Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:190–194
7:190Page 175
فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٩٠
But when He gives them a good [child], they1 ascribe partners to Him concerning that which He has given them. Exalted is Allāh above what they associate with Him.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾.
قال المفسرون [[ذكره عن المفسرين ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص 258، والواحدي في "الوسيط" 2/ 283، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 400، و"تفسير غريب القرآن" 1/ 184، و"معاني الزجاج" 2/ 395، و"الكامل" لابن الأثير 1/ 45، والقرطبي 7/ 338.]]: (لما حملت حواء أتاها إبليس في غير صورته التي عرفته حواء، وقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت ما أدري. قال: إني أخاف أن يكون بهيمة أو كلبًا أو خنزيرًا، وما يدريك من أين يخرج أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك، فخافت حواء، فذكرت ذلك لآدم، فلم يزالا في هم من ذلك، ثم أتاها، وقال: إن سألت الله أن يجعله خلقًا سويًّا مثلك، ويسهل عليك خروجه حتى تلقيه من بطنك سهلاً أتسمينه [[في (ب): "تسميه".]] عبد الحارث؟ ثم لم يزل بها حتى غرّها، فلما ولدت ولدًا سويَّ الخلق سمته عبد الحارث برضا آدم وعلمه، وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث فذلك قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾)، أي: لما آتاهما ولدًا سويًا ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ قال ابن عباس [[أخرجه الطبري 9/ 146، وابن أبي حاتم 5/ 1633 - 1634، من طرق يقوي بعضها بعضًا، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ضعيف عن ابن عباس عن أبي بن كعب، وأخرج أيضًا من طريق جيد رجاله رجال الصحيح عن ابن عباس قال: (في هذه الآية ما أشرك آدم وإن أولها شكر وإن آخرها مثل) اهـ. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 277، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وفيه: (وآخرها مثل ضرب لمن بعده).]]. (يريد: في تسميتهما [[في (ب): (في تسميتها).]] عبد الحارث).
و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قال الفراء: (﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ إذ قالت: عبد الحارث، ولا ينبغي أن يكون عبدًا إلا لله [[في (ب): (إلا الله)، وهو تحريف.]]. قال: ولم تعرفه أنه إبليس) [["معاني الفراء" 1/ 400.]].
وذكر ابن زيد (إن النبي ﷺ قال: "خدعهما مرتين، خدعهما [[لفظ: (خدعهما) ساقط من (ب).]] في الجنة، وخدعهما في الأرض") [[أخرجه الطبري 9/ 150، وابن أبي حاتم 5/ 1635 بسند جيد عن عبد الرحمن بن زيد وهو مرسل ضعيف وعند ابن أبي حاتم: (قال رسول الله ﷺ: "خدعهما مرتين"). قال زيد بن أسلم: (خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض).
وذكره الثعلبي 6/ 30 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 283، والبغوي 3/ 313 ، والسيوطي في "الدر" 3/ 277.]].
وهذا الذي ذكرنا معنى قول سعيد بن جبير [[أخرجه الطبري 9/ 147، وابن أبي حاتم 5/ 1634 من طرق جيدة.]] والكلبي [[لفظ: (والكلبي) ساقط من (ب)، وقد أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 245، بسند جيد عن الكلبي، وذكره هود الهواري 2/ 65، والثعلبي 6/ 29 أ.]] وأكثر أهل التفسير [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 146 - 149، والسمرقندي 1/ 588، والثعلبي 6/ 28 ب، والماوردي 2/ 286 - 287، و"الدر المنثور" 3/ 277، وقال الطبري: (أجمع أهل التأويل على أن المعني بذلك: آدم حواء، وأنهما ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ في الاسم لا في العبادة) اهـ. بتصرف.
وقد أخرج أحمد والترمذي رقم (3077) كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأعراف، والطبري 9/ 146، وابن أبي حاتم 5/ 1635، والحاكم في "المستدرك" 2/ 545 كلهم عن عمر بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: (لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسموه عبد الحارث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره) اهـ.
قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عمر عن قتادة ورواه بعضهم ولم يرفعه) اهـ.
وأخرجه ابن عدي في "الكامل" 6/ 89، وقال: (هذا لا أعلم يرويه عن قتادة غير عمر وحديثه عن قتادة مضطرب وهو مع ضعفه يكتب حديثه) اهـ، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي في "التلخيص" وقال في "الميزان" 3/ 179: (هو حديث منكر) اهـ، والحديث ضعيف لأن فيه عمر بن إبراهيم العبدي قال الحافظ في "التقريب" ص 410 رقم (4864): (صدوق، في حديثه عن قتادة ضعف) اهـ. وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 304 - 305، و"البداية والنهاية" 1/ 96: (الحديث معلول من ثلاثة أوجه: أحدها: أن عمر وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، الثاني: أنه روى موقوفًا على سمرة، كما أخرجه الطبري 13/ 310، وهذه علة قادحة في الحديث، وهو أشبه، والمقطوع أن رفعه خطأ والصواب وقفه، الثالث: أن الحسن البصري فسر الآية بغير هذا فلو كان == عنده عن سمرة مرفوعًا لما عدل عنه وقد أخرج تفسيره الطبري 9/ 148 بأسانيد صحيحة ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله ﷺ لما عدل عنه هو ولا غيره ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي ويحتمل أنه تلقاه من بعض من آمن من أهل الكتاب) اهـ. مجموع بتصرف.
أما الآثار عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فجزم ابن كثير في "تفسيره" 2/ 306 أنها مأخوذة عن أهل الكتاب قال: (روى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه، وقد تلقى هذه الآثار عن ابن عباس جماعة من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة وكأنه والله أعلم أصله مأخوذ من أهل الكتاب، وهذه الآثار يظهر عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب وأخبارهم على ثلاثة أقسام، فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافة من الكتاب والسنة أيضاً، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته وهو الذي لا يصدق ولا يكذب، وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث فيه نظر، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث) اهـ. ملخصًا.
وكذلك ضعف الحديث وجعل الروايات من الإسرائيليات ابن العربي في "أحكام القرآن" 2/ 819 - 820، والقرطبي 7/ 337، والألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" 1/ 348 رقم 342، والشيخ محمَّد بن صالح العثيمين في القول المفيد على كتاب "التوحيد" 3/ 67، ومحمد أبو شهبة في الموضوعات والإسرائيليات في كتب "التفسير" ص 209 - 215، وانظر: "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" 2/ 614، و"الدر النضيد على أبواب التوحيد" ص 285، و"تخريج الأحاديث المنتقدة في كتاب التوحيد" للشيخ فريج صالح البهلال ص 109.]].
واختلف القراء في قوله: ﴿شُرَكَاءَ﴾. فقرأ نافع [[قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم: (جَعَلاَ لَهُ شِرْكَا) بكسر الشين وسكون الراء وتنوين الكاف من غير مد ولا همز، وقرأ الباقون: ﴿شُرَكَاءَ﴾ بضم الشين وفتح الراء والمد وهمزة مفتوحة من غير تنوين جمع شريك. == انظر: "السبعة" ص 299، و"المبسوط" ص 187، و"التذكرة" 2/ 430، و"التيسير" ص 115، و"النشر" 2/ 273.]] وأبو بكر.
﴿شِرْكاً﴾ بكسر الشين، وهذا يتوجه على حذف المضاف بتقدير: جعلا له ذا شرك أو ذوي شرك، فإذا جعلا له ذوي شرك فقد جعلا له شركاء، فالقراءتان تؤولان إلى معنى واحد، والضمير في: ﴿لَهُ﴾ يعود إلى اسم الله كأنه ﴿وجَعَلَا﴾ لله ﴿شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. قال أبو الحسن [["معاني الأخفش" 2/ 216.]]: (وكان ينبغي لمن قرأ: (شركًا) أن يقول المعنى: (جعلا لغيره شركًا)؛ لأنهما لا ينكران أن الأصل لله عز وجل، فالشرك إنما يجعل [[في (أ): (يجعله).]] لغيره)، حكاه الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 396.]] وأبو علي هذا [[كذا في الأصول أي: حكاه أبو علي عن الأخفش، و"الحجة" 4/ 111 - 112، وفي "معاني الأخفش" 2/ 316: (قال بعضهم: (شركًا) لأن الشرك إنما هو الشركة، وكان ينبغي في قول من قال هذا أن يقول: فجعلا لغيره شركًا فيما آتاهما) اهـ، وذكر النحاس في "إعرابه" 1/ 656.]] عن أبي الحسن، ثم قال الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 396، ومثله قال النحاس في "إعرابه" 2/ 656 - 657.]]: (هذا على معنى: جعلا له ذا شرك، فحذف ذا، مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82].
وقال أبو علي: (يجوز أن يكون الكلام على ظاهرة ولا يقدر حذف المضاف في قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ﴾، وأنت تريد لغيره، ولكن [[لفظ: (ولكن) ساقط من (أ).]] تقدر حذف المضاف إلى شركٍ، كما ذكرنا [[جاء بعده في "الحجة" 4/ 112: (فيكون المعنى: جعلا له ذوي شرك وإذا جعلا له ذوي شرك وإن في المعنى مثل جعلا لغيره شركًا) اهـ.]] فلا يحتاج إلى تقدير: جعلا لغيره شركًا؛ لأن تقدير حذف المضاف من شرك بمنزلة جعلا لغيره شركًا) [["الحجة" لأبي علي 4/ 111 - 112.]]، وتقدير [[انظر: "المشكل" 1/ 307، و"البيان" 1/ 381، و"التبيان" 1/ 398، و"الفريد" 2/ 394، و"الدر المصون" 5/ 535.]] حذف المضاف من ﴿شركًا﴾ أحسن وأولى من تقدير حذفه من قوله: ﴿لَهُ﴾ [[لفظ: (له) ساقط من (ب).]].
قال الزجاج: (ومن قرأ ﴿شركًا﴾ فهو مصدر شركت الرجل [[في (ب): (شركت بالرجل)، وهو تحريف.]] أشركه شركًا) [["معاني الزجاج" 2/ 396.]]، ومن قرأ ﴿شُرَكَاءَ﴾ فحجته [[هذا من "الحجة" لأبي علي 4/ 112، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 431، و"إعراب القراءات" 1/ 216، و"الحجة" لابن خالويه ص 168، لابن زنجلة ص 304، و"الكشف" 1/ 486.]] قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: 16]، وأراد بالشركاء في هذه الآية إبليس، أوقع الجمع موقع الواحد، وذلك أن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين [[انظر: "تفسير الطبري" 149.]]، فإن قيل: كيف أضيف الشرك إلى آدم وحواء مع منزلتهما من دين الله؟، والجواب عن هذا: ما روي عن قتادة أنه قال: (أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة) [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 245، والطبري 9/ 147، وابن أبي حاتم 5/ 1634 ، و"الداني في المكتفى" ص 283 من عدة طرق جيدة وذكره يحيى بن سلام في "التصاريف" ص 106، السمرقندي 1/ 588، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 279 ، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد وابن المنذر) قال: و (أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس مثله) وذكره الثعلبي 6/ 30 أعن المفسرين.]]، يعني: أنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه، وقد يطلق اسم العبد مضافًا إلى من لا يراد أنه مملوك له كقوله [[البيت لحاتم الطائي في "ديوانه" ص 44، و"تفسير الثعلبي" 6/ 30 أ، والقرطبي 7/ 339، وهو لقيس بن عاصم المنقري في "الكامل" للمبرد 2/ 179، وللمقنع الكندي في "أمالي القالي" 1/ 281، وبلا نسبة في: "عيون الأخبار" 1/ 266، و"الوسيط" للواحدي 2/ 284، و"تفسير ابن الجوزي" 3/ 353، والرازي 15/ 88، والخازن 2/ 325 وعجزه:
وما فيَّ إلا تلك من شيمة العبدِ]]:
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا
يريد: أنه خاضع له مطيع، ولم يرد أن الضيف ربه، وقد يقع الاشتراك في الاسم مع وقوع اختلاف في المعنى كما يقال لمملوك زيد: هذا عبد زيد، ثم يقال: إنه عبد الله، فقد جمعهما اللفظ، والمعنى مختلف [[ذكر الطبري في "تفسيره" 9/ 148: (إجماع أهل التأويل على أن المراد الشرك في الاسم لا في العبادة).]]، يدل على صحة هذا المعنى ما روي أنه قيل لسعيد بن جبير: (أشرك آدم؟ فقال: معاذ الله، ولكن حواء لما حملت أتاها إبليس فقال: أخبريني عن الذي في بطنك أتلدينه من عينك أم من فيك أم من أنفك؟ قالت: لا علم لي [[لفظ: (لي) ساقط من (ب).]] بذلك.
قال: فإن سألت الله عز وجل أن يسهل أمر الولادة عليك أتسمينه باسمي؟ قالت: نعم، وخبرها أن اسمه الحارث، فلما ولدت سمت الولد عبد الحارث، فذلك قول الله عز وجل: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 148، و"التاريخ" 1/ 149 بسند ضعيف.]].
قال أبو علي: (فعلى هذا التقدير: جعل أحدهما، فحذف المضاف كقوله: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31].
وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22]) [["الحجة" 4/ 112 - 113 وزاد فيه: (فيكون الذي جعل له شركًا أحدهما ويخرج آدم من أن ينسب إليه ذلك) اهـ.
وهذا القول رجحه صديق خان في "فتح البيان" 5/ 99 - 103، وأطال في تقريره قال: (الجاعل هو حواء دون آدم ولم يشرك آدم قط، وعلى هذا فليس في الآية إشكال، والذهاب إلى ما ذكرناه متعين تبعاً للكتاب والحديث وصونًا لجانب النبوة عن الشرك بالله تعالى، والذي ذكروه في تأويل الآية يرده كله ظاهر الكتاب والسنة، والقول بأنها سمته بإذن آدم يحتاج إلى دليل ولعلها سمته بغير إذنه ثم تابت من ذلك، وصحة إطلاق المثنى على المفرد شائع في كلام العرب وفي القرآن من ذلك الكثير، ولكنهم لم يذهبوا إليه في هذا الآية مع كونه ظاهر الأمر وواضحه ، ومع أنهم ذكروه وذهبوا إليه في مواضع من القرآن والحديث، وهذا عجيب منهم غاية العجب) اهـ. ملخصًا.]]، وهذا يوضح أن حواء ما قصدت الإشراك بالله من حيث الكفر، ولكن قصدت بالتسمية أن الحارث كان سبب سلامة الولد وسلامة أمه، وعلى هذا ينقطع الكلام عند قوله: ﴿آتَاهُمَا﴾.
ثم قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [[في (ب): (تعالى)، وهو تحريف.]]. فعاد إلى الخبر عن الكفار ونزه نفسه عن إشراكهم فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: أهل مكة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 284، وذكره الثعلبي 6/ 30 أ، والبغوي 3/ 314 بلا نسبة.]].
وقال عبد الله بن مسلم: (وإنما جعلا له الشرك بالتسمية لا بالنية والعقد، وانتهى الكلام في قصة آدم وحواء، ثم ذكر من أشرك بالعقد والنية من ذريتهما فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ولو كان أراد آدم وحواء لقال: عما يشركان، وهذا يدلك [[في (ب): (يدل).]] على العموم) [["تأويل مشكل القرآن" ص 259.]]، ونحو هذا قال مقاتل، قال: (انقطع الكلام [[قال الداني في "المكتفى" ص 282: (قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا﴾ وقف كافٍ عند أصحاب الوقف وهو عندي تام لأنه انقضاء قصة آدم وحواء عليهما السلام، وقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يريد مشركي العرب) اهـ.
وانظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 674، و"القطع" للنحاس 1/ 268.]] عند قوله: ﴿فِيمَا آتَاهُمَا﴾. ثم ذكر كفار مكة فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾) [["تفسيرمقاتل" 2/ 80.]]. قال [[في (ب): (ثم قال).]] السدي: (هذا من الموصول والمفصول يعني: قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ في شأن آدم وحواء، ثم قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: عما يشرك المشركون، لم يعنهما) [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 246، والطبري 9/ 149، وابن أبي حاتم 5/ 2635 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 179، وهذا القول هو اختيار الطبري في "تفسيره" 9/ 148، والشيخ محمَّد بن صالح العثيمين في "القول المفيد على كتاب التوحيد" 3/ 67.]].
وقال أبو بكر: (قال طائفة من أهل العلم: الذين جعلوا لله شركاء اليهود [[لفظ: (اليهود) ساقط من (ب)]] والنصارى وغيرهم من الكفار الذين هم أولاد آدم وحواء عليهما السلام، وتأويل الآية: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ جعل أولادهما له شركاء، فحذف المضاف) [[ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 304.]]. وهذا معنى قول الحسن وقتادة وعكرمة، قال الحسن: (عني بهذا من أشرك من ذرية آدم ولم يعن آدم) [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 245، والطبري 9/ 148، من طرق جيدة، وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 305: (أخرجه ابن جرير عن الحسن بأسانيد صحيحة وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية) اهـ.]].
وروى سعيد [[سعيد هو راوية قتادة وأثبت الناس فيه، سعيد بن أبي عروبة البصري، إمام ثقة، تقدمت ترجمته.]] عن قتادة أنه كان يقول هذه الآية ويقول: (هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصّروا) [[أخرجه الطبري 9/ 148، وابن أبي حاتم 5/ 1634 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 279، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد، وابن المنذر).]]. وقال عكرمة: (جعلها لمن بعد آدم ممن أشرك بالله) [[ذكره النحاس في "معانيه" 3/ 116، والثعلبي 6/ 30 ب، والبغوي 3/ 314، والقرطبي 7/ 339.]].
ويتوجه قول هؤلاء على ما ذكرنا من حذف المضاف، وهو اختيار ابن كيسان؛ لأنه قال: (هم الكفار جعلوا له شركاء، سموا أولادهم عبد العزى، وعبد اللات، وعبد مناة) [[ذكره الثعلبي 6/ 30 ب، والبغوي 3/ 314، والخازن 2/ 325، وهذا القول هو الظاهر الذي عليه أهل التحقيق، وقد استحسنه البغوي 3/ 314، والخازن 2/ 325، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 116: (هذا القول أولى والله أعلم، من أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام مثل هذا) اهـ.
وقال في "إعرابه" 2/ 167: (هذا قول حسن)، وقال القرطبي 7/ 339: (هذا قول حسن وهو الذي يعول عليه) اهـ.
وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 440: (من جعل الخطاب للناس وليس المراد في الآية بالنفس وزوجها آدم وحواء أو جعل الخطاب لمشركي العرب ولقريش فيتسق الكلام اتساقًا حسنًا من غير تكَلف تأويل ولا تفكيك). == وقد اختار هذا القول الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 2/ 305 - 306، وأطال في تقريره فأجاد وأفاد -رحمه الله تعالى-، وانظر: "الكشاف" 2/ 138، وابن عطية 6/ 174 - 176، والرازي 15/ 86.]].
7:191Page 175
أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ١٩١
Do they associate with Him those who create nothing and they are [themselves] created?
قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: أيعبدون ما لا يقدر أن يخلق شيئًا ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ يريد وهم مخلوقون [[في (ب): (وهم المخلوقون).]]، يعني: الأصنام) [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 147، و"معاني الفراء" 1/ 400.]].
فإن قيل: كيف وحد ﴿يَخلُقُ﴾ وجمع فقال: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وجعل الواو والنون في جمع غير الناس؟ فقال ابن الأنباري: (أما الجمع بعد التوحيد فسائغ [[في (ب): (فشائع).]] من قبل أن ما يقع على الواحد والاثنين والجميع و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] المؤنث بلفظهما، وأوقعها الله عز وجل على الأصنام المعبودة من دونه فوحد ﴿يَخلُقُ﴾ للفظها وبيّن معناها في قوله جل وعز ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، وأما جمعه الفعل بالواو والنون وأصحابه غير ناس [[انظر: "الكتاب" 2/ 47، و"المقتضب" 2/ 244، و"المغني" لابن هشام 2/ 365.]] فالحجة فيه أن الأصنام لما ادعى عابدوها أنها تعقل وتميز ووصفوها بالسمع والخلق، أجريت مجرى الناس، فجعلت علامة جمعها كعلامة جمع أفعال الناس، وجرى هذا مجرى قوله عز وجل: ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40]، وقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18].
وقول الشاعر [["الشاهد" للنابغة الجعدي في "ديوانه" ص 4، و"الكتاب" 2/ 47، و"مجاز القرآن" 2/ 38، و"الصاحبي" ص 419، و"وضح البرهان" للغزنوي 1/ 450، و"اللسان" 7/ 4474 (نعش)، وبلا نسبة في: "مجاز القرآن" 1/ 276 و2/ 83 - و93، و"معاني الأخفش" 2/ 424، و"المقتضب" 2/ 224، و"تهذيب اللغة" 4/ 3611، و"الصحاح" 3/ 1022 (نعش)، و"دلائل الإعجاز" ص 137، و"المغني" لابن هشام 2/ 365، وفي "الديوان": شربت بها والديك، وقوله: تمززتها، يعني: الخمر، أي: تمصص الشراب قليلاً قليلاً، مزه يمزه، أي مصه، وبنو نعش: أي بنات نعش وهي منازل القمر شبهت بحملة النعش في تربعها وتصوبوا، دنوا من الأفق للغروب، والشاهد: تذكير بنات نعش لأنه أخبر عنها بالدنو والتصوب كما يخبر عن العقلاء، انظر: "شرح شواهد سيبويه" للنحاس ص 114، و"اللسان" 7/ 4474 (نعش)، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 783، و"الخزانة" 8/ 82.]]:
تمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعشٍ دنوا فتصوبوا) [[ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 304، وانظر: "تفسير الطبري" 19/ 59، و"الدر المصون" 5/ 536.]]
قال أصحابنا: (هذه الآية تدل على أن من لا يقدر على الخلق لا يستحق العبادة، ولا يقدر على خلق القليل والكثير غير الله، فلا يستحق العبادة غيره، والقدرية تقول: إن العباد يخلقون أفعالهم وهي مخلوقة لهم لا لله) [[انظر: "تفسير الرازي" 15/ 90.]].
7:192Page 175
وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ لَهُمۡ نَصۡرٗا وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٢
And they [i.e., the false deities] are unable to [give] them help, nor can they help themselves.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: إن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تنتصر ممن عصاها) [["تنوير المقباس" 2/ 147، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 284.]].
وقال أهل المعاني في قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾: (النَّصر المعونة [[انظر: "العين" 7/ 108، و"الجمهرة" 2/ 744، و"تهذيب اللغة" 4/ 3584، و"الصحاح" 2/ 829، و"مقاييس اللغة" 5/ 435، و"المفردات" ص 808، و"اللسان" 7/ 4439 (نصر).]] على العدو، يقول [[في (أ): (يقال).]]: هذه الأوثان لا تستطيع معونتهم على عدوهم وهم يعبدونها عبادة من يقدر على ضرهم ونفعهم) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 150، والسمرقندي 1/ 588، والبغوي 3/ 314، وابن عطية 6/ 177، والرازي 15/ 91.]]، وقال الحسن في قوله: ﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾: (أي: ولا يدفعون عن أنفسهم مكروه من أرادهم [[كذا في: (ب)، و"الوسيط" 2/ 284، عن الحسن، وفي: (أ) وكذا عند البغوي 3/ 314، عن الحسن: (من أراد بهم بكسر) والأولى: (ممن أرادهم).]] بكسر أو نحوه) [[انظر: "الدر المنثور" 5/ 536.]].
7:193Page 175
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ ١٩٣
And if you [believers] invite them to guidance, they will not follow you. It is all the same for you whether you invite them or you are silent.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾. يخاطب المؤمنين؛ يقول: إن تدعوا المشركين إلى الهدى، وهو قول ابن عباس والكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 147، وهو اختيار البغوي 3/ 315.]]، قال ابن عباس في هذه الآية: (يريد: إني خذلتهم، وأمليت لهم في الضلالة) [[لم أقف عليه.]]، فدل هذا الكلام على أن المراد بقوله: ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾. المشركون.
قال الكلبي: (وإن تدعوا المشركين إلى الإِسلام) [[ذكره السمرقندي 1/ 588، عن الكلبي قال: (يعني: الآلهة وإن يدع المشركون آلهتهم إلى أمر لا يتبعهم آلهتهم) اهـ.]].
وقال: قوم [[هذا قول الجمهور وحكاه النحاس في "إعرابه" 1/ 657، عن الأخفش، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 150، والثعلبي 6/ 31 أ، والزمخشري 2/ 137، وابن عطية 6/ 177 - 178، والرازي 15/ 91، والخازن 2/ 326، وابن كثير 2/ 307.]]: (وإن تدعوا الأصنام التي عبدوها لا يتبعونكم لأنها لا تعقل). وهو اختيار الفراء [["معاني الفراء" 1/ 401.]]، والآيات السابقة إخبار عن المشركين، وهذه الآية خطاب للمؤمنين، الدليل على ذلك أن المشركين لا يدعون أحدًا إلى الهدى [[قال أبو حيان في "البحر" 4/ 441، والسمين في "الدر" 5/ 537: (الظاهر أن الخطاب للكفار وضمير النصب للأصنام، والمعنى: وإن تدعو آلهتكم إلى طلب هدى ورشاد كما تطلبونه من الله لا يتابعونكم على مرادكم) قال السمين: (ويجوز أن يكون الضمير للرسول والمؤمنين، والمنصوب للكفار أي: وإن تدعوا أنتم هؤلاء الكفار إلى الإيمان) اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾. وقرأ نافع [[قرأ نافع: ﴿يَتَّبِعُوكُمْ﴾ بسكون التاء وتخفيفها وفتح الباء، من تبع، وقرأ الباقون بفتح التاء وتشديدها وكسر الباء من اتبع، انظر: "السبعة" ص 299، و"المبسوط" ص 187، و"التذكرة" 2/ 340، و"التيسير" ص 115، و"النشر" 2/ 274.]] بالتخفيف، وهما لغتان اتبعه اتباعًا وتبعه تبعًا، والمراد به: تركهم الانقياد للحق والإذعان للهدى، والوجه قراءة العامة؛ لأن (اتَّبَع) أكثر في الاستعمال، ألا ترى أنهم أجمعوا على افتعل في قوله: ﴿وَاْتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [[ما تقدم قول أبي علي في "الحجة" 4/ 113 - 114، والجمهور على أنهما بمعنى واحد، وقال بعض أهل اللغة: تبعه مخففًا إذا مضى خلفه ولم يدركه والمعنى: لا يلحقوكم، واتبعه مشددًا إذا مضى خلفه فأدركه، والمعنى لا يسيرون على أثركم ولا يركبون طريقتكم في دينكم، انظر: "معاني القراءات" 1/ 432، و"إعراب القراءات" 1/ 219، و"الحجة" لابن خالويه ص 169، ولابن زنجلة ص 305، == و"الكشف" 1/ 486، و"الدر المصون" 5/ 537، وفيه: (هما لغتان وهو أظهر) اهـ.]] [الأعراف: 176].
وقوله تعالي: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾. مثل قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6]. وذكرنا ما فيه، وهناك عطف الفعل على الفعل، وهاهنا عطف الاسم على الفعل؛ لأن المعنى: أدعوتموهم أم صَمَتُّم، فهما جملتان الأولى مركبة من فعل وفاعل، والثانية من مبتدأ وخبر، ويعود معناها إلى معنى الأولى؛ لأن معناها: صمتم، وقال الفراء: (قوله [[وكذلك حكى سيبويه في "الكتاب" 3/ 64: (عن الخليل أن الآية بمنزلة أم صمتم) وهو قول ابن السراج في "الأصول" 2/ 161، وأبي علي في كتاب "الشعر" 1/ 281 - 2/ 544، وقال في "العسكريات" ص 97، و"البصريات" 1/ 711: (اعلم أن بعض الجمل قد تقوم مقام بعض فمن ذلك قوله عز وجل: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ فهذه التي من الابتداء والخبر موقعة موقع التي هي من الفعل والفاعل ألا ترى أنها معادلة كما هو كذلك فقد عادل بالابتداء والخبر الجملة التي هي من الفعل والفاعل والمعنى: أم صمتم) اهـ.]]: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾. ولم يقل: أم صمتُّم. وأكثر كلام [[في "معاني الفراء" 1/ 401: (وعلى هذا أكثر كلام العرب أن يقولوا ..) اهـ.]] العرب أن يقولوا: سواء عليَّ أقمت أم قعدت، ويجوز سواء عليَّ أقمت أم أنت قاعد.
قال: وأنشدني الكسائي:
سواء عليك الفقر أم بتَّ ليلة ... بأهل القباب من نمير بن عامر [[لم أقف على قائله وهو في: "تفسير الطبري" 9/ 151، وابن عطية 6/ 178، و"البحر" 4/ 442، و"الدر المصون" 5/ 538، وعند الفراء والطبري وأبي حيان: سواء عليك النفر، يريد النفر من مني في أيام الحج وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، والشاهد: سواء عليك الفقر أم بت ليلة حيث عادلت أم بين المفرد في قوله: الفقر، وجملة قوله: بت ليلة، وقال أبو حيان: (عطف الجملة الفعلية على == اسم مقدر بالفعلية إذ الأصل سواء عليك أنفرت أم بت فأوقع النفر موقع أنفرت) اهـ. والقباب، بالكسر، جمع قبَّة -بالضم- بناء من بيوت العرب معروف، انظر: "اللسان" 6/ 3507 (قبب)، ونمير بن عامر بن صعصعة، انظر: "نهاية الأرب" ص 385.]] وأنشد بعضهم:
..... أو أنت بائت) [["معاني الفراء" 1/ 40، ومثله قال الطبري 9/ 151.]]
وقال غيره من أهل المعاني [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 657، و"غرائب الكرماني" 1/ 431، و"الكشاف" 2/ 138، و"التبيان" ص 398، و"الفريد" 2/ 395، و"الدر المصون" 5/ 538، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 442: (الآية من عطف الجملة الاسمية على الفعلية، وكانت الجملة الثانية اسمية لمراعاة رؤوس الآي، ولأن الفعل يشعر بالحدوث واسم الفاعل يشعر بالثبوت والاستمرار، فكانوا إذا دهمهم أمر معضل فزعوا إلى أصنامهم، وإذا لم يحدث بقوا ساكتين فقيل: لا فرق بين أن تحدثوا لهم دعاء وبين أن تستمروا على صمتكم فتبقوا على ما أنتم عليه من عادة صمتكم وهي الحالة المستمرة) اهـ.]]: (إنما قال: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ ولم يقل: أم صمتم لإفادة الماضي والحال، و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] ذلك أن المقابلة بـ (دعوتم) قد دلت على معنى الماضي، واللفظ قد دل على معنى الحال).
وقال صاحب النظم: (قوله ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ ظاهر هذا النظم أن الاستواء واقع بالداعين، وهو [[في (ب): (وهي)، وهو تحريف.]] في المعنى واقع بالمدعوين [[في (أ): (واقع بالمدعو).]]؛ لأن حال الداعي في الدعاء والصمات مختلفة، وإنما يتفق ويستوي على المدعوين لأنها أصنام لا تسمع ولا تجيب، فاستوى [[في (ب): (واستوى).]] عليها الدعاء والصمات، وإنما جاز ذلك وحسن لأنه إذا استوى عليها الدعاء والصمات كان مرجع هذا الاستواء إلى الداعين لأنهم إنما يدعون ليجابوا، وإذا لم يجابوا بشيء استوى عليهم الدعاء والصمات.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ تأويله: أم صمتم، وإنما جاز هذا النظم لأن رؤوس الآيات كانت على النون [[مجموع فواصل آيات الأعراف: (ن، م، د، ل) الدال في الآية الأولى، واللام في الآيتين 105، 134، والميم في الآيات 16، 73، 59، 109، 112، 116، 141، 153، 167، 200، والباقي بالنون.]]، وهذا النظم وإن كان قليلاً فقد تكلمت العرب بمثله.
قال الأعشى [["ديوانه" ص 149، و"الكتاب" 3/ 51، و"المحتسب" 1/ 195، و"الصاحبي" ص 470، و"الأمالي" ابن الشجري 2/ 219، و"الدر المصون" 4/ 82، و"المغنى" 2/ 693، والرواية عندهم:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل
وأوله في الديوان:
قالوا الركوب فقلنا تلك عادتنا
ويروى: قالوا الطرادُ. وهو من معلقته المشهورة، والشاهد: عطف الجملة الاسمية، أو أنتم تنزلون على جملة الشرط (إن تركبوا)، وقيل: هو عطف توهم كأنه قال. أتركبون فذلك عادتنا أو تنزلون في الحرب فنحن معروفون بذلك، انظر: "شرح القصائد" للنحاس 2/ 153، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 565 - 568، و"الخزانة" 8/ 552.]]:
إن تركبوا فظهور [[لفظ: (فظهور)، (ونزلتم) لم أقف عليها إلا في هذه الرواية.]] الخيل عادتنا ... وإن نزلتم فإنا معشر نزل معناه: إن تركبوا ركبنا، وإن تنزلوا نزلنا، فأجاب الشرطين وهما فعلان بخبرين اسمين؛ لأن فيهما دليلًا على الفعل المضمر) [[لم أقف عليه.]].
7:194Page 175
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٩٤
Indeed, those you [polytheists] call upon besides Allāh are servants [i.e., creations] like you. So call upon them and let them respond to you, if you should be truthful.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [[في (أ): (يدعون) بالياء والمشهور بالتاء، وذكر ابن خالويه في "الشواذ" ص 48، أنه قرئ بالياء.]]. قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 151، و"معاني النحاس" 3/ 117، والسمرقندي 1/ 589، والثعلبي 6/ 31 أ.]]: (يعني: الأصنام)، وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: الملائكة) [[لم أقف عليه، وحكاه البغوي 3/ 315، والخازن 2/ 326 عن مقاتل، وقالا: (والأول أصح) اهـ.
وفي "تفسير مقاتل" 2/ 81 قال: (يعني: تعبدون ﴿دُونِ الله﴾ من الآلهة ﴿إنهم عباد أمثالكم﴾ وليسوا بآلهة).]]، وهذا القول ضعيف من جهتين أحدهما: إن المشركين في ذلك الوقت كانوا يعبدون الأصنام لا الملائكة، ولأنه قال بعد هذه الآية ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ الآية [الأعراف:195]. فدلت هذه أنه يريد الأصنام التي هي جماد لا توصف بالأيدي الباطشة والأرجل الماشية [[انظر: "البحر" 4/ 443 - 444.]]، وقد مضى القول في أن الأصنام لما جمعت جمع ما يعقل في قوله: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: 191].
ومعنى الدعاء المذكور هاهنا يحتمل أن يكون العبادة، ويحتمل أن يكون التسمية، كأنه قيل: إن الذين تدعون آلهة من دون الله، ومعنى ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ غير الله.
وقوله: ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾. قال الكلبي: (مملوكون أمثالكم) [["تنوير المقباس" 2/ 148، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 285، وهو قول الطبري 9/ 151، والسمرقندي 1/ 589، والبغوي 3/ 315.]]، وقال الأخفش: (﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في التسخير) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 285، ولم أقف عليه عند غيره.]] فعلى هذا معنى ﴿عِبَادٌ﴾ أي: مسخرون مذللون لأمر الله، ومنه سمي الرقيق عبدًا؛ لأنه مسخر بذلك، وقال قطرب: (مخلوقة أمثالكم) [[لم أقف عليه.]]. فأما وصفها بأنهم ﴿عِبَادٌ﴾ وهي موات كالحائط والباب والثوب، فقال أبو بكر بن الأنباري: (الأصنام وإن كانت [[في (ب): (كان).]] مواتًا تجري مجرى الباب والثوب والحائط في أنها غير حيوان، فإن المشركين لما ادعوا أنها تعقل وتميز، وتضر وتنفع أجريت مجرى الناس، ولذلك قال: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾، ولم يقل: فادعوهن فليستجبن، ولهذا أيضاً قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ ولم يقل: التي)، وقد سبق [[لم أقف عليه.]] بيان هذا، (فإذا صيرت الأصنام كالناس فأوقع عليها ﴿الَّذِينَ﴾ وقيل في جمعها: فليفعلوا صلح أن يقال لها [[لفظ: (لها) ساقط من (ب).]] ﴿عِبَادٌ﴾، وامتنع ذلك في الأبواب والحيطان والثياب، إذ كانت هذه الأنواع [[في (أ): (الأبواب)، وهو تحريف.]] ما وصفت قط بما يوصف به الناس من العقل والتمييز) [[لم أقف عليه. وانظر: "تفسير الرازي" 15/ 92.]].
وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد: فاعبدوهم هل يثيبونكم [[في (ب): "يثبتونكم".]] أو يجازونكم) [["تنوير المقباس" 2/ 148، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 285، والبغوي 3/ 315، والقرطبي 7/ 342.]].
وقال أهل المعاني: (معنى هذا الدعاء: طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم، وذلك ما يُئِس منه من قبلهم، وعبادة من هذه صفته جهل وسخف، واللام في: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ لام الأمر على معنى التعجيز، وهو طلب الفعل إن أمكن) [[انظر: "تفسير الرازي" 15/ 92.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: إن صدقتم أن لكم عند الأصنام منفعة أو ثوابًا أو شفاعة أو نصرة، قاله ابن عباس [[ذكره البغوي 3/ 515 بلفظ: (﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن لكم عندها منفعة). وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 285 بلا نسبة.]]، وسلك صاحب النظم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ طريقة أخرى؛ فقال: (تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ ﴿إِنَّ﴾ على استفهام، وفي الاستفهام طرف من الإنكار كقوله: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: 6] إلا أنه استثقل همزتان فاقتصر على إحداهما، وقد تستفهم العرب بغير الألف، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: 22] بمعنى: أو تلك على الإنكار، ولا يجوز أن يكون هذا خبرًا؛ لأن تعبيده بني إسرائيل لم يكن منّة عليه، ومثله قول الشاعر [[الشاهد لحضرمي بن عامر الأسدي، وقد سبق.]]:
أفرح أن أرزأ الكرام وأن ... أورث ذودًا شصائصًا نبلا
أراد: أأفرح لأنه ينتفي من ذلك، ولا يرضى أن يقال له ذلك، وإنما قال عز وجل منكراً عليهم أن تكون الأصنام عبادًا أمثالهم لقصورها عن أن تكون مثل العباد في الفهم والسمع والبصر، فحقرها وضعفها بهذا الخبر عن أن تبلغ مبلغ العباد فكيف مبلغ الآلهة، ثم قال عز وجل: فإن كان كما تقولون أنها تنفع وتضر ﴿فَادْعُوهُمْ﴾ إلى آخر الآية) [[لم أقف عليه.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences