ، والبغوي3/ 289، عن هؤلاء.]]، والمعنى: ويُسقط عنهم ثقل العهد الذي أُخذ عليهم.
قال الزجاج: (والإصر ما عقدته من عقد ثقيل) [["معاني الزجاج" 2/ 381، وانظر: "تفسير غريب القرآن" ص 181، و"نزهة القلوب" ص 123، و"تفسير المشكل" ص 87.]].
وقال سعيد بن جبير: (هو شدة العبادة) [[أخرجه الطبري 9/ 85، وابن أبي حاتم 5/ 1583، من عدة طرق جيدة.]].
وقال ابن جريج: (من أَتبع محمدًا ﷺ من أهل الكتاب وضع عنه ما كان عليه من التشديد في دينه) [[أخرجه الطبري 9/ 85 بسند جيد عن ابن جريج عن مجاهد، وذكر النحاس في "معانيه" 3/ 90، وقال: (الأقوال فيه متقاربة أي: ما يثقل عليهم) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 85، وقد أخرجه من طرق عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد.]]: (وهي الشدائد التي كانت في العبادة؛ كقطع أثر البول، وقتل النفس في التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وتتبع العروق من اللحم).
قال ابن قتيبة: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ﴾ تحريم الله عليهم كثيراً مما أطلقه الله لأمة محمد ﷺ، وجعله أغلالًا لأن التحريم يمنع، كما يقبض الغُل اليد فاستعيرت) [["تأويل مشكل القرآن" ص 148، وانظر: "تفسير غريب القرآن" ص 181، وقال القرطبي 7/ 300: (الأغلال عبارة مستعارة لتلك الأثقال، هذا قول جمهور المفسرين) اهـ.]].
وقال الزجاج: (الأغلال تمثيل؛ ألا ترى أنك تقول: قد جعلت هذا طوقًا في عنقك، وليس هناك طوق، وإنما تأويله: أني قد وليتك هذا وألزمتك القيام [به] [[لفظ: (به) ساقط من (ب).]]، فجعلت لزومه [[في: (أ): (لزومه له) وفي "معاني الزجاج" 2/ 381 (لزومه لك).]] كالطوق في عنقك. قال: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أنه من قَتَل قُتِل لا تقبل في ذلك ديةٌ، وكان عليهم إذا أصاب جلودهم شيء من البول أن يقرضوه، وكان عليهم أن لا يعملوا في السبت) [["معاني الزجاج" 2/ 381، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 91.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح [[المسُوح جمع مِسْح: وهو الكساء من الشعر، انظر: "اللسان" 7/ 4198 (مسح).]]، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم تواضعًا لله) [[ذكره الرازي 15/ 25، بلا نسبة.]]، فعلى هذا القول الأغلال غير مستعارة.
وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾، قال ابن عباس: (يعني: من اليهود) [["تنوير المقباس" 2/ 132.]]، ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾، (يريد: وقروه) [[أخرجه الطبري 9/ 85، وابن أبي حاتم 5/ 1585 بسند جيد عن ابن عباس قال: (حموه ووقروه) وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 147، و"اللسان" 5/ 2925 (عزر).]]، وقد ذكرنا الكلام في معنى التعزير مستقصى عند قوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: 12].
﴿وَنَصَرُوهُ﴾ أي: على عدوه، ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾، قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 86، والسمرقندي 1/ 574، والماوردي 2/ 269.]]: (يعني: القرآن).
وقال عطاء: (يريد: الهدى والبيان والرشاد) [[ذكره الرازي 15/ 25، بلا نسبة.]].
وقال الزجاج: (أي: اتبعوا الحق الذي بيانه في القلوب كبيان النور) [["معاني الزجاج" 2/ 382، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 91.]].
7:157Page 170
ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٥٧
Those who follow the Messenger, the unlettered prophet, whom they find written [i.e., described] in what they have of the Torah and the Gospel, who enjoins upon them what is right and prohibits them from what is wrong and makes lawful for them what is good and forbids them from what is evil and relieves them of their burden1 and the shackles which were upon them.2 So they who have believed in him, honored him, supported him and followed the light which was sent down with him - it is those who will be the successful.
No commentary for this ayah
7:158Page 170
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٨
Say, [O Muḥammad], "O mankind, indeed I am the Messenger of Allāh to you all, [from Him] to whom belongs the dominion of the heavens and the earth. There is no deity except Him; He gives life and causes death." So believe in Allāh and His Messenger, the unlettered prophet, who believes in Allāh and His words, and follow him that you may be guided.
No commentary for this ayah
7:159Page 170
وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٥٩
And among the people of Moses is a community1 which guides by truth and by it establishes justice.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾، قال ابن عباس: (يريد: يدعون إلى الحق) [["تنوير المقباس" 2/ 133، وهو قول الأكثر، انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 575، الثعلبي 199 أ، والبغوي 3/ 290، وابن الجوزي 3/ 274، والرازي 15/ 32.]].
قال الزجاج: (أي: يدعون الناس إلى الهداية بالحق) [["معاني الزجاج" 2/ 382.]]. ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: يعملون) [["تنوير المقباس" 2/ 133.]]. وقال الزجاج: (وبالحق يحكمون) [["معاني الزجاج" 2/ 382.]]، والعَدْل: الحكم بالحق، يقال: هو يقضى بالحق، ويعدل، وهو حكم عادل [[هذا قول الليث في "تهذيب اللغة" 3/ 2358، وانظر: "العين" 2/ 38، و"الجمهرة" 2/ 663، و"الصحاح" 5/ 1760، و "مقاييس اللغة" 4/ 246، و"المجمل" 3/ 651، و"المفردات" ص 551، و"اللسان" 5/ 2838 (عدل).]]، ومنه قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 129]. وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: 152].
واختلفوا في هذه الأمة العادلة من قوم موسى، فأكثر المفسرين قالوا: (إنهم قوم وراء الصين آمنوا بالنبي ﷺ وتركوا تحريم السبت، يجمعون، ولا يتظالمون، ولا يتحاسدون، لا يصل إلينا منهم أحد، ولا منّا إليهم، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه يستقبلون قبلتنا)، وهذا معنى قول عطاء والكلبي والربيع والضحاك وابن جريج والسدي [[أخرجه الطبري 9/ 88، بسند جيد عن ابن جريج والسدي، وذكره الثعلبي 199 أ، عن عطاء، والكلبي، والربيع، والضحاك، وابن جريج، والسدي، وذكره البغوي 3/ 290، الخازن 2/ 300، عن الكلبي، والضحاك والربيع، وذكره الماوردي == 2/ 270، وابن الجوزي 3/ 274، عن ابن عباس والسدي، وهذا قول غريب ضعفه: ابن عطية 6/ 109، والرازي 15/ 31، والخازن 2/ 300، الألوسي 9/ 85، وقال محمد أبو شهبة في "الإسرائيليات والموضوعات" ص 206: (هذا من خرافات بني إسرائيل وأسانيدها ضعيفة واهية، وليس هناك ما يشهد لها من عقل ولا نقل صحيح، وهي مخالفة للمعقول، والمشاهد الملموس) اهـ. بتصرف.]].
وقال أهل النظر [[انظر: "إعراب النحاس" ص 644، و"تفسير الماوردي" 2/ 270، وابن الجوزي 3/ 275.]]: (هم قوم كانوا مستمسكين بالحق في وقت ضلالتهم بقتل أنبيائهم)، وقيل [[هذا قول الكلبي كما ذكره الماوردي 2/ 270، وابن الجوزي 3/ 274، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 291، والظاهر أن الآية عامة تشمل الذين تمسكوا بالحق وبه يعدلون في زمن موسى عليه السلام والذين آمنوا بمحمد ﷺ وهو اختيار محمد أبو شهبة في "الإسرائيليات والموضوعات" ص 208.]]: (إنهم من آمن بالنبي ﷺ كابن سلام [[هو عبد الله بن سلام بن الحارث الخزرجي أبو يوسف الإسرائيلي، تقدمت ترجمته.]] وغيره من مؤمني أهل الكتاب).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences